113 الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد«قريش ولاة هذا الأمر، فبر الناس تبع لبراهم وفاجرهم تبع لفاجرهم»1. ج ـ الأنصار تعيد المحاولة وأعاد الأنصار المحاولة ثانية، ولكن ليس على الإمارة ولكن على الوزارة، فقال المتحدث باسمهم: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش2، وقال سعد بن عبادة: نحن الوزراء وأنتم الأمراء3. د ـ الفاروق ينهي الدعاية والتنافس: ولما وجد الفاروق كثرة الحجج من كلا الطرفين، أراد أن يجعل الأمر فيمن يستحقه، فاعترض على اقتراح أبي بكر حين رشحه ورشح أبا عبيدة، وذلك حين قال: وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، وقال قائل الأنصار: منا أمير ومنكم أمير4، يقول عمر: فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الَختلاف فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار5. الحادي عشر: المصالح المترتبة على الانتخابات: 1ـ منع الظلم والاستبداد: الَنتخابات تساهم في رفع الظلم وحماية الشعوب من تسلط الطغاة وظلمهم، وعبثهم بأموال الأمة ودمائها وأعراضها، إذ أن الشعوب من خلال الَنتخابات تمارس رقابة صارمة على الحكام والنواب وتتمكن من خلال تلك الرقابة من منع الظلم، أو تغيير من وقع منه الظلم من خلال رفض ترشيحه للانتخاب مرة أخرى، 1 مسند أحمد، الحديث رقم18 صحيح لغيره 2 صحيح البخاري، الحديث رقم2462. 3 مسند أحمد، الحديث رقم18 صحيح لغيره 4 صحيح البخاري، الحديث رقم2462. 5 صحيح مسلم، الحديث رقم1691.
عدد الصفحات ١١٣114 وهذا ما يجعل الحكام يحرصون على رضا الناس ويتجنبون سخطهم لينالوا ا لثقة والترشيح1. 2ـ تنمية الوعي السياسي: فالمواطنون من خلال المشاركة السياسية في اختيار المرشحين قبل أن يصوتوا، سيفكرون ويناقشون ويسمعون مختلف الحجج وكافة وجهات النظر، وسيلاحظون أثر أصواتهم وخطورتها حين يرون نتائج الَنتخابات، وهذا مما ينمّ ي الوعي والإدراك السياسي لدى المواطن2. 3ـ الاستقرار السياسي: الَستقرار السياسي وحماية المجتمعات من مفاسد الثورات والفتن، بل وإبعاد حالة التذمر والسخط من الشعوب على حكامهم مما يسبب نفرة ووحشة قد تؤدي إلى الفتنة3. 4ـحسن التمثيل: إن الَنتخابات توصل إلى الحكم الذي يرغب الناس في ولَيته، ويرضون حكمه، ويحبون الَنضواء تحت طاعته4. 5ـاحترام القرارات: إن القرارات سيكون لها التقدير والإحترام والتعظيم، لأنها صادرة من الشعب، ومنطلقة من مصلحته وإرادته5. 6ـشرعية الدولة: الَنتخابات تكسب الدولة شرعية وقوة، تمنحها الَحترام والتقدير لدى العالم ولو كانت هذه الَنتخابات شكلية6. 7ـ مسؤولية المُنتخَب : الَنتخابات تحث المسؤولين على الشعور بالمسؤولية تجاه مواطنيهم، فيحرصون على إرضاء المواطنين وتقديم الخدمات لهم والتقرب إليهم، لأن ولَيتهم مرتبطة بمدى رضا الناس عنهم. 8ـ مسؤولية النَاخب: إن المشاركة في الَنتخاب يبعث في الفرد روح الَهتمام بالوطن، وبالشؤون العامة له، وينمي فيه روح الوطنية7. 1 الَنتخابات وأحكامها، ص427. 2 الَنتخابات وأحكامها، ص: 428. 3 الَستفتاء الشعبي لماجد الحلو، ص422. 4 من فقه الدولة للقرضاوي، ص132. 5 نظام الشورى في الإسلام، زكريا الخطيب، ص303. 6 الَنتخابات وأحكامها، ص432. 7 الأنظمة السياسية، محمد رفعت عبد الوهاب، ص276.
عدد الصفحات ١١٤115 9ـتحقيق الشورى: حيث إن الَنتخابات تمنح جميع الناس المشاركة وإبداء الرأي، وهذا من الشورى التي أمرت الشريعة بها1. والدولة الحديثة المسلمة تعمل على محاربة مفاسد الَنتخابات وعلاجها، وترقية المواطنين في ترشيح من كان مؤهلاً للولَية ومستحقاً لها، ومنع النفوذ الإعلامي المزيف والمال الحرام من التأثير على الَنتخابات وتعمل على التوعية لعموم الناس بوجوب اختيار الأصلح، وأن الولَيات أمانة يجب على المسلم أن لَ يختار لها إلَ من يراه أصلح المرشحين، ولَشك أن الدولة الحديثة تعمل على دفع مفاسد الَنتخابات والتقليل منها قدر المستطاع، مع التعاون مع الأحزاب الملتزمة بالدستور والقانون المستمد من الشريعة، ويفترض أن تكون الأحزا ب في الشعوب الإسلامية، خلافها تنوع لَ تضاد وتقوم بمسؤوليتها في محاسبة الحكام، ومراقبة الحكومة وتقوم بكثير من واجبات الإسلام من الشورى وحماية الحقوق ومراقبة الحكام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتجنب البلاد شر القلاقل والفتن والتنظيمات السرية وتساهم في الَستقرار السياسي، إن الأخذ بنظام الَنتخابات من المدارس الإنسانية المتنوعة في هذا المجال بما يوافق المبادئ الإنسانية وقيم العدل ومقاصد القرآن الكريم شيء مهم في تطوير الحراك السياسي لدى الشعوب المتطلعة إلى الديمقراطية للتعبير عن إرادتها المكبوحة في اختيار حكامها. 1 الَنتخابات وأحكامها، ص434.
عدد الصفحات ١١٥116 المبحث الرابع شروط وصفات وكيفية اختيار أعضاء البرلمان أولاً: شروطهم وصفاتهم يقوم في الأغلب الأعم على كونه مواطناً متمتعاً بالحقوق المدنية والسياسية، كما يشترط بلوغه سناً معيناً، وأن يكون اسمه مدرجاً بجداول الَنتخابات، وأن يكون مجيداً للقراءة والكتابة، وألَ يكون قد صدرت بحقه أحكام تحرمه من ممارسة حقوقه السياسية، ولَ يشترط في العضو بعد ذلك ديانة معينة أو الَلتزام بالفرائض الظاهرة أو الأخلاق وقد قرأت الشروط التي ينبغي توافرها فيمن يرشح نفسه لينتخب عضواً في المجلس النيابي أو التشريعي، أو من يعين فيها، في العديد من نظم الَنتخابات في أكثر الدول العربية، فلم أجد من بينها دولة تشترط الديانة في صفات الناخب أو المرشح أو تحصيل حد معين من العلم الشرعي، أو قدر من التعليم يتجاوز الإلمام بالقراءة أو الكتابة أو تحديد جنس معين "ذكر أو أنثى" كما لَ يشترط ـ في الأغلب الأعم ـ للعضو وجاهة في المجتمع أو امتلاك نصاب مالي معين، وإن كان من الناحية الواقعية يتلازم الأمران إلى حد كبير وقد استقر الفكر السياسي المعاصر على أن أعضاء المجلس لَ يمثلون نيابة أو وكالة خاصة عن مجموعة من الناس، وإن كانوا يترشحون في منطقة جغرافية معينة يطلق عليها الدائرة الَنتخابية وينتخبهم الناخبون في هذه الدائرة فقط، بل يعد كل فرد منهم نائباً عن الشعب كله بمختلف فئاته وطوائفه وممثلاً له 1. إن نواب الشعب في البرلمان ـ أغلبية ومعارضة ـ يعيشون في بيئة ثقافية دينية إسلامية واحدة، وفي ظل المتغيرات الحالية الموجودة ونتيجة لما أحدثه الغزو الفكري الَستعماري، فإن التغريب ومفاهيمه لَ يزال يسيطر على قطاع كبير من المتعلمين والمثقفين في البلاد الإسلامية، وهؤلَء المتغربون يسيرون على درب الشعوب الأوروبية والأمريكية في شتى 1 المشاركة في البرلمان والوزارة، محمد بن شاكر الشريف، ص36.
عدد الصفحات ١١٦117 المجالَت بدون وعي ولَ تعقل ولَ يدركونإدراكاً واعياً الفرق بين معطيات البيئة الثقافية الدينية الإسلامية والبيئة الثقافية الدينية المسيحية الغربية، وأن الشعوب الإسلامية مختلفة على الشعوب الأوروبية وحتى تتجدد البيئة الثقافية الدينية الإسلامية وتتوحد وتسود وتكون لها السيطرة على وجدان ووعي الشعوب الإسلامية قاطبة ستظل هذه الفئة المتغربة موجودة في البلاد الإسلامية وتستفيد من جهل كثير من أبناء الأمة بالفكر الإسلامي وآفاقه السياسية، وروعته وتماسكه في الرؤية والحلول والنظريات القابلة للتنفيذ. والشورى الإسلامية لَ تؤمن بقهر الفكر وكبت الرأي، وكل إنسان حر فيما يؤمن به، رؤى وأفكار ومناهج تغيير، وتصحيح المفاهيم ومعرفة الحق يكون نتيجة التطور الطبيعي للبيئة الثقافية الدينية الإسلامية، وتجديد وتوحيد وسيادة البيئة الثقافية الدينية الإسلامية، وسيطرتها على وجدان ووعي الشعوب الإسلامية ليس معناه فرض مفاهيم ومعطيات هذه البيئة على الفرد وكبت الفكر وقهر الرأي ولكن ذلك يعني اقتناع وإيمان الأغلبية الساحقة من أفراد الشعوب الإسلامية بمفاهيم ومعطيات البيئة الثقافية الدينية الإسلامية وتصحيح الأفكار وتثبيتها في الإدراك الواعي للفرد وذلك حتى يكون الفرد المسلم في مواجهته للأفكار المستجدة سواء كانت أفكاراً عصرية أو مستقبلية على وعي وإدراك حتى يستفيد مما يراه مفيداً ويلفظ ما يراه ضاراً من هذه الأفكار المستجدة، ومن ثم يكون الحق لهذه الفئات المتغربة في البلاد الإسلامية في تكوين أحزابها وتمثيلها في البرلمان ويكون لها الحق في تداول السلطة مادامت متمسكة بأحكام الدستور الذي ينص على أن أحكام الشريعة مصدر التشريع ولَ تعارض القوانين المستمدة من أحكام الإسلام، وبذلك يكون تصحيح وتطوير أفكار التغريب بالعلم والبحث والَقتناع وليس بالفرض والقهر، ومثلنا في ذلك مثل الشعوب الأوروبية، والشعوب اليابانية والصينية وغيرها، حيث تسود مجتمعاتها المختلفة بيئة ثقافية دينية واحدة خاصة بكل شعب من هذه الشعوب، هذه البيئة الثقافية الدينية الواحدة الخاصة بكل شعب لها السيادة والسيطرة على وجدان ووغى الأغلبية الساحقة من أفراد هذه الشعوب بكل معطياتها ومفاهيمها، أما في بيئتنا الثقافية الدينية الإسلامية في معظم الدول الإسلامية، فقد أحدث الغزو الفكري الَستعماري شرخاً في مفاهيمنا ومعطياتنا منذ النصف الثاني من
عدد الصفحات ١١٧118 القرن الذي قبل القرن الماضي ومن أمثلة ذلك: كيف تفصل العقيدة عن أحكام الشريعة؟ كيف نخلص إلى مفهوم تغريبي مغلوط فرضه علينا الَستعمار وغزوه الفكري ليسهل له السيطرة علينا ونجعل الإيمان بالعقيدة الإسلامية مباحاً ونشجعه، أما الإيمان بتنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية فشيء مستهجن وممنوع؟ كيف يكون إيمان المؤمن كاملاً وهو يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض؟ هذا الشرخ في البيئة الثقافية الدينية الإسلامية وغيره يحتاج إلى صبر وإدراك ووعي ولَ يمكن أن يكون علاجه الصحيح الدائم بفرض أوامر فوقية أو قهر الرأي وكبت الفكر المخالف، ولكن بالحجة والإقناع وإيضاح المفاهيم الصحيحة والمعطيات المستنيرة للبيئة الثقافية الإسلامية1. إن توعية الناس بأهمية ودور البرلمان في حياة الشعوب والحرص على اختيار الأعضاء من ذوي شروط وصفات متميزة يحتاج لنشر التعليم والتثقيف لرسم صفات العضو البرلماني المؤثر الحيوي النشط في وجدان الشعب وثقافته لكي يكون اختياره صحيحاً ومنسجماً مع طبيعة البرلمان ووظائفه الخطيرة في حياة الشعوب وبعد ت ضحياتها الكبيرة من أجل الحرية والعدالة والكرامة والشورى وحقوق الإنسان، ومن أهم شروط وصفات أعضاء البرلمان المنتخب في الدولة الحديثة المسلمة. 1 ـ الإسلام هو شرط طبيعي وضروري وذلك لأن هؤلَء الأفراد يعملون في دولة مرجعيتها الإسلام، فالمسلمون هم الذين يؤمنون بالإسلام ويتحملون ما يفرضه عليهم من واجبات في إقامة الدين والدولة، كما يتمتعون بحقوقهم في تنظيم الدولة وإدارة شؤونها العامة و اختيار حكامها، وبالنسبة لغير المسلمين من أتباع الأديان الأخرى فإن الإسلام يضمن لهم المحافظة على أنفسهم وأموالهم ومعتقداتهم، كما أنه ليس هناك ما يمنع من استشارة غير المسلمين في المسائل الدنيوية من الناحية العلمية التي تخصصوا فيها وذلك بشروط ألَ يمس الأمر 1 النظام السياسي الإسلامي والفكر الليبرالي، محمد الجوهري، ص142.
عدد الصفحات ١١٨119 أحكام الشريعة الإسلامية1، وسنتناول هذه الدراسة مدى جواز اشتراك غير المسلمين في البرلمان في الدولة الحديثة المسلمة. 2 ـ البلوغ والعقل وهذا الشرط طبيعي إذ أنه لَ يصح أن يشارك في الأمور المهمة للدولة إلَ من بلغ مبلغ الرجال، كما يجب أن يكون عاقلاً غير مجنون أو سفيه، حيث إنه لَ يكلف بالأحكام الشرعية إلَ البالغ العاقل، وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلي حتى يبرأ وعن الصبي حتى يكبر»2، فالصبي غير ملزم بالتكاليف الشرعية، ومن ثم فإنه لَ يدخل في جماعة أولي الأمر وكذلك المجنون والسفيه والمعتوه، ومن في حكمهم لَ يدخلون في جماعة أولي الأمر، إذ أنهم محرومون من إدارة شؤونهم الخاصة، وفي ذلك يقول الله تعالى:﴿ وَلََ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُّ لَكُمْ قِيَاماً ﴾ (النساء، آية: 5.) إن البلوغ والعقل شرطان بديهيان للمشاركة السياسية فضلاً عن القيادة ، والجدير بالملاحظة في شأن سن أعضاء الهيئة التشريعية أن كثيراً من الدساتير لَ ي كتفي بسن البلوغ، بل يشترط نضجاً أكبر يقدر أنه لَ يحصل قبل سن الثلاثين أ و ما شابه ذلك، وأما الثقافة الإسلامية، فلا نجد تحديداً للسن غير البلوغ، سن الأهلية القانونية، إذ المشاركة في شؤون الحكم مسؤولية من المسؤوليات رغم أنها أخطر من غيرها. ولقد ثبت في تجربة الحكم الإسلامي أن شباباً دون سن العشرين قد تحملوا مسؤوليات قد تكون أخطر من النيابة مثل قيادة الجيوش لإدارة الحروب، نذكر منهم أسامة بن زيد، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، ومحمد بن القاسم ومحمد الفاتح..إلخ، ورغم أن نضج التجربة والتوفر على الزاد العلمي والبعد عن الَنفعالَت والأهواء لَ تدرك عادة إلَ في سن متأخرة، فإن إصابة الحق ليس حكراً على مرحلة من العمر، بل إن الحيوية وتوقد 1 الدولة الإسلامية والمبادئ الدستورية، د. أحمد محمد أمين، ص92. 2 المصدر نفسه، ص93.
عدد الصفحات ١١٩120 الذهن لدى الشباب والتحرر من جمود التقليد أمور معينة على اكتشاف الجديد من الآراء والمواقف1. وقد أشار القرآن الكريم إلى تناهي العقل وكمال الفهم والحلم في الأربعين سنة، قال تعالى ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ (الأحقاف، آية: 15). وبلوغ الأشد يتراوح بين الثلاثين والأربعين، والأربعون هي غاية النضج والرشد وفيها تكتمل جميع القوى والطاقات ويتهيأ الإنسان للتدبر والتفكر في اكتمال وهدوء، وفي هذه السن تتجه الفطرة المستقيمة السليمة إلى ما وراء الحياة وما بعدها، وتتدبر المصير والمآل2، يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: وصفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلاً مجرباً واداً في المستشير 3. ويقول الماوردي: كل شيء يحتاج إلى العقل، والعقل يحتاج إلى التجارب4، وقال المأمون لولده موصياً ومعلماً: استشيروا ذوي التجربة والحيلة، فإنهم أعلم بمصادر الأمور، ونقليات الدهور، وتحملوهم وما يغلظون من قول أو يكشفونه من عيب لما ترجونه من حالة تصلح، وفتق يرتق، فإن جرعكم المرارة لشفائكم أشفق ممن أطعمكم الحلاوة لأسقامكم5. ويقول الشاعر وإن باب أمر عليك التوى فشاور لبيباً ولَ تعصه وكان العرب في جاهليتهم لَ يستشيرون إلَ العقلاء والعقل، مناط التكليف وبه يعرف الحق من الباطل، والصحيح من السقيم وبه تدرك عواقب الأمور، والعقل المتربي في ظلال الوحي والتجربة هو المتزن دائماً وصاحبه يرجع إليه، وقد وصف الأصمعي الخليل بأنه 1 الحريات (1 /246) راشد الغنوشي 2 في ظلال القرآن6 /3262.) 3 تفسير القرطبي المعروف الجامع لأحكام القرآن4 /251.) 4 أدب الدنيا والدين، ص272. 5 تحفة الوزراء للثعالبي، ص87.
عدد الصفحات ١٢٠121 ما شئت من علم وأدب إلَ أن عقله أكبر من علمه، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، وفي الحكمة استرشدوا العاقل ترشدوا ولَ تعصوه فتندموا1، وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يه مل استشارة الشباب والإفادة من توقد أذهانهم، فلقد استمع في غزوة بني المصطلق لزيد بن ثابت، كما خرج يوم أحد لملاقاة العدو بإلحاح وضغط الشباب، وكان رأيهم صواباً إذ دارت الدائرة على قريش لولَ ترك الرماة مواقعهم، ولذلك جاء القرآن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالَستمرار والثبات على المشاورة، كما استشار في أدق المسائل التي أقضت مضجع الجماعة المؤمنة، وفي أخطر الَمتحانات التي مر بها الصف الإسلامي، أعني مسألة الإفك أسامة وعلياً، وكلهم شباب وكان عمر يُدخل على مجالس أشياخ الصحابة وشاورهم شباباً من صنف عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وذلك رغم عدم ارتياح أشياخ الشورى، الأمر الذي دفع أمير المؤمنين إلى تحديهم بذلك الشباب وإظهار تفوقه عليهم في الفهم والإدراك فأذعنوا وقبلوا عضوية الشباب، وليس ذلك عيباً، فلقد كان التحول الإسلامي في صدر الإسلام في طليعته الشباب والقرآن الكريم نفسه يؤكد الدور الريادي للشباب في تاريخ الدعوات، فإبراهيم وهو يهدم أصنام قومه لم يكن سوى فتى، إن الشباب هم الطاقة الكامنة والوقود النافع في تحولَت الشعوب الكبيرة وهم خلف كل تغيير حضاري مؤثر في الحياة، ففتح المجال للاستفادة من المتميزين منهم في البرلمانات أو القيادة من ضروريات الحياة2. 3 ـ الحرية وهذا الشرط مهم يجب أن يتوفر في كل أفراد أولي الأمر، فيجب أن يكون لديه الحرية الكاملة في الَختيار فلا يخضع لتأثير شخص ما أيً ا كان، والعبد ليست له حرية كاملة فهو دائماً مشغول بتلبية طلبات سيده، وخاضع لإرادته كما أنه لَ يتمتع بالَحترام الكافي مثل 1 فقه الشورى، علي الغامدي، ص81. 2 الحريات1 /247.)
عدد الصفحات ١٢١122 احرار في أعين الناس، وهذا الشرط بعد الطلب توافره في عصرنا الحالي عديم الفائدة، وذلك لأن الرق في عصرنا الحديث قد ألغي وصار الناس جميعاً يتمتعون بالحرية 1. 4 ـ القوة والأمانة وذلك مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَْمِينُ ﴾ (القصص، آية: 26.) وتعني القوة القوة المادية والجسدية، وقد تعني قوة الفهم والإدراك وقد تعنيهما معاً، وأما الأمانة فتعني أن يكون الشخص ذا ضمير يقظ تصان به حقوق العباد، وأن يشعر المرء بمسؤوليته في كل أمر يسند إليه، وأنه مسؤول أمام ربه، كما أن الأمانة تعني أن يكون العامل أميناً على ما يعهد إليه، فهو مؤتمن على مصالح الرعية ومؤتمن على ما تحت يديه من أموال2. وتجمع الأمانة بين الكفاية العلمية وصلاح النفس وحسن الإيمان وقد ذكر القرآن الكريم الأمانة في معناها العام، قال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَْمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِْنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًَ ﴾ (الأحزاب، آية: 72.) ـ قال تعالى﴿إِنَّ اللهَّ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ (النساء، آية: 58.) وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لََ تَخُونُواْ اللهَّ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾(الأحزاب، آية: 72.) وتجمع الأمانة بين الكفاية العلمية وصلاح النفس وحسن الإيمان، ففي الحديث النبوي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله ألَ تستعملني؟ قال: «أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليها فيها»3، 1 الدولة الإسلامية والمبادئ الدستورية، ص94. 2 المصدر نفسه، ص95. 3 صحيح مسلم، في الإمارة، الحديث رقم4696/1825.
عدد الصفحات ١٢٢123 فالأمانة تقتضي أن يتولى الولَية أحسن الناس قياماً بها، أما إذا تولى الولَية غي ره لرشوة أو هوى، أو رغبة في جاه أو حب للأقربين فإن ذلك خيانة فادحة لقوله صلى الله عليه وسلم: «من استعمل رجلاً على عصابة وفيهم من هو أرضى لله فقد خان الله ورسوله والمؤمنين»1. كذلك عدم تولية امناء يعد من مظاهر الفساد، ففي الحديث الشريف: قيل متى تقوم الساعة، يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة»، قالوا: كيف إضاعتها؟ قال صلى الله عليه وسلم: «إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة»2. والأمانة ترجع إلى خشية الله ـعز وجل ـ وترك خشية الناس وألَ يشتري المسلم بآيات الله ثمناً قليلاً 3. والقرآن الكريم والسنة المطهرة تربي الناس على الأمان ة والَلتزام بأحكام الشريعة والمحافظة عليها أمانة، ولهذا فطهور الإنسان أمانة، وصلاته أمانة، وصومه أمانة، وقيامه، بما عليه من الحقوق لله أمانة، والذي يتربى على أداء الأمانة لديه مقدرة واسعة لتحمل المسؤولية في الشورى، فإذا سئل أو طلب منه الإدلَء بصوته كان أميناً قوً الَ للحق لَ تأخذه في الله لومة لَئم، فهذا من أمانة الكلمة وأدائها على الوجه المشروع ولإحقاق الحق، وإبطال الباطل، ولو كان ذلك في ضرر على قائلها، وهناك أمانة المجلس وما يدور فيه من كلام وآراء فإن المجالس بالأمانات، وإفشاء الأسرار يؤدي إلى ضياع الأمر، وإيجاد الأحقاد ويجعل أعضاء المجلس يتهيبون من الصدع بالحق4. يقول العباس لَبنه عبد الله رضي الله عنهما: يا بني إني أرى أمير المؤمنين يستخليك ويستشيرك، ويقدمك على الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني أوصيك بخلال أربع: لَ تفشين له سراً، ولَ يجرب ن عليك كذباً، ولَ تغتابن عنده أحداً، و لَ تطو عنه نصيحة5. 1 مستدرك الحاكم، الحديث رقم7023. 2 البخاري، في العلم، الحديث رقم59. 3 السياسة الشرعية لَبن تيمية، ص26. 4 فقه الشورى، علي الغامدي، ص114. 5 عيون الأخبار لَبن قتيبة (1 /19.)
عدد الصفحات ١٢٣124 وهذه الوصايا كلها من الأمانة، والمستشار مؤتمن، ولعل من أهم ما في الَستشارة محض النصح، فهو مما لَ يغل عليه قلب مؤمن. وروى زيد بن ثابت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث لا يُغِلُّ عليهن قلبُ ا مرئ مسلم: إخلاص العمل لله والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم»1. 5 ـ القدرة والإرادة الإرادة هي الإخلاص وحب العمل والباعث على العمل والإرادة الصالحة القائمة على باعث العقيدة والدين تفرز العمل الصالح ولَ يكفي وجود الإرادة وحدها، بل يجب أن تتوافر القدرة على أداء العمل، والقدرة ترتبط بالخبرة في مجال العمل، وللخبرة مكونان عنصر عقلي وعنصر مادي2. 6 ـ العدالة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَ ا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للهِِّ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلََ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْم عَلَى أَلََّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ (المائدة، آية: 8.) وقال تعالى﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾ (الأنعام، آية: 152.) وقال تعالى﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهََّ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ (الحجرات، آية: 9.) وروى الإمام مسلم بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال«إن المقسطين عند الله تعالى على منابر من نور، عن يمين الرحمٰن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولاوا »3. والعدالة هي شرط تولي جميع الولَيات العامة، وقد عرفها الماوردي بأنها تعني أن يكون الشخص صادق اللهجة ظاهر الأمانة عفيفاً عن المحارم متوقياً المآثم بعيداً عن الريب 1 رواه ابن ماجه وذكره الشيخ الألباني في صحيح ابن ماجه في المقدمة، حديث رقم187. 2 الدولة الإسلامية والمبادئ الدستورية، ص96. 3 صحيح مسلم، الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، الحديث رقم:4698 /1827.
عدد الصفحات ١٢٤125 مأموناً في الرضا والغضب م ستعملاً لمروءة مثله في دينه ودنياه، فإذا تكاملت فيه هذه الصفات، فإنه ولَيته ـ وكذلك شهادته ـ. وإذا انتفت إحدى هذه الصفات منع من الولَية1، واشتراط العدالة فيمن يتولى الولَية في الدولة الحديثة المسلمة فيه ضمان لحفظ دماء الناس وأموالهم وأعراضهم إذ أن من لَ تتوافر فيه العدالة ويكون وازعه الديني ضعيفاً أو ليس عنده وازع ديني لَ يوثق به، وإذا أسندت إليه ولَية فإن في ذلك ضرراً عظيماً، كما أن ا شتراط العدالة يرجع إلى الجانب الأخلاقي الذي تتميز به الممارسة الإسلامية، فبفضل هذا الشرط الحيوي يستشعر أصحاب الولَيات العامة مسؤوليتهم أمام الله عز وجل الذي هو :﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لََ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّة فِي السَّمَاوَاتِ وَلََ فِي الأَْرْضِ ﴾ (سبأ، آية: 3). وأنه لَ يفلت من رقابة الله أحد، وأنه لو تمكن أحد من الناس من الإفلات من رقابة الناس ومن ضوابط القانون فإنه لن يفلت من رقابة الله عز وجل وهذا الشعور هو الذي يعمق الضمير الديني والوجدان الأخلاقي لديهم ويجعلهم حريصين على توخي المصلحة العامة في كل عمل يقومون به، فتولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجار2. وقال الأستاذ عبد القادر عودة: والعدالة هي التحلي بالفرائض والفضائل، والتخلي عن المعاصي والرذائل وعما يخل بالمروءة أيضاً 3، وهذا الشرط يقابله ما تشترطه القوانين الحديثة في المرشحين لعضوية المجالس التشريعية، وترتب على فقدانه إسقاط العضوية وقد خلا القانون رقم 38 لسنة1972م في شأن مجلس الشعب المكملة لدستور جمهورية مصر العربية لسنة 1972م من اشتراط العدالة أو ما في معناها ضمن الشروط التي وردت في المادة الخامسة فيمن يرشح لعضوية مجلس الشعب في حين نصت مادة 96 من الدستور ما يفيد إسقاط العضوية بفقدان هذا الشرط وعبرت عنه بفقدان الثقة والَعتبار4. 1 الدولة الإسلامية والمبادئ الدستورية 2المصدر نفسه 3 الإسلام وأوضاعنا السياسية، ص168. 4 في الفقه السياسي الإسلامي فريد عبد الخالق، ص112.
عدد الصفحات ١٢٥126 وقد نبهت محكمة جنايات القاهرة في حيثيات حكم لها صدر في6 يونيو1991م في القضية المتعلقة بمتهم في عدالته: أنه لَ يفوت المحكمة في النهاية أن تنوه إلى أنه قد بات حرياً ومجدياً إضافة تعديل إلى قانون مجلس الشعب رقم 38 لسنة1972م بأن يضاف إلى الشروط الواجب توافرها في المرشح "لعضوية المجالس النيابية" شرط أن يكون محمود السيرة حسن السمعة، وتلافياً لما قد يوجه إليهم بعد فوزهم في الَنتخابات من اتهامات وحفاظاً على كرامة المجلس ومكانته التي أو لَها الشعب لأعضائه كي يؤدوا رسالتهم الرفيعة، ويضطلعون بالإنابة الموكولة إليهم، ومن ثم يصان للمجلس دوره الفاعل في الرقابة والتشريع بحسبانه سلطة عليا من سلطات الدولة التي يتعين أن تحاط بسياج منيع ضد من يحاول النيل منها وإن كان الدستور قد كفل للمواطنين حرية الترشيح والَنتخابات، فإن حق الَ عتراض على النحو السالف بيانه لَ يعتبر قيداً على حرية المواطنين في الترشيح بل فضلاً على أنه ضمان لترشيح أفضل العناصر لتلك المناصب، فإن حرية الفرد لَ تربو بأية حال على مصلحة المجتمع، ومما تجدر الإشارة إليه في ما اشتملت عليه حيثيات الحكم في هذه القضية الشهيرة ـ غير ما ذكرناه ـ تأكيدها على مبدأ كفالة "حق النقد" بتبرئتها المتهمين فيها من تهمة التشهير بالنائب "السب والقذف" صاحب الدعوى المرفوعة منه ضدهم1 وهو ما يؤكد أن الصحافة هي أحد أهم مفردات منظومة المحتسبين الذين يعاونون من يعتبر "والياً للحسبة" على ذوي السلطان في هذا الزمان ممثلاً في جماعة أهل الحل والعقد أي "نواب الأمة" الذين تنظمهم "الهيئة التشريعية" وهي ولَية مستمدة من الدستور وانتخاب الشعب لهم، ليؤدوا وظيفة الحسبة على ذوي السلطان كفرض عين. ـ فقه اشتراط العدالة في التصرفات والولايات: 1 في الفقه السياسي الإسلامي، ص115.
عدد الصفحات ١٢٦127 يقول القارفي في فروقه: قد تقرر في أصول الفقه أن المصالح إما في محل الضروريات أو في محل الحاجيات أو في محل التتمات وإما مستغني عنه بالكلية إما لعدم اعتباره وإما لقيام غيره مقامه، والفرق هاهنا مبني على هذه القاعدة، فإن اشتراط العدالة في التصرفات مصلحة لحصول الضبط بها وعدم الَنضباط مع الفسقة ومن لَ يوثق به، فاشتراط العدالة إما في محل الضروريات كالشهادات فإن الضرورة تدعو لحفظ دماء الناس وأموالهم وأبضاعهم وأعراضهم عن الضياع، فلو قبل فيها قول الفسقة ومن لَ يوثق به لضاعت وكذلك الولَيات كالإمامة والقضاء، وأمانة الحكم وغير ذلك من الولَيات، مما في معنى هذه لو فوضت لمن لَ يوثق به لحكم بالجور وانتشر الظلم وضاعت المصالح وكثرة المفاسد1، فإذا انتكس الوضع فكان سلطان الحاكم فوق سلطان الأمة، ضاع الشرع، واستحكم الَستبداد، وتأله الفرعون، وذل الشعب، واستشرى الخراب وعمت البلوى بعموم الفساد، وقذف بالأمة خارج حدود الجغرافيا وحركة التاريخ، وأسلمها إلى غيبوبة قاتلة وسلبية ماحقة، ولَ يعيدها إلى الوجود مرة أخرى إلَ بتحرير إنسانها من الأغلال والآصار التي شلت إرادته وغيبت عقله ودمرت عزيمته، ولن يحرره منها وبخاصة من آثارها إلَ هو بنفسه يوم يغير ما بها من العلل التي طرأت عليها فيغير الله ما آل إليه حاله الأسيف من الوهن والضياع2، ورحم الله أبا مسلم الخولَني الذي كان واحداً من جماعة أهل الحل والعقد من سلفنا الصالح استوفى شروطها، وفقه دينها، عقيدة وشريعة ونظاماً، وأدرك مسؤوليته في إقامة نظام حكم شورى راشد، وأحسن التعبير عن إرادة الأمة وضميرها، فقد روى أنه أتى معاوية بن أبي سفيان وهو خليفة المسلمين آنذاك فقام بين السماطين، فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقال من عنده: قل يا أبا مسلم السلام عليك أيها الأمير فقال أبو مسلم: السلام عليك أيها الأجير، فقال معاوية: ادعو أبا مسلم فإنه أعلم بما يريد، فقال: أعلم أنه ليس من أجير استرعى إلَ رب أجره سائله عنها، فإن كان داوى مرضاها، وجبر كسراها، وهنأ "داواها بالقطران" جرباها، وردَّ أولَها على أخراها، ووضعها في أنف من 1 المصدر نفسه، ص115. 2 المصدر نفسه، ص117.
عدد الصفحات ١٢٧128 الكلأ وصفو من الماء، وفاه أجره، وإن كان لم يداو مرضاها، ولم يهنأ جرباها، ولم يجبر كسراها، ولم يرد أولَها على أخراها، ولم يضعها في أنف من الكلأ وصفو من الماء لم يؤته أجرها، فانظر أين أنت من ذلك؟ فقال معاوية: يرحمك الله يا أبا مسلم1، وورد أيضاً أن معاوية حبس العطاء فقام إليه أبو مسلم الخولَني فقال له: يا معاوية إنه ليس من كدك ولَ من كد أبيك ولَ من كد أمك، قال فغضب معاوية ونزل عن المنبر وقال لهم: مكانكم، وغاب عن أعينهم ساعة، ثم خرج عليهم وقد اغتسل فقال: إن أبا مسلم كلمني بك لام أغضبني، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الغضب من الشيطان، والشيطان خلق من نار وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليغتسل» وإني دخلت فاغتسلت وصدق أبو مسلم إنه ليس من كدي ولَ من كد أبي، فهلموا إلى عطائكم2، فإن كان أبو مسلم شديداً في نص حه لأمير المؤمنين وفي إنكاره عليه حبس العطاء عن المسلمين، فقد كان ذلك منه عن شعور بالمسؤولية عن منع ما يراه عن الحاكم من جور أو هضم لحقوق الناس، كما كان شفقة منه عليه، ولَ غرابة في أن يلقى معاوية هذا الهجوم العنيف بصدر رحب، وقد ربوا حكاماً ومحكومين في مدرس ة النبوة على إباء الظلم وعدم السكوت على المنكر كما ربوا على الصبر والنزول على مقتضى الحق والعدل، وما زلنا نؤكد على أن المعول عليه في صلاح الحال ليس هو في أحكام النصوص بقدر ما هو في يقظة الضمائر وتقوى الله وقوة النفوس، فإن في توافر هذه العناصر الذاتية ضمان المشاركة السياسية وترسيخ مبدأ احترام حقوق الإنسان، وفريضة الشورى وإنقاذ الأمة من السلبية وترك الحبل على الغارب، وهذا هو معنى تغيير ما بالنفوس الذي رتّ ب الله عليه، حسب سننه الثابتة في العمران البشري تغيير ما بنا من وهن وسوء حال، ولَ يوجد إلى التغيير غيره3. 1 المصباح المضيء في خلافة المستضيء لَبن الجوزي (2 /40.) 2 في الفقه السياسي الإسلامي، فريد عبد الخالق، ص118. 3 المصدر نفسه، ص119.
عدد الصفحات ١٢٨