17 ـ إن المجلس الثاني عادة ما يشكل خنقاً للمجلس المنتخب، فكثيراً ما يضع العق بات على سبيل إعداد القوانين التي يريدها المجلس رغم أنه أقل اعتماداً على الَنتخاب في تكوينه من المجلس الأول1. 2ـنظام المجلسين: يتمتع نظام المجلسين بعد ميزات تفرقه عن نظام المجلس الواحد من هذه الميزات. ـ منع تسلط البرلمان أو دكتاتوريته، وهو ما يحدث أحياناً في حالة تكوينه من مجلس واحد. ـ مساهمة المجلس الثاني في إعداد التشريعات تجعلها أفضل، وتتفادى ما قد تنضوي عليه من أخطاء أو اندفاعات، وذلك نظراً لدراستها المزدوجة من مجلسين متغايرين. ـ وجود المجلس الثاني يعتبر عنصراً ملطفاً في حالة وقوع النزاع بين الحكومة والمجلس الأول. ـ يُ عد نظام المجلسين أكثر تمثيلاً للأمة، فالمجلس الأول ـ مجلس النواب ـ يكون أكثر تمثيلاً للشباب ورغباته في التعبير، والمجلس الثاني ـ مجلس الشيوخ ـ يكون أكثر تمثيلاً للشيوخ واتجاهاتهم المحافظة وبذلك يمثل البرلمان أجيال الأمة المختلفة2. 1 المجالس النيابية، ص57. 2 المصدر نفسه، ص60.
عدد الصفحات ١٧18 المبحث الثاني الفصل بين السُ لطات يَرِدُّ بعض فقهاء القانون هذا المبدأ إلى كتابات فلاسفة الإغريق أمثال أفلاطون وأرسطو، والذي كان لهم الدور الهام جداً في تعبيد الطريق ووضع الأسس التي قام عليها هذا المبدأ 1. ومنهم من يرجع هذا المبدأ إلى الفيلسوف الإنجليزي جون لوك وهو من كبار فلاسفة القرن السابع عشر. ولكن ارتبط هذا المبدأ باسم المفكر الفرنسي مونتسكيو الذي عاش في القرن الثامن عشر وذلك في كتابه الشهير "روح القوانين"الذي أصدره عام 1748م وحتى لَ تتجمع كافة الصلاحيات في يد ش خص أو مجموعة من الأشخاص، ويساء استخدامها، فإنه يتم تجزيء هذه الصلاحيات وتقسيمها إلى ثلاث سلطات هي: ـ السلطة التشريعية. ـ السلطة التنفيذية. ـ السلطة القضائية. فقد كان لتجمع السلطات الثلاث ـ في الأزمنة القديمة ـ لدى جهة واحدة كونت الملكات المطلقة، حيث كانت وظائف الدولة محددة، وغاياتها قريبة، ومع تطور الحياة السياسية وتهدد وظائف الدولة، وتباعد غاياتها أضحى من المتعذر تركيزها في يد شخص أو مؤسسة واحدة، ولذا برزت فكر فصل السلطات التي تستهدف منع الَستبداد، بالسلطة وذلك عن طريق اختصاص كل سلطة بوظيفة معينة، لذا كان من الضروري وجود توازن بين نقيضين في المجتمع. ـ دعم السلطة، لكي يسهل على الحكام أداء مهامهم. ـ دعم حريات الأفراد والجماعات منعاً لَستبداد الحكام. 1 المجالس النيابية، ص75.
عدد الصفحات ١٨19 وجوهر مبدأ الفصل بين السلطات يتلخص في فكرتين: الأولى: تقسيم وظائف الدولة إلى ثلاث وظائف: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية. الثانية: عدم تجمع هذه الوظائف في هيئة واحدة1، ويعتبر مبدأ فصلالسلطات في الفكر السياسي الغربي، هو الوسيلة الفعالة لتأمين حرية الأفراد، لأنه يضمن احترام القوانين وتطبيقها تطبيقاً سلمياً، فالتجربة أثبتت أن الإنسان يميل إلى إساءة استعمال السلطة وحب السيطرة والنفوذ، ولمنع تلك الإساءة يجب الفصل بين السلطات، والأهم من ذلك أن العلاقة ما بين السلطتين التنفيذية والتشريعية تعد معياراً لتمييز صور الأنظمة السياسية في ظل الديمقراطية النيابية2. فحيث يكون الفصل ما بين السلطتين التنفيذية والتشريعية شديداً نكون بصدد نظام سياسي ديمقراطي يسمى "النظام الرئاسي"3. وحيث يكون الفصل ما بينالسلطتين التنفيذية والتشريعية معتدلًَ ومتعاوناً ومرناً فإننا ن كون بصدد نظام سياسي ديمقراطي يسمى "النظام البرلماني". وأما إذا تنكر النظام السياسي لمفهوم الفصل بين السلطات ودمج السلطتين التنفيذية والتشريعية لصالح السلطة التشريعية فإننا بصدد نظام سياسي ديمقراطي يسمى "نظام حكومة الجمعية"4. أولاً: نماذج العلاقة بين السلطات 1 المصدر نفسه، ص79. 2 المصدر نفسه، ص80. 3 المصدر نفسه، ص80. 4 المصدر نفسه، ص80.
عدد الصفحات ١٩20 1 ـ الأنموذج الأمريكي ويقدم عادة على أنه أنموذج النظام الرئاسي حيث الفصل الصارم بين السلطات، فتنفرد السلطة التشريعية بالتشريع، فليس من حق السلطة التنفيذية اقتراح القوانين ولَ عرضها ولَ مناقشتها ولَ الحضور أصلاً، وليس لرئيس الجمهورية حل البرلمان ولَ دعوته إلى الَنعقاد إلَ في حالة الطوارىء، ويتولى السلطة التنفيذية كاملة رئيس الجمهورية الذي ينتخب من الشعب مباشرة، ويعين ويعزل وزراءه بكل حرية وهم مسؤولون عنده مباشرة، وليس للسلطة التشريعية أن تستجوبهم أو تعزلهم، ولكنها تستطيع أن تتهم الرئيس عندما يرتكب جرائم خطيرة ويتولى مجلس الشيوخ محاكمته، وأما القضاة فهم مستقلون: يأتون عن طريق الَنتخاب ومن حق المحاكم مراقبة دستورية القوانين والَمتناع عن تنفيذ ما يخالف الدستور. وقد وجهت لهذا النظام انتقادات منها الفصل الصارم الذي يؤدي إلى الصدام، كما أخذ عليه عدم مسؤولية رئيس الدولة عن أخطائه الإدارية وعدم قدرة الهيئة التشريعية على مساءلته، وقد يؤدي هذا النظام إلى الديكتاتورية، وهذا ما دفع إلى شيء من التعاون بين السلطات مثل فرنسا حيث يمكن لرئيس الجمهورية أن يخطب في الجمعية التأسيسية ويقترح القوانين ويصادق عليها ويعترض على بعضها، كما يمكن للمجلس التفويض إليه في إصدار قرارات لها مفعول القانون، كما أن من حق المجلس اختيار خلف لرئيس الجمهورية في حالة الشغور أو العجز حتى إجراء الَنتخابات1. 2 ـ نموذج النظام البرلماني: الديمقراطية الإنجليزية يتميز هذا النظام بالمرونة والَنسجام بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وبذلك ي قوم التعاون، فهو لَ يقوم على المزج بين السلطتين مثل النظام السويسري، ولَ على الفصل الصارم كما هو الحال في نظام الولَيات المتحدة، وظل هذا النظام يتطور منذ سبعة قرون حيث يعود تاريخه إلى سنة 1295م 1 الحريات العامة، راشد الغنوش2/27.)
عدد الصفحات ٢٠21 ويتكون البرلمان من مجلس العموم واللوردات وتعدّ سلطات الثاني من الناحية الفعلية شكلية، لَ يمثل في البرلمان إلَ الأحزاب القوية بسبب طريقة الَنتخاب التي تأخذ بنظام الأغلبية، الأمر الذي يحصر التداول بين الحزبين الكبيرين، المحافظين والعمال، والبون بينهما ليس شاسعاً، بل إن بينهما شبه غريب، وليس لأي منهما أيديولوجية سياسية حقيقية، وهما وجهان لنزعة واحدة واقعية وديمقراطية، مما جعل حلول أحدهما محل الآخر لَ يغير الَتجاه كثيراً 1. وخاصة على صعيد السياسة الخارجية، فقد لَ يرد حديث عنها أصلاً خلال الحملات الَنتخابية، تنحصر اختصاصات مجلس العموم في الرقابة والتشريع، وتتم الرقابة في طريق الَستجوابات والأسئلة وطرح الثقة في الحكومة. أما التشريع فلئن كان من حق البرلمان فهو يبدأ في الإدارات الحكومية، أما عن علاقة البرلمان بالتاج فوطيدة، إذ أن السيادة هي للملكة في البرلمان، إذ لَ يملك دستورياً ح ق إجبار الملكة على ما لَ تريده وهي تملك حق الَعتراض على قراراته، ولذلك تصدر القوانين بأمر صاحبة الجلالة الملكة وباسمها تمارس السلطة، وهي تفتح دورة البرلمان وتصدر القوانين باسمها، ولها حق العفو لأنها "نبع العدالة"، وهي "نبع الشرف" تعطي ألقاب الشرف وتسمي باقتراح رئيس الحكومة الشخصيات الهامة في الحكومة والجيش والسلك الدبلوماسي وهي القائد الأعلى للقوات المسلحة والرئيس الرمزي لكنيسة إنجلترة، ولكن ليس لذلك في الواقع. وعن علاقة البرلمان بالسلطة التنفيذية: رئيس الوزراء هو أعظم الشخصيات شأناً في الحياة السياسية، وهو زعيم حزب الأغلبية الفائزة في مجلس العموم، لكنه ينيب عنه غيره ليتفرغ للحكومة وهو يعين وزراءه ويصرفهم كما يشاء، ولَ يُعرض مشروع على البرلمان إلَ بعد موافقته، ومن حقه طلب حل البرلمان " دون أن يضطر إلى الَستقالة" ويتخذ القرارات العاجلة دون الرجوع إلى مجلس الوزراء، وهذا النفوذ المتعاظم لرئيس الوزراء 1 الحريات العامة، راشد الغنوش2 /27.)
عدد الصفحات ٢١22 جعل السير جنفريقول: إن الَنتخابات العامة هي في الواقع انتخاب رئيس الوزراء. وأهم العوامل التي تحد من سلطاته الرأي العام، وقد ظهر هذا النفوذ لرئيس الوزراء واضحاً، وشكل خطراً في الحرب على العراق. جميع الوزراء ينتمون إلى حزب واحد وهو حزب الأكثرية ويشكلون مجموعة متماسكة، وهم مسؤولون بالتضامن أمام البرلمان. والوزراء أعضاء في البرلمان عادة، والذين يشتركون في مجلس الوزراء عشرون عضواً ، وهناك وزراء غيرهم لَ يشتركون فيه وأمام تعاظم نفوذ مجلس الوزراء ورئيسهم يصعب اليوم تحديد من يحكم بريطانيا، أهو البرلمان، أو مجلس الوزراء، أو رئيسه؟ خاصة وأن مجلس اللوردات لَ نفوذ له ومجلس العموم يصادق عادة على ما يعرض عليه1. وفي نظر هارولد ولسن فإن الذي يحكم بريطانيا اليوم هو مجلس الوزراء وربما صح القول بأن النظام الإنجليزي مثل معظم الأنظمة البرلمانية يمر بأزمة، وأن الكفة قد مالت بشكل واضح لصالح السلطة التنفيذية الأمر الذي يجعل الفصل بين السلطتين إلى حد ما نظرياً ما دام رئيس الوزراء بقي يتمتع بالأغلبية داخل حزبه، وظل حزبه يتمتع بالأغلبية في الشعب والبرلمان2. 3 ـ نموذج حكومة الجمعية: سويسرا: تكون الَتحاد السويسري سنة 1847م وتتركز كل سلطات الحكم التشريعية والتنفيذية في يد البرلمان الذي ينتخب سبعة أعضاء لمدة أربع سنوات لمباشرة السلطة التنفيذية، وهؤلَء هم الوزراء الذين يباشرون عملهم طبقاً لتوجيهات المجلس الذي يملك عزلهم وإلغاء قراراتهم، كما يختار المجلس الهيئة القضائية الَتحادية ويعين قائد القوات المسلحة ويعلن الحرب، غير أن الناخبين وحدهم يمكن لهم الَعتراض عما يصدر عن البرلمان، فإذا ما اعترض عدد معين من المواطنين على قانون ما وجب عرضه على الَستفتاء، ورغم أن من صلاحية البرلمان عزل أعضاء المجلس الَتحادي (أعضاء الحكومة السبعة) إلَ أن 1 الحريات العامة2 /28.) 2 الحريات العامة2 /29.)
عدد الصفحات ٢٢23 ذلك لَ يحدث من الناحية العملية لأنهم يختارون من بين الزعماء، ورغم أنهم ينتخبونلمدة أربع سنوات إلَ أنها قابلة للتجديد، وقد يتواصل عمل بعضهم لمدة 25 سنة وهم غير مسؤولين أمام البرلمان ويتمتعون بنفوذ كبير ويؤخذ على نظام حكومة الجمعية أن تطبيقه الحرفي يفضي إلى إضعاف السلطة التنفيذية، وربما إلى أن الفوضى أحياناً ثم أن تجميع السلطات في قبضة هيئة واحدة، حتى ولو كانت منتخبة قد يؤدي إلى استبدادها وطغيانها، والمعروف أن استبداد البرلمان أشد خطراً على الحريات الفردية من استبداد الملوك والحكام الدكتاتوريين، لأنه يستتر وراء سراب خادع من السيادة الشعبية وإرادة الأمة1. 4 ـ النموذج الماركسي: (اتحاد السوفييتي): لَ مكان في هذا النظام في فصل السلطات، إذ أن وحدة الشعب تتطلب وحدة السلطة، يتولى مجلس السوفييت الأعلى السلطة العليا، فهو صاحب السلطة التشريعية التي تتكون من مجلس الَتحاد ومجلس القوميات متساويين السلطات، وإن كان للأول ـ عرفاً ـ المقام الأعلى، ويضم كبار الزعماء والموظفين، يعقد المجلسان بعد انتخابهما جلسة مشتركة وينتخبان لجنة تنفيذية تدعى رئاسة السوفييت الأعلى، ويملك السوفييت الأعلى من الناحية الدستورية السلطات السياسية، وهو صاحب السيادة ولكن من الناحية العملية، فإن السلطات الحقيقية في يد هيئة رئاسة ال سوفييت الأعلى التي تمارس السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، تطبيقاً لوحدة السلطة أي وحدة الطبقة والفكر والعمل، فرئاسة السوفييت الأعلى هي المشرفة على الهيئات التنفيذية والمحاكم، إنها رئاسة جمعية للدولة قريبة من حكومة الجمعية النيابية في سويسرا، إنها رئاسة الدولة الحقيقية، رغم أن السوفييت الأعلى هو الذي يختارها إلَ أن نفوذه بعد ذلك يكاد يختفي2. ويستند منظرو المذهب الماركسي في رفضهم مبدأ فصل السلطات إلى أن هذا المبدأ ظهر كحل وسط أملته الظروف، ظروف الصراع التاريخي الذي دار بين الطبقة البرجوازية وطبقة الأشراف ثم تحول هذا المبدأ إلى مظهر خادع لديمقراطية زائفة يخفي انفراد الطبقة 1 الحريات العامة2 /26.) 2 انظر الوسيط في القانون الدستوري، ص211، عبد الحميد متولي مبدأ الشورى في الإسلام يعقوب المليجي، ص255.
عدد الصفحات ٢٣24 الرأسمالية بالسلطة والنفوذ في الوقت الذي لَ تنال فيه الطبقة الكادحة شيئاً، إن ا لذي يحدث في ظل فصل السلطات هو استئثار السلطة التنفيذية التي تمثل الأقلية البرجوازية بالسطلة الحقيقية ثم لَ تلبث الهيئات النيابية أن تقع تحت تأثيرها1. والنظام الصيني شبيه بنظيره الماركسي من حيث وجود لجنة منتخبة من الهيئة النيابية تملك جميع السلطات بما في ذلك مراقبة مجلس الوزراء وتعيين كبار الموظفين وعزلهم وإبرام المعاهدات والتعبئة العامة، والواقع أن الذي يحكم فعلاً في الأنظمة الماركسية هو الحزب بالذات، وخاصة سكرتيره الأول2. 5 ـ النموذج الرئاسي البرلماني للجمهورية الخامسة بفرنسا ولد الدستور الحالي الذي يحكم فرنسا سنة 1958م إثر سلسلة من التقلبات مر بها النظام الفرنسي جرت فيها جميع الأنظمة المطبقة في الديمقراطيات التعددية، وينتظم الحكم حول رئيس الدولة الذي يحدد بوجه عام السياسة الوطنية، وتتحرك تبعاً لذلك أجهزة نظام الحكم، ويتولى الشعب انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة، الأمر الذي يجعله يستند إلى مجموع الأمة ويمارس سلطته مباشرة أو بواسطة الحكومة وهو يفرض سياسته من خلال رئيس وزرائه ووزرائه وأكثريته البرلمانية، ومما يزيد في دعم مكانته طول مدة نيابته (سبع سنوات) الأمر الذي يجعل التنافس على هذا المنصب كبيراً، ويمكن الرئيس أن يدعم مكانته إذا أحس بالحصول على مزيد من الدعم الشعبي عن طريق الَستفتاء الَستشاري الذي يمكن أن يحوله إلى الَستفتاء على الثقة به، كما أن الَنتخابات التشريعية التي يأتي توقيتها في النصف الثاني من رئاسته فرصة لَختبار شعبيته، ويمكن أن تؤدي الَنتخابات إلى مفاجأة غير سارة للرئيس فتأتي بأكثرية معارضة فيدخل النظام في مرحلة المجابهة، وإن كان الدستور ينيط بالرئيس مسؤولية الحكم بين السلطات العامة (مادة خمسة) وهو يقوم عن طريق الحكومة وأغلبيته البر لمانية في الأحوال العادية بتحديد السياسية الوطنية وقيادتها، وهو يملك من خلال استمرار أكثريته البرلمانية السيطرة الكاملة على الحكومة، 1 لقد مضت في الَتحاد السوفييتي سنة الله في زوال الدولة الظالمة والمجرمة والمستبدة، ولم يبق بعد من حديث عن نظامهم إلَ قيمة تاريخية وكيفية الَستفادة من استخراج الدروس والعبر والسنن في الدول الغابرة. 2 الحريات العامة2 /30.)
عدد الصفحات ٢٤25 إذ هو يعين الوزراء ولو من خارج البرلمان، والوزراء باقتراح رئيس الوزراء، ويملك إقالة الحكومة لأنها مسؤولة أمامه، وهو ما يتيح له أن يكون الصانع لجميع القرارات الهامة على الصعيدين الداخلي والخارجي1. ويبدو واضحاً أن نظام الجمهورية الخامسة هو نظام رئاسي مفرط، إذ يختل التوازن بين السلطات لصالح السلطة التنفيذية، وبوجه خاص لصالح رئيس الجمهورية، ولكن أن يحقق ذلك الَستقرار الكافي والتلاحم بين مؤسساته، والمنطق في أجهزته، وذلك بسبب المحاولة اليائسة، وأحياناً ا لتلفيقية للجميع بين النظامين البرلماني والرئاسي، الأمر الذي جعل النظام موسوماً باللبس والغموض، ولكنه يظل أميل للنمط الرئاسي لأنه يضع رئيس الجمهورية في وضع متفوق رغم أنه غير مسؤول أمام البرلمان، وهو يملك حله، ولكنه لَ يستطيع أن يتملص من مسؤوليته السياسية بوصفه صاحب السلطة الحقيقي الحصري وذلك أمام الناخبين الذين يحكمون على سياسته من خلال تجديد أو عدم تجديد انتخابه، وهو في حالة الَختلاف مع البرلمان يستطيع حله، ولكنه لَ يملك حل البرلمان الجديد إلَ بعد مرور سنة، وهو يستطيع رفع موضوع الخلاف إلى الشعب للاستفتاء، وكل ذلك يؤكد الطابع الرئاسي لنظام الجمهورية الخامسة الذي لَ يزال حاملاً بصمات الزعيم القوي الجنرال ديجول، أما حماية الحريات العامة فتوكل إلى هيئات عدة، مثل هيئة الرقابة على دستورية القوانين ومجلس الدولة (المحكمة الإدارية) والأحزاب والصحف، وإن كان لسلطان المال نفوذ كبير عليها، ولَ تمنع الصحافة إلَ من القدح وانتهاك حرمات الآداب العامة وتحقير رئيس الدولة والأخبار الزائفة التي تلحق ضرراً بالجيش أو بالثقة العامة .. إلخ. أما الأحزاب والجمعيات فهي حرة ما لم تكن غير مشروعة بسبب مخالفتها الآداب والقوانين العامة، أو تلحق الضرر بنظام الجمهورية أو تلك التي تنتهج العنف وعليها أن تحترم مبادىء السيادة الوطنية (المادة أربعة). 1 الحريات1 /31.)
عدد الصفحات ٢٥26 والخلاصة في نظام الجمهورية الخامسة أنه وإن أخذ بمبدأ فصل السلطات شأن معظم الأنظمة الغربية خلافاً لنظام حكومة الجمعية في سويسرا والأنظمة في البلاد الَشتراكية الماركسية، فإنه قد حاول التوفيق في العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وكان نجاحاً جزئياً، إذ قد مال ميزان القوى لصالح الرئيس وعرض الحياة السياسية للخلل الكبير ، وكشف بعد تجارب وتقلبات طويلة أن البون شاسع بين مثال النظام ـ الفصل بين السلطات على أساس التوازن والتساوي ـ وبين صورته التطبيقية التي تمثلت فيما اكتسبه الرئيس من نفوذ كبير جعله قادراً على التصديق على القوانين، وعرضها على الَستفتاء العام عند الَختلاف، كما أجاز له حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة، ولقد رأينا أن الأمر ذاته أو شبيهاً من ه لدى الأنظمة الآخذة بمبدأ فصل السلطات من حيث التقلب والدسائس والتصارع المتواصل، وفي النهاية رجحان كفة السلطة التنفيذ ية حتى في الأنظمة البرلمانية1. إن التجارب الإنسانية المتعددة تثري العقول البشرية وتعطيها فرصة للخيارات الأفضل، والإسلام لَ يمنع أبداً من أن نختار أفضل ما توصل إليه العقل البشري من نتاج إنساني متقدم في الطرق والوسائل والَستفادة من النظم البرلمانية وذلك بأخذ الإيجابيات وترك السلبيات وما يتعارض مع ثوابت القرآن الكريم والسنة الشريفة. وكل الوسائل التي لَ تتعارض مع ثوابت الإسلام مباحة، بل تدخل هذه التجارب الإنسانية ضمن المصالح المرسلة، وهو باب عظيم في أصول الفقه ومفاده: أن كل أمر لم تأت الشريعة بإلغائه أو بإيجابه ورأينا فيه مصلحة ما جاز لنا فعله بشرطين: ـ ألَ يفوت ما هو أعظم منه مصلحة ونفعاً. ـ ألَ يؤدي إلى ضرر مماثل أو أكبر منه2. ثانياً: الفصل بين السلطات في الإسلام: 1 الحرياتالعامة (2 /35.) 2 المصلحة المرسلة حقيقتها وضوابطها، نور الدين الخادمي، ص35 ـ48.
عدد الصفحات ٢٦27 لَ يخفى على الباحثين في الفكر الإسلامي أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الوظائف الثلاث، فقد كان مُ شرً عا بتبليغه عن الله عز وجل آياته وأحكامه وبتفصيل مجمله، ومشرعاً ا بتداء فيما لَ نص فيه من الكتاب، وكان يتولى تنفيذ الأحكام بنفسه ويقضي بين الناس بما أراه الله، إلَ أن تصرفاته كانت منفصلة وظيفياً وإن كانت مجتمعة في شخصه صلى الله عليه وسلم، وقد بيّ ن هذا الفصل الوظيفي فقهاء الإسلام، وميزوه عن بعضه، يقول أحمد بن إدريس القرافي، وهو يبيّ ن الفصل الوظيفي لأعماله وتصرفاته صلى الله عليه وسلم: أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الإمام الأعظم، والقاضي الأحكم، والمفتي الأعلم، فهو صلى الله عليه وسلم إمام الأئمة وقاضي القضاة وعالم العلماء، فجميع المناصب الدينية فوضها الله تعالى إليه في رسالته، وهو أعظم من كل من تولى منصباً منها في ذلك المنصب إلى يوم القيامة، فما من منصب ديني إلَ وهو متصف به في أعلى رتبة غير أنه غالب تصرفاته صلى الله عليه وسلم بالتبليغ لأن وصف الرسالة غالب عليه، ثم تقع تصرفاته صلى الله عليه وسلم منها ما يكون بالتبليغ والفتوى إجماعاً ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء ومنها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة، ومنها ما يختلف العلماء فيه لتردده بين رتبتين فصاعداً، فمنهم من يقلب عليه رتبة ومنهم من يغلب عليه أخرى ...إلخ. ثم ذكر ما ينتج عن التفريق بين تصرفاته من آثار في الشريعة، فوصف القرافي النبي صلى الله عليه وسلم بأنه الإمام الأعظم، والقاضي الأحكم، والمفتي الأعلم بيان وتمييز للوظائف الثلاثة التي تحمَّ لها النبي صلى الله عليه وسلم الإمام الأعظم: وصف له بأنه على رأس السلطة التنفيذية. وكونه صلى الله عليه وسلم القاضي الأحكم: وصف له بأنه كان على رأس السلطة القضائية والتي لَ تنفصل كثيراً عن السلطة التنفيذية.
عدد الصفحات ٢٧28 وكونه صلى الله عليه وسلم ال مفتي الأعلم، وصف له بأنه كان على رأس السلطة التشريعية1. ويوضح ذلك محمد علي بن حسين المكي المالكي في حاشيته على الفروق في مسائل أربعة ذكر المسألة الأولى أن: كل ما تصرف فيه عليه الصلاة والسلام بوصف الإمامة الذي هو التنفيذ ـ لأعلى وجه فصل القضاء والإبرام والإمضاء ـ كبعث الجيوش لقتال الكفار ولَ يجوز لأحد أن يقدم عليه إلَ بإذن الإمام اقتداء به عليه الصلاة والسلام. وكل ما تصرف فيه عليه الصلاة والسلام بوصف القضاء الذي هو تنفيذ على وجه القضاء والإبرام والإمضاء، كفصله صلى الله عليه وسلم بين اثنين من دعاوى الأموال، لَ يجوز لأحد أن يقدم عليه إلَ بحكم حاكم اقتداء به صلى الله عليه وسلم، وكل ما قاله صلى الله عليه وسلم أو فعله صلى الله عليه وسلم على سبيل التبليغ والفتوى الذي هو التعريف، كتصرفه صلى الله عليه وسلم في العبادات.. يكون حكماً عاماً عل ى الثقلين إلى يوم القيامة2. وبهذا اتضح لنا أن مبدأ فصل السلطات وظيفياً كان معروفاً لدى فقهاء الإسلام، وأما فصلها عضوياً بحيث لَ يتولى السلطة التنفيذية من يتولى السلطة القضائية فلم يكن مط بقاً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لعدم الحاجة إليه3. وإذا كانت النظم السياسية الحديثة بأمس الحاجة إلى مبدأ الفصل بين السلطات باعتباره إحدى ضمانات الدولة القانونية الحديثة بما يؤدي إليه من حماية للحريات عن طريق توزع السلطة بقصد الحد منها، ذلك أن العلة التي من أجلها نادى مونتسكيو وغيره بمبدأ الفصل بين السلطات، هي أن كل فرد بيده سلطة، ينزع بطبيعته إلى إساءة استعمالها، ورتبوا على ذلك أنه لَبد من توزيع السلطة بقصد الحد منها4. 1 السلطة التنفيذية، محمد الدهلوي1 /296.) 2 تهذيب الفروق206) محمد حسين المكي المالكي 3 السلطة التنفيذية للدهلوي2 /297.) 4 النظام السياسي الإسلامي، منير البياتي، ص: 163.
عدد الصفحات ٢٨29 ولَ مانع من الأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات إذا حقق الأهداف المرجوة من ذلك، كضمان الحرية ومحاربة الَ ستبداد، وتقسيم الأعمال للإ تقان، فهذه الأمور من مقاصد الإسلام والنظام. ومسألة النزوع إلى إساءة استعمال السلطة هي مسألة سلوكية بمعنى أنه اعوجاج في سلوك الإنسان وأن الأصوب معالجة هذا الَعوجاج لَ تركه والإسلام عالج ذلك بتقرير جملة من القواعد والمبادىء وهي مزيج من النظام القانوني، والخلقي، والروحي. ـ الأولى: إن من بيده السلطة في النظام الإسلامي لَ تكون إرادته هي القانون، فيعسف أو يستبد، وإنما هو (منفد) فقط لشريعة قائمة لَ يملك التقدم عليها أو التأخر عنها. والثانية: إن الإسلام لَ يولي السلطة إلَ الكفء الأمين وأساس الكفاءة القدرة على ما يتولَه، ومعنى الأمانة عدم التفريط بشؤون ما ولي عليه ومراقبة الله تعالى وخشيته فيه، وقد أشار القرآن الكريم إلى المبدأ الواجب مراعاته في تولية الأمور، فقال تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَْمِينُ ﴾ (القصص، آية: 26.) والثالثة إن إساءة استعمال السلطة عليها جزاءان: الأول ـ أخروي يتمثل في عقاب الله تعالى. والثاني ـ دنيوي يتمثل في حق الأمة في خلعه ومحاسبته على أخطائه وعداوته1. إن منع الَستبداد في الإسلام فرض كفاية على الأمة وسيادة الشريعة الإسلامية أصل من أصول الدين، والحكام في الإسلام لَ يملكون سلطة التشريع، بمفهومه الوضعي أو الَصطلاحي الفقهي القديم ـ وإنما مهمتهم هي تنفيذ أحكام التشريع بمعنى الشريعة، والَلتزام بها وإلزام غيرهم بها، حيث يكون التشريع بمعنى الشريعة الإسلامية صاحبة السيادة العليا في المجتمع، وباب الَجتهاد فيه مفتوح لأهل الَجتهاد مما يحقق المصالح ويدفع المفاسد مع مراعاة تغير الأزمان والأحوال إلَ أن تقنين القوانين ضروري طالما 1 المصدر السابق، ص164.
عدد الصفحات ٢٩30 كانت الشريعة الإسلامية هي مصدره، وإلَ تعسر على القضاة أداء وظيفتهم، واختل ميزان العدالة وهو ما يسمى قضية (تقنين الشريعة) التي أصبحت مطلباً شعبياً عاماً كما هي مطالب رجال القانون والفقه والقضاء في مصر وغيرها من الدول الإسلامية1. 1 ـ قراءة التاريخ وإذا كان إستقراء التاريخ الإسلامي والرجوع إلى الفقه الإسلامي يدلَن على أن الحكومة الإسلامية كانت تمارس السلطة التنفيذية والإدارية فقط، ولم تدَّ عِ إحداها، إن لها سلطة التشريع أو إصدار القوانين أو تغييرها أو تبديلها أو التدخل في نطاق التشريع بأي صورة من الصور، ولم يدَّ عِ أحد أن لها شيئاً اسمه (السيادة) وأن كلمة (الدولة) إنما مقيد بها دائماً الحكومة والحكام والسلطة التنفيذية فقط2. ويستلفت النظر إلى أن استخدام لفظ (التشريع) بمعنى (الشريعة3 الإسلامية صاحبة السيادة العليا في المجتمع ـ كما جرى عليه بعض الفقهاء ـ يوقع في لبس أو نوع من خلط ينبغي تفاديه ـ وهو مثل الذي وقع باستخدام مصطلح (حاكمية الله) في صدر الإسلام أو في زماننا الحالي كذلك وما رتبوه عليه من نزع سلطة التشريع عن الجماعة بإطلاق نشأ عنه ضرر وخروج على مقاصد الشرع، وهي المقولة التي قال فيها علي بن أبي طالب رضي الله عنه خليفة المسلمين في الخوارج: (كلمة حق أريد بها باطل)، فإن الرئيس الأعلى للدولة الإسلامية أو الخليفة كان له اختصاص تشريعي محدود ومشروط، داخل في اختصاص أولي الأمر أو أهل الَجتهاد الذين أوجب الله لهم على الأمة حق الطاعة فيما يجمعون عليه من أحكام اجتهادية دستورية4، أو عادية وهو اختصاص مقرر في الإسلام ومن ذلك حق رئيس الدولة في التصديق على إصدار القوانين. وقد نظمت الدساتير هذا الحق، فلا يجعل إرادة رئيس الدولة فوق إرادة ممثلي الأمة أي البرلمان والأصل في رئيس الدولة أن يمارس اختصاصه التشريعي بالتعاون مع البرلمان 1 الحسبة في الإسلام، فريد عبد الخالق، ص234. 2 سيادة الشريعة الإسلامية في مصر، توفيق الشاوي، ص82 ـ90. 3 تطلق الشريعة على الأحكام التكليفية العملية، وعرفها البعض بأنها الأحكام التي سنها الله لعباده ليكونوا مؤمنين عاملين على ما يسعدهم في الدارين وعرفها البعض: بأنها ما شرعه الله لعباده من العقائد والأحكام. 4 منها الوثيقة التي كتبها الرسول بينه وبين أهل المدينة.
عدد الصفحات ٣٠31 الذي يعتبر العضو الأصيل في هذا الخصوص ـ كما أفردت الدساتير لرئيس الدولة دوراً استقلالياً في ممارسة الوظيفة التشريعية في حالة تعطيل الحياة النيابية، أو فيما بين أدوار انعقادها بإصدار مراسيم أو قرارات تكون لها قوة القانون على أن تعرض على البرلمان عند انعقادها ليقرر في خصوصها ما يراه أو بتفويض من البرلمان في ظروف خاصة، وهو ما تحاول البرلمانات الحدّ منه وما يضيق به الفقهاء، ولذلك قيد هذا الحق بقيود متعددة اتجاه يخدم الغاية من وظيفة الحسبة على ذوي السلطان كما هو واضح1. 2 ـ الرئيس منفذ وليس بمشرع والأصل في الإسلام ـ كما يقول فقهاؤنا: أن الإمام منفِّذ وليس بمشرع وسلطته ليست مطلقة، ونفى الَختصاص التشريعي في هذه المقولة هو الذي أوجد هذا اللبس أو هذه الشبهة التي أشرنا إليها آنفاً، وأساس الخلاف في مفهوم الَصطلاح القانوني في عصرنا فيما يمس (تشريعاً) في عصر أسلافنا الذين أدخلوه في د ائرة التنفيذ لَ التشريع، وعلى هذا فحكم الإمام وآراؤه ليست مطلقة وليس هو مشرِّعاً يشرِّع للناس كما يشاء ولكن الحكم الفصل بينه وبين الرعية الكتاب والسنة ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِّ وَالرَّسُولِ ﴾ (النساء، آية: 59)، وليس هذا إمنفذاً لما تضمنه الكتاب والسنة من أحكام ومباد ىء: والأحكام كلها تلقتها الأمة عن نبيها لَ تحتاج فيها إلى الإمام، وإنما الإمام مُ نفّ ذ لما شرَّعه الرسول2. ويعلق على ذلك الدكتور محمد المبارك بقوله: ولَبد هنا من بيان شبهة نشأت عن عدم تحديد مفاهيم الألفاظ أو عن تطورها، فالتنفيذ في عرف سلفنا يشمل قيدها لمفسدة تنشأ عنها تطبيقاً لقاعدة شرعية، أو وضع ضوابط لتحديد الأجور ـ مثلاً ـ منعاً للجور، فهذا وأمثاله في نظر الفقهاء المتقدمين لَ يمس تشريعاً وإنما الَختلاف في الَصطلاح ليمكن الَتفاق على الحقائق والمعاني3. 1 الحسبة في الإسلام، فريد عبد الخالق، ص236. 2 المنتقي لَبن تيمية، ص540. 3 الدولة ونظام الحسبة عند ابن تيمية، ص38.
عدد الصفحات ٣١32 والمسلم في حاجة إلى تحرير هذه المصطلحات في ممارساتها الَحتسابية. فقد كان الفصل بين سلطتين التشريع والتنفيذ في الفقه السياسي الإسلامي منذ البداية، كما كان الفصل واضحاً بين مهمة كل منهما ود ور الأمة في حماية الشريعة أو مبدأ المشروعية من جور السلطة التنفيذية، وهي وظيفة الحسبة على ذوي السلطان ومسؤولياتها في إصلاح النظم السياسية، فمصدر سلطة الإمام في مبايعة الجمهور له ورضاهم به، ومن ملك التعيين ملك التقويم والتغيير عند المقتضي، وإن الأمة هي الحافظة للشرع، وليس الإمام كما ذكر ابن تيمية في المنتقى، رادًا في ذلك على الحلي الذي يقول: إنه لَبد من إمام معصوم بعد انقطاع الوحي ليحفظ الشرع1. 3 ـ أساس الحكم الإسلامي الفصل بين السلطات ما نراه من اختلاف بين أساس الفصل في النظام الإسلامي وبنيته في الدولة الحديثة لَ يغير من مضمونه وجدواه، فهو في الديمقراطية الغربية ضمانة للحرية الفردية، وضمانة لشرعية الدولة، وسيادة القانون، ولذلك نجد العلامة الدكتور السنهوري يقرر في (فقه الخلافة وتطورها): إن هناك فصلاً تامً ا بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وإن مبدأ الفصل بين السلطات أساس نظام الحكم الإسلامي على الأخص فيما يتعلق بالسلطة التشريعية، لأنها ـ كما نرى ـ مستقلة تماماً عن الخليفة، ويقول عن السلطتين التنفيذية والقضائية: إن الفصل بينهما ليس كاملاً، إلَ أنهما يشتركان في أنهما يقومان بتطبيق أحكام الشريعة ولذلك فإنهما يخضعان للشريعة خضوعاً تامً ا2، وهذا معنى قيمة مبدأ الشريعة الإسلامية على الدولة بكل سلطانها ومؤسساتها ومكوناتها ويعتبره الدكتور الشاوي حجر الزاوية في نظام الحكم الإسلامي والذين درسوا نظام الحكم الإسلامي بصفة خاصة سواء في مصر أو في الخارج مجمعون على أن مبدأ الفصل بين السلطات هو أهم أصل في نظام الحكم الإسلامي من الناحية العملية. 1 المنتقي لَبن تيمية، ص415،316. 2 فقه الخلافة وتطورها، ص64،65.
عدد الصفحات ٣٢