1 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم
عدد الصفحات ١2 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم
عدد الصفحات ٢3 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم
عدد الصفحات ٣4 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم
عدد الصفحات ٤5 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم إنّ بناء القرآن بألفاظه، كبناء المجتمع بأفراده، ومعاني الألفاظ كالرّوح التي لا تتحقّق حياة الأفراد إلا بوجودها، فإذا أُحسن بناء ألفاظ هذا الكتاب وفق ما حضّ عليه الشّارع، وإذا حسُن فهمه كما وجّه إلى ذلك الشارع، فإنّ لذلك أثر لا بدّ أن يقع على الأفراد، فيتأثّرون ببناء الحروف كما يتأثّرون بمعانيها في انفعالاتهم السلوكية واعتماد الفضائل والقيم في حياتهم كسبيل للتّعامل مع الخَلْق، فيستحقّون وراثة الأرض، يعمرونها بجدّهم واجتهادهم؛ وسلوكهم المشبع بتوجيهات القرآن العظيم الذي يأخذ بأيدي الخلق إلى سبيل الخير والسّعادة. فالقرآن أنزله ربنا -سبحانه- روحا ونورا وهدًى، ويتحقق ذلك بالتفاعل مع منظومة القرآن التي تبتدئ بتلاوته، وما يترتب عليها من تزكية النّفس وانتشار الصحّة النفسيّة بالمجتمع، ومرورًا بالتفسير الذي مقدمة
عدد الصفحات ٥6 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم لا بدّ منه لبيان وتجلية المعنى؛ للوقوف على أحكامه وتوجيهاته، ثم بتدبّره؛ حيث إنّ التفسير وحسن الفهم مقدّمة إلى التدبر العميق، الذي يُظهر ودقّة نظمه ويجلّ هداياته بقصد التّزكّي بها. عظمة هذا القرآن إنّ القرآن هو ملاذ الأمّة، وهو سبيل النّجاة، والطّريق الوحيد إلى حلّ جميع مشاكل الخلق الفرديّة والمجتمعيّة، وقد أصّل القرآن لأمور كثيرة تُعدّ قواعد ثابتة، مثل النتائج التي تعتمد على المقدمات، وتأصيل فكرة الجماعة والاجتماع، ونبذ الفرقة والخلاف، وما يترتب على ذلك من أسباب العزّة والقوّة والمنعة، فبتحقّق فكرة الاجتماع يصبح لكلّ فرد قيمته في المجتمع، مهما بلغت إمكاناته وقدراته، حاله في ذلك كحال حروف هذا الكتاب العظيم، فالحرف القويّ يضفي من قوّته على الحرف الضّعيف، والضّعيف يسند القويّ بما يستطيع، والمجتمع يعتمد في بنائه على المؤسّسات، وهذه المؤسّسات تحتاج إلى الكوادر وأصحاب الكفاءات، ولا يبني هذه الكفاءات ويؤهّلها مثل كتاب الله -تعالى-، فمن تأثّر بإتقان تلاوته وحسن فهمه امتاز بالإيجابيّة، وسعى نحو الإتقان والدّقّة والإبداع، وأدى عمله بأمانة وتحلىّ بكريم الأخلاق، فالقرآن خير رافد للمؤسّسات بالكفاءات. إنّ لإتقان التّلاوة وحسن الفهم أثرًا في المتلقّي، فكلّ علمٍ منهما يؤثّر فيه من حيث السّلوك، فإذا اجتمعا كان الأثر أكمل، وبقدر تفاعل المتلقّي مع القرآن الكريم لإتقان المبنى وفهم المعنى كان الأثر على السّلوك أبلغ...
عدد الصفحات ٦7 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم فأقدّم بين يدي القارئ هذا المختصر الوجيز للوقوف على عظيم الأثر للكتاب العزيز، وهو مختصر لكتاب المعنى صميمه وطباعته وتوزيعه ... فالله أسأل أن هذا المركز المبارك الذي تحمّل ت ينفع بهذا المؤلَّف، وأن يكتب الأجر والمثوبة لكلّ من ساهم بإخراجه. كتبه محمد بن أحمد البور
عدد الصفحات ٧8 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم
عدد الصفحات ٨9 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم إنّ من أولويّات معلّم القرآن أن يرغّب النّاس بهذا الكتاب العظيم، ويحفّزهم للإقبال عليه، ويوثّق علاقتهم به. ولا يتأتّى له هذا إلا إذا تعايش مع القرآن وأحبّه، وتذوّق حروفه واستوعب حدوده قبل إقامتها، فيتفاعل معه بالحبّ والإجلال والتّعظيم، ثم ينقل هذا كلّه إلى من يعلّمهم، ويقيم المجالس معهم، ويدارسهم آيات هذا الكتاب العظيم. فكلّ مجلسٍ يقيمه معلّم القرآن لا بدّ له من تمهيد وتقديم مشوّق؛ ليهيئ نفوس المتدارسين لاستقبال المعلومات، ويحفّزهم للمشاركة والتّفاعل، والتّمهيد والتّهيئة للمجلس تعتمد على أسلوب المشرف أو المعلّم، ولكنّي أشير في هذا المقام إلى أهمّ الأساليب وأفضلها وأميزها، وكيف لا يكون ، إنّه أسلوب ﷺكذلك وهو أسلوب قرآنيّ وسنّة ثابتة عن النّبي الكريم تمهيد
عدد الصفحات ٩10 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم طرح الأسئلة، فالمتأمّل لكتاب الله -تعالى- يجده يستجيش المشاعر، يلفت الأنظار، ويحفّز العقول، ويستثير الهمم...؛ بطرح التّساؤلات.و من الأمثلة على ذلك: ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﭽـ قوله تعالى: ﯟ ﯠ ﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷﯸ ] 63 - ٢[ ﭼﯹ ﯺ ﯻﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﭽـ قوله تعالى: ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ]3[ ﭼ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ]٥[ ﭼ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭽـ قوله تعالى: ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﭽـ قوله تعالى: ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ] ٥١[ ﭼﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ وهكذا جرت سنّة القرآن، وغلب عليه هذا الأسلوب الذي بات اليوم يُعتمد في التّدريس الحديث، ويُعدّ الأسلوب الأمثل والأفضل. ي تربّى على عين ربّه، وعاش مع الذﷺوكذلك كانت سنّة المصطفى آيات كتابه فتمثّلها وحاكى أساليبها.
عدد الصفحات ١٠11 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم من الأمثلة على ذلك: « :ﷺـ قوله قال وقول الزور « :ﷺـ وقوله ورقها، ولا ولا ولا تؤتي أكلها كلّ ح النّخلة، ورأيت أبا بكر، وعمر لا يتكلّمان، فكرهت أن أتكلّم فلماّ لم يقولوا « :ﷺشيئًا، قال رسول الله لقد كان وقع في نفسي أنهّا النّخلة، فقال: ما منعك أن تكلّم؟ قال: لم أركم تكلّمون، فكرهت أن أتكلّم أو أقول شيئا، قال عمر: لأن تكون قلتها، أحبّ إليّ من كذا وكذا. : ألا أنبِّئُكُم بخيرِ أَعمالكم، وأزكاهَا عند ملِيكِكم، ﷺـ وقوله وأرفَعِها في درجاتكم وخيرٌ لكم من إنفاق الذَّهب والوَرِق، وخيرٌ لكم من أن تَلْقوا عدوَّكم فتضربُوا أعناقَهم ويَضربوا أعناقَكم؟ قالوا: بلى. قال: ذِكْرُ اللهِ تعا ومعلومٌ ما لهذا الأسلوب من أثرٍ في تنشيط الذّهن، والحضور بإيجابيّة وتفاعل، ممّا يذهب الملل، ويدفع الكسل، فتحقّق المجالس رسالتها وتعمّ الفائدة، بين المتدارسين، ويتربّوا على البحث والتأمّل.
عدد الصفحات ١١12 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم فهذا الأسلوب يعدّ من أساسيّات أساليب التّدريس، ولا يُستغنى عنه بحال، إلا أنّه قد يضاف إليه من الأساليب المشوّقة بحسب ما يلزم، كالقصّة المناسبة للدرس، أو مناقشة مشكلة واقعيّة تتناسب مع موضوع الدّرس، أو ضرب المثل، وغيره من الأساليب الشيّقة الماتعة الّتي تهيّئ وتحفّز، وهي أساليب لا تخرج عن الأسلوب القرآني، فقد استخدم الأسلوب القصصي، وأسلوب بثّ المعلومة، وذكر أخبار الأمم السالفة، ومناقشة مشاكل واقعيّة، والتّمثيل، وغير ذلك. فيضاف التّمهيد كتهيئة إلى المباحث الّتي اشتمل عليها هذا المؤلّف الّذي أسأل الله أن ينفع به، وأن يكتب له القبول، فتجتمع فيه تاءات خمس: (التّمهيد، والتّلاوة، والتّفسير، والتّدبّر، والتّزكية)، وبهذا يكون قد توافق مع منهجيّة مشروع لي شرف اللقاء بهم، والتّعاون معهم في خدمة كتاب الله العظيم، فالله أسأل أن يجمعنا بالقرآن وأن ينفعنا بالقرآن، وأن يشرّفنا بخدمته، وأن يجعل لنا حظًّا وافرًا في دعوة النّاس إلى هداه وإحياء تعظيمه في نفوسهم، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.
عدد الصفحات ١٢13 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم اإتقان التّلاوة واأثر ذلك على النّف المطلب الأوّل: تعريف التّلاوة والتّتيل والتّجويد التّلاوة: عرّفها ابن فارس، بقوله . )١(الاتِّباع. يقال: تَلَوْتُه إذا تَبِعْتَه، ومنه تلاوةُ القُرآن، لأنّه يُتْبِع آيةً بعد آية وهي تلاوة اللفظ والمعنى، فتلاوة اللفظ جزءُ مسمى التلاوة المطلقة، وحقيقة اللفظ إنما هي الاتّباع، يقال: اتل أثر فلان، وتلوت أثره وقفَوتُهُ ﭑ ﭒ ﭓ ﱫوقصصته، بمعنى: تبعت خلفه، ومنه قوله -تعالى-: أي: يتبع، وسمّي تالي الكلام تالياً لأنه ]٢، ١[ ﱪﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكريّا القزوينيّ الرازيّ، معجم مقاييس اللغة، ، دار الفكر )١( ). ١٥/١هـ، تحقيق: عبد السّلام هارون، ( 399بيروت، الطبعة المبحث الأول التّلاوة
عدد الصفحات ١٣14 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم . )١(يُتبع بعض الحروف بعضاً لا يخرجها جملة واحدةً وهذا هو مقصود القرآن، أن يصل بمن أقبل عليه إلى مرحلة التطبيق، فالقرآن رسالة الله إلى خلقه، ﷺوالإذعان لما جاء فيه، ولما بينه مبلغه جاءت لإخراجهم من الظّلمات إلى النّور: من ظلمات سوء الفهم والاعتقاد الفاسد إلى نور التّصور الواضح والاعتقاد الصّحيح، من ظلمات القول الباطل واللسان المعوجّ إلى نور القول السّديد واللسان القويم، من ظلمات شرّ الأعمال وسيّئها إلى نور خير الأعمال والإحسان فيها. فلا يُتصوّر أن تأتيك رسالة من والد أو معلّم أو مصلح لا تحمل توجيهاً يرجّى منه الوصول إلى مفاهيم صحيحة وسلوك قويم، فكيف بالموجد خالق الخلق؛ فحبّه وعطفه ورحمته لزم منها أن يبعث بالرّسالة تلوَ الرّسالة، هداية للخلق وأخذًا بأيديهم إلى النّجاة، بسلوك قويم في الدّنيا، يترتّب عليه نجاة من عقاب الآخرة، لمن تنكّب الطّريق وضلّ عن الهدى، فالخالق -سبحانه- أرحم بعباده من أن يتركهم هملا، ومحبّته ظاهرة جليّة برسالته الخاتمة التي أرادها نورًا وحياةً وروحًا للعالمين. والقراءة بإطلاق يؤجر العبد عليها إذا قصد التقرّب بها إلى الله - تعالى-، ويناله بكلّ حرف منها عشر حسنات، ... وهذا بفضل الله ابن القيم، محمّد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيّم الجوزيّة الزّرعي الدّمشقيّ، مفتاح دار السّعادة )١( ). ٢٤ومنشور ولاية العلم والإرادة، دار الكتب العلميّة، (ص:
عدد الصفحات ١٤15 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم - تبارك وتعالى-، وببركة هذا القرآن العظيم، لكن المطلوب من القرآن حقيقة أن يبلغ بصاحبه إلى السّلوك والعمل، وذلك باتّباع ما جاء فيه وجعله نبراسا يهتدى به في شؤون الحياة كلّها. فيفيد معنى التّلاوة: إتْباع العمل للقراءة كما يفيد إتْباع الحرف الحرف، وكذلك إتْباع القراءة بسلوكيّات يكتسبها قارئ القرآن العظيم؛ ويتحصّل عليها من خلال تعلّمه والتزامه بأحكام تلاوة كتاب الله. عرّف الرّاغب الترّتيل بقوله التّرتيل: على استقامة، يقال: رجل رتل الأسنان، والترتيل: إرسال الكلمة من الفم ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﱫبسهولة واستقامة، قال- تعالى-: .)١( ]٤ - ١[ ﱪﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ كما عرّفه الفراهيدي بقوله رتل: حسن المتنضّد، ومرتّل: مفلّج، ورتّلت الكلام ترتيلاَ إذا أمهلت فيه وأحسنت تأليفه، وهو يترتل في كلامه، ويترسّل إذا فصل بعضه من . )٢(بعض الرّاغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمّد الرّاغب الأصفهاني، المفردات في غريب )١( ). ١٤ هـ، تحقيق: صفوان الداوودي، (ص:٢١٤١القرآن ، دار القلم بيروت، الطبعة الأولى الخليل، الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي البصري، كتاب العين، دار ومكتبة الهلال، )٢( ). 3/١تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، (
عدد الصفحات ١٥16 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم قلت: لفظ (رتل) يدلّ على التّنسيق والترّتيب، وعلى حسن الأداء إذا قصد بها الكلام، فأصله دالّ على الترتيب في اللغة، فعندما يقولون: (ثغر رتل) أي أسنانه مفلّجة منتظمة، بين كل سنّ وسنّ فواصل دقيقة منسّقة مرتّبة، فإذا قسنا ترتيل القرآن على هذا المعنى، فإنه يفيد: قراءته على ترتيب، نفصّل حروفه بحيث نفرد كل حرف من الحروف بمخرجه وصفاته، وذلك بوجود فواصل دقيقة بين كل حرف في الكلمة الواحدة، إلا أنهّا فواصل دقيقة لا تبعث على التلكّؤ في لفظه أو التكلّف في نطقه، أو عدم إظهاره بصورته التي يلزم على قارئه أن يُظهره بها، فتُقرأ الألفاظ القرآنيّة مرتّبة متناسقة. ويتجلىّ في هذا الأداء الدقّة والإتقان التي يتربّى عليها المسلم حين يقرأ القرآن، بحسب ما أراد منزله- سبحانه- أن يُقرأ، مما يوجّه العبد المسلم للعمل بما يعلم متقنًا محسنًا، فالقرآن غايته ومقصده الأعظم؛ هداية الناس في شؤونهم كلّها، يقودهم إلى الخير ويحذّرهم من الشرّّ، فينظّم حياتهم، ويسلك بهم سبيل النجاة، ويوصلهم إلى طريق الآخرة على هدى. بقوله$ عرّفه الدّاني التّرجويد: ومعناه انتهاء الغاية في إتقانه، وبلوغ النّهاية في تحسينه، ولذلك يقال: جوّد فلانٌ في كذا، إذا فعل ذلك جيّدًا، والاسم منه الجودة، فتجويد القرآن هو إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها مراتبها، وردّ الحرف من حروف المعجم
عدد الصفحات ١٦