المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

البرلمان في الدولة الحديثة المسلمة

علي محمد الصلابي

صفحة ٣ من ١٨

33 يجبإذاً فصل السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية بشكل واضح لكي تبقى الحكومة المركزية متوازنة وبعيدة عن الفساد، إن فصل السلطات فقه عمري راشدي تجلَّى في قوله لمعاوية وهو أمير الشام: إنه لَ سلطان له على عبادة بن الصامت وهو قاضي فلسطين1. وفي القرآن الكريم إشارة واضحة إلى هذا الفصل فالسلطات التشريعية هي (الكتاب) والسلطات القضائية هي (الميزان) والسلطات التنفيذية هي (الحديد). وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث الولَة والقضاة2. وحين يسيطر الرئيس المستبد على السلطات الثلاث يصبح الفساد نتيجة طبيعية، ويصعب بعد ذلك لجمه بالطرق الشورية، لأنه قد يكون قد مكَّن للدولة الع قيمة المفسدة للحياة والتي لَ تحترم القيم والمبادىء الإنسانية من الكرامة والحرية، والعدالة والشورى. وهناك فرق جوهري بين نظام الحكم الإسلامي ونظم الحكم الديمقراطية النيابية المعاصرة، في مبدأ الشرعية الإسلامية، وأن مبدأ الفصل بين السلطات فرع عنه وليس موازياً له والأولى أن يعبر عنه بأنه حجر الزاوية له، وفحوى (مبدأ الشرعية) في الإسلام ومحتواه. ومعنى حصانته السماوية التي لَ تمتد إليها يد أحد من العاملين بالتغير أو التبديل، فهي ضمانة الضمانات الدستورية الإسلامية الوحيدة التي تحمي حقوق الإنسان من جور ذوي السلطان ويضمن للمجتمع صفة الشرعية وتحقق مبدأ هيمنة الشريعة على كل مناحي الحياة في الإسلام فلا تصور تحت سقفها لتشريع تصنفه الدولة أو تسنه هيئة تشريعية، ويكون وسيلة للفساد أو الطغيان3. ويرى صاحب تفسير المنار (محمد رشيد رضا) أن الدولة الإسلامية مؤلفة من جماعتين أو ثلاث: الأولى: جماعة (المبينين للأحكام)، الذي يعبر عنهم أهل هذا العصر بالهيئة التشريعية. 1 سنن ابن ماجه، الحديث رقم18، ومسند الشاميين 2 أسئلة الثورة، د. سلمان العودة، ص129. 3 الحسبة في الإسلام، فريد عبد الخالق، ص238.

عدد الصفحات ٣٣

34 والثانية جماعة (الحاكمين والمنفذين) وهم الذين يطلق عليهم اسم (الهيئة التنفيذية). والثالثة: جماعة (المحكمين في التنازع) ويجوز أن تكون طائفة من الجماعة الأولى. وإنه يجب على الرعية الَلتزام بما يقرره أولو الأمر وتنفيذه فهم (أولو الأمر التنفيذيون) ويجب على الأمة قبول هذه الأحكام والخضوع لها سراً وجهراً لأنها صدرت من الهيئة التشريعية التي تمثلها ذلك لأن أُ ولي الأمر هم أهل الحل والعقد وهم الذين: تثق بهم الأمة من العلماء، والرؤساء وشيوخ القبائل والأعيان وأصحاب الشوكة والرأي وممن أفرزتهم المجتمعات لقيادتها عن طريق الَنتخابات أو عن طريق الطرق التقليدية، وفي قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللهَّ وَأَطِيعُواْ الرَّ سُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ (النساء، آية: 59.) أنها تبين لأصول الدين والشريعة والحكومة الإسلامية وهي القرآن، والسنة، وإجماع أولي الأمر وهو الأصل الثالث، وأما الأصل الرابع فهو عرض المسائل المتنازع فيها فقط على القواعد والأحكام العامة المعلومة في الكتاب والسنة1. وذلك قوله تعالى﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِّ وَالرَّسُولِ ﴾ (النساء، آية: 59.) 4 ـ فصل السلطات، ضمان للحرية وسيادة للدولة إن نظام الفصل بين السلطات كما يقول الدكتور سليمان الطماوي: ضمان للحرية ولشرعية الدولة، لأن وضع السلطات كافة في يد هيئة واحدة أو شخص واحد من شأنه أن يدفع أو يشجع هذه الهيئة أو الفرد على الَستبداد، بعكس توزيع السلطات فإنه يجعل من كل سلطة رقيبة وموازنة للسلطات الأخرى في ممارسة اختصاصها2. ولَ خلاف في أن الدولة الإسلامية قد عرفت هذه السلطات العامة الثلاث كوظائف متميزة وهي: التشريع، والتنفيذ، والقضاء، كما تعرفه الدولة الحديثة. إن الَنفصال بين السلطة التشريعية في الإسلام والتنفيذية، ومعها السلطة القضائية ـ على تمتعها باستقلال لَ يدانيه نظائرها في الدول كافة ـ مبني على طبيعة التشريع في ذاته، 1 الحسبة في الإسلام، ص239. 2 المصدر نفسه، ص241. عمر بن الخطاب، وأصول السياسة والإدارة الحديثة للطماوي، ص360.

عدد الصفحات ٣٤

35 حيث أن الله تعالى هو الشارع، فليس لأحد أو لسلطة ابتداع أحكام مبتدأة في الإسلام، وإنما لأهل الَجتهاد في الأمة استمداد الأحكام الشرعية من مصدريها: الكتاب والسنة لتحقيق المصلحة ومقاصد الشرع ـ في مجال المعاملات أو ما يسمى بالعادات أو العاديات، بما يلائم تغير ظروف الزمان والمكان وليس ذلك للسلطة التنفيذية أو رئيسها، فهم منفذون لشرع الله وليسوا مشرعين وإن كان للحكام دور تشريعي، فهو محدود، وهو يمارسه كمجتهد لَ كحاكم إن استوفى شروط الَ جتهاد وضمن المجتهدين، وتحديد هذا الدور المحدود ـ اختصاصاً وممارسة من شأن الدستور 1. 5 ـ هيئة العلماء المجتهدين: وإذا كانت الدساتير المعاصرة تكل التشريع إلى المجالس النيابية المنتخبة التي لَ يشترط في أعضائها إلَ قدراً محدوداً من العلم فإن ذلك قد يصلح في مجال الأمور الدنيوية التي لَ يطلب فيها من أعضاء هذه المجالس استنباط أحكام الشريعة من مصادرها، وإنما يكون موضوع الشورى فيها من أمور السياسة أو الَقتصاد أو الزراعة أو المال أو غير ذلك مما ليس له طبيعة تشريعية لَ يصلح لها إلَ أهل القدرة على استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها هذه الأمور التي ذكرناها تحتاج إلى أهل تخصص متفرغ، وإلى أصحاب خبرة وعلم بالشؤون العامة للأمة، بل قد يكون من بين أعضاء هذه المجالس من النساء أو غير المسلمين من يحسنها وتتحقق بم شاركته مصلحة للأمة وعزائم الأحكام وإنها ء فرقة إسلامية. إمـا إذا كان الأمــر المعروض على البرلمان ـ أي أهل الحل والعقـد، في عرف زماننا ـ في أمور دينية ذا طبيعة تشريعية، فذلك مرجعه إلى هيئة من أهل العلم والَجتهاد من بين أعضاء الهيئة التشريعية، إن توافر وجودهم أو من بعضهم، ومن آخرين من بين العلماء المحققين في الأمة، أو من هيئة المجتهدين التي يختارها أهل العلم والفقهاء، من بينهم ممن تضمهم هيئات ومجامع ومجالس متخصصة م ثل مجمع البحو ث الإسلامية، والمجلس 1 الحسبة في الإسلام، ص242.

عدد الصفحات ٣٥

36 الأعلى للشؤون الإسلامية ولهيئة المجتهدين في الأمة استقلالها وحصانتها، وأن يرجع إليها عند التنازع لأنهم أقدر على رده إلى أصلي الإسلام: الكتاب والسنة، واستخراج الحكم الشرعي الذي تتبعه الأمة ويلزمه العمل به فهم من أولي الأمر التشريعيين الذين أوجب القرآن طاعتهم، بعد المشاورة الواجبة وإصدار الحكم أو الفتيا1. ويرى الدكتور الطماوي أن تعرض التشريعات الجديدة وهي في مرحلة التحضير على هيئة علماء منتقاة لتُبدي رأيها فيها مقدماً، بحيث تجعلها مطابقة لمبادىء الإسلام في التشريع2، ويكون الإسلام بذلك قد زود أمته بأقوى ضمان لحماية حقوق الأفراد، وحرياتهم، وحماية مصالح المجتمع، وقيمه الدستورية من اتخاذ الحكام والمشرعين الوضعيين سلاح التشريع كأداة للطغيان وتمكين السلطات بحيث تكون ممارسة أساليب القهر والإذلَل من خلال قانون شرعي، وإن كان جائراً ومخالفاً للدستور، ويكون في وسع الحاكم الجائر أن يعطي لَستبداده سنداً من الشرعية، والظلم والَستبداد بواسطة القوانين أخطر بكثير من الظلم والَنحراف عن طريق مخالفة القوانين سواء كانت هذه القوانين عادلة أو ظالمة3. وكلا المبدأين: الفصل بين السلطات، والشرعية ـ بمعنى سيادة القانون ـ واردان أيضاً في الديمقراطية، وإن كان ورودهما في الإسلام ديناً ملزماً فكان لهما من منظور الحس بة دور أكبر بحيث يعتبر انتهاك الحاكم لهما من كبائر المنكرات التي تستوجب الحسبة عليه وإزالة الَعتداء، ومن أمثلة ذلك قرارات حاكم بإعلان حالة الطوارىء بدون مبرر دستوري أو مدها، ضامناً موافقة المجلس التشريعي لما رتب فيه من أغلبية جاءت عن انتخابات غير حقيقية4. 6 ـ الوازع الديني والفصل بين السلطات إن الوازع الديني عند خلفاء صدر الإسلام كأبي بكر وعمر، كان خير ضمانة من ضمانات الحريات ضد نزعات إساءة استعمال السلطة والَستبداد، ولكن ذلك الوازع الديني العميق 1 الحسبة في الإسلام، ص242. 2 عمر بن الخطاب وأصول السياسة والإدارة، ص315. 3 سيادة الشريعة الإسلامية في مصر، ص14. 4 الحسبة في الإسلام، فريد عبد الخالق، ص243.

عدد الصفحات ٣٦

37 قد ضعف فيما بعد زمان الخلفاء الراشدين وانقلبت الخلافة ـ كما يقول ابن خلدون ـ إلى ملك عضوض منذ عهد خلافة معاوية ولذلك أصبحنا نرى من بعض الحكام والولَة بعض مظاهر سوء استعمال السلطات مما وصل بهم حتى حد الَستبداد والطغيان.. فإن المصلحة تقضي بوجوب الأخذ بهذا المبدأ. ولعل القول بحاجة الحكم الصالح إلى العنصرين معاً يكون أقرب إلى الصواب، فإن نظام الفصل بين السلطات وإن تحقق نظرياً فإن تحققه العملي الواقعي لَ يتم غيبة. هذا الوازع الديني ولذلك عدَّه الدكتور عبد الرزاق السنهوري حجر الزاوية ـ على حد تعبيره ـ في النظم الدستورية الحديثة، كما عدَّه أساس نظام الحكم الإسلامي 1. ومفهوم النظام الديمقراطي الحقيقي العملي أو النظري دون وازع ديني مانع الَنحراف الذي وجدناه في الواقع المعيش لَ يمنع من قيام خلل في أبنية الحكم ومؤسسات الدولة، ويفقدها ميزة توزيع الَختصاصات بحق وتعاون السلطات في أداء أمانات الحكم وتحقيق العدل في الرعية بصدق، ليحل محلها استبداد السلطة التنفيذية أو الهيئات النيابية، وقد نرى تحول نظام الحكم نتيجة لهذا الخلل الدستوري إلى ما هو مخالف وبعيد عن الديمقراطية النيابية الحقيقية إلى ما يشبه النظم الدكتاتورية التي تتنكر لمبدأ الفصل بين السلطات، وتضع السلطات كافة في يد الحاكم، والأمر الذي يشجع الحاكم على الَستبداد والطغيان ويسلب الشعب حقه الطبيعي والشرعي في الرقابة على السلطة التنفيذية أو الحسبة على ذوي السلطان بسبب خنق الحريا ت وسلب حقوق الأفراد والجماعات وا تباع سياسة القهر والتخويف بكل تداعياتها المعروفة وعلى رأسها منكر التعذيب أو امتهان كرامة الإنسان، وإضعاف الرأي العام، ومحاولَت القضاء على المعارضة المنظمة النزيهة، والنيل من سلطات القضاء والمساس باستقلاله وعدم تنفيذ أحكامه ومحاولة اختراقه. ويكون عادة من نتائج هذا الخلل الدستوري المدمر لنظام الحكم ولل مبادىء الدستورية احتواء السلطة التشريعية أو اختراقها وتسخير الأغلب ية البرلمانية للحزب الحاكم في 1 الحسبة في الإسلام، فريد عبد الخالق، ص247.

عدد الصفحات ٣٧

38 استصدار قوانين استثنائية مخالفة للشرعية ـالإسلامية، ووضعية على حد لتوسيع سلطات الحاكم على حساب المحكومين ولإعطاء الَستبداد صورة قانونية هي أخطر منه عن طريق مخالفة القانون، ولحماية أمن السلطة من غضب الشعب ورفض الجور والفساد اللذين يتلازمان دائماً بحكم طبيعة الأشياء لَسيما إذا تحالف أهل الثروة والجاه مع أهل السلطان وأصحاب القرار وهو ما يحدث عادة في دول العالم الثالث التي تعاني شعوبها من الجوع والخوف أي من ذل الحاجة وذل الَستعباد، وهما أخطر منكرات ذوي السلطان من منظور الإسلام والعالم الحر الذي يشهد في هذه الحقبة أعتى ريح هبت عليه منذ قرن، لإقرار حقوق الإنسان وإزاحة ما يعترضها من عوائق داخلية أو خارجية، ولإحداث تغييرات سياسية في أنظمة الحكم الَستبدادية لصالح حقوق الإنسان وحرياته1. 7 ـ تغول السلطات بعضها على بعض وتظل نتائج الَستبداد والقهر وسياسة التخويف والقمع غير محسوبة، لأن شدة الضغط تولد الَنفجار ويظل التغيير رغم ذلك كله مسؤولية الشعوب المقهورة في الإسلام، وفي غيره ذلك أن الأمة هي الحافظة للشرع، كما يقول ابن تيمية2، وليس هو الإمام: وإذا كان ما يقصد بالديمقراطية هو إقامة نظام حكم نيابي يضمن رقابة الشعب على الحكومة ـ وهي وظيفة الحسبة على ذوي السلطان موضوع بحثنا ـ ويضمن للأفراد حرياتهم وحقوقهم في ظل مبدأ الشرعية، والعدالة القضائية المستقلة، فالمطالبة بهذه الحريات والحقوق واجب إسلامي لَ يمكن أن يعارضه مسلم. إن ضمان حقوق الأفراد والشعوب هو جزء لَ يتجزأ من نظم الإسلام ومبادئه وشريعته، كما هو الحال في النظام الديمقراطي الحقيقي، ولذلك كانت مهمة الرسول صلى الله عليه 1 الحسبة في الإسلام، فريد عبد الخالق، ص482. 2 المنتقى، ص415،416.

عدد الصفحات ٣٨

39 وسلم وضع الأغلال عن المقهورين والآصار التي كانت عليهم لقوله تعالى: ﴿ وَيَضَ عُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾(الأعراف، آية: 157.) وذلك حتى تتحقق للآدمي الكرامة التي جعلها الإسلام أصلاً لكل آدمي، كما في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾ (الإسراء، آية: 70.) والإصر الثقل الذي يأصر صاحبه أي يحبسه من الحراك لثقله، وقد فسرها الزمخشري وابن كثير وغيرهما بأنها شدة أحكام التوراة، ولَ نرى قصر تفسيرها على ذلك، وإنما الأولى عموم اللفظ وعدم التخصيص بلا مخصص ولَ خلاف في أن الرسالة نزلت على أمة كان فيها من ضعفاء الناس استرقهم الأقوياء واستعبدهم سادتهم فكان من مقاصدها إنهاء الرق والَستعباد وإقرار مبدأ المساواة بين الناس قويهم وضعيفهم، حا كمهم ومحكومهم، وإطلاق الحريات واحترام حقوق الفرد، فهي عندنا مفسرة بما نص عليه القرآن في شأنها من مبادئ الشورى والعدل والمساواة وغيرها وهي كلها من أصول الإسلام ومبادئه الدستورية، وقد اشتملت الآية نفسها على ثلاثة أصول يظاهر بعضها بعضاً صدرها الله بواجب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ووظيفة الحسبة على ذوي السلطان داخله فيه أو فرع منه، وجعل أوسطها مراعاة الحلال والحرمة، فإحلال الطيبات بإطلاق وتحريم الخبائث يندرج في معنى النهي عن المنكر، كما أن إحلال الطيبات يندرج في الأمر بالمعروف لأن تحريم الطيبات مما نهى الله عنه1. وثالث هذه الأصول العامة الثابتة هو ما ذكرنا في تفسير "وضع الآصار والأغلال عن الناس" ولَ نرى إصراً ولَ غلاً يوضع على الإنسان أبغض عند الله والناس ولَ أشد فتكاً بالفرد والمجتمع والدولة من ظلم الراعي لرعيته وسومهم لسوء العذاب بغير حق ولإهدار آدميتهم وانتهاك ح قوقهم الأساسية وحرياتهم العامة أو عدوانه على أي من المبادئ الدستورية التي جاء بها الإسلام لتقوم عليه أنظمة الحكم والحسبة وغيرها، فتستقيم أمور 1 الحسبة في الإسلام، ص58 لَبن تيمية

عدد الصفحات ٣٩

40 الدين والدنيا، وتتحقق مصالح العباد وتدرأ المفاسد وإنما جعلها الإسلام من حقوق ا تعظيماً لشأنها وتخويفاً للناس من العدوان عليها أو التفريط في النهي عنها أو اليأس من إزالتها، وتلك هي وظيفة الحسبة على ذوي السلطان والجاه. وقد جعل الإسلام دم المسلم وماله وعرضه أعظم حرمة عند الله من حرمة بيته الحرام، الذي جعله مثابة للناس وأمناً، كما ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عل يه وسلم: أنه قال وهو ينظر إلى الكعبة نظرة وداع قبل الشروع في رحلة الهجرة من مكة إلى المدينة: «ما أطيبكِ وأطيبَ ريحَ ك، ما أعظمَ كِ وأعظم حُ رمتَ كِ، والذي نفسُ محمد بيده لحُ رمةُ المؤمن أعظمُ عند الله حُ رمةً منك، مالِ ه ودمِ ه، وأن نظنا به إلاا خيراً »1. وتلكمقولة عمر التي وعاها الزمن إعلاناً لحقوق الإنسان وحرياته وكرامته: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ »2، ومقولته للولَة والناس في موسم الحج: «ألَ وإني لم أبعثكم أمراء ولَ جبارين، ولكن بعثتكم أئمة الهدى يهتدى بكم فأدوا للمسلمين حقوقهم، ولَ تضربوهم فتذلوهم ولَ تستأثروا عليهم فتظلموهم ولَ تجهلوا عليهم»3. هذه انهيارات التي ذكرناها في تداعيات المدمرة نتيجة لما حذر الإسلام منه من تجمع وطغيان الحاكمين وذوي الجاه المفسدين، وهو أساس نظام الفصل بين السلطات في الإسلام وحجر الزاوية في النظم الدستورية الحديثة، وتعيش أكثر الدول المتخلفة هذه الَنهيارات التي تعوق تقدمها وتوسع الفجوة بينها وبين الدول المتقدمة بسبب أنظمة حكم استبدادية جُمعت السلطات فيها في يد حاكم مستبد اص طنعتها لنفسها واستمرت في تسلطها نظام الحزب الواحد الحاكم بأغلبية برلمانية زائفة في حقيقتها جزء من السلطة ولَ تمثل الشعب ولَ تعبر عن رأيه أو إرادته بل هي من أدوات شل حريته وإرادته تحت عباءة الدستور والقانون من الناحية النظرية لَ العلمية، وهي ما يعبر عنه بظاهرة احتكار السلطة خلافاً لمفهوم التعددية السياسية وأساس هذه الَنهيارات يكمن خلف ظاهرة تغول السلطات بعضها 1 سنن ابن ماجه، في الفتن، الحديث رقم3932. 2 عمر بن الخطاب للطماوي، ص108. 3 عمر بن الخطاب للطماوي، ص109.

عدد الصفحات ٤٠

41 على بعض، وتجميعها في يد الحاكم، وتتمثل في مثل غش الراعي رعيته، وتزييف إرادتها وعدم النصح لها والكذب عليها وهذه من كبرى منكرات الرعاة والولَة التي تستوجب الحسبة على ذوي السلطان بقصد إزالتها منها، وهي مما تحول مبادئ الحكم في الإسلام دون وقوعها ولَ تقرها إن وقعت وتستوجب إزالتها، وقد جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غَ شانا فليس مِ ناا»1، ونجده في خطبة أبي بكرالصدِّيق رضي الله عنه في الأمة إثر توليته في قوله فيها: الصدق أمانة والكذب خيانة2، وفي قوله تعالى﴿إِنَّ اللهَّ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَّ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَّ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ (النساء، آية: 58.) فإن هم أدوها استحقوا ما أوجبه الله على رعيته من طاعة أولي الأمر، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَّ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ (النساء، آية: 59)3. 8ـ الدول الدكتاتورية ودمج السلطات في يد الحاكم النظام السياسي للدول الدكتاتورية أيً ا كان نوعه لَ يعرف مبدأ سيادة القانون ولَ يلتزم بالشرعية، ويهدر الحقوق والحريات، وتندمج فيه السلطات في يد الحاكم الفرد المستبد ويكون الباب فيه مفتوحاً للحاكمين لإصدار القوانين التي توسع نفوذهم وتقنن طغيانهم وتطلق أيديهم بالجور والَستبداد والفساد في الشعوب، وتغيب فيها مبادئ الشورى والمساواة والعدل ومساءلة الحاكم. ومن ثم فإن عمل الحسبة الرقابي على السلطة التنفيذية يتعذر تماماً في غيبة هذه المبادئ الدستورية الأساسية التي يقوم عليها كل حكم صالح، فهي إن غابت فإن الحكم بالضرورة يصبح حكماً استبدادياً جائراً ولَ تجد الشعوب ال مقهورة وسيلة للتغيير الَحتسابي إلَ أسلوب 1 صحيح مسلم، في الإيمان، الحديث رقم279-101. 2 الحسبة في الإسلام، فريد عبد الخالق، ص252. 3 المصدر نفسه، ص252.

عدد الصفحات ٤١

42 الثورات الشعبية ما وجدت إلى ذلك سبيلاً كالذي حدث في الصين وفي رومانيا وفي غيرها من الدول وموقف النظام الإسلامي من هذه النظم السياسية الَستبدادية هو بلا خلاف موقف الإنكار المبدئي حيث لَ يعد نظاماً سياسياً إسلامياً ـ بصرف النظر عن أي اسم يوصف به ولو كان الخلافة ـ إلَ ما كان ملتزماً بالشريعة، أي قائماً على الشورى والعدل والمساواة وعلى احترام حقوق الإنسان وحرياته، مقرراً لمبدأ مسؤولية الحكام والحسبة عليهم فيما يظهر من منكراتهم أو اعتداءاتهم على حقوق الله1. إن العمل على وضع دساتير وقوانين تسمح للشعوب بالتغيير بالطرق السلمية بدلًَ من التغيير باليد أي شهر سلاح فإن الأخذ بها يكون من باب الحكمة واستقرار الأمن القومي التي هي ضالة المؤمن، إن وجدها فهو أحق الناس بها، وأمثلة ذلك كثيرة لَ سيما ما وقع في دول الكتلة الشرقية في أوروبا، وعن طريقه حدث التغيير الجذري في بولندا وألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا وغيرها، إذ نجحت شعوبها في إسقاط أنظمة حكم استبدادية وعزل حكام من أهل الجور والفساد وإقامة أنظمة ديمقراطية وحكام اختارهم شعوبهم بعد انقضاء بضعة عقود على هذه الأنظمة ورموزها وطول معاناة الشعوب من حكامها الطغاة وأنظمتهم الدكتاتورية هذه حتى هبت ثائرة على القهر والطغيان ونجحت في إحداث التغيير الذي طالما تاقت إليه وتحول من مرتبة التغيير بالقلب إلى التغيير باليد دون شهر سلاح في أكثرها، خلا ما حدث في ذلك في رومانيا فقد كان تغييراً شعبياً دموياً لعزل الطاغوت الحاكم وإسقاط نظام حكمه الجائر الفاسد حيث لم يجد الشعب الروماني وسيلة أخرى للتغيير وقد دفع ثمناً لحريته وللخلاص من ذل ك القهر ثمانين ألف قتيل في سبيل الحرية، وجرح ثلاثمائة وخمسون ألف مواطن وحصل الشعب على حريته وأعدم الطاغوت الحاكم في عام الحرية والتغيير وانتصار إرادة الشعوب على الحكام الطغاة، إن النظم الشورية الحديثة التي تعطي الأمة حقها في ممارسة واجبها على الحكام في الحسبة عليهم وفي عزل من ترى المصلحة ودفع المفسدة في عزله من أولي الأمر التنفيذيين أو التشريعيين على السواء 1 الحسبة في الإسلام، فريد عبد الخالق، ص: 254.

عدد الصفحات ٤٢

43 تنسجم مع قواعد الإسم1. ولقد ثارت بعض الشعوب العربية كاليمن وسوريا ومصر وليبيا وتونس من أجل حريتها والتخلص من الأنظمة الَستبدادية، والملحمة لَ زالت مستمرة والتضحيات لم تنته والتوفيق من الله. 9ـ العلاقة بين السلطة التنفيذية والتشريعية إن العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية هي علاقة تبعية فالسلطة التنفيذية في المفهوم الإسلامي منفذة لأحكام المشرع لَ يمكنها أن تعدو على ذلك2، وقد وردت هذه التبعية واضحة وجلية في كثير من نصوص الكتاب والسنة: ـ يقول تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُّ وَلََ تَتَّبِعْ أَهْ وَاءهُمْ ﴾ (المائدة، آية: 49.) ـ ويقول تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ﴾ (الحشر، آية: 7.) وقد عرف الخلفاء الراشدون هذه التبعية فكانوا يطلبون الطاعة إن أطاعوا الله ورسوله، فقد قال أبو بكر رضي الله عنه في خطبته حين تولى الخلافة:.. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم3. وعرف الصحابة تلك التبعية كذلك فكانوا يبايعون على السمع والطاعة وعلى سنة الله وسنة رسوله، روى البخاري عن عبد الله بن دينار أن عبد الله بن عمر كتب إلى عبد الملك بن مروان يبايعه: وأقر لك بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت4. يقول ابن القيم: والتحقيق أن الأمراء إنما يُ طاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم5، وقد سار على هذا الدرب الخلفاء الراشدون، فقد روى عبدالرزاق عن معمر عن الزهري قال: كان مجلس عمر مفتضاً من القراء شباباً كانوا أو كهولًَ، فربما استشارهم فيقول: لَ يمنع أحداً منكم 1 الحسبة في الإسلام، فريد عبد الخالق، ص258. 2 السلطة التنفيذية للدهلوي2 /298.) 3 البداية والنهاية5 /248) إسناده صحيح 4 صحيح البخاري مع الفتح13 /245) ك الَعتصام 5 أعلام الموقعين1 /10.)

عدد الصفحات ٤٣

44 حداثة سنه أن يشير برأيه، فإن العلم ليس على حداثة السن وقدمه ولكن الله يضعه حيث يشاء1، فاستشار عمر رضي الله عنه أصحاب العلم شباباً أو كهولًَ دليل على تبعية أعمال السلطة التنفيذية لأحكام الشريعة. 10ـ العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية يرى الفقهاء أن القضاء من أعمال الإمام فهو الذي يتولى القضاء والحكم بين الخصوم إلَ أنه يمكنه تقليد هذا المنصب لغيره نيابة عنه، فالعلاقة بين التنفيذ والقضاء علاقة الكل إلى الجزء2. يقول القرافي إن نسبة الإمام إلى القاضي كنسبة الكل إلى الجزء، فإن للإمام أن يقضي3، وجاء في العقد المنظم للحكام: والقضاء هو النيابة عن الإمام في تنفيذ الأحكام الشرعية4، وتتضح العلاقة بين السلطة التنفيذية والقضائية في النقاط الآتية: أ ـ إن الإمام يتولى القضاء بنفسه وذلك ثابت بفعله صلى الله عليه وسلم حيث كان يتولى القضاء بأمر من ربه تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُّ وَلََ تَكُن لِّلْخَآئِ نِينَ خَصِيمًا ﴾ (النساء، آية: 105.) ووردت أحاديث كثيرة تدل على تولي النبي صلى الله عليه وسلم القضاء منها: ما رواه مسلم عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بِ حُجاته من بعض فأقضي له على نحو مِماا أسمعُ منه، فمن قطعتُ له من حقِّ أخيه شيئاً فلا يأخذهُ ، فإنما أقطع له به قطعةً من النا ار»5. 1 صحيح البخاري مع الفتح13 /398.) 2 السلطة التنفيذية2 /299.) 3 إحكام الأحكام، ص32. 4 العقد المنظم للحكام للكناني2 /192.) 5 صحيح مسلم، في الأقضية، الحديث رقم4448 /1713.

عدد الصفحات ٤٤

45 ب ـأن تولي منصب القضاء لغير الإمام يكون بتولية الإمام، لأن منصب القضاء نيابة عنه وللإمام أن يولي رجلاً بنفسه أو يفوض غيره تولية القضاء 1، وقد كان الرسول صلى ا عليه وسلم يعين القضاة ويبعثهم، روى الحاكم عن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقلت: تبعثني إلى قوم ذوي أسنان وأنا حدث السن قال: «إذا جلس إليك الخصمان فلا تقضي لأحدهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول»، قال علي: فما زلت قاضياً 2، وكذلك كان يفعل الخلفاء الراشدون من بعده ج ـ توجيه القضاة ومراقبة أعمالهم: وذلك ثابت من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما مر في الحديث السابق وخطاب عمر رضي الله عنه ـ المعروف برسالة القضاء إلى أبي موسى الأشعري حين ولَه القضاء أصل فيما تضمنه من فصول القضاء ومعاني الأحكام3، وهو أصرح دليل على اهتمام الخلفاء بقضاتهم وتوجيههم سبيل الرشاد. قال ابن فرحون: فصل في الكشف عن القضاة: وينبغي للإمام أن يتفقد أحوال القضاة فإنهم قوام أمره ورأس سلطانه، وكذلك قاضي الجماعة ينبغي له أن يتفقد قضاته ونوابه فيتصفح أقضيتهم ويراعي أمورهم وسيرتهم في الناس4. د ـ التوسعة في الأرزاق على القضاة: وقد نص ابن قدامة على جواز أخذ الرزق على القضاء بكل حال على الصحيح، لأن عمر رزق زيداً وشريحاً وابن مسعود، وأمر بفرض الرزق لمن تولى من القضاة ولأن بالناس حاجة إليه ولو لم يجز فرض الرزق لتعطل وضاعت الحقوق5. هـ ـ السلطة التنفيذية تقوم بتنفيذ الأحكام الصادرة من القضاء على المحكوم عليهم: 1 السلطة التنفيذية2 /301) للدهلوي 2 المستدرك4 /93) حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وصححه الذهبي 3 إعلام الموقعين1 /85.) 4 السلطة التنفيذية2 /302.) 5 المغني9 /37) السلطة التنفيذية2 /304.)

عدد الصفحات ٤٥

46 ذلك لأن الأصل أن السلطة القضائية ليس لها إلَ إنشاء الحكم، إلَ أن تكلف بتنفيذ الأحكام من قبل السلطة التنفيذية العليا وقد نص كثير من الفقهاء على أن إقامة الحدود راجع إلى الإمام أو من يفوض إليه الإمام1 وقد تحدث الفقهاء عن تنظيم شكل السلطة بتقسيمها إلى من يتولى السلطة العامة وهو الخليفة والوزراء الذين هم أعوان الخليفة في الأمور العامة للدولة، والأمراء والولَة الذين يتولون أمور المناطق خاصة أو يتولون مهمات خاصة، كالجهاد والحج ونحوهما وأعوان هؤلَء وهم الذين يتبعون الولَة والأمراء لتنفيذ المهمات الموكلة إليهم، وما ذكره الفقهاء في تنظيم لشكل السلطة فصلاً أو تعاوناً ليس أمراً توقيفياً لَ يجوز للأمة مخالفته وإنما هو أمر اجتهادي مستنبط من عموم النصوص من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين والواقع التاريخي للحكومات الإسلامية التي تعاقبت بعد العهد الراشدي، وكل سلطة تحكم بالشريعة الإسلامية فهي حكومة إسلامية كيفما اتفق شكلها، ولذا نجد كثيراً من الفقهاء القدامى المهتمين بالسياسة الشرعية، مثل ابن تيمية وغيره ـ إنما يفصلون في المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدولة الإسلامية وما يجب على متولي أمر المسلمين القيام به من تنفيذ أحكام الله في العباد والبلاد2، فأي من عدل في ولَية من هذه الولَيات ـ القضاء الحرب الحسبة ولَية المال ..الخ فساسها بعلم وعدل وأطاع الله ورسوله بحسب الإمكان فهو من الأبرار الصالحين وأي من ظلم وعمل فيها بجهل فهو من الفجار الظالمين وإنما الضابط قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَْبْرَارَ لَفِي نَعِيم * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم ﴾ (الإنفطار، آية: 13 ـ14.) وإذا كان الأمر كذلك فإن اتخاذ شكل السلطة وتوزيع الَختصاصات على المسميات من حق الشعوب أن تجتهد لما هو الأصلح لها فتعمل بموجبه وفق ما يحقق لها السعادة في الدارين. 1 السلطة التنفيذية2 /304.) 2 السياسة الشرعية لَبن تيمية، ص: 7.

عدد الصفحات ٤٦

47 ثالثاً: تاريخ السلطة التشريعية في الإسلام 1- عصر النبوة كانت السلطة التشريعية في عصر النبوة محصورة في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده لَ يشاركه فيها أحد من الأمة ما دام الأمر متعلقاً بالتشريع والأ حكام ومسائل الحلال والحرام لأنه كان يتلقى الوحي من الله تبارك وتعالى ويقوم بتبليغه والإعلام به وتطبيق أحكامه، ومع كون السلطة التشريعية في عهده صلى الله عليه وسلم متمركزة من الناحيتين العضوية والموضوعية في يده وحده إلَ أنه فيما لَ يتصل بالتشريع وبالحل والحرمة كان يستشير فيه طوائف من أصحابه من ذوي الرأي1. 2 ـعصر الصحابة: انتقلت السلطة التشريعية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المجتهدين من الصحابة وسلطانهم في التشريع مرتبط بأمرين، الأول: فهم النص وبيان الحكم الذي يدل عليه، والثاني: قياس ما لَ نص فيه على ما فيه نص بواسطة الَجتهاد وتخريج العلة وبذلك تخالف السلطة التشريعية في عهد الصحابة السلطة التشريعية التي تضع القوانين في الأمم الأخرى، إذ الثانية في منتهى الحرية في وضع القوانين أو تفسيرها أو إلغائها أو تعديلها2، أما الأولى فهي مقيدة بالنصوص الشرعية وبالقواعد والمقاصد الشرعية ودائرة عملها تحت سيادة الشرع3، ومع اختصاصهم بالتشريع كانوا يشيرون على الخليفة مثلما يشير عليه سائر الكبار من أهل الحل والعقد، وذلك فيما لَ يدخل في الحل والحرمة من أمور الرأي والحرب والمكيدة والمسائل المتعلقة بتدبير الشأن العام، وقد كان الخليفة يشارك السلطة التشريعية في استخلاص الأحكام لأنه كان من جملة المجتهدين، وكان أحياناً ي عمل بما أداه إليه اجتهاده ما لم يحل بينه وبين العمل به ظهور رأي جماعة المجتهدين عليه، وإذا كان من حق الخليفة أن يجتهد برأيه فيما يعرض من مسائل، فإنه يجتهد بوصفه من 1 الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، عطية عدلَن، ص130. 2 السياسة الدستورية للدولة، إبراهيم النجار، ص428. 3 الأحكام الشرعية للنوازل، ص130.

عدد الصفحات ٤٧

48 المجتهدين لَ بوصفه رئيساً للسلطة التنفيذية، كذلك القاضي الذي تتوفر فيه صفات الَجتهاد فهو إن حكم برأيه فإنما يجتهد بوصفه من المجتهدين لَ بوصفه من أعضاء السلطة القضائية1. روى أبو عبيدة في كتاب القضاء عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكرالصدِّيق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به. فإن أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به قضاء؟ فربما قام إليه القوم فيقولون قضى به بكذا فإن لم يجد سنة سنها النبي صلى الله عليه وسلم جمع رؤساء الناس فاستشارهم فإذا اجتمع رأيه على شيء قضى به وكان عمر يفعل ذلك. فرجع الخليفة إلى المجتهدين لسؤالهم عن علم علموه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسألة المعروضة ثم لَستشارتهم فيما لم يرد فيه نص يعتبر رداً على السلطة المختصة، أما اجتهاده وقضاؤه بما ظهر من كتاب الله فلا يعد تجاوزاً للسلطة التشريعية ولَ تعدًيا عليها، لأنه من المجتهدين، ولأن الحكم الشرعي إذا ظهر في الكتاب أو السنة فالسلطان له، وعلى الجميع سواء السلطة التشريعية أو التنفيذية ـ أن يخضعوا لسلطاته ولأن رجال السلطة التشريعية لن يسكتوا إذا خالف الخليفة ـ من وجهة نظرهم ـ دستور الأمة (الكتاب والسنة) ولذلك عندما رأى عمر رأيه في سواد العراق وأراد ألَ يقسم الأرض المغنومة على المقاتلين، وأن يتركها فيئاً للمسلمين وقف الصحابة واعترضوا وناقشه المجتهدون من الأمة، وراجعوه وراجعهم وجادلوه وجادلهم حتى اقتنع سوادهم الأكبر برأيه فمضى فيه2. 1 الأحكام الشرعية للنوازل، ص130،131. 2 تاريخ التشريع الإسلامي، مناع القطان، ص140.

عدد الصفحات ٤٨