المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

البرلمان في الدولة الحديثة المسلمة

علي محمد الصلابي

صفحة ٧ من ١٨

97 ـ الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة تجسيداً لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ (النحل، آية: 125.) ـ إن فيها بذل وقت وجهد لتعريف الناس بمنهج الله وهدي رسول الله. ـ تمثل صورة من صور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ـ أنها تعد واجب الوقت في العديد من دول العالم التي لم يعد الجهاد فيها ضد عدو وافد مسلح، وإنما ضد أنظمة غاشمة وحكام ظلمة منعوا الناس من ممارسة حقوقهم، فقيدوا حرياتهم ونهبوا أموالهم وسرقوا حتى أحلامهم فتوجب تغيير هؤلَء بكل الوسائل السلمية الممكنة ومن أهمها وسيلة الَنتخابات1. سابعاً: حكم مقاطعة الانتخابات: قد يرى فرد من أفراد المجتمع أو فصيل من فصائله مقاطعة الَنتخابات لكون الدولة الحديثة المسلمة قائمة، وهناك من أفراد الشعب وجماعاته ومؤسساته من يسد هذا الفراغ، حيث يتفرغ هذا الفرد أو الفصيل لملء فراغ آخر لَ يجد من يقوم فيه بفرض الكفاية، وفي هذه الحالة لَ مانع من هذا التفرغ أو تلك المقاطعة لكون هذا الصنيع يدخل في تقسيم الأدوار بين أفراد المجتمع ومؤسساته، وكل يعمل فيما يحسن إتقانه إذ (كل ميسر لما خلق له)2، والحكم في هذه الحالة يكون من باب فرض الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وفي مثل هذه الحالة يمكن إعمال فقه الَختلاف والذي تتعدد فيه الرؤى وتختلف فيه الآراء والعمل في هذا يدور بين الصواب والأصوب، وبين الأجر والأجرين، وقد يرى مواطن أو مواطنة أو تيار معين من المجتمع مقاطعة الَنتخابات لعدم الفائدة فيها حسب رأيهم وعدم الوصول إلى نتائج ملموسة تتناسب مع الجهد المبذول فيها. 1 الَنتخابات أحكام وضوابط، ص34. 2 صحيح البخاري، ك التفسير، الحديث رقم4949.

عدد الصفحات ٩٧

98 وفي هذه الحالة تدرس العملية الَنتخابية في إطار فقه الموازنات والمآلَت والَجتهادات، ويحترم كل الآخر، ويبتعد الفريق الذي قاطع الآخرين الذين شاركوا عن التشويه أو التجريح أو إلقاء تهم، ونترك للأيام بيان الأصوب في الَجتهاد. وفي حالة وجود منافسة شرسة بين قوى الخير والشر والحق والباطل، فلا يجوز التأخر لمساندة الخير والحق والتصدي للتيارات التي تريد أن تفتن بذلك من القوانين ما يحول بين الناس وبين تطبيق شرع ربهم، وفي هذه الحالة لَ يجوز لأهل الخير من الوطنيين أن يقاطعوا العملية الَنتخابية، إذ يترتب على ذلك إلحاق ضرر بالبلاد والعباد، والمقاطعة في مثل هذه الظروف تخلف عن أداء واجب ومن تخلف عن أداء واجبه الَنتخابي حتى يرسب الكفء الأمين ويفوز بالأغلبية ما لَ يستحق ممن لم يتوفر فيه وصف القوي الأمين ـ فقد خالف أمر الله في أداء الشهادة وقد دعي إليها، وكتم الشهادة أحوج ما يكون الشعب إليها، وقد قال تعالى: ﴿وَلََ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ (البقرة، آية: 282)، وقال تعالى﴿وَلََ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِم قَلْبُهُ ﴾ (البقرة، آية: 283.) ومثل ذلك يقال في صفات المرشح وشروطه من باب أولى1، وترك الواجب ـ كما في هذه الحالة ـ يقتضي تحقق وقوع الإثم على صاحبه، ولذا فقد وجبت المشاركة، وكانت الخطوات إلى صناديق الَقتراع قربة وطاعة وصار المكث في البيت ضعفاً وخوراً وخذلَناً ومساهمة في تضييع مصالح الشعب وحقوقه2. ثامناً: هل الانتخابات شهادة أم وكالة؟ اختلف العلماء في ذلك، فهناك من قال شهادة وهناك من قال وكالة. 1 ـ الانتخابات شهادة: 1 من فقه الدولة في الإسلام للقرضاوي، ص140. 2 المصدر نفسه

عدد الصفحات ٩٨

99 فإذا نظرنا إلى نظام كنظام الَنتخاب أو التصويت فهو في نظر الإسلام (شهادة) للمرشح للصلاحية، فيجب أن يتوفر في (صاحب الصوت) ما يتوفر في الشاهد من الشروط بأن يكون عدلًَ مرضي السيرة، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِّنكُمْ ﴾ (الطلاق، آية: 2)، ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء ﴾ (البقرة، آية: 282)، ويمكننا أن نخفف من شروط العدالة وأوصافها هنا بما يناسب المهام، ويمكن أكبر عدد من المواطنين من الشهادة ولَ يستبعد إلَ من أثبت عليه القضاء جريمة مُخلّة بالشرف ونحوها، ومن شهد لغير صالح بأنه صالح، فقد ارتكب كبيرة شهادة الزور، وقد قرنها القرآن بالشرك بالله، إذ قال: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَْوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴾ (الحج، آية: 30.) ومن شهد لمرشح بالصلاحية لمجرد أنه قريبه أو ابن بلده أو لمنفعة شخصية يرتجيها منه فقد خالف أمر الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للهَِِّ ﴾ (الطلاق، آية: 2)، ومن تخلف عن أداء واجبه الَنتخابي حتى رسب الكفء الأمين وفاز بالأغلبية من لَ يستحق ممن لم يتوفر فيه وصف (القوي الأمين) لقد خالف أمر الله في أداء الشهادة وقد دعي إليها، وكتم الشهادة أحوج ما تكون الأمة إليها، وقد قال تعالى: ﴿وَلََ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ (البقرة، آية: 282)، وقال تعالى: ﴿ وَلََ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِم قَلْبُهُ ﴾ (البقرة، آية: 283)1. 2 ـ الانتخابات وكالة: ذهب إلى هذا عدد من الفقهاء وعلى رأسهم مصطفى السباعي، إذ اعتبر الَنتخابات وكالة بين الناخب والمرشح، أن بمعنى أدق صورة من صور الوكالة لأن الأفراد يختارون من الأمة الأصلح والأكفأ والأجدر لينوب عنهم في مراقبة الحكومة وتشريع القوانين، ولهذا فإن الأفراد من حقهم إقالة الرئيس إن خان الوكالة أو إسقاط النائب على الأقل في الدورة 1 من فقه الدولة في الإسلامللقرضاوي، ص: 29.

عدد الصفحات ٩٩

100 المقبلة إن لم يكن على قدر المسؤولية أو قدم مصلحته أو مصلحة حزبه على مصالح الأفراد أو البلاد1. 3 ـ الانتخابات شهادة ووكالة: إن الَنتخابات تجمع بين الأمرين، فهي شهادة وتزكية ووكالة وإنابة، فالفرد المرشح لَ ينيب عنه إلَ من ثبت لديه أنه قوي أمين، ولَ يوكل إلَ من وثق في قدراته ليطالب له بحقوقه وينوب عنه في محاسبة الحكومة وسن القوانين، فعمله من جهة شهادة، ومن جهة أخرى وكالة2. 4 ـ الانتخابات حق أم واجب؟ تتعامل بعض النظم الحديثة مع الَنتخابات على اعتبار أنها حق وبعضها يرى أنها واجب، وفرق واضح بين الأمرين: فكونها حقاً يعني أنه لَ يجوز منع المرء من هذا الحق من قبل أي سلطة مهما أوتيت من قوة، وكونها واجباً، يعني أنه لَ يجوز للمرء التهاون في هذا الأمر وتقصيره بعدم الإدلَء بصوته يعرضه للمساءلة القانونية وتعرضه لما يترتب على ذلك من غرامة مالية أو ما شابه ذلك وهذا معمول به في العديد من دول العالم والَنتخابات حق واجب، وهذا يعني أنه لَ يجوز منع أحد من القيام بهذا الحق، وترك الإنسان لحقه لَ يوجب عليه تعزيرات مالية أو غيرها، إلَ أنه إذا رأى ولي الأمر أن ترك الحق يؤثر سلباً على العملية الَنتخابية، كأن تزور النتائج أو تعطل المصالح، فيجوز له أن يلزم الأفراد بأداء هذا الواجب وإلَ لزمهم تعزير ويدخل هذا فيما يسميه العلماء بالمصلحة المرسلة3. تاسعاً: إلغاء الانتخابات ونتائجها هل يجوز؟ 1 الَنتخابات أحكام وضوابط، ص37. 2 المصدر نفسه، ص38. 3 الَنتخابات أحكام وضوابط، ص39.

عدد الصفحات ١٠٠

101 حين تجري الَنتخابات ويتقدم الناس لترشيح من يختارونه ثم تظهر النتائج عن فوز أحد المرشحين للولَية المنتخب عليها فهل يجوز تغيير نتيجة هذه الَنتخابات وإسناد الولَية لغيره؟ ولَ يجوز لأحد أن يلغي الَنتخابات ونتائجها مهما كانت سلطته مادامت نزيهة، قام كل أفراد المجتمع فيها بدورهم، الحكومة ترتيباً وتنظيماً والأحزاب دعاية وتنسيقاً والمرشحون عرضاً وتوضيحاً والإعلام تثقيفاً وتنويراً والشعب حضوراً و اختياراً، إن نتيجة العملية الَنتخابية بمثابة شورى، والشورى هنا تعتبر شورى (تنصيب وتولية) ومثل هذه الشورى لم يختلف العلماء في وجوب الإلزام بها، بل الأدلة الشرعية على حرمة ذلك وعقاب من يحاول شق الصف ورفض رأي الشعب وبخاصة إذا كان الأمر يتعلق بولَية عامة كما هو الحال في اختيار حاكم ورئيس وقريب منه المجالس النيابية التي من خلالها يتم اختيار حكومة تدير مصالح البلاد ويستدل هنا بقوله صلى الله عليه وسلم: «من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليُطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر»1، وقوله صلى الله عليه وسلم«مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُل وَاحِد يُرِيدُ أَنْ يَشُقا عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ »2، كما أن إلغاء الَنتخابات مهما كان صاحب القرار قد يؤدي إلى كثير من المفاسد منها: ـ إهدار أموال الشعب دون مصلحة تنفذ، إذ في العملية الَنتخابية في بعض الدول تصرف المليارات. ـ إضاعة الكثير من الجهود دون تحقيق هدف يذكر. ـ إضاعة هيبة الحكومة، إذ إرغامها على فعل شيء دون سبب حقيقي يذهب هيبتها. ـ توقع تكرار هذا الأمر، إذ من يمنع حدوثه ثانية طالما تحقق للبعض مراده. 1 مسند أحمد، الحديث رقم6500 إسناده صحيح 2 صحيح مسلم، في الإمارة، الحديث رقم4775.

عدد الصفحات ١٠١

102 لكن هذا لَ يمنع أن تلغى الَنتخابات في بعض الأوقات وذلك إن كان التزوير واضحاً جلياً، أو تحقق خلل في العملية الَنتخابية، على أن يكون الفصل في ذلك للمحكمة الدستورية العليا النزيهة والحرة التي لَ تخلو منها أرض الله1. عاشراً: الدعاية الانتخابية: هي الحملة التي يقوم بها المرشح في المدة التي تسبق مرحلة الَنتخابات ليحقق بها أكبر عدد ممكن من الأصوات مستخدماً في ذلك وسائل الَتصالَت وأساليب التأثير 2، وقد تسمى بالدعاية الَنتخابية أو الحملات الَنتخابية أو الدعاية السياسية 3، وبيان حكم الدعاية الَنتخابية يتطلب البحث عن أهم الأحكام التي تتضمنها هذه الدعاية ثم بيان حكم الدعاية وهذا ما تحتويه المطالب التالية: 1ـ تزكية النفس فالأصل في تزكية النفس هو قول الله تعالى:﴿ فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾ (النجم، آية: 32.) ـ وقال تعالى﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللهُّ يُزَكِّي مَن يَشَاء ﴾ (النساء، آية: 49.) وقد اختلف المفسرون في بيان التزكية المنهي عنها في هاتين الآيتين إلى عدة أقوال ـ القول الأول: أن هذا في التمادح وتزكية الناس بعضهم بعضاً. ـ القول الثاني: أن هذا في مدح النفس بأنها خالية وبريئة من الذنوب والمعاصي4. ـالقول الثالث: أن هذا في النهي عن مدح النفس بفعل الخير والطاعة5. والحكمة في النهي عن ذلك يرجع إلى أمور منها 1 الَنتخابات أحكام وضوابط، ص40. 2 الحملات الَنتخابية لزكريا بن صغير، ص151. 3 الحملات الَنتخابية البلدية محمد سعد الغامدي، ص25. 4 تفسير الطبري22 /70 ـ71)، زاد المسير7 /282.) 5 زاد المسير7 /282)، تفسير النسفي3 /394.)

عدد الصفحات ١٠٢

103 أن الله تعالى أعلم منا بأنفسنا، فهو أعلم بالتقي الفاجر ولَ يخفى عليه خافية﴿هُوَ أَعْ لَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾ (النجم، آية: 32). ولأن مدح الإنسان لنفسه يورث عجباً وغروراً وبطراً 1، وقد وردت أدلة أخرى تجيز للشخص أن يذكر نفسه بالخير وأن يذكر الصفات الحسنة فيه ومن تلك الأدلة:  الدليل الأول ثناء يوسف عليه الصلاة والسلام على نفسه، كما قال تعالى:﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظ عَلِيم ﴾ (يوسف، آية: 55.)  الدليل الثاني ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه كما قال صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع»2.  الدليل الثالث ثناء بعض الصحابة على أنفسهم كما روى مسروق قال: قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه والله الذي لَ إله غيره ما أنزلت سورة في كتاب الله إلَ أنا أعلم أين أنزلت ولَ أنزلت آية من كتاب الله إلَ أنا أعلم بما نزلت ولو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه3. ولأجل ذلك نصّ العلماء على أن تزكية العبد لنفسه إن كان ثمّ حاجة داعية لها، كأن يحتاج لذلك لجلب كسب أو ليعرف نفسه على من يجهل حاله، أو لمصلحة شرعية غيرها فلا بأس بتزكية العبد حينها لنفسه4. وأما المسألة الثانية وهي مدح الآخرين في وجوههم، فالأصل النهي عنه في الكتاب والسنة. أما الكتاب: فهو داخل في قول الله تعالى:﴿فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ﴾ (النجم، آية: 32.) 1 فتح الباري لَبن حجر9 /51.) 2 صحيح مسلم، في الفضائل، الحديث رقم5899/2278. 3 صحيح البخاري، الحديث رقم5002. 4 الَنتخابات وأحكامها، ص404.

عدد الصفحات ١٠٣

104 وأما السنة: فقد ورد النهي عن المدح في الوجه عدة أحاديث منها عن المقداد بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدااحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ »1. وعن أبي بكرة رضي الله عنه أن رجلاً مدح رجلاً عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: «وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ » مِرَارًا «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ مَا دِحًا صَاحِبَهُ لاَ مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ : أَحْسِبُ فُلاَنًا وَاللهاُ حَسِيبُهُ، وَلاَ أُزَكِّي عَلَ ى اللهاِ أَحَدًا أَحْسِبُهُ، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَاكَ ، كَذَا وَكَذَ ا»2. والحكمة في النهي عن تزكية الإنسان لغيره أن هذا المدح يكون سبباً في إفساد قلب الممدوح ووقوعه في الرياء والعجب، مع أن هذا المدح لَ يخلو في الغالب من الكذب والثناء على الممدوح بما ليس فيه3. غير أن العلماء قد استثنوا من هذا النهي المدح الذي يكون معتدلًَ ومقتصداً وخالياً من الكذب مع الأمن من إفسادها لقلب الممدوح، ومستندهم في ذلك أمران:  الأمر الأول: أن كثيراً من الناس قد مدحوا النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه كالشعراء وذكروا فيه القصائد فما أنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً مما يدل على جواز هذا المدح.  الأمر الثاني: ولأن الأحاديث الواردة في النهي تحمل على المدح المبالغ فيه، أو ما كان مفسداً لقلب الممدوح أو أريد به الدنيا، وأما ما كان معتدلًَ لَ مفسدة فيه ومدح فيه الإنسان بما فيه فلا يدخل في هذا النهي4. قال الإمام النووي: وطريقة الجمع بينهما أن النهي محمول على المجازفة في المدح والزيادة في الأوصاف أو على من يخاف فتنة من إعجاب ونحوه إذا سمع المدح، وأما من لَ يخاف عليه ذلك لكمال تقواه ورسوخ عقله ومعرفته فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه 1 صحيح مسلم، في الزهد والرقائق، الحديث رقم: 7431/3002. 2 صحيح مسلم، في الزهد والرقائق، الحديث رقم7426/3000. 3 الَنتخابات وأحكامها، ص406. 4 المصدر نفسه، ص407.

عدد الصفحات ١٠٤

105 مجازفة1، فالثناء على الناس إن كان معتدلًَ وبما يعلم الإنسان من أخيه فلا شيء فيه، فإن لم يكن على هذه الصورة فهو مكروه، وإن تضمن كذباً أو ترتب عليه ع جب وغرور حرم2. أ ـ تزكية الشخص لنفسه في الدعاية الانتخابية لها ثلاث حالات: ـ الحالة الأولى: إن كان ثمّ مصلحة شرعية أو حاجة معتبرة ليزكي الشخص فيها نفسه جاز له ذلك بلا كراهة ومن الحاجة المعتبرة في نظري إقرار النظام للحملات الَنتخابية حيث لَبد لمن يريد المشاركة في الَنتخابات لقصد الخير والإصلاح أن يذكر بعض أعماله وشهاداته حتى يتمكن من تولي الولَية التي يطلبها، وهذه حاجة معتبرة، وقد نص الفقهاء على جواز تزكية نفسه لمن لَ يعرفه شريطة أن يلتزم بقدر الحاجة في التعريف بنفسه. ـ الحالة الثانية: أن تضمن مدحه لنفسه كذباً ورياء أو ترتب عليه عجباً وغروراً أو تنقصاً للآخرين، أو غير ذلك من المحرمات فهذه تزكية محرمة. ـ الحالة الثالثة: وإن كانت التزكية من غير حاجة، أو زيد فيها عن الحاجة، فإن التزكية حينئذ مكروهة. ب ـ تزكية الآخرين للمرشح وثناؤهم عليه: فله أحوال: ـ الحالة الأولى: أن يكون ثناءً معتدلًَ لَ يقتصر فيه على ذكر ما يعرف عنه من الصفات الحسنة، فهذا لَ بأس، خاصة حين يكون فيه مصلحة وحاجة، ومن الحاجة إقرار النظام لهذه الدعاية الَنتخابية. ـ الحالة الثانية: أن لَ يقتصر في الثناء على حده المعتدل بل يكون فيه كثرة وإطراء من غير أن يقع المادح في محرم، أو يترتب عليه كبر ورياء فهذه التزكية مكروهة. 1 الَنتخابات وأحكامها، ص407. 2 المصدر نفسه، ص409.

عدد الصفحات ١٠٥

106 ـ الحالة الثالثةأن يتضمن الثناء أموراً محرمة كالكذب، وتنقص الآخرين، والمبالغة المفضية إلى الرياء والكبر، فهذه التزكية محرمة، ويرى العلامة علاّل الفاسي: أن القول الصحيح هو جواز ترشيح الإنسان نفسه وطلب المنصب الذي يرى نفسه صالحاً له، بشرط أن يكون أهلاً له، وبشرط أن لَ يستعمل الوسائل المخلة بالأخلاق وبالنزاهة وقال: إن الترشيح لأية وظيفة أو لعضوية مجلس من المجالس قد يكون واجباً إذا كان الذي يرشح نفسه ممن امتازوا بوسائل النفع للأمة ومساعدتها على النهوض وقد يكون مستحباً إذا توفرت فيه الشروط وكان هناك من يقوم مقامه، فقد يكون مباحاً في الحالَت العادية، وعند تساوي الكفاءات، ويكون مكروهاً إذا قصد به الَستعلاء على الناس، وحراماً إذا قصد به الفساد في الحكم والَستغناء عن طريق الرشوة، أو إذاية الخصوم والَنتقام منهم، ولَ أعتقد أن مذهباً من المذاهب الَجتماعية يقول بعكس هذا التفعيل ولذلك يضع المشرعون المحدثون قوانين تمنع المحكوم عليه في جناية أو جنحة من ترشيح نفسه، بل حتى في التصويت على غيره أحياناً ولكن ذلك لَ يعني عدم إباحة الترشيح 1. ج ـ حكم إقرار النظام على الدولة الحديثة المسلمة إقرار مبدأ تزكية النفس في الدعاية الَنتخابية، لوجود المصلحة والحاجة لذلك وحتى يعرف الناس الأكفأ والأقدر عند الَختيار، وعلى الدولة منع أي تجاوز شرعي في هذه التزكية، فلا يقر المدح الكاذب أو الإطراء والمبالغة المفرطة في الثناء على النفس وعلى الآخرين أو التنقص منهم2. 2ـ المبالغة في إنفاق الأموال 1 علاّل الفاسي عالماً ومفكراً، د. أحمد الريسوني، ص 94. 2 الَنتخابات وأحكامها، ص411.

عدد الصفحات ١٠٦

107 قال تعالى﴿وَلََ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ﴾ (الإسراء، الآيتان: 26، 27). فالآية صريحة في النهي عن تبذير المال، والمراد بتبذير المال هو وضع المال في غير حقه1، وهو يتضمن صورتين الصورة الأولى: إنفاق المال في حرام، ولو كان الإنفاق شيئاً يسيراً. الصورة الثانية: الإسراف المتلف للمال الذي يعرضه للنفاذ2، ووجه دخول الصورة اولى في النهي ظاهر، لأن العبد المسلم يجب عليه تجنب الحرام مطلقاً، ومن وقع فيه فهو آثم، فكيف بمن يبذل المال فيه ومن أجله، وأما وجه تخصيص التبذير بما كان متلفاً للمال ومعرضاً له للنفاذ، فالدليل عليه قول الله تعالى: ﴿وَلََ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُ قِكَ وَلََ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ﴾ (الإسراء، آية: 29. والمُ راد لَ تخرج جميع ما في يدك، وتنفق فوق طاقتك مع حاجتك وحاجة عيالك3، والتبذير محرم وهو من السفه الذي يوجب الحجر على صاحبه4، لأن الله تعالى جعل المبذر في حكم الشياطين، والمسلم يجب عليه اجتناب أي صفة من الصفات التي يختص بها الشياطين، وإذا كان من وصف الشياطين التبذير، وجب اجتناب التبذير، وكان محرماً 5. هذا في بذل المال في حرام، وفي الإسراف المتلف للمال في غير الحرام وأما إنفاق المال في وجوه الخير ولو بالغ فيه المرء غير داخل في النهي المذكور في الآية6، وبعد ما تقرر حكم التبذير، نستخلص أن الأموال التي يدفعها المرشح في حملته الانتخابية لها أربعة حالات:  الحالة الأولى أن يدفع المال في حرام، فهذا التبذير المحرم نزراً يسيراً. 1 زاد المسير5 /21)، روح المعاني9/10.) 2 أحكام القرآن لَبن العربي3/1203) 3 الجامع لأحكام القرآن للقرطبي10 /250.) 4 الَنتخابات وأحكامها، ص413. 5 فتح القدير للشوكاني3 /291.) 6 الَنتخابات وأحكامها، ص414.

عدد الصفحات ١٠٧

108  الحالة الثانية أن يبالغ في بذل المال حتى يعرضه أو أكثره للتلف، ويكون سبباً في التضييق عليه وعلى ذريته، فهذا محرم ومن التبذير المذموم.  الحالة الثالثة أن يبالغ فيه من غير إضرار أو تضييق على النفس.  الحالة الرابعة أن ينفق من غير مبالغة1. والدعاية الَنتخابية للتعريف بالمرشح وبرنامجه أمر لَ بأس به، بل حاجة ملحة، إذ لماذا ينتخب الناس فلاناً دون غيره، ما لم يكن معروفاً لديهم، وذا رؤية فكرية واضحة أو برنامج معلوم، ولَ يعقل أن يتجنب مرشح الدعاية الَنتخابية ثم يتصور نجاحه مهما كانت قوة برنامجه وقدرة شخصيته وهذا التعريف بالشخص وبرنامجه يحتاج إلى مال ينفق وخطة تنفيذ،، وقد تفنن الناس في الدعاية في عصرنا، وتتجدد هذه الدعايات بتجدد المواسم الَنتخابية وتتطور بتطور الوسائل الدعائية، والحق أن هذا الإنفاق لَبد أن يراعي فيه التوسط الذي عرفت به الأمة، حيث قال ربنا: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ (البقرة، آية: 143)2. 3 ـ شراء الأصوات كبيرة وجريمة إن شراء أصوات الناس بالباطل كبيرة يحاسب عليها الشرع، وجريمة يرفضها القانون، وهذا مما تعارف عليه بعض الناس وشاهدوه بالعيان، وه ي جريمة أخذت في بعض المناطق تقنيناً مألوفاً بين الناس، والخلق متفاوتون في هذا الجرم، وكل مرشح حسب إمكانياته وقدراته، كما أن الناخبين متفاوتو القيمة والسعر، فمن الناس من يعطي سيارة فارهة ومنهم من يباع بوجبة تسد رمق جوعه، وبين هذا وذاك من أسعار مختلفة وقيم متفاوتة، وشراء الأصوات رشوة مرفوضة ومال سحت يحرم أخذه، وفي الحديث قال 1 الَنتخابات وأحكامها، ص414. 2 الَنتخابات أحكام وضوابط، ص101.

عدد الصفحات ١٠٨

109 رسول الله صلى اعليه وسلم: «الرا اشي والمُ رتشي»1. وقال صلى الله عليه وسلم« لا يدخل الجنة لحم نبت من سُحت، النار أولى به »2. 4 ـ البعد عن إثار ة العصبية والنعرات القبلية ويجب على القائمين على الدعاية الَنتخابية البعد عن إثارة النعرات القبلية، أو الَرتماء في أحضان العصبية المقيتة، فذلك كله ليس من شيم الإسلام، ولَ من أخلاق أهله، وقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم التعصب المقيت فقال: «وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَة عِمِّياة يَغْضَبُ لِعَصَبَة أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَة أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَ قِتْلَةٌ جَاهِلِياةٌ »3. وقال« لَيْسَ مِنا ا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِياة ، وَلَيْسَ مِناا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِياة ، وَلَيْسَ مِناا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِياة »4، ووصف صلى الله عليه وسلم التعصب والعصبية بوصف مقزز تنفر منه النفوس قال: «دعوها فإنها منتنة»5. 5 ـ تجنب التلوث البصري في الدعاية وممّ ا ينبغي مراعاته فـي العملية الَنتخابية تجنـب التلوث البصري، الذي أصبح لَزمة مـن لوازم الَنتخابات حتـى أصبحت شوارع كـل قرية أو حي أو مدينة في فترة الَنتخابات ـ بسبب المعلقات والملصقات الإعلانية ـ تأثر على العيون. والإسلام اعتنى بالصورة الجمالية في كل شيء، ومن ذلك شوارع الناس وطرقاتهم، واعتبر رفع الأذى عن الطريق صدقة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «يميط اذى عن الطريق صدقة»6، فلا شك أن البعد عن هذه الصورة المشوهة، إن عده البعض حضارة ورقياً فإن الإسلام يجعله قربة وعبادة، وإن دعت الحاجة إلى ذلك فينبغي العمل على إزالة 1 مسند أحمد، الحديث رقم6778 إسناد قوي 2 مسند أحمد، الحديث رقم14441 إسناده قوي 3 صحيح مسلم، في الإمارة، الحديث رقم4763 /1848. 4 سنن أبي داود، في الأدب، الحديث رقم5121. 5 صحيح البخاري، الحديث رقم4905. 6 صحيح البخاري، الحديث رقم2707، الحديث رقم1009.

عدد الصفحات ١٠٩

110 هذه الملصقات بعد انتهاء من العملية الَنتخابية وتجميل الصورة العامة والَستفادة من هذه الملصقات وعدم تركها للعوامل الجوية حتى تتآكل وتذهب سدى1. 5ـ تجنب التزوير والحق أن التزوير جريمة نكراء لأنه يعد شهادة زور وقد حذر الإسلام منها حين قال صلى الله عليه وسلم: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ » .... قَالَ «الإِْشْرَاكُ بِاللهاِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ »... ثم قال«أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ ا لزُّورِ »2، وقرن الله بين الشرك وشهادة الزور وحذر منها تحذيراً مجتمعاً، فقال: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَْوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴾ (الحج، آية: 30.) وقال سبحانه﴿ وَالَّذِينَ لََ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ﴾ (الفرقان، آية: 72). وتزوير الَنتخابات تزوير لمستقبل أمة، ورقي بالضعفاء إلى مكان الأقوياء وبالخونة إلى مكان الأمناء، والخب الوضيع مكان الخبير الرفيع، وهو ما جعله الإسلام أمارة من أمارات الساعة كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا ضُيعت الأمانة ف انتظر الساعة» . قال: وكيف إضاعتها؟ قال«إذا وُساد الأمر إلى غير أهله فا نتظر الساعة»3. 6 ـ تجنب التشهير بالخصوم وتتبع العورات جاء في الحديث: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يُفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله»4. إن ما يقوم به بعض المتنافسين في الدعاية الَنتخابية وفي غيرها إلى التشهير بالخصوم كنوع من أنواع إثبات أحقية الشخص في المنصب أو الكرسي المتنافس عليه، ولَ يتورع البعض أحياناً عن الأ كاذيب والَتهام بالباطل ونسبة جرائم وكبائر إلى خصومهم السياسيين، 1 الَنتخابات أحكام وضوابط، ص031. 2 صحيح البخاري في الأدب، الحديث رقم5976. 3 صحيح البخاري، في العلم، الحديث رقم59. 4 صحيح الجامع للألباني

عدد الصفحات ١١٠

111 وهذا من افك المُ بين والإثم العظيم والفجور في الخصومة، وقد درج بعض المرشحين في بعض البلدان على تتبع زلَت وعورات خصومهم، بل ومكافأة من يدلهم على هذه العورات والأكثر من هذا أن تنصب للخصوم الفخاخ حتى يقعوا في بعض المخالفات دون قصد وقد نهى الإسلام عن ذلك ولَبد في الدولة الحديثة المسلمة من قوانين رادعة لأصحاب النفوس المريضة1. 7ـ عدم فقدان رابطة الأخوة مهما حمي وطيس التنافس لَ ينكر أحد على أحد التنافس في أبواب الخير والبر، والتنافس بين المرشحين، في العمليات الَنتخابية فيما هو مشروع، وقد حكى القرآن الكريم نوعاً من أنواع التنافس بين أطراف متعددة، كل يريد القيام بما طلبه نبي الله سليمان عليه السلام، وهذه سورة النمل تقص علينا الواقعة، وقد جاء فيها: ﴿ قَالَ يَا أَيُّهَا المَلأَُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِ ي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريت مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِين * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْم مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيم ﴾ (النمل، الآيتان: 38 ـ40.) وفي يوم أُ حد ردَّ النبي صلى الله عليه وسلم بعض صغار الصحابة وقَ بِل آخرين، فكانت منافسة بين المقبول والمردود وكان النبي صلى الله عليه وسلم رد سمرة بن جندب وأجاز رافع بن خديج، فقال سمرة بن جندب لربيبه مري بن سنان: يا أبت أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن خديج وردني وأنا أصرع رافع بن خديج، فقال مري بن سنان: يا رسول الله، رددت ابني وأجزت رافع بن خديج وابني يصرعه، فقال النبي صلى الله عليه 1 الَنتخابات، ص98.

عدد الصفحات ١١١

112 وسلم لرافع وسمرة:« تصارعا»، فصرع سمرة رافعاً فأجازه رسول الله، فشهدها مع المسلمين1. ومثل ذلك ما كان في بيعة عثمان رضي الله عنه، وقدتقدم ما كان بين عثمان وعلي رضي الله عنهما2. 8ـ نموذج للدعاية الانتخابية بين المهاجرين والأنصار: وهذا مثال رفيع للدعاية الَنتخابية وقع في صدر الإسلام، وذلك حين توفي النبي صلى الله عليه وسلم وتجمع الناس في سقيفة بني ساعدة وكل يريد إظهار مآثره وإثبات أحقيته في الخلافة. أ ـ المتحدث باسم الأنصار: وقف المتحدث الرسمي باسم الأنصار، فذكر ما للأنصار من سوابق تجعلهم أولى الناس بالخلافة، فقال: أما بعد، فنحن أنصار الله، وكتيبة الإسلام وأنتم معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفت دافة من قومكم3، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر4. ب ـالصدِّيق يتحدث بأبلغ حديث: ولما سكت الأنصاري أراد عمر أن يتكلم، إلَ أن أبا بكر تقدم عليه وقال: على رسلك يقول عمر: فكرهت أن أغضبه فتكلم أبوبكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري، إلَ قال في بديهته مثلها، أو أفضل منها، حتى سكت فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلَ لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقال: ولقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو سلك الناس وادياً وسَ لَكتِ الأنصار وادياً، سَ لكَ تُ وادي الأنصار»، ولقد علمت يا سعد أن رسول 1 تاريخ الطبري2 /61.) 2 سبق الإشارة إليه 3 الدافة الجماعة تأتي من البادية إلى الحاضرة 4 أي: يخرجوننا من أمر الخلافة

عدد الصفحات ١١٢