17 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم إلى مخرجه وأصله، وإلحاقه بنظيره وشكله، وإشباع لفظه، وتمكين النطق به على حال صيغته وهيئته من غير إسراف ولا تعسّف، ولا إفراط ولا .)١(تكلّف، وليس بين التّجويد وتركه إلا رياضة من تدبّره بفكّه والتّجويد سنّة متّبعة، فقد قرأ بالتجويد الصّحابة الكرام- رضوان الله عليهم - وكان نبيُّ الهدى يحبّ القراءة المجوّدة، ويثني على أصحابها، ها ورضي الله عنهم أجمعين أخذوا القرآن بحقّه في كلّ ﷺهم صحابة النبي ما يتعلّق به، فتلوه مرتّلا حسب ما أنزل، وأجادوا ترتيله إجادة حتى بلغ وصف بعضهم أنّه يقرأ القرآن كما نزل من السماء، كما وصف النبيّ الكريم .)٢(قراءة ابن مسعود للقرآن فالقرآن يُتلى تلاوة، وذلك بإتْباع الحروف بعضها بعضًا، كلما انقضى حرفٌ تبعه حرفٌ، ويُتلى مرتّلا بحسب ما أنزل، وفي الترتيل إشارات لسلوكيّات مرجوّة يكتسبها ويتبعها تالي القرآن، ويرتقي باتّباع ترتيله بأخذه عن المحسنين المتقنين له حتّى يبلغ درجتهم ما أمكن ذلك، فيجيد ترتيله كما يَتَّبع المعنى المفهوم من هذه الألفاظ المتلوّة، فيكون القرآن قائده أبو عمرو الداني، عثمان بن سعيد بن عثمان الداني، التّحديد في الإتقان والتجويد ، مكتبة دار )١( ). 70/١هـ، تحقيق: غانم قدوري حمد، (07الأنبار بغداد، الطبعة الأو أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، المسند، مؤسسة الرسالة بيروت، )٢( ، ٥) حديث رقم: 309/١هـ، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وجماعة، (١٢٤١الطبعة الأولى قال عنه الشّيخ شعيب: حديث صحيح.
عدد الصفحات ١٧18 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم في شؤونه كلّها، ويتدرّج معه ابتداءً من تلاوته، فترتيله، فتجويده، فتدبّره، ففهمه... والذي يفضي كلّه إلى العمل به وتطبيقه. المطلب الثاني: اآثار اإتقان تلاوة القراآن على ال إنّ لبلوغ إتقان قراءة القرآن آثار على التّالي المتقن، حتّى يبلغ بالمقبل على هذا العلم إلى مرحلة يستطيع معها السّيطرة على تصرّفاته؛ من أقوال وأفعال، فيتعامل معها وفق نظام الشرّع) افعل أو لا تفعل) واللافت هنا: الحالة النّفسيّة الّتي يبلغها المرء حين يجد نفسه مرتبطًا مع الموجِد -سبحانه-، منسجماً مع الوجود دون اضطراب ولا حيرة، ذلك أنّه يعرف أصل وجوده، ويتواصل مع الموجد- سبحانه-، ويتلقّى رسائله، ويقرؤها كإشارات وهدايات وتوجيهات، ليعيش حياة واقعيّة واضحة المعالم ممهّدة الطّريق، ومن هذه الآثار: أثر القرآن على صحّرة النّرفس والبدن: إن كان القارئ من آحاد المسلمين فلا أقلّ من أن يقرأ ما تيسّ له، ليعيش حياة المُستقبِل المأمور بالاتّباع والتّنفيذ؛ والمُوجَّه لسبيل النّجاة، والمحفوظ بحفظ منزّل هذا الكتاب، وأمّا إن كان من أهل القرآن الذين حرصوا على تعلّم القرآن وتعليمه فإنّه يعيش قمّة السّعادة، وتتحقّق في نفسه كلّ معاني الصّحّة النّفسيّة، حينما يستشعر أنّه من خيرة الخيرة، فأمّته
عدد الصفحات ١٨19 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم خير أمّة أخرجت للنّاس، وأمّا خصوصيّته في هذه الأمّة فإنّه يصدق فيه .)١(« :ﷺقول النّبيّ إنّ معيّة الله رفعة، وصحبة القرآن طمأنينة، فلا إشكال مع عالم الشّهادة ولا مع عالم الغيب، لأنّ صاحب القرآن محفوظٌ من وساوس الشّيطان، ومن كلّ الآثار السّلبيّة الّتي تقع على الإنسان، عندما يتسلّح بتصوّر صحيح، وقدرة على التّعامل مع هذا الوجود. وكذلك فإن صاحب القرآن محفوظٌ عقله، بأمر ربه وببركة قرآنه، حتّى في حال غيبوبته أو هذيانه من آفة ألمّت به، والشّواهد على ذلك كثيرة، وقد . وضبطت )٢(جاء عن بعض السّلف: (أنقى النّاس عقولا قرّاء القرآن) بالباء (أبقى النّاس عقولاً) فنفسيّة حامل القرآن نفسيّة سويّة، بعيدة عن الوساوس، بعيدةٌ عن الفهم الخاطئ، بعيدةٌ عن الوهن والحزن والترّدّي، فهي نفسٌ مطمئنّةٌ متحفّزة إلى كلّ خير، بل إنّ القرآن يعالج البدن من أمراضه وآفاته، وهذا ثابت بالنّصوص الشرّعيّة والقصص الواقعيّة. إنّ الصّحّة البدنيّة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالصّحّة النّفسيّة، والطّبّ البخاري، محمد بن إسماعيل بن بردزبه أبو عبد الله البخاري الجعفي، الجامع المسند الصحيح )١( هـ، ٢٢٤١ وسننه وأيامه، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى ﷺالمختصر من أمور رسول الله . 7) حديث رقم٢/6تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ابن الباقلاني، محمد بن الطيب بن محمد ابن الباقلاني أبو بكر المالكي، الانتصار للقرآن، دار )٢( ). 89/١هـ، تحقيق: محمد عصام القضاة، (٢٢٤١ابن حزم بيروت، الطبعة الأولى
عدد الصفحات ١٩20 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم الحديث يقرن بينهما للإسراع في العلاج. إنّ الإنسان مكوّن من جسدٍ وروح، وكلاهما يحتاج إلى غذاء وعنايةٍ ورعايةٍ، فإذا كان غذاء البدن الطّعام والشرّاب، فإنّ غذاء الرّوح كلام ربّنا الرّحيم، وذِكْرُه بما شرع- سبحانه-، وإذا كان الجسم يصبر عن الطّعام مدّة واحد وعشرين يومًا أو يزيد قليلا في آخر دراساتٍ لأهلِ الطّبّ، وعن الشرّاب مدّة أسبوع، فإنّ الرّوح لا تصبر عن غذائها، الّذي يبلغ حدّه الطّبيعيّ خمس وجباتٍ في اليوم والليلة، ويصحّ ثلاث وجباتٍ في حالات، تلكم هي الصّلوات الخمس أو الثّلاث في حالة الجمع بين الظّهر والعصر؛ والمغرب والعشاء، الّتي لا تصحّ إلا بتلاوة القرآن، وتحديدًا أمّ القرآن، وما تيسّ بعد ذلك، وإنّ خالق الإنسان وموجده أعلم بما يصلحه وما يصلح له، فشرع هذه الصّلوات لتحيا الرّوح حياة طبيعيّة، وتصحّ النّفس وتطمئنّ، وتحيا حياة سويّة: ﱪﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﱫ .]8[ ﯳ ﯴﱫوأمّا من حرم نفسه كلام ربّنا فيصدق فيه قوله- تعالى-: .]٤٢١[ ﱪﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ هذا وبفضل الله -تعالى -حال عامّة المسلمين مع القرآن، فما بالك
عدد الصفحات ٢٠21 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم فكلّما ازداد المؤمن من )١(بـ(أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصّته) القرآن؛ ازداد صحّة وعافية في سائر شؤونه. عرّفت منظّمة الصّحّة العالميّة الصّحّّة النفسيّة العافية يستطيع فيها كلّ فرد إدراك إمكاناته الخاصة، والتكيّف مع حالات . )٢(التّوتر العاديّة، والعمل بشكل منتج ومفيد، والإسهام في مجتمعه المحلّّ قلت: ما مرّ ذكره عن الصّحّة النّفسيّة، بالإضافة إلى تعلّق النّفس بخالقها وتلقّيها عنه -سبحانه-، يعيشه أفراد هذه الأمّة حينما يجعلون ﮤ ﮥ ﱫكتاب ربهّم محلّ اهتمامهم، وهو موجّههم ومورد ثقافتهم. ]٢[ ﱪﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ فإذا علمنا يقيناً بأنّ القرآن شفاء كما أخبر ربّنا- سبحانه وتعالى -انتفعنا بتلاوته، وكانت علاجا لما يطرأ على نفس الإنسان من اكتئاب واضطّراب، وحيرة وخوف، وحزن ووهن، فإذا حصل ذلك واستشعره الإنسان؛ يحيا حياة سويّة فيها من الإيجابيّة ما يمكّنه من أداء دوره من البناء والتّطوير، والتّعايش مع الكون وما فيه على أساس العطاء والبذل قبل الانتفاع والأخذ، وذلك لما يؤصّله القرآن في نفوس المؤمنين به من حبّ البذل ابن ماجة، محمد بن يزيد القزويني، كتاب السنن، دار إحياء الكتب العربية بيروت، تحقيق: )١( ، وصححه الألباني في صحيح الجامع ٥١٢) حديث رقم: 78/١محمد فؤاد عبد الباقي، ( ). 9( )٢/١( http://www.who.int.ar منظّمة الصحة العالمية)٢(
عدد الصفحات ٢١22 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم والعطاء والإسهام في البناء، فعلاقة العبد المؤمن مع الناس على أساس النّفع لهم لا الانتفاع منهم. المطلب الثّالث: اآثار اإتقان تلاوة القراآن على ال إنّ القرآن يتدرّج في سلوك متعلّمه مسالك الخير، ويأخذ بأيدي أتباعه إلى أن يصلوا مرحلة التطبيق، فمن إتقان تلاوة القرآن، إلى إتقان في كلّ الأفعال، فيتحقّق أثر القرآن في بناء الشّخصيّة المسلمة، ثم يظهر هذا الأثر في نهضة الأمّة، فالقرآن ينهض بالأمّة؛ لأنّه حياة الأمّة، والأمّة لا قوام لها بغير وحي السّماء. من السّرلوكيات الّرتي يعزّرزها القرآن: أولا: الانضباط إنّ قارئ القرآن ينضبط بقراءته وفق نظام محدّد في كل حال، سواءً أكان في صلاته أوفي ورده أو غير ذلك، فهذا الانضباط الملازم له يربيّ في نفسه حبّ النّظام وترك الفوضويّة، واتّباع قواعد تنظّم كل شؤونه. ثانيا: الدّرقة إنّ قارئ القرآن يكتسب صفة الدّقّة من قراءته للقرآن؛ ذلك أنّه يراعي الدّقّة أثناء تلاوته مراعاة تامّة، كدقّته في معرفة اللفظ الجائز الوقوف عليه،
عدد الصفحات ٢٢23 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم واللفظ الجائز البدء به، وكالدّقّة في ضبط مقدار المدّ، فالمدّ له زمن يقدّر بالحركات، فاختيار قدر المدّ والدّقّة في تحديده من مهماّت قارئ القرآن، وممّا يحتاج إلى زيادة في الدّقّة الإتيان بالجزء من الحركة وضبط ذلك، . )١(كالإتيان بالروم أو الاختلاس فهذه الخصيصة لقارئ القرآن ترسّخ في شخصه تحرّي الدّقّة في سائر الأمور، وللمرء أن يتأمّل كمثال على الدّقّة ما بلغه شيخ القراءات حيث تجلّت في قصيدته المشتهرة، التي تعدّ $والقرّاء: الإمام الشاطبيّ مرجعًا أصيلا للقراءات،) حرزالأماني ووجه التهاني( واشتهرت باسم: « أبي عمرو الدّاني: التّيسير، وقد أبدع فيها أيما إبداع، واستخدم الرموز للدّلالة على القرّاء والرّواة. إنّ جهده في هذه المنظومة، ودقّته بالإشارة للقرّاء والرّواة بالرّموز؛ جهد عظيم دقيق، لم يسبقه أحد إلى هذا الأسلوب، وقد شهد له بذلك .$القاصي والدّاني، وعلى رأسهم محقّق القراءات، الإمام ابن الجزري ثالثا: الإتقان وهذه صفةٌ ظاهرة جليّة لدى قارئ القرآن حيث إنّ تلاوته مرتكزها الرَّوم: هو الإتيان ببعض الحركة (ثلث الحركة)، الاختلاس: هو الإتيان بثلثي الحركة. وهذا )١( خاص بحركتي الكسة والضّمّ الأصليّتين على آخر الكلمات.
عدد الصفحات ٢٣24 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم الإتقان، وتعلّم تلاوة القرآن ما هو إلا تعلّم لإتقان هذه التّلاوة، فمتعلّم القرآن يتدرّج في تعلّمه وينتقّل من إتقان إلى إتقان فيما يتعلق بالحروف وإخراجها مستوفية حقّها من المخارج والصّفات اللازمة، ومستحقّها ممّا يطرأ عليها من الصّفات العارضة، فيؤثر ذلك في شخصيّته بحيث يتميّز بهذه الصّفة في حياته، وقد خبرنا من أصحاب المهن والوظائف من أثّر به القرآن فنقله نقلة نوعيّة في حياته ومع عمله ومهنته حيث انسحبت صفة الإتقان على مهنته ووظيفته. رابعًا: إيقاظ الطّراقات الكامنة في النّرفس البشريّرة إنّ متعلّم القرآن مطلوبٌ منه زيادة الاهتمام، وبذل الوقت، وتركيز همّته على تعلّم قراءة كتاب الله- تعالى- ويفاجأ قارئ القرآن بإمكاناته، ويفاجأ بقدراته، وذلك عندما يجد أنّ لديه الإمكانيّة أن يجلس لساعات يتعلّم كتاب الله -تعالى-، ولا يجد في ذلك تعارضًا مع عمله أو ارتباطاته الاجتماعيّة، بل إنّه يستشعر بركة الوقت الّتي يتحصلها ببركة تعلّمه وانشغاله بكتاب الله -تعالى-، فمن كان بالعادة لا يزيد على السّاعة أو أقلّ مع كتاب الله -تعالى-، نجده يجلس مع شيخه لساعات قد تزيد عن الثّمان أو أكثر، طالبا لهذا العلم الرّائق المحبّب إلى النّفس. فالقرآن يكشف عن حجم الطّاقات الموجودة في النّفس البشريّة إلا أنهّا غير مستغلّة، ولا يُتعامل معها بالهمّة، والأعجب من ذلك أن المتعلّم
عدد الصفحات ٢٤25 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم حينما يبلغ درجة الإتقان ويتحصّل على إجازة من شيخه بأن يقرئ غيره، ثمّ يجلس هو مجلس المعلّم، ليتولىّ مهمّة الإقراء، فإنّه يقضي السّاعات الطوال في تعليم كتاب الله- تعالى -ويستغل كل مجلس في ذلك. خامسًا: تنظيم الأعمال والأوقات إنّ متعلّم القرآن يدرك أهمّيّة الوقت وأثره في إنجاز الواجبات والمهماّت، وهذا يظهر جليًّا في حياة من عكفوا على كتاب الله- تعالى -واختاروا طريق تعلّمه وتعليمه، فقد بلغ التّنظيم في حياة القرّاء والمقرئين مبلغًا ظاهرًا، وقد تجلىّ ذلك في تحديد موعد للمراجعة والقراءة، وأوقات للإقراء، هذا بالإضافة لقيامهم بشؤون دنياهم. من الأمثلة على هذا السّرلوك في حياة القرّراء: في تنظيم $لنا أن نتأمّل سلوك الإمام الفذّ أبي عبد الرّحمن السّلميّ الواجبات ومجالس الإقراء، فإنّه ظاهر جلّ في سيرته، وقد ورثه عن من سبقه ممن أقرؤوه القرآن، فقد روي عنه أنّه كان يقرئ القرآن خمس آيات؛ ﷺخمس آيات، وقد روى عمّن أقرؤوه أنهّم كانوا يقرؤون على رسول الله العشر، فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلّموا ما فيها من العمل، . )١(فتعلّموا القرآن والعمل جميعا الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي الدمشقي، معرفة القرّاء الكبار، دار الكتب العلمية، )١( ).9، (ص7الطبعة الأو
عدد الصفحات ٢٥26 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم فترتيبه لهذه الطريقة بالإقراء، يفسح له المجال للتّدارس، والوقوف على ما في الآيات من ذكر وعظات، كما يفسح المجال أمام طلابه للقراءة جميعا، وكذلك يفسح المجال أمامهم لسؤاله عماّ يريدون السّؤال عنه، كما كان حاله مع من قرأ عليهم. سادسًا: الهمّرة العالية إنّ قارئ القرآن ومتعلّمه الّذي يرتقي بالتعلم ويصبر على ذلك، ليبلغ مرتبة الإتقان في تلاوة القرآن، ويجلس السّاعات طلبًا لذلك، ويمكث الأيّام والليالي متعلّماً، يطوّر نفسه بالقراءة باستمرار، ويلمس إمكاناته التي كانت خافية عليه بصبره على العلم وببركة القرآن، لا بد أن يوقظ القرآن طاقاته الكامنة، ويوقظ جزءًا منها في نفسه، توقظ فيه الهمّة ببذل المجهود وصرف الأوقات وتوجيه الطاقات لخدمة القرآن وأهله. فتعلّم تلاوة القرآن يرفع همّة المتعلّم فيصبح صاحب همّة عالية متحفّزة، وهذا ينسحب على سائر شؤون حياته، ترى صاحب القرآن الطاعن في السّنّ يتّقد شبابًا ويباشر من الأعمال والواجبات ما يتأخّر ويقصرّ فيه كثير من الشّباب، فالقرآن سبيل إلى الهمّة العالية والنّشاط الدّائب والسّعي الطّموح. همّة عالية عظيمة، بعلوّ $تأمّل همّة الإمام أبي عبد الرحمن السّلميّ وعظمة هذا القرآن، حيث كان يحُمل إلى مجلس الإقراء في الليلة المطيرة في
عدد الصفحات ٢٦27 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم الطّين، فقد كان أعمى -رحمه الله-، وممّا يشير إلى هذه الهمّة العالية، التي اكتسبها بفضل القرآن، وتعلّمه وتعليمه، ما رواه بسنده عن عثمان- رضي ، قال أبو )١( قالﷺ الله عنه -أنّ النّبيّ .)٢(عبد الرّحمن سابعّرا: تقويم اللسان والاهتمام بحسن اللفظ وصحّرته إنّ التّدرّب على اللفظ الصّحيح يورث في نفس المتعلّم الاهتمام بحسن اللفظ، سواءً أكان من حيث الجودة، أو من حيث الحسن وتجنّبه اللفظ السّيّئ، وهذا يتجلىّ في حياة صاحب القرآن، وقد خبرت ذلك في أهل القرآن حيث لمست فيهم حسن انتقاء الألفاظ وجودتها، وتجنّب السّيّئ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﱫمنها ورديئها فيصدق فيهم قوله- تعالى-: .]٤٢[ ﱪﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ومن الأمثلة عند القرّاء على حفظ اللسان والاهتمام بحسن اللّفظ؛ ما رواه لي فضيلة الشّيخ أيمن السّويد -حفظه الله- عن شيخه عبد العزيز عيون السّود -رحمه الله- الذي تخلّق بأخلاق القرآن، أنّه كان إذا أراد أن يؤكّد أمرًا يقول: صدّق، ويكمل ما أراد توكيده ولا يحلف، كما كان إذا أراد أن يحدث عن الله أو رسوله يختار الجملة الاسميّة، كقوله: الله -تعالى- .7) حديث رقم٢/6 صحيح البخاري)١( ).9 انظر معرفة القرّاء الكبار (ص )٢(
عدد الصفحات ٢٧28 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم يقول في شأن كذا...ﷺيقول في كتابه، وكقوله: رسول الله فتأمّل كيف يرتقي القرآن بصاحبه؛ فيضبط لفظه ويربّيه على اختيار الأحسن منه.
عدد الصفحات ٢٨29 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم ح المطلب الأوّل أوّرلا: أهمّريّرة فهم القرآن: إنّ القرآن المعجز يجمع بين القصد في اللفظ والوفاء بالمعنى، وهذان لا يجتمعان إلا في القرآن العظيم، وكلاهما مقصودٌ في تربية الفرد والمجتمع، وحسن فهم القرآن هو السّبيل الصّحيح لاتّباع أحكامه، والاتّعاظ بمواعظه، والتخلّق بأخلاقه. ﱪﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﱫيقول ربّنا - سبحانه وتعالى-: فالقرآن ميسّ في كل ما يتعلّق به: تلاوته، وحفظه، وفهمه، ]7[ المبحث الثاني التّفسير
عدد الصفحات ٢٩30 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم والعمل به، وهذا الفهم مأخوذ من نصّ الآية، كما أنّ القرآن هو دستور و الذي يهديها سواء السّبيل، ويبينّ لها كلّ شيء لتحيا على ؛ وههذه الأمّة هدًى ونور، وتحقّق معنى الخلافة في الأرض، فلا يعقل أن تكون رسالة هداية وتشريع وأحكام ولا يفهم ما جاء فيها. نقل الطبريّ رحمه الله- تعالى- عن بعض أهل التّأويل في تأويل « ]7[ ﱪﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﱫ قوله- تعالى-: . )١(من طالب علم أو خير فيعان عليه ويختلف النّاس في قدرتهم على الفهم، وهذا بحسب قدراتهم وإمكاناتهم، واجتهادهم وبذلهم في سبيل العلم وطلب الفهم، فالله- تبارك وتعالى -قد جعل الخلق متفاوتين في الجمال، والقوّة، والجاه، والسّلطان، وامتلاك المال...، لحكمة يريدها -سبحانه-، ولتستمرّ عجلة الكون في المسير، حيث لا بدّ من تسخير أناسٍ لخدمة أناسٍ آخرين، فمن ملك المال احتاج إلى غيره ليعينه في أعماله وأشغاله، وبالمقابل من فقد المال احتاج للعمل عند من يتحصّل منه على المال، ومن ملك العقل والحكمة احتاج قومه إلى عقله وحكمته في إدارة الأمور وتسييسها. حسن الفهم، والقدرة على الاستنباط؛ وصاحب العلم الذي أوتي ائل، أو احتاج لبيانها وشرحها، وهكذا حتى تكتمل يحتاجه من جهل المس ابن جرير، محمد بن جرير بن يزيد الآمل الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، مؤسسة )١( ).٤/٢٢هـ، تحقيق: أحمد شاكر، (0الرسالة، الطبعة الأو
عدد الصفحات ٣٠31 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم منظومة الحياة، ويقوم كل فرد من أفراد المجتمع بمسؤوليّته، ويقدّم ما يتقن خدمة للمجتمع. ، فالقرآن خطاب الله- تعالى- للنّاس كافّة بجميع مستوياتهم واهتماماتهم فهو خطاب لعموم النّاس، فنزل بخطاب يفهمه من يقرؤه، وكذلك استحثّ فئة من النّاس، ليتدبّروه ويتدبّروا مواعظه ويطلبوا فهمه، ثم خصّ أهل الهمم العالية، والعقول النيرّة المتحفّزة، والقلوب الواعية، والنّفوس المتعطّشة لدقائق العلم ولطائفه، وهذا هو القرآن: ميسّ للذّكر، وهدًى وموعظة للمتّقين، ويعلم تأويله الرّاسخون في العلم. ثانيًا: الحاجة لفهم القرآن لمّا كان كتاب الله- تعالى- هو العصمة الواقية، والنّعمة الباقية، حجّة الله لخلقه، وحكم الله في أرضه، وفيه القصص الباهرة، والمواعظ الزّاجرة...، لزم البحث فيه وفي معانيه، وتدبّر كل ما يحتويه، فكان طلب فهمه حاجة ملحّة، وتاليًا أذكر ما يدعونا إلى طلب هذا العلم والباعث على استنهاض الهمم للاجتهاد فيه: البواعث على طلب التّرفسير وأرى أن الباعث على طلب التّفسير يأتي لعدّة أمور، أذكر ما وفّقني الله- تعالى- للوقوف عليه منها:
عدد الصفحات ٣١32 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم أولا: محبّرة القرآن إنّ محبّة القرآن من محبّة منزله المنعم- سبحانه-، فمحبّة الكلام من محبّة المتكلّم -سبحانه- والمحبّة باعثٌ على التعلّق وشدّة الاهتمام، فيلزم العبد كتاب ربّه تلاوةً وعلماً وفهماً، وبقدر محبّة العبد لكلام ربّه، بقدر ما يحرص على فهمه، وفهم ما جاء فيه، فيصرف همّته إليه، ويشغل فكره فيه، ويستغل شريف أوقاته في صحبته ودراسته. ثانيًا: شدّرة الحاجة إلى فهمه إنّ القرآن قد أرسله الله- تعالى- هداية للبشريّة، يقودها إلى الرّفعة والسّعادة في الدّنيا، والنّجاة في الآخرة، فيه الشريعة بأحكامها، وعباداتها، وأخلاقها، ومعاملاتها، لتنتظم حياة البشر بموجبها، ولتصطبغ بصبغتها، وإذا كان الأمر كذلك، لزم فهم الكتاب الذي يُعدّ نورًا وهدًى، يُستنار بنوره، ويهُتدى بهداه، حيث إنّ حسن فهم الخطاب عن ربّنا -سبحانه وتعالى- يورث حسن العمل، والفوز برضوانه- تبارك وتعالى- فإنّ من أعظم مقاصد القرآن تصويب سلوكيّات النّاس، وفق توجيهات هذا الكتاب العزيز، ولا يتسنّى لهم ذلك إلا بتعلّمه وفهمه، فكان هذا محلّ اهتمام سلف الأمّة، ولذلك سادوا بالقرآن، أمّا اليوم فقد ذهب اهتمام الناس إلى دقائق في القرآن، كمعرفة عدد كلمات معينّة، وعدد حروف السّور، وأطول آية...، وما شاكل ذلك، ولا أقلّل من شأنها، إلا أن فيها شغل عن الأهمّ،
عدد الصفحات ٣٢