المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم

محمد بن أحمد البدور

صفحة ٣ من ٨

33 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم فالحاجة لحسن الفهم، منبثقة عن الحاجة إلى حسن التّطبيق، فالعمل هو ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﱫالمقصود من العلم، يقول ربّنا- سبحانه وتعالى-: ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺﯻ .]9[ ﱪﯼ ﯽ ﯾ ﯿ المطلب الثّاني:اآثار ح إنّ من عقل عن الله مراده، وحسن فهمه لكلامه- سبحانه- تحصّلت له فوائد عظيمة، وكان لذلك من الآثار التي تؤثّر فيه، وتجعله مميّزا بين أقرانه، من ذلك: أوّرلا: تفعيل دور العقل إنّ القرآن يحفّز إلى استعمال العقل، وجعله السّبيل لبلوغ المقصود، وقد جاءت النّصوص دالّة على ذلك، تؤكّد على استعمال العقل، وإطلاق الفكر في البحث والاكتشاف. إنّ حسن الفهم لكتاب الله- تعالى- يبصرّ العباد بما ينفعهم، ويقودهم إلى سبيل الخير، ويجنّبهم سبيل الشرّّ والهلاك، فأعمل علماء التّفسير العقل، واجتهدوا للوصول إلى معنى كلام الله- تعالى-، فهو المصدر الأساس لكل علوم الشرّيعة. إِنَّماَ يتَذَكَّر {قال المحاسبيّ

عدد الصفحات ٣٣

34 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم لأنّه جعل }لقوم يتفكّرون {و}لقوم يعْقلُونَ {، وَقَالَ }أولُوا الأَْلْبَاب العقول معادن الحكمة، ومقتبس الآراء، ومستنبط الْفهم، ومعقل العلم، ونور الأبصار، إِليها يأوي كل محصول، وبها يستدلّ على ما أخبر به من علم الغيوب، فبها يقدرون الأعمال قبل كونها، ويعرفون عواقبها قبل وجودها، وعنها تصدر الجوَارح بالفعال بأمرها، فتسارع إلى طاعتها، أو .)١(تزجرها فتمسك عَن مكروهها ثانيًا: تكوين العقليّرة الموضوعيّرة الّرتي تعتمد المقدّرمات للوصول إلى النّرتائج إنّ القرآن بحسن فهمه ينشئ عقليّة موضوعيّة، لا تقبل نتائج بغير مقدّمات، لا تخضع إلا للحجّة والبرهان، والقرآن يؤصّل ذلك في كثير من المواطن، والذي يسلك سبيل علم التّفسير، لا بدَّ له من هذه القاعدة، حيث يعتمد التفسير على مقدمات وأسباب للوصول إلى حسن فهم الخطاب عن ربّ الأرباب. فعلوم القرآن التي أُلّفت فيها المؤلّفات، إنّما هي في معظمها مقدّمات لبلوغ حسن الفهم لهذا الكتاب العظيم. المحاسبي، الحارث بن أسد أبو عبد الله المحاسبي، فهم القرآن ومعانيه، دار الفكر بيروت، )١( ).67ـ66هـ، تحقيق: حسين القوتل، (ص398الطبعة الثانية

عدد الصفحات ٣٤

35 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم ثالثًا: الارتقاء بالعلم وتعظيم شأنه إنّ تفسير كتاب الله- تعالى- يعتمد على قواعد، وله وسائل وأدوات لا بدّ لطالب هذا العلم أن يتقنها، ويحُسن التعامل معها. وإنّ ممّا ذكره علماء الأمّة، وعدّوه شروطا ينبغي توافرها لدى المفسّ، وصفات لا بدّ من تحقّقها فيمن تصدّى لهذا العلم، ما يوضّح مدى سعة اطّلاع المفسّ، وتمكّنه من كثير من العلوم للوصول إلى حسن فهم الخطاب عن الله -تبارك وتعالى- . وهذه الصّفات والشرّوط للمفسّ تبينّ مدى إبحاره في العلم، حيث إنّ دراسته للتّفسير سببٌ لطلبه الكثير من العلوم الّتي يحتاج إليها في تفسيره، فيأتي اهتمام طالب فهم كتاب الله -تعالى- بالعلم، ويعظم شأن العلم لديه، لحاجته الماسّة إليه، ليتوصّل إلى الفهم الصّحيح لكلام الله- تعالى-، فمن خلال العلم يصل كل طالب إلى فهم كلام الله- تعالى- . رابعًا: الاجتهاد و الإبداع إنّ المفسّ حينما يتحصّل على العلوم الّتي تسعفه في تفسيره، وذلك باجتهاده في تحصيل أكبر قدر من العلوم الّتي تساعده للوصول إلى المراد من كلام الله -تعالى-، كمعرفته لكلام العرب، وعاداتهم، ومعرفة الألفاظ ووجه دلالاتها، ووقوفه على أسباب النّزول، ومعرفته بالنّاسخ والمنسوخ

عدد الصفحات ٣٥

36 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم من آيات القرآن، والمكّي والمدني منها، وغير ذلك ممّا يلزم من الأدوات الّتي يحتاجها في تفسير كلام الله- تعالى-، يجدّ ويجتهد في معرفة هذه الأدوات الموصلة إلى تفسير الآيات، وتظهر نتيجة اجتهاده بوقوفه على معانٍ قد أشكلت على غيره ممّن سبقه، فالقرآن حجة الله الخالدة، ورسالته الباقية، المُصلحة للبشريّة في كلّ زمانٍ، وفي كلّ مكان، فتتجلىّ للمجتهد معاني كلام الله -تعالى-، فتأخذه هذه الأمور بالجملة إلى الإبداع، حيث تتكوّن لديه ملكة تمكّنه من الوصول إلى معاني النّصوص، والوقوف على المراد منها، وإن لم تكن ظهرت لغيره، فيفيد اجتهاده بالتوصّل إلى معنى يحتاجه أهل زمانه الّذي يعيش فيه.

عدد الصفحات ٣٦

37 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم « بما أنّ فهم القرآن يستطيعه كلّ من تكلّم العربيّة، إلا ما عس فهمه، ودقّ معناه، فاحتاج إلى المفسّ المتقن المتخصّص، فإنّ من باب أولى أن يكون التّدبّر الّذي يدعو القرآن إليه؛ باستطاعة كلّ من يقرأ القرآن، ويفقه العربيّة، فالرّابط وثيقٌ بينهما، حيث إنّ الفهم الصّحيح من أهمّ وسائله تدبّر هذا القرآن العظيم، كما أنّ التّفسير توطئة للتّدبّر العميق. المطلب الأول: مفهوم تدبّر القراآن إنّ التّدبّر خصوصيّة لهذا الكتاب العظيم، فقد جاء الترّغيب فيه بنصّ كتاب الله-تبارك وتعالى-، وظاهر هذا الترّغيب هو عامّ لأمّة الإسلام المبحث الثالث التّدبّر

عدد الصفحات ٣٧

38 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم جميعًا، كما نلمح من الآيات الواردة بهذا الخصوص، فهي تؤكّد على أنّ التّدبّر لكلّ القرآن بجميع سوره وآياته، مع أنّ التّدبّر يتحقّق في السّور، والآيات، إلا أنّ تحقّقه على الصّورة الأكمل يكون بتدبّره كاملا، وفي هذا لفت للأنظار إلى الاهتمام بالسّياق، والّذي يصبّ في بيان إعجاز هذا القرآن العظيم وعجيب نظمه. فبتدبّر القرآن، يدرك المتدبّر هذا النّسيج العجيب، الذي لا يستطيعه بشر، فلو لم يكن من عند خالق عظيم عليم حكيم، لوجد المتدبّر فيه اختلافًا كثيرًا، فالمتدبّر للقرآن يدرك أنّه وحدة متماسكة متناغمة، مع أنّه تنزّل خلال ما يزيد على عقدين من الزّمن. فإذا كان التّدبّر النّظر في أعقاب الأمور والنّظر في تأويلات الأشياء، فإنّ الغاية من ذلك الاجتهاد والبحث للوقوف على حقيقة هذا القرآن العظيم، وليتأتّى اليقين في النّفوس على أنّ هذا الكتاب محكمٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وكذلك العمل بمقتضى هذا الفهم. المطلب الثّاني: اآثار تدبّر القراآن إنّ للتّدبّر آثارًا كثيرة، منها ما يتعلّق بالقلب وسلامته، ومنها ما يتعلّق بالعمل وصلاحه، وقد جمع ابن القيّم معظم الآثار المتعلّقة بالقلب بقوله:

عدد الصفحات ٣٨

39 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم « جامع لجميع منازل السّائرين، وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبّة والشّوق والخوف والرّجاء، والإنابة والتوكّل والرّضا، والتّفويض والشّكر والصّبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله، وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة، والتي بها فساد القلب وهلاكه، فلو علم النّاس ما في قراءة القرآن بالتّدبّر، لانشغلوا بها . )١(عن كل ما سواها يظهر من هذا القول لابن القيم- رحمه الله-، عظيم أثر التّدبّر، وقد شمل معظم الآثار المتعلقة بالقلب، وأذكر تاليا بعض آثار التّدبّر التي أرى فيها أهمّية وفائدة ظاهرة تسهم في تصويب السلوك، والدفع تجاه نهضة المجتمعات ورفعة الأمة، مع مراعاة أن التدبر للخواص والعوام، وكلّ أحد يجد ثمرة هذا التّدبّر: الأوّرل: سلامة القلب إنَّ اطمئنان القلب صفة سلامة يرجوها كل إنسان، وهي صفة مرتبطةٌ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ {بهذا الوحي، وتعرّض القلب له ودوام مروره عليه ]8[ }قُلُوبهُُمْ بِذِكْرِ اللهَِّ أَلاَ بِذِكْرِ اللهَِّ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ اسم جامع لكل ما يذكر فيه الله- سبحانه وتعالى- من صلاة، وقراءة ).87/١ مفتاح دار السّعادة ( )١(

عدد الصفحات ٣٩

40 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم للقرآن، ودعاء، وتسبيح وتكبير وتهليل...، والصّلاة تشمل هذا كلّه، ﱪﭟ ﭠ ﭡ ﱫوجاء النّص القرآني يبين ذلك، قال -تعالى-: قال الطّبري في تفسيره ]٤١[ .)١(أقمتها ذكرتني وفي الصّلاة ذكر، لا تقوم الصّلاة إلا به، روى مسلم في صحيحه قلت: أنه قالﷺ من رواية أبي هريرة، عن النبيّ القرآن فهي خداج فقال: اقرأ بها في نفسك. فإنيّ سمعت رسول الله يقول ، )٢(الحديث… قسمت الصّلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل فدلّ على وجوب قراءة الفاتحة، وما تيسّ من القرآن، وإلا فإنّ الصّلاة غير تامّة. فإذا كانت القراءة بالفاتحة، أو ما يتيس من القرآن ركن لا تقوم الصّلاة إلا به، فإنّ الصّلاة من غير قراءة للقرآن، ناقصة غير مكتملة، بمعنى أن الذّكر المشار إليه بالآية غير مكتمل، والنّفع المتحقق بسببه غير حاصل، فعرض القرآن على القلب يصلحه ويحييه، ولا يستغني عنه ولا بحال، ).83/8 تفسير الطّبري)١( مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، المسند الصحيح المختصر بنقل )٢( ).٥) حديث رقم: (69/١، (ﷺالعدل عن العدل إلى رسول الله

عدد الصفحات ٤٠

41 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم وحضور القلب في الصّلاة سببٌ لتحقيق الفائدة مما يُقرأ فيها، والصّلاة في هذه الحالة، تحقّق السّلوك المطلوب، والأمر المقصود منها. الثّراني: التعلق بالآيات ومحبّرتها إنّ التّدبّر يلزمه كثرة التفكر، وترداد الآيات مرارا والتّأمّل فيها، والوقوف عند كلّ جزئيّةٍ منها، وتأمّل كل لفظة، والتفكّر بحروفها، وهذا يستدعي التعلّق والحفظ، ولا أعني الحفظ بمعنى استظهارها فقط، وإنّما الحفظ بمعنى استقرارها في أعماق النّفس، واعتبار ما استقرّ منها في النّفس من النّفائس العظيمة التي يجب المحافظة عليها، والتّلذّذ بتردادها كلّ وقت، روى الترّمذيّ في سننه عن أنس بن مالك- رضي الله عنه -قال: كان رجل من الأنصار يؤمّهم في مسجد قباء، فكان كلّما افتتح سورة يقرأ لهم في الصلاة بها، افتتح بقل هو الله أحد، حتى يفرغ منها، ثمّ يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كلّ ركعة، فكلّمه أصحابه، فقالوا: إنّك تقرأ بهذه السّورة، ثم ترى بأنهّا لا تجزيك حتى تقرأ بسورة أخرى، فإمّا أن تقرأ بها، وإمّا أن تدعها فتقرأ بسورة أخرى، قال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمّكم بها فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرونه أفضلهم، وكرهوا أن يؤمّهم غيره، فلما أتاهم النّبيّ أخبروه الخبر، فقال مما يأمر به أصحابك، وما يحملك أن تقرأ هذه السّورة في كلّ ركعة؟

عدد الصفحات ٤١

42 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم . )١(يارسول الله إني أحبّها، فقال رسول ا لقد تلذّذَ بالتّلفّظ بها على الدوام، وتدَبَّرَها في كلّ ركعة يركعها بين يدي الله- تعالى - استسلاما وخضوعا، وهذا هو حال آي القرآن إذا تدبّرناه، فإنّ التّدبّر يحتاج إلى مزيد تدقيق وتأمّل، والمرور على الآيات مرارا وتكرارا، للظّفر بالفوائد، فإنّ محبة هذه الآيات تستقرّ في النّفس، ويزداد تعلّق المتدبّر بهذه الآيات، ويتلذّذ بتكرارها، وإعادة تأمّلها مرّة بعد مرّة. الثّرالث: الاستنباط و حسن الفهم إنّ تدبّر القرآن هو استجابةٌ لأمر الله- تعالى- وتوجيهه- سبحانه-، لتحصيل الفوائد، والوقوف على اللطائف، واستنباط الأحكام، وهذا الأثر للعلماء فيه النّصيب الأكبر. وبالتّدبّر يتحقّق الاستنباط، فيستنبط المتدبّر الفوائد الجمّة من الآيات، وقد تتميّز سورة بكثرة الفوائد واللطائف المستنبطة منها عن غيرها، كما يتميّز ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﱫأهل العلم بالاستنباط عن غيرهم، قال -تعالى-: ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ يُفهم ]83[ ﱪﮟﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة البوغي أبو عيسى الترمذي، الجامع الصحيح، دار الغرب )١( ) حديث رقم: 69/٥م، تحقيق بشار عواد معروف، ( 998الإسلامي بيروت، الطبعة ).30( )7/١)، وصححه الألباني في تحقيقه لمشكاة المصابيح (١(

عدد الصفحات ٤٢

43 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم من هذا النّص أن الاستنباط خاصّ، وليس للعموم، فقد يستنبط العوامّ بعض الفوائد، ولكن الاستنباط يردّ إلى أهل الاختصاص بنصّ الآية. الرّرابع: الوقوف على الحقائق العلميّرة وهذا القسم أيضاً للعلماء منه الحظ الأوفر، والقسط الأكبر، كما أنه يعتمد على اللون الذي يهتمّ به كل عالمٍ، ولا يمنع أن يصل من يكثر من تدبّر القرآن إلى حقيقة علميّة ثابتة، بفضل تدبّره، لأنّ من ثمرات الانصراف إلى طلب العلم، والانشغال به عن غيره أن يفتح الله على من كان هذا حاله، فالتّدبّر توفيق، وذلك بما يحتاجه من ترك الشّواغل، وتفريغ القلب، وانصراف الفكر، لمحاولة كشف الغطاء عن بعض النّصوص، ومعرفة ما وراءها من الغايات والفوائد واللطائف، ولكن ما يميّز العلماء المهتمّين بهذا الجانب أنهّم ينظرون ويتدبّرون في آيات الله الكونيّة، وهنا يأتي دور التّمايز بين العلماء، حيث يهتمّ بعضهم بالفلك، وبعضهم بالطّبّ، وبعضهم بعلم البحار...، وهكذا. والغاية من الوقوف على هذه الحقائق العلميّة هي التّعرف على قدرة الله -تعالى- وعظمته، وبيان إعجاز هذا القرآن، الذي هو آية الله العظيمة، الذي أنزله لإقامة الحجّة على خلقه، وكما أنّ الإنسان مدعوٌّ لتدبّر الآيات القرآنيّة، فإنّه مدعوٌّ لتدبّر الآيات الكونيّة، فالحقائق العلميّة الّتي تضمّنها القرآن جاءت في سياق الاستدلال على وجود الله -تعالى-، والآيات

عدد الصفحات ٤٣

44 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم الكونيّة المذكورة في القرآن، جاءت في معرض الحديث عن نعم الله- تعالى-، وتسخيرها لينتفع منها الخلق، كما جاءت للتّذكير والتّنبيه على عظمة الخالق، ووجوده من خلال تأمّلها وتدبّرها. الخامس: صلاح العمل إنّ العمل الصّواب الصّالح مرهونٌ بفهم صواب حسن صالح لخطاب الله- تعالى-، فكلام الله -تبارك وتعالى- هو العلم الذي ينبني عليه العمل، ﯲ ﯳ ﯴﯵ ﯶ ﯷ ﱫوهو الموجّه الأساس لكلّ عمل، قال -تعالى-: ﭑ ﭒ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﱪﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ فشبّه- سبحانه -الكلمة الطّيّبة بالشّجرة الطّيّبة المثمرة، ]٥٢-٤٢[ الّتي يستمرّ ثمرها ويدوم، ويتلذّذ العبد به، فطيب الثّمر ولذّته وبركته، بطيب أصله، بطيب شجرته، الّتي شبّهها ربّنا- سبحانه- بالكلمة الطّيّبة، فحصول الفهم الصّالح للكلمة الطّيّبة، ينتج عنه تطبيق عمل صالح طيب. قال ابن القيّم الطّيّبة، لأنّ الكلمة الطّيّبة تثمر العمل الصّالح، والشّجرة الطّيّبة تثمر .)١(الثّمر النّافع ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية الزرعي الدمشقي، إعلام )١( هـ، تحقيق محمد ١١٤١الموقعين عن ربّ العالمين، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ).38/١عبد السلام إبراهيم، (

عدد الصفحات ٤٤

45 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم اآثارالقراءة ال إنّ اجتماع حسن الأداء وحسن الفهم، يبلّغ القارئ حقيقة الالتزام بموجب الهدايات لكلّ منهما، فيصل العبد إلى حسن العمل، الّذي جعل منهما مرتكزا ومنطلقا للتطبيق. فقراءة القرآن، إذا كانت مستوفية للإتقان، وحسن الفهم لكتاب الله - تعالى-، تورث بيانًا لهدايات القرآن، الّتي تفضي إلى العمل والتّطبيق. المطلب الأول: اأثر اإتقان التّلاوة وح أولاً: أثرهما في تزكية النّرفس إنّ قارئ القرآن الذي يبذل الوقت والجهد، لتعلّم القواعد الصّحيحة المبحث الرابع التّزكية

عدد الصفحات ٤٥

46 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم لتلاوة القرآن، فيتنقّل بين ألفاظ القرآن، ويتقنها لفظا ويحسنها أداءً، ثم يتحفّز لفهم هذه الألفاظ، وتدبّر معانيها، إنّما يحقّق مقصداً عظيماً من ﯗ ﱫمقاصد هذا القرآن العظيم، وهو (تزكية النفس)، قال - سبحانه-: ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ .]١٥١[ ﱪﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ إنّ تعلّم تلاوة القرآن، والتزام ترتيله، وما يتعلّق بذلك من صفات وقواعد لهذه التّلاوة، والوسيلة الصّحيحة لتلقّي هذه التّلاوة، وتحمّلها، يحمل على تزكية النّفس، وتعلّم الكتاب بما فيه من معانٍ وهدايات يتمّم ذلك، فيتحقّق الاهتداء التام بهذا القرآن العظيم. - من الأخلاق التّري تجتمع لمتعلّرم القرآن إنّ التّلاوة سبب للتّزكية، حيث يجتمع لطالب هذا العلم مجموعة من الأخلاق، إذ لابدّ له من أن يتّصف بصفات، حتّى يتمكّن من تحصيل هذا العلم، من هذه الصّفات: ، هو من أهم الأخلاق الّتي يجب أن يتحلىّ بها طالب (الإخلاص) هذا العلم، حيث إنّه شرط لقبول الطاعة، وكلّ الطاعات تفتقر إلى النّيّة؛ والنّيّة لا تصلح إلا أن تكون خالصة لله، ويركّز أهل القرآن في حلقات التعليم على تربية الطّلاب على هذا الخلق، من خلال التّذكير المستمر في الحلقات والمجالس القرآنيّة.

عدد الصفحات ٤٦

47 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم ، وذلك بتواضعه للجلوس بين يدي الشيخ يتلقّى عنه هذا (التّرواضع) العلم. ، ويتمثّل بصبر طالب هذا العلم على شيخه وعلى توزيعه (الصّربر) لنوبات القراءة، وصبره على بذل الأوقات والجهد، لبلوغ الإتقان. ، ويتحقّق بتعاونه مع زملائه بالحلقة، بتهيئة المجلس (التّرعاون) والخدمة إذا لزم. ، وذلك بتقديم أحد زملائه على نوبته، وإن كان قد سبقه (الإيثار) لظرف معينّ، أو بسبب تقديم الشّيخ بعض التلاميذ، لحكمة يراها، ومصلحة تستدعي تقديمه. ، وذلك باهتمامه بموعده مع شيخه، وإعطاء هذه (احتام المواعيد) المسألة أولويّة وأهمّيّة لا يساوي معها غيرها، فموعده هذا مقدس، وذلك بقداسة موضوعها. ، حيث يتعاهد هذا العلم أداءً بحسب ما تعلّم، (الوفاء بالعهود) ويبذله ويعلّمه للآخرين، وهذا من العهد الملزم، حيث يستمرّ تعليم هذا في ﷺالعلم الشرّيف، مع الطّمع بالظّفر بالتّزكية الواردة عن النّبيّ الكريم حقّ من تعلّم هذا العلم وعلّمه. ، فقد يترتّب على الالتزام بالحلقة إرهاق وضغط، س)(ضبط النّرف بسبب كثرة الطّلاب، وطول وقت انتظار النّوبة.

عدد الصفحات ٤٧

48 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم ، فالتّلميذ يتأدّب بأدب المجلس، ويقدّر عظمة القرآن (حفظ اللسان) الذي عقد المجلس بسببه، كما يقدّر حضور معلّم القرآن، فيحفظ لسانه ويضبط كلامه، حيث لا يتكلّم إلا خيرا. إلى غير ذلك من الأخلاق الرّفيعة السّامية الّتي يفيدها المتعلّم من مجلس تعليم التّلاوة، هذا بالإضافة إلى ما مرّ معنا سابقًا من السّلوكيّات الّتي يكتسبها متعلّم القرآن، فإنهّا بمجموعها تشكّل منظومة من الأخلاق الحسنة الّتي تطرد الأخلاق السّيّئة، فتزكو نفسه، وتتهيّأ لاستقبال العلم، كما أشارت الآية، ثمّ محصّلة ذلك العمل بمقتضى هذا العلم. فآيات الكتاب الحكيم قد شكّلت منظومة في مبناها ومعناها، تصل بالإنسان إلى العمل والتّطبيق، فالمطلوب تلاوة القرآن تلاوة متقنة، ولا تتحقّق هذه التّلاوة إلا بالتلقّي والتعلُّم عمّن أتقنها، حيث يلزم تعلّمها مجموعة من الأخلاقيّات وتزكية لهذه النّفس، بالإضافة إلى أنّ بركة القرآن تعمل على تزكية النّفس، وبتطهير النّفس من خبائث الأخلاق، وتحلّيها بالحسن والجميل منها، تتهيّأ لاستقبال العلم الربّانيّ، بفهم الخطاب عن الله -تبارك وتعالى-، وتدبّر الآيات واستنباط المعاني، واستكشاف الهدايات، للتّطبيق والعمل بموجب ذلك. فالتّزكية تنقل النّفس من الشرّك إلى التّوحيد، ومن الرّياء إلى الإخلاص، ومن الشّك إلى اليقين، ومن الكبر إلى التّواضع...، وهكذا مع

عدد الصفحات ٤٨