المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

البرلمان في الدولة الحديثة المسلمة

علي محمد الصلابي

صفحة ٥ من ١٨

65 أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم»1، ووجه الدلَلة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى العرفاء ليعرفوا آراء الناس وهذا كالَنتخاب المعاصر في الرجوع إلى الناس ليعلم رأيهم وما يختارون2. وفي الحديث: مشروعية إقامة العرفاء لأن الإمام لَ يمكنه أن يباشر جميع الأمور بنفسه، فيحتاج إلى إقامة من يعاونه ليكفيه ما يقيمه فيه، ولأن الأمر أو النهي إذا توجه إلى الجميع يقع التوكل فيه من بعضهم، فربما وقع التفريط فإذا أقيم على كل قوم عريف لم يسع كل أحد إلَ القيام بما أمر به3. ـ الفرق بين العريف والنقيب يبدو أن اسم العريف أكثر ما كان يطلق على قائد في الجيش يعينه الإمام أو من هو تحت أمره من قادة الجيش الكبار، فالعريف أقرب للمنصب الإداري التنظيمي منه إلى تمثيل من تحت إمرته والتحدث باسمهم، مع أنه يطلب منه أن يكون مقبولًَ منهم مرضياً لديهم، وأما النقيب فهو منصب تمثيلي يكفل صاحبه من ورائه ويضمنهم ويتحدث باسمهم، وهو يُنت خب بواسطتهم لكونه سيداً فيهم ووجيهاً عندهم، و يمكن أن النقيب أكبر مكانة من العريف سواء على صعيد التمثيل العددي لمن وراءه أو على صعيد قدرته ووجاهته بين الناس4. 3ـ قوله صلى الله عليه وسلم ليهود بني قريظة «اختاروا من أصحابي من أردتم فلنستمع لقوله» فاختاروا سعداً 5، وهنا أمر النبي صلى الله عليه وسلماليهود باختيار واحد من أصحابه حكماً وهذه صورة من صور الَنتخاب حيث وقع اختياره أو انتخاب شخص يحكم فيهم ويرضوا بحكمه6. 4ـ الشورى في عهدالصدِّيق : 1 صحيح البخاري، الحديث رقم2307. 2 الَنتخابات وأحكامها، ص60. 3 أهل الحل والعقد، د. بلال صفي الدين، ص160. 4 المصدر نفسه، ص165. 5 رواه الطبراني في الكبير6 /7.) 6 الَنتخاب أحكام وضوابط، أكرم كساب، ص20.

عدد الصفحات ٦٥

66 كانت الشورى مكثفة في هذه المرحلة وكانت تشمل عظائم الأمور وصغائرها، من قضايا الأمة في السلم والحرب والخلافة والتشريعات العامة إلى نوازل الأفراد في زواجهم وطلاقهم وميراثهم ومنازعتهم حول البئر والنخلة والناقة، وأهم شيء في هذه المشاورات المكثفة هو أنها كانت تحقق جوهرها ومقصودها على أكمل الوجوه، ثم لَ يلتفت كثيراً لما سوى ذلك، ويمكن أن نلخص طبيعة مشاوراتهم بعبارة: الشورى بمقاصدها لَ بشكلياتها فلم يكن عندهم كبير التفات إلى من استشير ومن لم يُستشر وإلى من حضر ومن غاب ، إذا كان الذين استشيروا أهلاً لتلك المشورة، وكان من غاب عنها لَ يضر غيابه، ولم يقصد تغيبه ولم يكن عندهم كبير التفات إلى عدد المستشارين في القضية، وهل هم آحاده أو عشرات أو مئات، إذا كان من استشيروا يقومون مقام غيرهم ويعبرون بصدق عن آرائهم ومصالحهم ولم يكن عندهم كبير التفات وتدقيق في عدد الذين أيدوا والذين عارضوا، إن ظهر بوضوح التوجه الغالب في المسألة أو حصل فيها نوع من التراضي والتطاوع والتسامح وإذا خالفهم أحد منهم ثم رأوا في لهجته صدقاً وفي حجته قوة ووثوقاً لم يلبثوا أن يضعوا ثقتهم في صدقه وعلمه وما يعرفونه من خبرته وحسن تقديره فينقلب رأي الواحد المنفرد إلى إجماع أو شبه إجماع. وكانت المشاورات تتم في جو من الحرية والأمن والجرأة فلا أحد يحابي أحداً ولَ أحد يخادع أحداً ولَ أحد يخاف من أحد ولَ أحد يطمع في أحد، في هذه الأجواء وبهذه السمات لم تكن مشوراتهم بحاجة إلى قوانين معضلة وضوابط مدققة ولَ إلى ضمانات واحتياطات، فالتعقيد التنظيمي حين لَ يكون ضرورياً يصبح عبثاً وعائقاً أو على الأقل قد تكون كلفته أكثر من فائدته. لقد كانت الشورى في التجربة الإسلامية الأولى خفيفة في تنظيمها وطرق إجرائها ولكنها كانت ثقيلة بجديتها وأخلاقيتها 1، وإليك بعض ملامح وسمات التجربة الشورية في عهد أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه: أ ـ انتخاب الصدِّيق وبيعته: 1 الشورى في معركة البناء، د. أحمد الريسوني، ص107.

عدد الصفحات ٦٦

67 لما علم الصحابة رضي الله عنهم بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة في اليوم نفسه وهو يوم الَثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشر للهجرة، وتداولوا الأمر بينهم في اختيار من يلي الخلافة من بعده1، والتف الأنصار حول زعيم الخزرج سعد بن عبادة رضي الله عنه ولما بلغ خبر اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة إلى المهاجرين وهم مجتمعون مع أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه لترشيح من يتولى الخلافة2، قال المهاجرون لبعضهم: انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار، فإن لهم في هذا الحق نصيباً، قال عمر رضي الله عنه: فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم فقالَ: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلَء من الأنصار، فقالَ: لَ عليكم ألَ تقربوهم اقضوا أمركم، فقلت: والله لنأتينهم3، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمّل بين ظهرانيهم فقلت : من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ قال: يُوعك. فلما جلسنا قليلاً تشهَّ د خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم ـ معشر المهاجرين ـ رهط وقد دفت دافة قومكم4، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضونا5 من الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زورت6 مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر ـ وكنت أداري منه بعض الحدّة ، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبوبكر فكان هو أحلم مني وأوقر والله ما ترك كلمة أعجبتني في تزويري إلَ قال في بديهته مثلها، أو أفضل منها حتى سكت فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ولن يُعرف هذا الأمر إلَ لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسباً وداراً وقد رضيت لكم أح د هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها: 1 التاريخ الإسلامي، عبدالعزيز الحميدي9 /21.) 2 عصر الخلافة الراشدة، أكرم ضياء العمري، ص40. 3 الرجلان هما: عويمر بن ساعدة ومعن بن عدي 4 أي: عدد قليل 5 أي: يخرجوننا من أمر الخلافة 6 زورت: أعددت في نفسي

عدد الصفحات ٦٧

68 والله أن أقدّم فتضرب عنقي لَ يُقربني ذلك من إثم أحب إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبوبكر، اللهم إلَ أن تُسول إليّ نفسي عند الموت شيئاً لَ أجده الآ ن. فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها1 المحكّك 2 وعُذيقها المرجّب منا يا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الَختلاف فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار. وفي رواية.. فتكلم أبوبكر رضي الله عنه فلم يترك شيئاً أنزل في الأنصار ولَ ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأنهم إلَ ذكره، وقال: ولقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً سلكت وادي الأنصار »، ولقد علمت يا سعد3 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد«قريش ولاة هذا الأمر فبرُّ الناس تبع لبراهم وفاجر الناس تبع لفاجرهم ». قال: فقال له سعد صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء4، ونلاحظ مجموعة من الدروس والفوائد والعبر منها ـ الصدِّيق وتعامله مع النفوس وقدرته على الإقناع: استطاع أبوبكر الصدِّيق أن يدخل إلى نفوس الأنصار فأثنى على الأنصار ببيان ما جاء في فضلهم من الكتاب والسنة والثناء على المخالف منهج إسلامي يقصد منه: إنصاف المخالف وامتصاص غضبه وانتزاع بواعث الأثرة والأنانية في نفسه ليكون مهيًا لقبول الحق إذا تبين له، وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الكثير من الأمثلة التي تدل على ذلك ثم توصّل أبوبكر من ذلك إلى أن أفضلهم وأنه كبيراً لَ يعني أحقيتهم في الخلافة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نصّ على أن المهاجرين من قريش هم الم قدمون في هذا الأمر5، واستدل أبو بكر على أن أمر الخلافة في قريش بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنصار خيراً وأن يقبلوا من محسنهم ويتجاوزا عن مسيئهم، واحتج أبوبكر على 1 الجُذيل: عود ينصب للإبل الجربى لتحتك به 2 المحكك: الذي يحتك به كثيراً أراد أنه يستشفى برأيه، والعذيق النخلة 3 مسند أحمد1 /5) الخلافة والخلفاء، للبهنساوي سالم، ص50. 4 التاريخ الإسلامي9 /24.) 5 العواصم من القواصم، لَبن العربي المالكي، ص10.

عدد الصفحات ٦٨

69 الأنصار بقوله«إن الله سمّاكم المفلحين »، إشارة إلى قوله تعالى:﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَا جِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهَِّ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهََّ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِْيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلََ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ (الحشر، الآيتان: 8 ـ9). وقد أمركم أن تكونوا معنا حيثما كنا، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَّ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ (التوبة، آية: 119.) إلى غير ذلك من الأقوال المصيبة، والأدلة القوية فتذكرت الأنصار ذلك وانقادت إليه1، وبيَّ ن الصدِّيق في خطابه أن من مؤهلات القوم الذين يرشحون للخلافة أن يكونوا ممن يدين لهم العرب بالسيادة وتستقر بهم الأمور حتى لَ تحدث الفتن فيما إذا تولى غيرهم وأبان أن العرب لَ يعترفون بالسيادة إلَ المسلمين من تعظيمهم واحترامهم، وبهذه الكلمات النيرة التي قالها الصدِّيق اقتنع الأنصار بأن يكونوا وزراء مُع يَّنين وجنوداً مخلص ين كما كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبذلك توحد صف المسلمين2. ـ حرص الجميع على وحدة الأمة إن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة يؤكد حرص الأنصار على مستقبل الدعوة الإسلامية واستعدادهم المستمر للتضحية في سبيلها، فما اطمأنوا على ذلك حتى استجابوا سراعاً لبيعة أبي بكر الذي قبل البيعة لهذه الأسباب، وإلَ فإن نظرة الصحابة مخالفة لرؤية الكثير ممن جاء بعدهم ممن خالفوا المنهج العلمي والدراسة الموضوعية، بل كانت دراستهم متناقضة مع روح ذلك العصر، وآمال وتطلعات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار وغيرهم، وإذا كان اجتماع السقيفة أدى إلى انشقاق بين المهاجرين والأنصار كما زعم البعض3، فكيف قبل الأنصار بتلك النتيجة وهم أهل الديار وأهل العدد والعدة؟ 1 التاريخ الإسلامي9 /24.) 2 الإسلام وأصول الحكم، محمد عمارة، ص71 ـ74. 3 الأنصار في العصر الراشدي، د. حامد الخليفة، ص109.

عدد الصفحات ٦٩

70 وكيف انقادوا لخلافة أبي بكر ونفروا في جيوش الخلافة شرقاً وغرباً مجاهدين لتثبيت أركانها؟ لو لم يكونوا متحمسين لنصرتها1، فالصواب اتضح من حرص الأنصار على تنفيذ سياسة الخلافة والَندفاع لمواجهة المرتدين وأنه لم يتخلف أحد من الأنصار عن بيعة أبي بكر فضلاً عن غيره م من المسلمين، وأن أخوة المهاجرين والأنصار أكبر من تخيلات الذين سطروا الخلاف بينهم في رواياتهم المغرضة2. ولقد بايع سعد بن عبادة سيد الأنصار في حينه أبا بكر الصدِّيق بالخلافة في أعقاب النقاش الذي دار في سقيفة بني ساعدة ونزل عن مقامه الأول في دعوى الإمارة وأذعن للصدِّ يق بالخلافة وكان ابن عمه بشير بن سعد الأنصاري أول من بايع الصدِّيق في اجتماع السقيفة3، ولقد جرت المشاورة بشأن اختيار خليفة للمسلمين بين الأفراد والمجموعات الصغيرة، وجرت فيما بين الأنصار وجرت فيما بين المهاجرين ثم التأم الجميع في سقيفة بني ساعدة وجرت المشاورة الكبرى والنقاش العام بين المهاجرين والأنصار في مسجد الرسول الكريم بعد ذلك وأسفر ذلك كله على مبايعة أبي بكر الصدِّيق 4، وأن الباحث ليلمس عظمة تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ونضجهم السياسي الكبير فمما لَشك فيه أن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كان حدث جلل وترك فراغاً عظيماً في الأمة ومع هذا استطاع أهل الحل والعقد أن يتجاوز تلك المحنة الكبرى بوعي وفقه، وتقدير للأمور على أسس رشيدة انعدم نظيرها في تاريخ البشرية. لقد كان على الأمة الإسلامية أن تواجه الموقف الصعب الذي نشأ عن انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى وأن تحسم أمورها بسرعة وحكمة، وألَ تدع مجالًَ لَنقسام قد يتسرب منه الشك إلى نفوس أفرادها، أو للضعف أن يتسلل إلى أركان البناء الذي شيده رسول الله صلى الله عليه وسلم5. ـ منصب الخلافة والخليفة: 1 أبوبكر الصديق، للصلابي، ص128. 2 المصدر نفسه، ص: 128. 3 الشورى في معركة البناء، ص109. 4 أبو بكر الصديق للصلابي، ص 5 الشورى فريضة إسلامية للصلابي، ص52.

عدد الصفحات ٧٠

71 اختارت الأمة في تلك الفترة التاريخية المهمة منصب الخلافة الإسلامية وأجمعت عليه طريقة وأسلوباً للحكم تنظم من خلاله أمورها وترعى مصالحها، وقد ارتبطت نشأة الخلافة بحاجة الأمة لها واقتناعها بها ومن ثم كان إسراع المسلمين في اختيار خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم1، ولما كانت الخلافة نظام حكم المسلمين فقد استمدت أصولها من دستور المسلمين من القرآن الكريم ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم2 وقد تحدث الفقهاء عن أسس الخلافة الإسلامية فقالوا بالشورى والبيعة وهما ـ أصلاً ـ قد أشير إليهما في القرآن الكريم3، ومنصب الخلافة أحياناً يطلق عليه لفظ الإمامة أو الإمارة، وقد أجمع المسلمون على وجوب الخلافة وأن تعيين الخليفة فرض على المسلمين يرعى شؤون الأمة، ويقيم الحدود ويعمل على نشر الدعوة الإسلامية وعلى حماية الدين والأمة بالجهاد وعلى تطبيق الشريعة وحماية الناس ورفع المظالم وتوفير الحاجات الضرورية لكل فرد. وقد أطلق المسلمون هذه الألقاب الخليفة الإمام أمير المؤمنين في تاريخهم السياسي وهذه ليست من الأمور التعبدية وإنما هي مصطلحات وجدت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم واصطلح الناس عليها وقد أطلق المسلمون غير هذه الألقاب في وقت لَحق كلقب الأمير، كما كان الحال في الأندلس، وكذلك لقب السلطان كما تسمى بذلك الحكام في التاريخ الإسلامي لقباً من هذه الألقاب، إذ المهم في هذا المجال أن يكون المسلمون ورئيسهم خاضعين للتشريع الإسلامي عقيدة وشريعة، بغض النظر عن الألقاب التي يمكن أن تطلق على هذا الرئيس سواء كان لقبه الخليفة أم أمير المؤمنين أم رئيس الدولة أم رئيس الجمهورية فيمكن إطلاق أحد هذه الألقاب أو غيرها وهذا يرجع إلى ما يتعارف عليه الناس4. ـ مجموعة من المبادئ السياسية 1 عصر الخلفاء الراشدين، فتحية النبراوي، ص23. 2 المصدر نفسه، ص23. 3 علي بن أبي طالب للصلابي، ص193. 4 دراسات في عهد النبوة، د. عبد الرحمن الشجاع، ص256.

عدد الصفحات ٧١

72 أبرز ما دار في سقيفة بني ساعدة مجموعة من المبادئ منها أن قيادة الأمة لَ تقام إلَ بالَختيار وأن البيعة هي أصل من أصول الَختيار وشرعية القيادة وأن الخلافة لَ يتولَها إلَ الأصلب ديناً والأكفأ إدارة، فاختيار الخليفة تم وفق مقومات إسلامية وشخصية وأخلاقية، وأن الخلافة لَ تدخل ضمن مبدأ الوراثة النسبية أو القبلية وأن إثارة "قريش" في سقيفة بني ساعدة باعتباره واقعاً يجب أخذه في الحسبان ويجب ا عتبار أي شيء مشابه ما لم يكن متعارضاً مع أصول الإسلام وأن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة قام على قاعدة الأمن النفسي السائد بين المسلمين حيث لَ هرج ولَ مرج ولَ تكذيب ولَ مؤامرات ولَ نقض للإتفاق ولكن تسليم للنصوص التي تحكمهم حيث المرجعية في الحوار إلى النصوص الشرعية1. ومن الأمثلة التي صدرت بالشورى الجماعية من حادثة السقيفة ـ أوّل ما قرره اجتماع يوم السقيفة هو أن نظام الحكم ودستور الدولة يقرر بالشورى الحرة، تطبيقاً لمبدأ الشورى الذي نص عليه القرآن الكريم، ولذلك كان هذا المبدأ محل إجماع وسند هذا الإجماع النصوص القرآنية التي فرضت الشورى أي أن هذا الإجماع كشف وأكد أوّل أصل شرعي لنظام الحكم في الإسلام، وهو الشورى الملزمة 2، وهذا أول مبدأ دستوري تقرر بالإجماع بعد وفاة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ثم إن هذا الإجماع لم يكن إلَ تأييداً وتطبيقاً لنصوص الكتاب والسنة التي أوجبت الشورى 3. ـتقرر يوم السقيفة أيضاً أن اختيار رئيس الدولة أو الحكومة الإسلامية وتحديد سلطاته يجب أن يتم بالشورى أي البيعة الحرة التي تمنحه تفويضاً ليتولى الولَية بال شروط والقيود التي تتضمنها البيعة الحرة ـ الدستور في النظم المعاصرة ـ وكان هذا ثاني المبادئ الدستورية التي أقرها الَجماع وكان قراراً إجماعياً كالقرار السابق. 1 فقه الشورى والَستشارة، د. توفيق الشاوي، ص140. 2 الشورى فريضة إسلامية للصلابي، ص55. 3 الشورى فريضة إسلامية، ص55.

عدد الصفحات ٧٢

73 ـتطبيقاً للمبدأين السابقين قرر اجتماع السقيفة اختيار أبي بكر ليكون الخليفة الأول للدولة الإسلامية1، ثم إن هذا الترشيح لم يصح نهائياً إلَ بعد أن تمت له البيعة العامة أي موافقة جمهور المسلمين في اليوم التالي بمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ثم قبوله لها بالشروط التي ذكرها في خطابه الذي ألقاه2. ـ البيعة العامة بعد أن تمت بيعة أبي بكر رضي الله عنه البيعة الخاصة في سقيفة بني ساعدة كان لعمر رضي الله عنه في اليوم التالي موقف في تأييد أبي بكر وذلك في اليوم التالي حينما اجتمع المسلمون للبيعة العامة، ومما قاله عمر في حق أبي بكر: .. وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإن اعتصمتم به، هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بعد بيعة السقيفة ثم تكلم أبوبكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثم قال: «أما بعد أيهاالناس فإني قد وَ لِّيت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لَ يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلَ خذلهم الله بالذل، ولَ تشيع الفاحشة في قوم إلَ عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله»3. وتعتبر هذه الخطبة الرائعة من عيون الخطب الإسلامية على إيجازها، وقد قرر الصدِّي ق فيها قواعد العدل والرحمة في التعامل بين الحاكم والمحكوم، وركز على أن طاعة ولي 1 فقه الشورى والَستشارة، د. توفيق الشاوي، ص142. 2 البداية والنهاية لَبن كثير6 /305 ـ306) إسناد صحيح 3 التاريخ الإسلامي9 /28.)

عدد الصفحات ٧٣

74 الأمر مرتبة على طاعة الله ورسوله، ونص على الجهاد في سبيل الله لأهميته في إعزاز الأمة وعلى اجتناب الفواحش لأهمية ذلك في حماية المجتمع من الَنهيار والفساد1. 5ـاختيار الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه: استمر اهتمام الفاروق رضي الله عنه بوحدة الأمة ومستقبلها حتى اللحظات الأخيرة من حياته رغم ما كان يعانيه من آلَم جراحاته البالغة وهي بلا شك لحظات خالدة تجلى فيها إيمان الفاروق العميق وإخلاصه وإيثاره2، وقداستطاع الفاروق في تلك اللحظات الحرجة أن يبتكر طريقة جديدة لم يسبق إليها في اختياره الخليفة الجديد وكانت دليلاً ملموساً و معلماً واضحاً على فقهه في سياسة الدولة الإسلامية لقد مضى قبله الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يستخلف بعده أحداً بنص صريح، ولقد مضى أبوبكر الصدِّيق واستخلف الفاروق بعد مشاورة كبار الصحابة، ولما طلب من الفاروق أن يستخلف وهو على فراش الموت، فكَّر ملياً وقرر أن يسلك مسلكاً آخر يتناسب مع المقام، فرسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الناس وكلهم مُقرٌّ بأفضلية أبي بكر وأسبقيته عليهم، فاحتمال الخلاف كان نادراً وخصوصاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم وجّه الأمة قولًَ وفعلاً إلى أن أبا بكر أولى بالأمر من بعده ، والصدِّيق استخلف عمر وكان يعلم أن عند الصحابة قناعة بأن عمر أقوى وأفضل من يحمل المسؤولية بعده فاستخلفه بعد مشاورة كبار الصحابة ولم يخالف رأيه أحد منهم، وحصل الإجماع على بيعة عمر3، وأما طريقة انتخاب الخليفة الجديد فتعتمد على جعل الشورى في عدد محصور، وقد حصر ستة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يصلحون لتولي الأمر ولو أنهم يتفاوتون وحدد لهم طريقة الَنتخاب ومدته، وعدد الأصوات الكافية لَنتخاب الخليفة وحدد الحكم في المجلس والمرجح إذا تعادلت الأصوات وأمر مجموعة من جنود الله لمراقبة سير الَنتخابات في المجلس وعقاب من يخالف أمر 1 البداية والنهاية6 /316.) 2 الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب، للعاني، ص161. 3 أوليات الفاروق، د. غالب القرشي، ص122.

عدد الصفحات ٧٤

75 الجماعة ومنع الفوضى بحيث لَ يسمحون لأحد يدخل أو يسمع ما يدور في مجلس أهل الحل والعقد1، وهذا بيان ما أجمل أ ـ اختيار عدد محدد: حيث اختار عمر ستة نفر من العشرة المبشرين بالجنة وهم صفوة الصفوة ونخبة النخبة وهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمٰن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم جميعاً 2، فقد أناط عمر رضي الله عنه بأهل الشورى وحدهم اختيار الخليفة من بينهم، ومن المهم أن نشير أن أحداً من أهل الشورى لم يعارض هذا القرار الذي اتخذه عمر، كما أن أحداً من الصحابة الآخرين لم يشر أي اعتراض عليه، ذلك ما تدل عليه النصوص التي بين أيدينا، فنحن لَ نعلم أن اقتراحاً آخر قد صدر عن أجد من الناس في ذلك العصر، أو أن معارضة شارت حول أمر عمر، خلال الساعات الأخيرة من حياته، أو بعد وفاته وإنما رضي الناس كافة هذه التدابير، ورأو فيها مصلحة لجماعة المسلمين، وفي وسعنا أن نقول أن عمر قد أحدث هيئة سياسية عليا، مهمتها انتخاب رئيس الدولة أو الخليفة، وهذا التنظيم الدستوري الجديد الذي أبدعته عبقرية عمر لَ يتعارض مع المبادىء الأساسية التي أقرَّها الإسلام، ولَ سيما فيما يتعلق بالشورى، لأن العبرة من حيث النتيجة العامة التي تجري في المسجد الجامع، وعلى هذا لَ يتوجه السؤال الذي قد يرد على بعض الأذهان هو من أعطى عمر هذا الحق؟ ما هو مستند عمر في هذا التدبير؟ ويكفي أن نعلم أن جماعة من المسلمين قد أقرَّت هذا التدبير ورضيت به، ولم يسمع صوت اعتراض عليه، حتى يتأكد أن الإجماع ـ هو من مصادر التشريع ـ قد انعقد على صحته ونفاذه3. ولَ ننسى أن عمر خليفة راشد، كما ينبغي أن نؤكد على هذا المبدأ ـ أهل الشورى أعلى هيئة سياسية ـ قد أقرَّه نظام الحكم في الإسلام في العهد الراشدي، كما أن الهيئة التي 1 المصدر نفسه، ص124. 2 البداية والنهاية10 /210.) 3 نظام الحكم والتشريع، ظاهر القاسمي1 /227.)

عدد الصفحات ٧٥

76 سماها عمر تمتعت بمزايا لم يتمتع بها غيرها من جماعة المسلمن، وهذه المزايا منحت لها من الله وبلغها الرسول، فلا يمكن عند المؤمنين أن يبلغ أحد من المسلمين مبلغ هؤلَء العشرة من التقوى والأمانة1. هكذا ختم عمر رضي الله عنه حياته ولم يشغله ما نزل به من البلاء ولَ سكرات الموت عن تدبير أمر المسلمين، وأرسا نظاماً للش ورى لم يسبقه إليه أحد ولَ يشك أن أصل الشورى مقرر في القرآن الكريم والسنة القولية والفعلية، وقد عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، ولم يكن عمر مبتدعاً بالنسبة للأصل، ولكن الذي عمله عمر هو تعيين الطريقة التي يختار بها الخليفة، وحصر عدد معين جعلها فيهم، وهذا لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ولَ الصدِّيق رضي الله عنه، بل أول من فعل ذلك عمر ونعم ما فعل، فقد كانت أفضل الطرق المناسبة لحال الصحابة في ذلك الوقت2. ب ـ استبعاد الأقرباء حتى وإن صنفوا ضمن الصفوة والنخبة فقد كان عمر حريصاً على إبعاد الإمارة عن أقاربه مع أن فيهم من هو أهل لها، فهو يبعد قريبه سعيد بن زيد وهو أحد العشرة المبشرين عن قائمة المرشحين للخلافة3، ولعله تركه لأنه من قبيلته بني عدي4. ج ـ استبعاد جميع المرشحين من أي عمل يكون فيه شبه التفضيل: حيث أمر عمر الجميع أن يجتمعوا في مكان واحد ويتشاورا وفيهم عبد الله بن عمر يحضر فيهم مشيراً ف قط، وليس له من الأمر شيء، ويصلي بالناس أثناء التشاور صهيب الرومي، وقال له: أنت أمير الصلاة في هذه الأيام الثلاثة حتى لَ يولي إمامة الصلاة أحد من الستة، فيصبح هذا ترشيحاً من عمر له بالخلافة 5. د ـ مدة الانتخابات أو الشورى: 1 المصدر نفسه1 /229.) 2 أوليات الفاروق، ص127. 3 الخلفاء الراشدون، صلاح الخالدي، ص98. 4 البداية والنهاية10 /210.) 5 الكامل لَبن الأثير2 /441.)

عدد الصفحات ٧٦

77 حددها الفاروق رضي الله عنه بثلاثة أيام وهي فترة كافية وإن زادوا عليها، فمعنى ذلك شقة الخلاف ستتسع ولذلك قال لهم: لَ يأتي اليوم الرابع إلَ وعليكم أمير1. هـ ـ عدد الأصوات الكافية لاختيار الخليفة: أخرج ابن سعد ـ بإسناده رجاله ثقاة ـ أن عمر رضي الله عنه قال لصهيب: صَ لِّ بالناس ثلاثاً وليخل هؤلَء الرهط في بيت، فإذا اجتمعوا على الرجل، فمن خالفهم فاضربوا رأسه، فعمر رضي الله عنه أمر بقتل من يريد أن يخالف هؤلَء الرهط، وشق عصا المسلمين ويفرق بينهم عملاً ل قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُل وَاحِد يُرِيدُ أَنْ يَشُقا عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ »2، وما جاء في كتب التاريخ أن عمر رضي الله عنه أمرهم بالَجتماع والتشاور وحدد لهم أنه إذا اجتمع خمسة منهم على رجل وأبى أحدهم فليضرب رأسه بالسيف، وإن اجتمع أربعة فرضوا رجلاً منهم وأبى اثنان فليضرب رؤوسهما، وهذه من الروايات التي لَ تصح سنداً فهي من الغرائب ال تي ساقها أبو مخنف ـ الشيعي ـ مخالفاً فيها الن صوص الصحيحة وما عرف من سير الصحابة3. و ـ الحكم في حال الاختلاف: لقد أوصى عمر رضي الله عنه بأن يحضر عبد الله بن عمر معهم في المجلس، وأن ليس له من الأمر شيء، ولكن قال له: فإن رضي ثلاثة رجال منهم وثلاثة رجال منهم فحكِّ موا عبد الله بن عمر، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلاً منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمٰن بن عوف، ووصف عبد الرحمٰن بأنه مسدد رشيد، فقال عنه: ونعم ذو الرأي عبد الرحمٰن بن عوف مسدد رشيد له من الله حافظ، فاسمعوا منه4. ز ـ جماعة من جنود الله تراقب الاختيار وتمنع الفوضى: 1 الطبقات لَبن سعد3 /164.) 2 صحيح مسلم، في الإمارة، الحديث رقم4775/1852. 3 الشورى فريضة إسلامية، ص91. 4 تاريخ الطبري5 /325.)

عدد الصفحات ٧٧

78 طلب عمر أبا طلحة الأنصاري وقال له: يا أبا طلحةإن الله عز وجل أعزَّ الإسلام بكم فاختر خمسين رجلاً من الأنصار فاستحث هؤلَء الرهط حتى يختاروا رجلاً منهم 1. وقال للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلَء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلاً منهم. ح ـ جواز تولية المفضول مع وجود الأفضل: ومن فوائد قصة الشورى جواز تولية المفضول مع وجود الأفضل، لأن عمر جعل الشورى في ستة أنفس، مع علمه أن بعضهم كان أفضل من بعض، ويؤخذ من هذا من سيرة عمر في أمرائه الذين كان يؤمرهم في البلاد، حيث كان لَ يراعي الفضل في الدين فقط، بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة، مع اجتناب ما يخالف الشرع منها، فاستخلف معاوية والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص مع وجود من هو أفضل من كل منهم في أمر الدين والعلم، كأبي الدرداء في الشام وابن مسعود في الكوفة2. ط ـ جمع عمر بين التعيين وعدمه: جمع عمر بين التعيين كما فعل أبو بكر ـ أي تعيين المرشح ـ وبين عدم التعيين، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فعيَّ ن ستة وطلب منهم التشاور في الأمر3. ي ـ الشورى ليست في الستة فقط: عرف عمر أن الشورى لن تكون بين الستة فقط، وإنما ستكون في أخذ رأي الناس في المدينة، فيمن يتولى الخلافة حيث جعل لهم أمد ثلاثة أيام فيمكنهم من المشاورة والمناظرة لتقع ولَية من يتولى بعده عن اتفاق من معظم الموجودين حينئذ ببلده التي هي دار الهجرة، وبها معظم الصحابة وكل من كان ساكناً في بلد غيرها كان تبعاً لهم فيما يتفقون عليه، فما زالت المدينة حتى سنة 23 هـ مجمع الصحابة فيها، حيث استبقاهم عمر بجانبه ولم يأذن لهم بالهجرة إلى الأقاليم المفتوحة4. 1 المصدر نفسه5 /325.) 2 المدينة فجر الإسلام، محمد شراب2 /97.) 3 المصدر نفسه2 /97.) 4 المدينة النبوية فجر الإسلام، محمد شراب2 /97.)

عدد الصفحات ٧٨

79 ـ منهج عبد الرحمٰن بن عوف في إدارة الشورى: اجتماع الرهط: لم يكد يفرغ الناس من دفن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى أسرع رهط الشورى وأعضاء مجلس الدولة الأعلى إلى الَجتماع في بيت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وقيل إنهم اجتمعوا في بيت فاطمة بنت قيس الفهرية أخت الضحاك بن قيس ليقضوا في أعظم قضية عرضت في حياة المسلمين ـ بعد وفاة عمر ـ وقد تكلم القوم وبسطوا آراءهم واهتدوا بتوفيق الله إلى كلمة سواء رضيها الخاصة والكافة من المسلمين1. ـ عبدالرحمٰن يدعو إلى التنازل: عندما اجتمع أهل الشورى قال لهم عبد الرحمٰن بن عوف: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: جعلت أمري إلى علي2، وقال طلحة: جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد جعلت أمري إلى عبد الرحمٰن بن عوف، وأصبح المرشحون الثلاثة علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمٰن بن عوف، فقال عبد الرحمٰن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام، لينظرن أفضلهم في نفسه؟، فأُ سكِ تَ الشيخان، فقال عبد الرحمٰن بن عوف: أفتجعلونه إليَّ و الله علي أن لَ آلو عن أفضلكما، قالَ: نعم3. ـ تفويض ابن عوف لإدارة الشورى بدأ عبد الرحمٰن بن عوف رضي الله عنه اتصالَته ومشاوراته فور انتهاء اجتماع المرشحين الستة صباح يوم الأحد، واستمرت مشاوراته واتصالَته ثلاثة أيام كاملة، حتى فجر يوم الأربعاء الرابع من محرم وهو موعد انتهاء المهلة التي حددها لهم عمر، وبدأ عبد الرحمٰن بعلي بن أبي طالب فقال له: إن لم أبايعك فأشر عليّ فمن ترشح للخلافة؟ قال علي: عثمان بن عفان، وذهب عبد الرحمٰن إلى عثمان وقال له: إن لم أبايعك فمن ترشح للخلافة؟ فقال عثمان: علي بن أبي طالب .. وذهب ابن عوف بعد ذلك إلى الصحابة 1 عثمان بن عفان، صادق عرجون، ص62،63. 2 صحيح البخاري، ك فضائل أصحاب النبي، الحديث رقم3700. 3 صحيح البخاري، ك فضل أصحاب النبي، الحديث رقم3700

عدد الصفحات ٧٩

80 الآخرين واستشارهم، وكان يشاور كل من يلقاه في المدينة من كبار الصحابة وأشرافهم ومن أمراء الأجناد ومن يأتي للمدينة، وشملت مشاوراته النساء في خدورهن، وقد أبدين رأيهن، كما شملت الصبيان والعبيد في المدينة، وكانت مشاورات عبد الرحمٰن بن عوف أن معظم المسلمين كانوا يشيرون لعثمان بن عفان، ومنهم من كان يشير بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفي منتصف الأربعاء ذهب عبد الرحمٰن بن عوف إلى ابن أخته المسور بن مخرمة، وطرق البيت فوجد المسور1 نائماً فضرب الباب حتى استيقظ فقال: أراك نائماً فوالله ما اكتحلت هذه الليلة بكبير نوم، فادع الزبيروسعداً، فدعوتهما له فشاورهما ثم دعاني فقال: ادع لي علياً، فدعوته فناجاه حتى ابهار الليل2. ثم قام علي من عنده.. ثم قال: ادع لي عثمان، فدعوته فناجاه حتى فرَّ ق بينهما المؤذن بالصبح3. ـ الاتفاق على بيعة عثمان: وبعد صلاة صبح يوم البيعة اليوم الأخير في شهر ذي الحجة 23 هـ644م، وكان صهيب الرومي الإمام، إذ أخبر عبد الرحمٰن بن عوف وقد اعتمَّ بالعمامة التي عمه بها ر سول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد اجتمع رجال الشورى عند المنبر، أرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار وأمراء الأجناد منهم معاوية أمير الشام وعمر ابن سعد أمير حمص وعمر بن العاص أمير مصر وأوفوا تلك الحجة عن عمر وصاحبه إلى المدينة4. وجاء في رواية البخاري: فلما صلَّى ا لناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل إلى كل من حاضر من المهاجرين والأنصار وأرسل إلى أمراء الأجناد وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمٰن ثم قال: أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الله فلم أراهم يعدلون بعثمان فلا تجعلني على نفسك سبيلاً ، فقال5: أبايعك على سنة ا ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمٰن وبايعه الناس المهاجرين والأنصار 1 الخلفاء الراشدون للخالدي، ص106،117. 2 ابهار: أي انتصف 3 صحيح البخاري، ك الأحكام، الحديث رقم7207. 4 شهيد الدار عثمان بن عفان، أحمد الخروف، ص37. 5 قوله: فقال: أي: عبد الرحمن مخاطباً عثمان

عدد الصفحات ٨٠