49 وقد كان من استشارة الخلفاء وأهل الفُ تيا بعضهم بعضاً ما يجعل من جماعتهم المحدودة شبه مجلس نيابي صغير ينقصه النظام، ولكن يعوضهم عنه ما كان منهم من تقليب المسائل على وجوهها وبحثها من جميع نواحيها1. 2 ـعصر التابعين: بعد عصر الصحابة جاء عصر التابعين لتظهر نواة المدارس الفقهية التي تعتبر مؤسسات تشريعية قائمة على أصلين: الأول: سيادة الشرع. الثاني: أن السلطان التشريعي في يد المجتهدين من الأمة، فظهرت مدرسة الرأي في العراق، والتي وضع لبناتها الأولى علماء الصحابة في المدينة من أمثال عبد الله بن عمر، زيد بن ثابت وعائشة وغيرهم، فإن عصر التابعين شهد شهرة واسعة لمجتهدين كبار كان على رأسهم الفقهاء السبعة في المدينة، وهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمٰن بن الحارث بن هشام وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود وهم الذين اعتدَّ مالك بإجماعهم 2. ثم ظهرت المذاهب الفقهية الكبرى التي شهدت طفرة عظيمة في اجتهاد الفقهي القائم على أصول ودعائم علمية راقية، وكان أشهر هذه المذاهب هي المذاهب الفقهية الأربعة مذهب أبي حنيفة، ومذهب مالك، ومذهب الشافعي، ومذهب أحمد بن حنبل، فكانت هذه المذاهب هي المؤسسات التشريعية العظمى التي تمثل السلطة التشريعية في العصور التي تلته عصر الخلفاء الراشدين وظل باب الَجتهاد مفتوحاً. وظلت هذه المذاهب هي المرجية التشريعية للأمة الإسلامية حكاماً ومحكومين في جميع المجالَت حتى جاء في عصور متأخرة علماء أغلقوا باب الَ جتهاد فنتج عن ذلك أن استجدت مسائل ونوازل في حياة الأمة لم يف تراث هذه المذاهب بمعالجتها، فكان من ذلك 1 السياسة الدستورية للدولة الإسلامية، ص430. 2 الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، ص134.
عدد الصفحات ٤٩50 الحرج قصور التشريع الإسلامي عن مسايرة الزمن وتحقيق مصالح الناس، والتجاء بعض الحكومات الإسلامية إلى العمل بقوانين أمم غير إسلامية1. ووقعت الأمة الإسلامية بمجموعها في براثن الَستعمار في القرنين الماضيين وجاء الَستعمار الغربي بفكره العلماني ونظرية السيادة الغربية وغزا الأمة بقوانين غير شرعية وصارت السلطة التشريعية فيها أبعد ما يكون عن الشريعة الإسلامية وساعد على ذلك قابلية الأمة للاستعمار في تلك الفترة نتيجة الجهل والفقر والمرض والبعد عن روح الإسلام ومقاصده السامية، وقفل باب الَجتهاد الذي يسعى العلماء المجتهدون لتلبية حاجات الأمة من كل ما ينزل بها وهذا هو الذي دفع المصلحين من أمثال محمد بن علي السنوسي، ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا وغيرهم إلى فتح باب الَجتهاد، ولقد تجاوب بهذه الصيحة الصادقة علماء وأساتذة جامعات وشيوخ كبار ونهضوا لهذا الواجب الكبير، فبدأت من جديد حركة الَجتهاد والتجديد وصارت الشعوب الإسلامية مؤهلة للعودة إلى سيادة الشريعة عن طريق جعل السلطة في يد المجتهدين من أبناء هذه الشعوب 2 في مجالَت الحياة المتعددة. 3 ـالمؤسسات التشريعية الكبرى: أوجدت الأمة مؤسسات تشريعية كبرى تقوم بالَ جتهاد الجماعي الذي كان يقوم به المجتهدون من الصحابة ولكن بآليات معاصرة، وقد تمثلت هذه المؤسسات في المجامع الفقهية الكبرى مثل: مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة، ومجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي بجدة ومجمع رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة وغيرها من المجامع التي جاءت بعدها وحذت حذوها إلى جانب مشاريع الَجتهاد الجماعي الأخرى كمشاريع الموسوعات الفقهية الكبرى مثل مشروع الموسوعة الفقهية الكويتية، كما ناقش العلماء المعاصرون إمكانية تجزئة الَجتهاد بمعنى أن يوجد في كل فرع من فروع الشريعة متخصصون وخبراء يملكون أدوات الَجتهاد فيه وإن لم يستكملوا آلَت الَجتهاد المطلق، 1 السياسة الشرعية، عبد الوهاب خلاف، ص51. 2 الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، ص135.
عدد الصفحات ٥٠51 وذلك لتوسيع دائرة اجتهاد وتيسير أمره وهذا الجهد المبارك يعتبر أرضاً خصبة لنمو واختيار السلطة التشريعية التي يتمثل فيها بصدق سيادة الشرع وسلطان الأمة. 4 ـ كيفية اختيار وطريقة التكوين: كيفية الَختيار هي من الآليات التي تختلف من عنصر لآخر فنحن إذا نظرنا إلى السلطة التشريعية في عصر الخلفاء الراشدين، ومن تلاهم، نجد أنهم لم يكتسبوا هذه السلطة بتعيين الخليفة ولَ بانتخاب الأمة لهم، وإنما اكتسبوها بمميزاتهم الشخصية التي امتازوا بها، فجاء التكوين بطريقة فطرية تلقائية بسيطة كبساطة الحياة آنذاك1. وأما في الواقع المعاصر فيمكن تطوير ذلك بما يلائم احتياجات الشعوب في هذا العصر مع المحافظة على القيم والمبادىء والمرجعية الإسلامية. والسلطة التشريعية في المفهوم الإسلامي هي السلطة المؤلفة من صفوة علماء الشريعة المجتهدين، والمكلفة باستخلاص الأحكام الشرعية من مصادرها، والتعريف بها ووضعها لدى الدولة موضع التنفيذ والمنوط بها الإشراف على السلطات الأخرى فيما يتعلق بتنفيذ الشريعة وتطبيق أحكامها، والمعهود إليها مع بقية أهل الشورى ومع سائر أهل الحل والعقد بالرقابة على الحكومة والمحاسبة لها2. ومن هذاالتعريف يتضح الآتي: ـ أن السلطة التشريعية في الإسلام لَبد من وجود علماء الشريعة المجتهدين الذين استجمعوا شروط الَجتهاد مع بقية أهل الحل والعقد. ـ هذه السلطة هي المكلفة شرعاً والمختصة دستورياً بالقيام بعملية التشريع وعملها التشريعي لَ يعدو أمرين: أما بالنسبة إلى ما فيه نص فعملهم تفهم النص وبيان الحكم الذي يدل عليه، وأما بالنسبة إلى ما لَ نص فيه فعملهم قياسه على ما فيه نص واستنباط حكمه بواسطة الَجتهاد3، مراعين القواعد والمقاصد الشرعية، فالسلطة التشريعية عندما تقوم 1 الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، ص136. 2 الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، ص127. 3 المصدر نفسه، ص219.
عدد الصفحات ٥١52 بالتشريع فإنها لَ تنش ىء الأحكام إنشاءً ولَ تب دؤها ابتداءً وإنما تستمدها وتستخلصها وتستخرجها من كتاب الله وسنة رسوله، لَ من غيرهما وبذلك وضع النظام الإسلامي حداً فاصلاً بين أمرين لَ يصح أن يلتبسا وهما السيادة والسلطان، فالسيادة لله والسلطان للأمة، السيادة لشرع الله والسلطان للمجتهدين من الأمة الذين يقومون باستنباط الأحكام والإعلام بها والإلزام بتطبيقها وهذا هو سلطانهم الذي لَ يتعدى على سيادة القانون. ـ أن عمل السلطة التشريعية لَ يقف عند حد التشريع وإنما يتعداه إلى الإشراف والمباشرة لضمان الَلتزام بهذا التشريع من قبل السلطتين التنفيذية والقضائية وبخاصة السلطة التنفيذية كما أنها تشترك مع سائر أهل الشورى وأهل الحل والعقد في القيام بدور الرقابة على باقي السلطات والمحاسبة للحكومة وإبداء المشورة للحاكم ومعاونيه في كل مشكل يعرض للأمة من الأمور العامة، إن صفوة علماء الشريعة المجتهدين الذين يمثلون السلطة التشريعية جزء من أهل الحل والعقد لأن أهل الحل والعقد في الأمة ليسوا منحصرين في علماء الشريعة المجتهدين فضلاً عن أن ينحصروا في صفوتهم المختارة للتشريع وإنما تتسع دائرتهم لتمثل غيرهم من العلماء والقضاة والأمراء والخبراء والصلحاء والوجهاء العدول الذين يحملون همّ هذا الدين ويتحملون مسؤولية هذه الأمة ويعتبرون هم كبار الأمة وقادتها وأولو الأمر فيها1. 5ـ أهل الحل والعقد ومصطلح أهل الحل والعقد هو مصطلح اجتهادي شرعي من جهة، وتاريخي من جهة أخرى، فالفكرة لَ تعدم أصولًَ شرعية يمكن تأسيسها عليها وتسويغها بها، خاصة من عمل الصحابة رضي الله عنهم، وليس هناك ما يمنع شرعاً، فهي تمثل إحدى الصيغ التنظيمية الناجعة في مجال الحكم والسياسة ولكنها على كل حال ليست منصوصة لَ باسمها ولَ بهيئتها. والمشكل في فكرة أهل الحل والعقد يكمن في أمرين: 1 الأحكام الشرعية للنوازل الشرعية، ص129.
عدد الصفحات ٥٢53 - الأول هو أنها لم تؤخذ مأخذ الجد، ولم توضع موضع التنفيذ، ولم توضع لها صيغة تنظيمية ملزمة، فبقيت محصورة في أذهان الفقهاء ومؤلفاتهم وتمنِّياتهم وفي أحسن الأحوال قد يوجد نوع من أهل الحل والعقد، ولكن أمرهم كله إلى الحاكم نفسه بما في ذلك اختياره لهم، و اختياره بين استشارتهم وعدمها، و اختياره بين اتباع مشورتهم وعدمها.. بمعنى أن الحل والعقد كله بيد السلطان لَ بيد أهل الحل والعقد. - الثاني: هو أن فكرة أهل الحل والعقد اتخذها بعض الحكام وسيلة للإلغاء الفعلي لدور الأمة ومشورتها واستبعاد أي أثر لها في تدبير شؤونها، فبدل أن تطبق الفكرة وتكون هي التعبير المنظم عن إرادة ا لأمة، أصبحت مجرد حجة نظرية تلغي بمقتضاها الأمة، بدعوى أن أهل الحل والعقد يقومون مقامها، بينما أن الحاكم بأمره هو الذي يقوم مقام الجميع وهنا لَبد من التذكير والتأكيد بأن اختيار الخليفة أو الإمام هو في الأصل من حق الأمة قاطبة، وهي تمارس هذا الحق بحسب الَستطاعة والإمكان لكل زمان ومكان، وعلى هذا مضت سُنَّةُ الخلفاء الراشدين. ـ فعند اختيار الخليفة الأول أبي بكر رضي الله عنه، كان اجتماع السقيفة مفتوحاً لكل من حضر من المسلمين، ولم يقل أحد: إن الَجتماع خاص بفلان وفلان، أو خاص بهؤلَء، بل حضره من شاء وتكلم فيه من شاء ومن ذلك وجد من الناس من اعتبر بيعة أبي بكر فلتة، نظراً للفجائية والسرعة التي تمت بها، فرد عليهم عمر رضي الله عنه عليهم بقوله الحاسم: «فلا يَفْترَّن امرؤ أن يقول: «إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألَ وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر»، ثم أعلن قراره الدستوري التاريخي بقوله: «من بايع رجلاً عن غير مشو رة من المسلمين، فلا يبايع هو ولَ الذي بايعه تغرة أن يقتلا»1. وعندما مرض أبي بكر أخذ يشاور، حتى اطمأن إلى تطلع الناس جميعاً إلى عمر ورغبتهم فيه ورضاهم، فعهد إليه، ثم بايعه الناس. 1 البخاري نقلاً عن فقه الثورة الريسوني، ص 28.
عدد الصفحات ٥٣54 وفي تولية الخليفة الثالث وما جرى فيها من الموازنة والترجيح بين المرشَّحين: علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان رضي الله عنهم، قال ابن كثير: ثم نهض عبد الرحمٰن بن عوف رضي الله عنه يستشير الناس فيهما، ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس وأقيادهم جميعاً وأشتاتاً مثنى وفرادى ومجتمعين، سراً وجهراً، حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان، في المكاتب وحتى سأل من يرِد من الركبان والأعراب إلى المدينة، في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فلم يجد اثنين يختلفان في تقديم عثمان ابن عفان، إلَ ما ينقل عن عمار والمقداد أنهما أشارا بعلي بن أبي طالب، ثم بايعا مع الناس1. واليوم ونحن في زمن الَنتفاضات الشعبية، لَبد من التنويه بالبيان الناصع للأزهر الشريف في هذا الموضوع، فقد جاء في البيان الصادر عن مشيخة الأزهر بعنوان بيان الأزهر والمثقفين لمناصرة الحراك العربي ما يلي: تعتمد شرعية السلطة الحاكمة من الوجهة الدينية والدستورية على رضا الشعوب واختيارهم الحر، من خلال اقتراع علنيِّ يتم في نزاهة وشفافية ديمقراطية، باعتباره البديل العصري المنظَّم لما سبقت به تقاليد البيعة الإسلامية الرشيدة، وطبقاً لتطور نظم الحكم وإجراءاته في الدولة الحديثة والمعاصرة، وما استقرَّ عليه العرف الدستوري من توزيع السُّلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والفصل الحاكم بينها، ومن ضبط وسائل الرقابة والمساءلة والمحاسبة، بحيث تكون الأمة هي مصدر السلطات جميعاً، وهي مانحة الشرعية وسالبتها عند الضرورة. وقد درج كثير من الحكام على تعزيز سلطاتهم المطلقة متشبِّثين بسوء الفهم للآية القرآنية الكريمة: ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ (النساء، آية: 59.) 1 البداية والنهاية7 /146.)
عدد الصفحات ٥٤55 متجاهلين سياقها الشّرطي المتمثِّل في قوله تعالى قبل ذلك في الآية التي تسبق هذه ا ية مباشرة: ﴿إِنَّ اللهَّ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ ﴾(النساء، آية: 58.) ممَّا يجعل الإخلال بشروط أمانة الحكم وعدم إقامة العدل فيه مسوَّغاً شرعياً لمطالبة الشعوب للحكام بإقامة العدل، ومقاومتها للظلم والَستبداد، ومن قال من فقهائنا بوجوب الصبر على المتغلب المستبد من الحكام حرصاً عل ى سلامة الأمة من الفوضى والهرج والمرج ـ فقد أجاز في الوقت نفسه عزل المستبد الظالم إذا تحققت القدرة على ذلك وانتفى احتمال الضرر والإضرار بسلامة الأمة ومجتمعاتها1. المهم أن أهل الحل والعقد لَبد منهم ولَ غنى عنهم وهم إما أن يكونوا من علماء الشريعة المبينين لمقتضياتها الأمناء على حكامها، أو من أهل المعارف والخبرات التي لَ غنى عنها، وإما أن يختارهم الناس ليكونوا نواباً عنهم إن كانوا من أهل الزعام ة والمكانة في المجتمع وفي جميع أحوالهم، فهم ليسوا مجرد أصداء أبواق أو عيون للحكام، وهذا يقتضي أن لَ يكون له يد عليهم، لَ في اختيارهم، ولَ في رواتبهم، ولَ في عملهم، وحتى إذا كان أهل الحل والعقد على هذا النحو، فإن وجودهم لَ يلغي الأمة، ولَ يلغي دورها وحقها في تقرير ما تريده من اختياراتها ومصالحها، متى أمكنها ذلك2. فالحق للأمة، فهي الأصل وهي أحد طرفي العقد والحاكم هو الوكيل أن النائب عنها، وليس الحكم تفويضاً إلهي، و البيعة عقد تراض لَ إذعان فيه با تفاق السلف المتقدمين، وليست الوكالة نسخاً للحق الأصلي، ولَ عقد اً مؤبداً لَ يعترضه فسخ، ولذا قال أب و بكر رضي الله عنه: «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم»، وقال عمر: «الخلافة شورى»، وقال علي«إن بيعتي لَ تكون إلَ عن رضى المسلمين»، ولذا كان من حق الأمة أن تبايع بيعة مشروطة بوقت أو بفعل كما اشترط الصحابة على 1 فقه الثورة أحمد الريسوني، ص30، البيان صادر بتاريخ3 من ذي الحجة سنة 1423هـ الموافق30 من أكتوبر سنة2011م) بتوقيع شيخ الأزهر محمد أحمد الطيب. 2 فقه الثورة أحمد الريسوني، ص31.
عدد الصفحات ٥٥56 علي بن أبي طالب رضي الله عنهم إقامة القصاص، وكما اشترط عبد الرحمٰن بن عوف على عثمان وعلي أن يعملا بالكتاب والسنة وسيرة الخليفتين، وفي الحديث المشهور: «المسلمون على شروطهم، إلا شرطاً حرام حلالاً أو أحلا حراماً »"1. ولأصحاب الحق الأصلي أن يحدّدا العقد بمدة معينة، كما يقع في بعض الدساتير بأربع أو خمس أو ست سنوات وبابه المصلحة المرسلة والمشارطة ومدار ذلك على تحقيق العدل2. ومن التعاريف الجامعة المانعة لأهل الحل والعقد: هم نخبة المجتمع الإسلامي من النواحي الإيمانية والجهادية والعلمية، الذين أبلوا البلاء الحسن في نصرة الدين ونشره وتطوير المجتمع من جهة تدينه وعلمه، وشهد لهم بذلك المجتمع فبوأهم موقعاً طليعياً ليقرروا بحكمتهم ووعيهم في مختلف الشؤون العامة، وعلى رأسها اختيار الحكام وشكل أهل الحل والعقد مجلس الشورى الإسلامي، وقد يصح أن يجري انتخابهم بطريقة الَنتخاب الحر المباشر من قبل الشعب كافة3. 1 مسند أحمد، الحديث رقم8784. 2 أسئلة الثورة سلمان العودة، ص84. 3 مدخل إلى الفلسفة السياسية، ص339.
عدد الصفحات ٥٦57 المبحث الثالث الانتخابات البرلمانية أولا: تعريف الانتخابات وأنواعها: 1 ـتعريف الانتخابات: أ ـ في اللغة: الانتخابات: جمع انتخاب، والَنتخاب هو الَختيار والَنتقاء، فانتخب الشيء، أي اختاره ومنه النخبة من الناس لأنهم مُ نتَ خَ بون من الناس مُ نتقون1. ب ـ في اصطلاح: الانتخابات: هي طريقة يختار بها المواطنون أو بعضهم من يرضون ويتوصَّل من خلالها لتحديد المستحق للولَية أو المهمة المُ نتَ خَ ب فيها2. ومن خلال التعريف يتبيّ ن أن الَنتخابات المعاصرة تقوم على أربعة أركان: الركن الأول: (المُنتَخِ ب أو الناخب) وهو الشخص المؤهل للمشاركة في التصويت3. الركن الثاني (المُنتَّخ ب أو المُ رشّ ح) وهو: الشخص الذي يأمل الوصول إلى ولَية انتخابية4. الركن الثالث التصويت أو الَقتراع أو الَنتخاب، وهو تعبير عن رأي المواطن من خلال مشاركته في الَنتخابات أو في استفتاء عام. الركن الرابع: الولَية أو المهمة المنتخب فيها، وهي الولَية التي يجري من أجلها الَنتخابات لأجل تحديد من يتولى شأنها. 1 مختار الصحاح للرازي، مادة نخب،271. 2 الَنتخابات وأحكامها، فهد العجلان، ص15. 3 المصدر نفسه، ص16. 4 المصدر نفسه، ص16.
عدد الصفحات ٥٧58 2 ـ أنواع الانتخابات: يراد بأنواع الَنتخابات هنا: تلك الولَيات أو الشؤون التي يجري عليها الَنتخابات، وأشهر هذه الأنواع في الوقت المعاصر هي: أ ـ الانتخابات الرئاسية: وهي لتسمية واختيار رئيس الدولة. والَنتخابات الرئاسية إما أن تجري بطريق الَستفتاء المباشر الذي يكون اختيار الرئيس فيها راجعاً إلى الشعب مباشرة، فيصوت الناس للمرشحين على الرئاسة ويفوز بالرئاسة من حاز أغلبية الأصوات، وإما أن تجري بطريق غير مباشر بأن يختار الناس من يمثلهم من الناخبين الذين هم من يصوِّت في اختيار الحاكم كما هو الحال في بعض الدول. ب ـ الانتخابات البرلمانية: أصل لفظة برلمان اسم لمداولة الملوك مع الرعية، ثم أطلق على الَجتماع الذي تتم فيه تلك المداولة، وأخيراً صار علماً لدار التشريع التي يجتمع فيها ممثلو الأمة فيشرِّعون ويقنِّنون، فانتقلت مباشرة سلطة الحكم من الملك إلى البرلمان 1. والبرلمان قائم على فكرة النيابة فلا بد أن يكون البرلمان منتخباً من قبل الشعب يباشر سلطة حقيقية ولمدة مؤقتة، يمثل فيها الشعب بأكمله فلا يمثل دائرته فقط، ويكون مستقلاً عن هيئة الناخبين في فترة حكمه، فلا يحل لهم المشاركة معه في اتخاذ القرار2. والمراد بالَنتخابات البرلمانية الَنتخاب لمجموعة المجالس التشريعية في بلد ما. فالناس يختارون من ينوب عنهم في تولي شؤون الحكم فترة محدودة ليتولى فيها إختصاصاً تشريعياً في سن القوانين، وا ختصاصاً مالياً في الموافقة على الميزانية، واختصاصاً سياسياً في مراقبة الحكومة3. 1 الطريق إلى البرلمان لإسماعيل الأزهري، ص12. 2 الَنتخابات وأحكامها، فهد العجلان، ص17. 3 الشورى وأثرها في الديمقراطية، عبدالحميد الأنصاري، ص: 345.
عدد الصفحات ٥٨59 جـ ـ الانتخابات البلدية: والمُراد بها: إدلَء الناخبين بأصواتهم لَختيار الأعضاء المراد انتخابهم لعضوية المجالس البلدية1. ويُ راد بالمجلس البلدي: ذلك المجلس الذي تشتمل اختصاصاته ووظائفه على العناية بأمر البلدة ونظافتها وما يتبع ذلك من إنشاء الحدائق والمنتزهات، وتشتمل وظيفته على متابعة شؤون البيع والشراء ومراقبة البضائع وتحديد الأسعار، وتشمل صلاحياته على متابعة الأملاك الخاصة والعامة ومنع أي تعدٍّ يطرأ عليها2. وهي وإن لم تكن سياسية في الدرجة الأولى، إ أنها تقرِّب المواطنين من سلطة ا تخاذ القرار، وتتميز بأن الناخبين نظراً لطبيعة المجالس البل دية التي تمس حاجات الناس، وتتم في نطاق ضيق يجعل الناخبين أقدر على معرفة مرشحيهم3. د ـ الاستفتاء العام: ويراد بالَستفتاء العام: عرض موضوع من الموضوعات على الشعب لمعرفة رأيهم بالموافقة أو الرفض4. والَستفتاء الشعبي ليس داخلاً في الَنتخابات، وإنما أضيف هنا لقرب مفهومه من مفهوم الَنتخابات، حيث يرجع فيه إلى اختيار الناس كالَنتخابات5. هـ ـ انتخابات اتحاد الطلاب: وفيها يقوم طلاب كل كلية بانتخاب من يمثلهم في المطالبة بحقوقهم، ومن هؤلَء المنتخبين يتم انتخاب ممثلي الجامعة ثم ممثلي الجامعات في كل قطر، وقد مارست دول عدة العملية الَنتخابية في مدارسها الَبتدائية والإعدادية والثانوية، وأقاموا ما يسمى بالبرلمان المدرسي. 1 الَنتخابات البلدية لعلي المزايدة، ص40. 2 المصدر نفسه، ص46،47. 3 النظم الَنتخابية لعبدو سعد وآخرين، ص188. 4 الَستفتاء الشعبي، ماجد الحلو، ص10،11. 5 الَنتخابات وأحكامها، فهد العجلان، ص19.
عدد الصفحات ٥٩60 و ـ انتخابات النقابات: وفيها يختار كل أصحاب مهنة أو وظيفة من يمثلهم ليطالب بحقوقهم وإدارة مصالحهم. ز ـ الانتخابات التي تجري في المؤسسات الخيرية: والجمعيات الدعوية لَختيار مجلس إدارتها إلى غير ذلك من أنواع الَنتخابات التي كثرت وتعددت في الآونة الأخيرة1. 3 ـ لماذا يلجأ الناس للانتخابات؟ لما كان الإنسان مدنياً بطبعه فإنه بحاجة إلى إدارة شؤونه بنفسه، أو ينيب عنه من يديرها له، ولما كانت الآراء تتباين، والعقول تتفاوت، فقد تعارف الناس على هذا الأسلوب، منعاً للخلاف وتحصيلاً للمصلحة والمنفعة، وأرى أن الناس إنما لجأوا إلى الَنتخابات لعدة أمور منها: ـ حاجة الناس إلى من يحقق لهم المصلحة، ويدرأ عنهم المفسدة. ـ كثرة الأعداد البشرية، ما يستحيل معه أخذ رأي كل أحد على حدة. ـ كثرة العدد في التخصص الواحد والمجال الواحد، مع التفاوت في الخبرة والمعرفة. ـ التطور الطبيعي في حياة البشر2. 4 ـ متى بدأ العمل بالنظام الانتخابي؟ لم تكن الأنظمة الديمقراطية القديمة تعمل بالَنتخابات إلَ بشكل ضيق ومحدود، نظراً لأن تلك الأنظمة كانت تعمل بمبدأ الديمقراطية المباشرة التي تجعل أفراد الشعب يشاركون في الحكم مباشرة من غير نوّاب ولَ وسطاء وذلك بأن يجتمع الناس المخوَّل لهم اتخاذ القرار بصفة دورية في مكان محدد ليسنّوا القوانين ويحددوا النشاط السياسي للبلد، ولم يكن ثَ مَّ حاجة للانتخاب لأن الشعب يباشر السلطة بنفسه من غير تمثيل، ومن يباشر السلطة من الناس هم المواطنون الأحرار وهم قلة من الشعب ممن سمح لهم النظام بمباشرة السلطة وحرم منها النساء والعبيد وجمع الأجانب، غير أن تطور الحياة واتساع المدن جعل تطبيق 1 الَنتخابات أحكام وضوابط، أكرم كساب، ص14. 2 المصدر نفسه، ص15.
عدد الصفحات ٦٠61 الديمقراطية المباشرة أمراً عسيراً، فلجأت الأنظمة الديمقراطية حينها إلى الديمقراطية غير المباشرة وإلى الحكومات التمثيلية التي يختار الناس فيها من يمثلهم في مباشرة شؤون الحكم، فتكون مباشرة الحكم فيها للناس بصورة غير مباشرة عن طريق ممثليهم، وأول دولة طبقت النظام التمثيلي النيابي هي إنجلترا، وكان الَنتخاب المطبق آنذاك هو الَنتخاب بالأغلبية الذي يفوز فيه المرشح حين يكون أكثر المرشحين جمعاً للأصوات، ولو لم يفز بأغلبية أصوات الشعب، وهذا النظام الَنتخابي هو أقدم النظم الَنتخابية إذ يرجع تاريخه لعام 1265م، وكان الَنتخاب بالأغلبية هو السائد في أوروبا طيلة تلك المرحلة حتى عام 1914م1. وكانت الَنتخابات في ذلك الزمان تأخذ بنظام الَقتراع المقيد الذي يحصر التصويت فيه على من يملك قدراً معيناً من المال، فلا يسمح بالتصويت إلَ للفئة الموسرة القادرة على دفع الضريبة، ويمنع من عداها من المشاركة، وسبب أخذهم بهذا استنادهم إلى أن من يملك مالًَ وثروة يكون أكثر ارتباطاً بوطنه وأكثر تحملاً لقرارات الحكومة، فكانوا يحصرون حق الَنتخابات فيهم2. وكذا كانت توضعالقيود والضوابط التي يراد بها تقييد مشاركة الشعب حتى لَ تأتي النتائج على خلاف ما تريد السلطة الحاكمة3. غير أن الأخذ بالحكومات النيابية التمثيلية لم تكن أمراً عاماً، وإنما بدأ ا نتشاره في الأنظمة الديمقراطية في القرن الثامن ع شر الميلادي، وا زداد انتشاراً في القرن التاسع عشر الميلادي ثم أصبح مع نهاية النصف الأول من القرن العشرين ظاهرة عامة في جميع الأنظمة الديمقراطية4. كما أن المرأة لمتكن تشارك في الَنتخابات في الأنظمة الديمقراطية القديمة وأول مشاركة لها كانت في إحدى ولَيات الولَيات المتحدة الأمريكية في عام 1880م ثم عمم على جميع 1 الَنتخابات وأحكامها، فهد العجلان، ص21. 2 المصدر نفسه، ص21. 3 النظم الَنتخابية، عبدو سعد وآخرين، ص37. 4 الَقتراع السياسي، منذر الشاوي، ص16،17.
عدد الصفحات ٦١62 الولَيات الأمريكية في عام1920م، كما شاركت بريطانيا في عام1928م وشاركت في فرنسا في عام 1944م1، وقد أخذت الأنظمة الديمقراطية المعاصرة بالديمقراطية غير المباشرة، وتركت الديمقراطية المباشرة فما عادت موجودة إلَ في نطاق ضيق في بعض المقاطعات السويسرية، كذلك أخذت الأنظمة الديمقراطية المعاصرة بالَنتخاب العام الذي لَ يشترط في الناخب قدراً من العلم ولَ المال، غير أنه لَيز ال ثمة قيود مختلفة تضعها بعض الدول لتحقيق أهداف سياسية يراد بها منع بعض الفئات من المشاركة لئلا تحقق ما تريد2. ثم بعد ذلك لجأت الدول الديمقراطية المعاصرة إلى الأخذ بنظام الديمقراطية شبه المباشرة والتي تعمل بالديمقراطية غير المباشرة مع إعطاء الشعب فرصة المشاركة في الحكم من خلال الَستفتاء الشعبي العام الذي يخوّل للشعب التصويت على بعض الموضوعات لتأييدها أو رفضها، وقد عملوا بالَستفتاء ليمكنوا المواطن من المشاركة التي حرم منها بسبب الأخذ بالديمقراطية غير المباشرة، وليحموا بين ما أملته الضرورة من الأخذ بالنظام النيابي، وما تدعو إليه الديمقراطية من حكم الشعب3. ثانياً: تاريخ الانتخابات في الحكم الإسلامي: عرف المسلمون النظام الَنتخابي وإن لم يكن بالصورة الماثلة الآن منذ فجر الإسلام ومن هذه الوقائع التي تدل على ذلك: 1ـ بيعة النقباء حين بايع الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم في العقبة الثانية فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: «أخرجوا إليا منكم اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم بما فيهم»4، يؤخذ مناختيار النقباء دروس مهمة منها: أ ـ أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعين النقباء إنما ترك طريق اختيارهم إلى الذين بايعوا، فإنهم سيكونون عليهم مسؤولين وكفلاء، والأولى أن يختار الإنسان من يكفله 1 المصدر نفسه، ص161 ـ162. 2 الَنتخابات وأحكامها، فهد العجلان، ص22. 3 الَنتخابات والديمقراطية، سليمان الغويل، ص24. 4 مسند أحمد3 /461)، مستدرك الحاكم3 /282.)
عدد الصفحات ٦٢63 ويقوم بأمره وهذا أمر شورى، وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يمارسوا الشورى عملياً من خلال اختيار نقبائهم. ب ـ التمثيل النسبي في الَختيار فمن المعلوم أن الذين حضروا البيعة من الخزرج أكثر من الذين حضروا البيعة من الأوس ثلاثة أضعاف من الأوس بل يزيدون، ولذلك كان النقباء ثلاثة من الأوس وتسعة من الخزرج1. ج ـجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم النقباء مشرفين على سير الدعوة في يثرب، حيث استقام عود الإسلام هناك، وكثر مثقفوه ومعتنقوه، فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يشعرهم أنهم لم يعودوا غرباء لكي يبعث إليهم أحداً من غيرهم، وأنهم غدوا أهل الإسلام وحماته وأنصاره2. د ـوفي بيعة العقبة التي سبقت الهجرة بايع الأنصار بالشورى والَختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الدولة الإسلامية في المدينة وولدت يومئذ أولى المؤسسات الدستورية الإسلامية بالَختيار مؤسسة "النقباء الَثني عشر" فتميزت "الدولة" عن "النبوة والرسالة" يكون الأولى اختياراً بشر ياً وبناء مدنياً وبكون الثانية ا صطفاء إلهياً لَ مدخل للناس فيه وبكون الدولة ثمرة للاجتهاد البشري، بينما "الدين وضع إلهي على البشر فيه السمع والطاعة وإسلام الوجه لله". لكن هذه (الدولة) نشأت واستمرت (إسلامية) لَ لأنها فقط، قد تعاقد على إقامتها قوم (مسلمون) يؤمنون بالله واليوم والآخر، وإنما لأنها اختارت المرجعية الإسلامية ـ قرآناً وسنة ـ الله ورسوله ـ حكماً بين رعيتها ورعاتها في كل مناحي سياستها وعمرانها، لقد قامت هذه الدولة لحراسة الدين، ولسياسة الدنيا بهذا الدين، فكانت إنجازاً مدنياً أقامه البشر وإسلامياً لأن حاكميتها هي شريعة الله. إنها ليست الوضع الإلهي الذي لَ مدخل فيه لَجتهادات الناس وليست أيضاً الإ نجاز البشري الذي لَ علاقة له بالدين، إنها دولة مدنية إسلامية في الوقت ذاته، لقد قامت الشورى والبيعة 1 السيرة النبوية، محمد أبو فارس، ص209. 2 السيرة النبوية للصلابي، ص315.
عدد الصفحات ٦٣64 واختيار البشري وارتفعت بالإسلام مرجعية لسياستها، فهي اجتهاد بشري محكوم بمرجعية الإسلام وذلك نمط علاقة الدين بالدولة. لقد أقام المسلمون دولة الإسلام إنجازاً بشرياً مدنياً مرجعيته (الشريعة الإسلامية) فأقاموا بذلك الدين وساسوا به الدولة، بل وكل نواحي العمران، فعرفت الإنسانية حضارة أبدعها البشر، لكنها مصطحبة بصبغة الإسلام، فكل عمرانها المدني، من علوم وآداب وفنون، وكل تطبيقات لهاـ إنما تبتغيا تحقيق السعادة الدنيوية والأخروية بواسطة هذا الإبداع في هذه الحياة1. هـ ـ في بيعة العقبة الثانية وقوله صلى الله عليه وسلم: «أخرجوا لي اثني عشر نقيباً »: دليل واضح على مشروعية انتخاب القوم لمن يمثلهم فيما يقررون وما يشاركون به من عمل مثل هذا المثال؟ ومن يدير علاقتهم وتعهداتهم؟ وإذا غابت هذه المفاهيم عن الأمة، ورأت أمماً أخرى تقيم سياستها على هذا الرشد، فهل تحرم العقل والرشد، وتقاطع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنة عقلاء البشر؟ وسنة قام عليها مجدها من أجل أن تخالف رشد الآخرين، بأن ترتكس حمأ الَستبداد والعبودية، لأن بعض الأجداد ارتكسوا فيها؟ ولو لم يكن هناك من دليل قريب ولَ بعيد، فإن رصيد التجربة البشرية الناجحة وظهور المصلحة في الَنتخابات والديمقراطية لَ يجيز لمسلم عقل أن يتجنب الخير المشهود لأن أحداً من أجداده لم يمارسه، ويبحث عمّا يضره ويدمِّر مستقبله لأ نه يخالف الغرب أو الشرق فما اتضح خيره وغلب على شره واستبانت مصلحته، واتضحت الحاجة إليه وجب انتهاجه، فكيف إذ كان في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم له شواهد2. 2 ـ عرفاء وفد هوازن ذلك أن وفد هوازن جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسلماً مبايعاً وطلب من ا لنبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع إليهم أموالهم فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم الناس في ذلك، فأشاروا بالرضا، فلم يكتف بذلك وقال: «إنا لا ندري من 1 الإسلام والسياسة، محمد عمارة، ص50،53. 2 الديمقراطية، محمد الأحمري، ص107،108.
عدد الصفحات ٦٤