225 فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً 1. وفيه دليل على جواز أن يستشير المرأة الفاضلة الحكيمة 7 ـ استقبال آراء النساء وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل آراء الناس من رجال ونساء معاً، فهذه المرأة التي جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تقول له: ما أرى كل شيء إلَ للرجال وأرى النساء يذكرن بشيء، فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَات وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهََّ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهَُّ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ ( الأحزاب، آية: 35 .) وما هذا إلَ دليل على مدى الحرية التي امتازت بها المرأة في عهد النبوة في إبداء رأيها أمام رئيس الدولة2. رابعاً: الأحاديث التي استدل بها المانعون من دخول البرلمان 1 ـقوله صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح: «لن يفلح قوم ولوا أمرهمامرأة»3.، وقد تردد ذكره في أدلة من قالوا بأن الإسلام منع المرأة مساواتها الرجل في الحقوق السياسية، وهذا النص يقطع بأن المناصب الرئيسة في الدولة، رئاسة كانت أو وزارة أو عضوية مجلس الشورى أو إدارة مختلف إدارة الحكومة لَ تفوض إلى النساء وبناء على ذلك، مما يخالف النصوص الصريحة أن تنزل النساء تلك المنزلة في دستور الدولة الإسلامية، أو يترك فيها مجال لذلك وارتكاب المخالفة لَ يجوز البتة كدولة قد رضيت لنفسها التقيد بإطاعة الله ورسوله4. 1 فتح الباري على صحيح البخاري5 /403.) 2 الشورى، د. سامي الصلاحات، ص83. 3 فتح الباري8 /108.) 4 نظريه الإسلام وهديه لأبي الأعلى المودودي، ص260.
عدد الصفحات ٢٢٥226 والرد على المانعين أ ـ إنما يعني الولَية العامة على الأمة كلها، أي رئاسة الدولة، كما تدل عليه كلمة «أَمْرِ هِمْ » فإنها تعني أمر قيادتهم ورياستهم العامة، أما بعض الأمر فلا مانع أن يكون للمرأة ولَية فيه، مثل ولَية الفتوى أو الَجتهاد، أو التعليم أو الرواية والتحديث أو الإدارة ونحوها. فهذا مما لها ولَية بالإجماع، وقد مارسته على توالي العصور، حتى القضاء أجازة أبو حنيفة فيما تشهد فيه، أي في غير القصاص والحدود وإنما في الأموال، وقد قال بإباحة جماعة من المجتهدين ومن أعلام كل مذهب من المذاهب الإسلامية، وهذا يدل على عدم وجود دليل شرعي صريح يمنع من توليها القضاء وإلَ لتمسك به ابن حزم وقاتل دونه وجمد عليه كعادته1. ب ـ وسبب ورود الحديث المذكور يؤيد تخصصه بالولَية العامة، فقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن الفرس بعد وفاة إمبراطورهم، ولوا عليهم ابنته بوران بنت كسرى، فقال: «لن يفلح قوم»2. وقد ورد الحديث في مناسبة تاريخية معينة حين أبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم أن الفرس وكانوا في حالة انهيار سياسي وانحلال أخلاقي، تحكمهم ملكية استبدادية فاسدة وصراعات على السلطة بلغت بهم حد الَقتتال عليها والحرب دائرة بينهم وبين العرب، قد أسندوا أمر قيادتهم وملكتهم إلى ابنة كسرى تعلقاً بأوهام الوثنية السياسية لَ عن رأي ولَ شورى، فكان الحديث وصفاً لحال الفرس المتردي و قراءة بصيرة في سنن قيام الدول وانحلالها، فهذا إخبار عن حال وليس تشريعاً عاماً ملزماً ذلك ما يدل عليه فقه الحديث 3. صحيح أن أغلب الأصوليين قالوا: إن العبرة بعموم اللفظ لَ بخصوص السبب، ولكن هذا غير مجمع عليه، وقد ورد عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عليهم بضرورة رعاية أسباب النزول، وإلَ حدث التخبط في الفهم، ووقع سوء التفسير، كما تورط في ذلك 1 من فقه الدولة في الإسلام، ص166. 2 من فقه الدولة في الإسلام، ص166. 3 في الفقه السياسي الإسلامي، ص126.
عدد الصفحات ٢٢٦227 الحرورية من الخوارج وأمثالهم، الذين أخذوا الآيات التي نزلت في المشركين فعمموها على المؤمنين1، فدل هذا على أن سبب نزول الآية من باب أولى سبب ورود أحاديث، يجب أن يرجع إليه في فهم النص، ولَ يؤخذ عموم اللفظ قاعدة مسلمة. يؤكد هذا في الحديث خاصة: أنه ـ لو أخذ على عمومه ـ لعارض ظاهر القرآن، فقد قص علينا القرآن قصة امرأة قادت قومها أفضل ما تكون القيادة وحكمتهم أعدل ما يكون الحكم، وتصرفت بحكمة ورشد أحسن ما يكون التصرف، ونجوا بحسن رأيها من التورط في معركة خاسرة، يهلك فيها الرجال، وتذهب الأموال ولَ يجنون من ورائها شيئاً، وكان حكمها يقوم على الشورى: ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ﴾، ومع هذا فوضا إليها الأمر ﴿قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّة وَأُولُوا بَأْس شَدِيد وَالأَْمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ﴾ (النمل، آية: 33.) تلك هي بلقيس ـ ملكة سبأ ـ التي ذكر الله قصتها في سورة النمل مع نبي الله سليمان، وانتهى بها المطاف إلى أن قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للهَِِّ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ (النمل، آية: 44.) فقادت قومها إلى خيري الدنيا والآخرة، كما يؤكد صرف الحديث عن العموم: الواقع الذي نشهده، وهو أن كثيراً من النساء قد كن لأوطانهن خيراً من كثير من الرجال. وإن بعض هؤلَء (النساء) لهو أرجح في ميزان الكفاية المقدرة السياسية والإدارية من كثير من حكام العرب والمسلمين في وقتنا المعاصر. ج ـ إن علماء الأمة اتفقوا على منع المرأة من الولَية الكبرى أو الإمامة العظمى، وهي التي ورد في شأنها الحديث، ودل عليها سبب وروده، كما دل عليها لفظت «وَلاوا أمرَ هم»، وفي رواية تملكهم امرأة،، فهذا إنما ينطبق على المرأة إذا أصبحت خليفة المسلمين، وهو ما لَ يوجد اليوم، بعد أن هدمت قلعة الخلافة على يد أتاتورك سنة 1924م، وقد يرى 1 من فقه الدولة في الإسلام، ص175.
عدد الصفحات ٢٢٧228 بعض العلماء أن يقيس على ذلكما إذا أصبحت ملكة أو رئيسة دولة ذات إرادة نافذة في قومها، لَ يرد لها حكم ولَ يبرم لها أمر، وبذلك يكونون قد ولوها أمرهم حقيقة، أي أن أمرهم العام قد أصبح بيدها وتحت تصرفها ورهن إشارتها، وقد يخالفهم آخرون بأن رئاسة الدولة القطرية في عصرنا أشبه ما تكون بولَية الولَة قديماً على أحد الأقاليم كما كان الولَة على مصر والشام والحجاز واليمن وغيرها. أما ما عدا الإمامة والخلافة وما في معناهما من رئاسة الدولة، فهو مما اختلف وهو يتسع للاجتهاد والنظر، فيمكن بهذا أن تكون وزيرة ويمكن أن تكون قاضية، ويمكن أن تكون محتسبة احتساباً عاماً، وقد ولى عمر ابن الخطاب الشفاء بنت عبدالله العدوية على السوق تحتسب وتراقب وهو ضرب من الولَية العامة، وينبغي الأخذ بالتدرج في هذا وفق ظروف المجتمع ودرجة نموه وتطوره فتعطي المرأة ما يناسبها من الوزارات وتقضي في مجال الأسرة أولًَ ثم في الأمور المدني ة. د ـ إن المجتمع المعاصر في ظل النظم الحديثة حين يولي المرأة منصباً عاماً كالوزارة أو الإدارة أو النيابة أو نحو ذلك، فلا يعني ذلك أنه ولَها أمرها بالفعل وقلدها المسؤولية عنه كاملة، فالواقع المشاهد أن المسؤولية جماعية والولَية مشتركة، تقوم بأعبائها مجموعة من المؤسسات والأجهزة والمرأة إنما تحمل جزءاً منها مع من يحملها 1. وبهذا نعلم أن حكم "تاتشر" في بريطانيا أو "أنديرا" في الهند أو "جولدا مائير" في فلسطين المحتلة ليس هو ـ عند التحقيق والتأمل ـ حكم امرأة في شعب، بل هو حكم المؤسسات والأنظمة المحكمة وإن كان فوق القمة امرأة، إن الذي يحكم هو مجلس الوزراء بصفته الجماعية وليست رئيسة مجلس الوزراء، ومثل ذلك مجلس الشورى أو مجلس النواب ونحوهما، فليست هي الحاكمة المطلقة التي لَ يعصى لها أمر، ولَ يرفض لها طلب، فهي إنما تترأس حزباً يعارضه غيره، وقد تجري هي انتخابات فتسقط فيها بجدارة، كما حدث 1 من فقه الدولة في الإسلام، ص175،176.
عدد الصفحات ٢٢٨229 لأنديرا في الهند وهي في حزبها لَ تملك إلَ صوتاً فإذا عارضتها الأغلبية غدا رأيها كرأي أي إنسان في عرض الطريق1. 2ـقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما رأيت من ناقصات عقل ودينأغلب لذي لُبٍّ منكن »، قالت: وما نقصان العقل والدين؟ قال«أما نقصانُ العقل فشهادة امرأتين تعدِ ل شهادة رجل ، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين»2، أما نقصان العقل فهو مما يطرأ على الفطرة مؤقتاً نتيجة ظرف عارض مثل دورة الحيض أو مدة النفاس أو بعض فترات الحمل ولذلك عد نقصاً عرضياً نوعياً قصير الأجل ولَ تخفى العلة بين الحياة البيولوجية والَجتماعية والعقلية والَنفعالية ومن ذلك ضعف الذاكرة عند المرأة أثناء ما أشرنا إليه من خصوصيات ظروفها الطارئة وكان ذلك هو علة الحكم الشرعي في نقص شهادة المرأة عن الرجل في قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّ رَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ﴾ (البقرة، آية: 282). فبيّ ن أن شرط شهادتين إنما هو لضعف العقل لَ ضعف الدين، فعلم بذلك أن عدل النساء بمنزلة عدل الرجال وإنما عقلها ينقص عنه والراجح عندنا أن كلامهم عن العقل إنما هو عن الذاكرة وليس الإدراك والتفرقة علمت لنا بعد تقدم المعرفة وما فصله "علم النفس" في موضوع المقدرات العقلية بنوعها. قال ابن القيم: والمرأة العدل كالرجل في الصدق والأمانة والديانة إلَ أنها لما خيف عليها السهو والنسيان قويت بمثلها، وذلك قد يجعلها أقوى من الرجل الواحد أو مثله3. 1 من فقه الدولة في الإسلام، ص176. 2 رواه مسلم في الإيمان، الحديث رقم238. 3 الطرق الحكمية لَبن القيم، ص171.
عدد الصفحات ٢٢٩230 وأما نقصان الدين الذي أشار إليهالحديث فهو نقص جزئي محصور في العبادة كما صوره الحديث، وهو مؤقت وليس من كسب المرأة وإنما هو بأمر كتبه الله على المرأة لحكمته في خلقه: ﴿أَلََ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُّ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ (الأعراف، آية: 54.) وقوله تعالى ﴿أَلََ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ (الملك، آية: 14.) والمهم أن الحديث قاطع الدلَلة بأن ما ورد فيه قاصر على نقص النشاط العقلي أو الذاكرة أو نقص افترضه الله على نشاطها العبادي، وهو نقص عرضي مؤقت لَ يقدح في تدينها ولَ في كفاية المرأة العقلية ولَ في عدالتها وهو ما عبر عنه ابن حزم في قوله: وليس هذا بموجب نقصان العقل، ولَ نقصان الدين والعقل في غير هذين الوجهين فقط، إذ بالضرورة ندري أن النساء من هن أفضل من كثير من الرجال، وأتمَّ ديناً وعقلاً فصحَّ يقيناً أ نه إنما عنى ما قد بينه في الحديث نفسه من الشهادة والحيض، وليس ذلك مما ينقص الفضل ولَ ينقص استعدادها الفطري للكمال في المجالَت عامة، ولعل فيما بينا من فهم في الحديث وفقهه ودلَلته ما يصح منه أن نقول بخطأ الَعتراض بالحديث المذكور عند القائلين بأن الإسلام ينبذ مبدأ مساواة المرأة بالرجل في الحقوق السياسية ومن ذلك حقي الترشيح والَنتخاب1. والحقيقة الواضحة أن الإسلام لَ يحرم المرأة ممارسة هذه الحقوق السياسية ولَ ينبذ مساواتها بالرجل في هذه الحقوق والواجبات، وإن الإسلام لَ يحول دون اشتغالها بالسياسة أو يمنعها من المشاركة ضمن جماعة البرلمان في اقتراح سن القوانين أو الحسبة على ذوي السلطان، بداية من واجب النصيحة ومروراً بمراتب الَحتساب المتدرجة و انتهاء بحق أهل الشورى وأهل الحل والعقد في مساءلة الحاكم ومحاكمة الحكومة، وقد يؤدي ذلك إلى عزل الحاكم أو إسقاط الحكومة2. 1 في الفقه السياسي الإسلامي، ص130. 2 المصدر نفسه، ص142.
عدد الصفحات ٢٣٠231 خامساً: من عمل الخلفاء الراشدين 1ـوكان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه قريبة تسمى الشفاء بنت عبد الله العدوية يستشيرها وقد كلفها بالإشراف على السوق1. 2ـوكانت المرأة تقف في وجه الخلفاء وتعترض على آرائهم ويقبل الخلفاء هذه المشاركة السياسية، من ذلك ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ﴾ (النساء، آية: 20). فقد خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ألَ لَ تغالوا في صدقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولَكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصدق قط امرأة من نسائه ولَ بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر يعطينا الله وتحرمنا أليس الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا ﴾ فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر، وفي رواية فأطرق عمر ثم قال: كل الناس أفقه منك يا عمر، وفي رواية أخرى: امرأة أصابت ورجل أخطأ2. 3 ـوقد ورد في حق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كان يستشير النساء في الأمر، حتى أنه كان يستشير المرأة فربما أبصر في قولها الشيء يستحسنه فيأخذ به3. 4 ـومن الأثر ما روي من استشارة عبدالرحمٰن بن عوف رضي الله عنه النساء في أمر توليه الخلافة بعد وفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد بقي يشاور ثلاثة أيام وأخبر بأن الناس لَ يعدلون بعثمان، وأنه شاور حتى العذارى في خدورهن4. 5 ـإنهم كانوا يستشيرون النساء ويعتدون بآرائهن وكان في مقدمتهن زوجة الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه كانت تشير عليه بالرأي في أحلك ظروف الفتنة5. 1 الشورى، د. سامي الصلاحات، ص83. 2 الجامع لأحكام القرآن للقرطبي5 /99.) 3 سنن البيهقي، ك آداب القاضي10 /193.) 4 منهاج السنة لَبن تيمية3 /233.) 5 المواطنة والمساواة، باعزيز علي الفكي، ص197.
عدد الصفحات ٢٣١232 ومادام من حق المرأة أن تنصح وتشير بما تراه صواباً في الرأى، وتأمر بالمعروف وتنه ى عن المنكر، وتقول: هذا صواب وهذا خطأ بصفتها الفردية، فلا يوجد دليل شرعي يمنع من عضويتها في مجلس يقوم بهذه المهمة والأصل في أمور العادات والمعاملات: الإباحة إلَ ما جاء في منعه نص صريح صحيح، ومايقال من أن السوابق التاريخية في العصور الإسلامية، لم تعرف دخول المرأة في مجلس الشورى، فهذا ليس بدليل شرعي على المنع، فهذا مما يدخل في تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والشورى لم تنظم في تلك العصور تنظيماً دقيقاً لَ للرجال ولَ للنساء وهي من الأمور التي جاءت فيها النصوص مجملة مطلقة، وترك تفصيلها وتقييدها لَجتهاد المسلمين، حسب ظروفهم الزمنية والمكانية وأوضاعهم الَجتماعية، وإذا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بمجرده لَ يدل على أكثر من الإباحة فكيف بفعل غيره ممن لَ عصمة له1. ـوإننا حين نقول بدخول المرأة في البرلمان في الدولة الحديثة المسلمة لَ يعني ذلك أن تختلط بالرجال الأجانب عنها بلا حدود ولَ قيود أو يكون ذلك على حساب زوجها وبيتها وأولَدها، أو يخرج ذلك عن أدب الَحتشام في اللباس والمشي والحركة والكلام، بل كل ذلك يجب أن يراعى بلا ريب ولَ نزاع، وهذا مطلوب من المرأة في البرلمان وفي الجامعة وفي مجلس الكلية، والمرأة في عملها خارج البيت أيا كان هذا العمل2. ومن المطلوب في دولة تراعي آداب الإسلام أن تساعد على نشر هذه الآداب والثقافة والمعرفة التي تحترم كينونة المرأة ومشاعرها وأحاسيسها وتحميها من انفلات شهوات الرجال الطائشين الذين لَ يحافظون على عرض ولَ شرف، إن المسلمة الملتزمة بدينها ـ إذا كانت ناخبة أو مرشحة ـ يجب أن تحتفظ في ملاقاتها للرجل من كل ما يخالف أحكام الإسلام، من الخضوع بالقول أو التبرج في الملبس أو الخلوة بغير محرم، أو الَختلاط بغير قيود وهو أمر مفروغ منه من قبل المسلمات الملتزمات3. 1 من فقه الدولة في الإسلام، ص167. 2 المصدر نفسه، ص: 170. 3 من فقه الدولة في الإسلام، ص164.
عدد الصفحات ٢٣٢233 6 ـ العوارض الطبيعية للمرأة ويستند المانعون للنساء في الترشيح بأن المرأة تعرض لها عوارض طبيعية من الدورة الشهرية وآلَ مها والحمل وأوجاعه والولَدة وأسقامها والإرضاع ومتاعبه والأمومة وأعبائها، كل هذا مما يجعلها غير قادرة بدنياً ولَ نفسياً ولَ فكرياً على تحمل تبعة العضوي ة في مجلس يسن القوانين ويراقب الحكومة، ونقول: إن هذا صحيح وليست كل امرأة صالحة للقيام بعبء النيابة البرلمانية، فالمرأة المشغولة بالأمومة ومتطلباتها لن تخرج بنفسها في معترك الترشيح لهذه المهام. ولكن المرأة التي لم ترزق الأطفال وعندها فضل قوة ووقت وعلم وذكاء والمرأة التي بلغت الخمسين أو قاربت، ولم تعد تعرض لها العوارض الطبيعية المذكورة، وتزوج أبناؤها وبناتها وبلغت من نضج السن والتجربة ما بلغت وعندها من الفراغ ما يمكن أن تشغله في عمل عام، ما الذي يمنع من انتخاب مثلها في مجلس نيابي إذا توافرت فيه الشروط الأخرى التي يجب أن تتوافر في كل مرشح رجلاً كان أو امرأة1. سادساً: شروط وضوابط لمشاركة المرأة في العمل ية الانتخابية: وقد تبين من خلال البحث الرصين، والحجج القوية، والأدلة الراجحة إلى جواز مشاركة المرأة في العملية الَنتخابية معطية صوتها ومرشحة لنفسها، وهذه المشاركة تحتاج إلى ضوابط تساعد في تحقيق العبودية لله تعالى من خلال العمل البرلماني، ومن أهم هذه الضوابط: أ ـ أن تكون النية خالصة لوجه الله الكريم، وتعمل على ترسيخ القيم والمبادىء والمقاصد الإسلامية في المجتمع والدولة وإعزاز شرع الله تعالى، إذ الأعمال بالنيات، فيا لها من عبادة في سنن القوانين والتشريعات المستمدة من القرآن الكريم وسيرة سيد المرسلين 1 المصدر نفسه، ص173.
عدد الصفحات ٢٣٣234 والتجاربالإنسانية النافعة، ومحاسبة المفسدين وتضييق الخناق على سرَّاق المال العام ومحاسبة الحكومات الفاسدة وعزل المضرّة بالمجتمع والدولة. 2 ـأن تلتزم المرأة بزيها الشرعي الذي يفضي عليها المهابة والَحترام والتقدير وتبتعد عن تبرج الجاهلية وسفور المتحللات، فهي في مهمة دينية ووطنية وأخلاقية وإنسانية تحتاج للجد والَجتهاد وأن تحرص على أن تنفذ قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَِّزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهَُّ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ (الأحزاب، آية: 59.) وكم كان لمروة قاوقجي النائبة التركية من أثر فعال في الشعب التركي، حين تزينت بحجابها والتزمت به وأصرت عليه رغم محاربة العلمانيين الأتراك لها، فضربت بذلك نموذجاً رائعاً في الثبات والتضحية، كا ن لموقفها الصبور، تأثيره السياسي والإعلامي والأخلاقي على كثير من الرجال والنساء فاق الخطب الرّنانة، والمقالَت النارية والكتابة العبقرية. 3 ـأن تتمسك المنتخبة بآداب الإسلام وأخلاقه في كلامها إذا تكلمت، ومشيها إذا تحركت وأمامها قول الله تعالى: ﴿فَلاَ تَخْضَ عْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَض وَقُلْنَ قَوْلًَ مَّعْرُوفًا ﴾ (الأحزاب، آية: 32.) وقوله سبحانه﴿فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾ (القصص، آية: 25.) فوصفت الآية المرأة صاحبة الحياء في مشيها وكلامها وجاءت الآية في سياق المدح، وتلك طبيعة وأخلاق المرأة المؤمنة بالله عز وجل في كل أحوالها. 4 ـإلَ أن تكون هذه المشاركة مضرّ ة ببيتها وزوجها وعلى حساب أولَدها وأسرتها، التي هي حجر الزاوية في ارتقاء المجتمع ورقي الدولة.
عدد الصفحات ٢٣٤235 5 ـأن تكون من صحابة الهمّة في تثقيف نفسها والَطلاع على تجارب الأمم والشعوب في البرلمانات وتطور خبرتها حتى تقوم بدورها الصحيح في عملها المناط1 بها سابعاً: ترشيح المرأة غيرها: إن المرأة لم يكن لها في أوروبا ـ وحتى زمن قريب ـ حق الترشيح، ولم تشارك فيه إلَ في القرن العشرين، حيث شاركت في عام (1920م) في أمريكا، وفي عام1928م) في بريطانيا وتأخرت عن المشاركة حتى عام (1944م) في فرنسا، وهذا له علاقة بالبيئة والعرف والثقافة وتطورها في حركة الحياة والأدلة في جواز ترشيح المرأة غيرها كثيرة منها: 1 ـأن الأصل في الأشياء الإباحة. 2 ـأن المرأة كالرجل لم يرد فيه نص يفيد التفريق، وفي الحديث «النساء شقائق الرجال»2. 3 ـ أن العملية الَنتخابية إما توكيل أو شهادة، والإسلام أجاز للمرأة كلا الأمرين، يقول مصطفى السباعي: رأينا بعد المناقشة وتقليب وجهات النظر أن الإسلام لَ يمنع من إعطاء المرأة هذا الحق، فالَنتخاب هو اختيار الأمة لوكلاء ينوبون عنها في التشريع ومراقبة الحكومة، فعملية الَنتخاب عملية توكيل، يذهب الشخص إلى مركز الَقتراع فيدلي بصوته لمن يختارهم وكلاء عنه في المجلس النيابي يتكلمون باسمه، ويدافعون عن حقوقه، والمرأة في الإسلام ليست ممنوعة من أن توكل إنساناً بالدفاع عن حقوقها والتعبير عن إرادتها كمواطنة في المجتمع3. 4 ـإن العملية الَنتخابية إنما هي إحدى صور الشورى والمرأة لَ تمنع منها، إذ لقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُ مْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ (الشورى، آية: 38) أمر عام للذكر والأنثى 1 انظر: الَنتخابات أحكام وضوابط، ص60. 2 رواه أحمد في المسند، الحديث رقم26195 صحيح أبي داود، الحديث رقم234. 3 المرأة بين الفقه والقانون، ص156.
عدد الصفحات ٢٣٥236 5 ـ إشراك عبد الرحمٰن بن عوف النساء في اختيار الخليفة الثالث والتفضيل بين عثمان وعلي ـ رضي الله عنهما ـ ذكر ابن كثير في استشارة ابن عوف واختياره للخليفة الثالث حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن1. 6 ـ اعتبار المشاركة الَنتخابية صورة من صور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي هي إحدى خصائص المجتمع وآلية من آليات النصيحة التي جاء بها الحديث الصحيح، والمرأة شريكة في ذلك. 7 ـ قبول تزكية المرأة للرجال وقد نص القرآن على ذلك في قصة موسى مع ابنة العبد الصالح وذلك حين قالت: ﴿يَا أَبَ تِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَْمِينُ ﴾ (القصص، آية: 26.) والَستشهاد بقول بنت شعيب يخدم الرأي المنتصر للنساء ومنحهن حق التصويت، إذ هاهنا كان قولها من جنس التصويت، إذ أنها زكت موسى ورشحته وعرفت صفة المسلم الناجح في عمله فوصفته بالقوي الأمين2. 8 ـمشاركة المرأة في صدر الإسلام في كل ما يتعلق بالدولة الإسلامية، كالهجرة، والبيعة والجهاد.. وغير ذلك مما يعد ولوجاً للعمل السياسي 3. ثامناً: برلمان ملكة سبأ يضرب لنا القرآن الكريم مثالًَ طيباً للشورى في قصة بلقيس ملكة سبأ، عندما جاءها كتاب سليمان عليه السلام وفتحته وقرأته، إنه موجه من سليمان عليه السلام إلى قومها، يدعوهم عن التخلِّي عن الكفر والدخول في الإسلام، ونصَّ الكتاب: ﴿إنه من سليمان وإ نه بِسْمِ اللهَِّ الرحمٰن الرَّحِيمِ *أَلََّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ (النمل، آية: 30-31.) 1 البداية والنهاية7 /159) وما بعدها. 2 أصول الإفتاء والَجتهاد التطبيقي أحمد الراشد4 /66.) 3 الَنتخابات أحكام وضوابط، ص86.
عدد الصفحات ٢٣٦237 وهذا الكتاب مختصراختصاراً مفيداً، وهو أشبه ما يكون ببرقية موجزة، حملها الهدهد إلى قوم سبأ1. 1 ـ ملكة سبأ تستشير الملأ من قومها قرأت ملكة سبأ كتاب سليمان عليه السلام وفهمت قصده منه وهي تسمع باسم سليمان وتعرف من هو، وتدرك مظاهر قوته المتمثلة في تسخير الجن والإنس الطير له، وتقف على مظاهر تقدم دولته المادي، وبهذا عرفت أنها مقدمة هي وقومها على أحداث خطيرة لها ما بعدها، حيث قصدها حاكم أقوى دولة في عهدها فكيف تتصرف؟ وبماذا تجيب على دعوة سليمان؟ وبماذا ترد على كتابه؟. إن الأمر أكبر وأخطر من أن تقضي فيه بنفسها أو تحسمه بمفردها، ولَ بد من مشاركة وجوه القوم فيه واستشارتهم في الرد والجواب، والَتفاق معهم على الرد المناسب. قال تعالى: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأَُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَاب كَرِيم * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهَِّ الرحمٰن الرَّحِيمِ * أَلََّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأَُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ﴾ (النمل، آية: 29 ـ32.) وصفت الملكة الكتاب بأنه كريم لأنه كتاب من ملك معروف موجَّه إلى ملكة معروفة، وهذا من لباقتها وكياستها، ثم فصَّلت قصة الكتاب بأنه من سليمان النبي الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنه يدعوها وقومها للدخول في الإسلام، وتلت عليهم نص الكتاب. وبعد ذلك طلبت منهم الرأي والمشورة: ﴿أَيُّهَا المَلأَُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ﴾، أي: أشيروا عليَّ، وقدموا لي الت صرف المناسب في هذا الأمر المفاجىء، فماذا نتصرف؟ وماذا نفعل؟ وكيف يكون ردُّنا على كتاب سليمان؟ 1 القصص القرآني، صلاح الخالدي3 /537.)
عدد الصفحات ٢٣٧238 وتابعت بقولها: ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ﴾، أي: لَ أقوم بتصرف، ولَ أصدر حكماً ولَ أقطع أمراً ولَ أخطو خطوة إلَ بعد وضعكم في الصورة وإطلاعكم على القضية، وسماع آرائكم وفتاواكم، والَستفادة مما عندكم من تحليلات وخبرات، فأشيروا عليَّ المشورة المناسبة في هذه الحادثة. إن هذا الموقف من الملكة وإخبارها ملأ قومها بتفاصيل حادثة الكتاب وطلبها الرأي والمشورة منهم وإعلان حرصها على ذلك، يدل على طبيعة نظام الحكم في سبأ، الذي كانت تمارسه تلك الملكة، لقد كان حكماً متكاملاً، ويقوم على مشاركة وجوه القوم وزعمائه م للملكة في إدارة أمور البلاد، وكانت تحيط نفسها بهؤلَء الملأ المتنفذين المستشارين، وتعرض عليهم القض ايا، وتستشيرهم في المشكلات وتحرص على سماع آرائهم، والَستفادة منها، واعتماد المناسب منها، وهو أشبه ما يسمّى بنظام الحكم (البرلماني) في هذا العصر وهذه مزية تُس جُّل لنظام الحكم في سبأ في ذلك الزمان البعيد، باعتبار سبأ مملكة عربية أقيمت في بلاد اليمن، ونشأ نظام حكمها على مشاركة الملأ والوجوه للملكة في الحكم والقيادة، وهذه مزية تسجّل لهم رغم كفرهم بالله، ولهم سبق زمنيّ في هذا النوع من الحكم1. 2 ـ ملكة سبأ تعللميلها إلى المسالمة: بعدما استشارت الملأ ردُّوا الأمر إليها، قال تعالى: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّة وَأُولُوا بَأْس شَدِيد وَالأَْمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ﴾ (النمل، آية: 33.) لم يشيروا عليها بشيء، وفوَّضوها با تخاذ القرار المناسب وافتخروا أمامها بقوتهم القتالية، وبأسهم الشديد العسكري، أي طمأنوها إلى قوتهم وبأسهم، فإذا ما أرادت قتال سليمان فجاء مكانهم أن تعتمد عليهم، أما قرار الحرب أو عدمها فتركوه لها، وفوّضوها فيه " وَالأَْمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ". 1 القصص القرآني للخالدي3 /542.)
عدد الصفحات ٢٣٨239 وما هم إمنفذون لأمرها، مؤيدون لقرارها. عند ذلك قالت ملكة سبأ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ﴾، عقب سبحانه مؤيداً كلامها بقوله : ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ (النمل، آية: 34.) وقولها هذا صادر عن عدم رغبتها في الحرب والقتال، وفتح جبهة مع سليمان عليه السلام، ويكشف عن ميلها إلى المسالمة والمصالحة وإنهاء المشكلة بالَتفاق والتفاوض، وذكَّرت الملأ بطبيعة الحرب، فإذا حاربت دولة وهزمت أمام أعدائها، فإن أولئك الأعداء سيحتلون تلك الدولة، وعند ذلك يفسدونها ويخربونها ويجعلون أعزة أهلها أذلة. تقول هذا وهي تعرف من هو سليمان وما هي قوته وما هي فرق جيشه، جيشه الكبير المكوَّن من الجن والإنس والطير، وكأنها تريد أن تقول للملأ: لَ طاقة لها بسليمان وجنوده، ولَ قدرة لها على قتالهم ولهذا ستختار خيار المسالمة والمصالحة والمفاوضة لإن هاء المشكلة1. قال ابن عباس ﴿ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ﴾ أي: إذا دخلوا بلداً عنوة أفسدوها وخرّبوه ا و﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ﴾، أي: وقصدوا من فيها من الولَة والجنود، فأهانوهم غاية الهوان، إما بالقتل أو بالأسر2. أما الملوك فهمنوعان: نوع ينطبق عليهم كلام ملكة سبأ، وهم الذين لَ يطيعون الله، ولَ يحكمون الناس بشرع، فالإفساد ملازم لهم. ونوع لَ ينطبق عليهم كلام ملكة سبأ، وهم الملوك الصالحون المطيعون لله، الذين يحكمون الناس بشرع الله وقليل ما هم. 1 القصص القرآني3 /543.) 2 تفسير ابن كثير3 /350.)
عدد الصفحات ٢٣٩240 3 ـ ملكة سبأ ترسل هدية إلى سليمان عليه السلام: قررت ملكة سبأ عدم محاربة سليمان عليه السلام واختارت المسالمة، وأبلغت البرلمان بذلك، ثم أخبرتهم أنها تريد امتحان سليمان عليه السلام، لتعرف هل هو ملك داعية جاد في دعوته، أم هو رجل مصلحة، امتحنته بهدية أرسلتها له، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَة إِلَيْهِم بِهَدِيَّة فَنَاظِرَة بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ﴾ (النمل، آية: 35.) جهزت ملكة سبأ هدية ثمينة لسليمان وحمل وفد من قومها الهدية وغادروا اليمن متوجهين إلى سليمان عليه السلام بفلسطين، وكانت الملكة تنتظر نتيجة زيارة الوفد، ورد سليمان على تلك الهدية. 4 ـ سليمان يرفض الهدية ويهدد الوفد بغزو سبأ وصل الوفد إلى بيت المقدس ودخلوا على سليمان عليه السلام، وقدموا الهدية له، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَال فَمَا آتَانِيَ اللهَُّ خَيْر مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُود لََّ قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ (النمل، آية: 36 ـ37.) 5 ـ توجه الملكة لزيارة سليمان عند ذلك عرفت الملكة حقيقة ما عليه سليمان عليه السلام، وأي نوع من الملوك هو، وأيقنت هي وملؤها أن سليمان رجل دعوة وليس جمع مال، وأنه قادم لحربهم لَ محالة وأنه لَ قدرة لهم على قتاله وتجهز الوفد بقيادة الملكة وساروا من عاصمة سبأ في اليمن إلى بيت المقدس في فلسطين1. 1 القصص القرآني3 /549.)
عدد الصفحات ٢٤٠