209 ولكن ينبغي أن يعلم: أن هناك ألواناً من الأخوة يعترف بها الإسلام غير الأخوة الدينية، فهناك الأخوة الوطنية والأخوة الإنسانية، ومن هنا وجدنا القرآن، يقول: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوح الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ مْ أَخُوهُمْ نُوح أَلََ تَتَّقُونَ ﴾ (الشعراء، آية: 105 ـ106.) ـ وقال تعالى ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوط الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوط أَلََ تَتَّقُونَ ﴾ (الشعراء، آية: 160 ـ161.) ـ وفي عاد قال ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُود أَلََ تَتَّقُونَ ﴾ (الشعراء، آية: 124.) ـ وفي ثمود قال ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِح أَلََ تَتَّقُونَ ﴾ (الشعراء، آية: 142.) فأثبت لهؤلَء الرسل الأخوة لأقوامهم مع تكذيبهم لهم وكفرهم بهم، فهي ليست أخوة دينية وإنما هي أخوة قومية، فلا غرور أن تكون بين المسلمين والأقباط في مصر أخوة وطنية، وكذلك بين المسلمين والمسيحيين في لبنان وسوريا والأردن أخوة وطنية وبين المسلمين والمسيحيين في الوطن العربي كله أخوة قومية1. 5ـ من أهم شروط وضوابط مشاركة غير المسلمين في البرلمان ـ أن تكون هذه المشاركة في إطار حجمهم الطبيعي متماشية مع نسبة السكان. ـ أن يكون ذلك من باب تمثيل طائفتهم لعرض مشاكلهم ومقترحات حلولها. ـ ألَ يترتب على ذلك مفسدة تضر بالبلاد أو العباد. ـ أن يكون الشخص المرشح معروفاً بحسن السيرة. ـ أن يكون الشخص المرشح من الشخصيات المشهود لها بالحس الوطني. ـ أن يكون الشخص المرشح من ذوي الكفاءات التي تحتاج إليها الدولة، فهو مواطن له ما لغيره وعليه ما على غيره ومن حقه ـ بل من الواجب عليه ـ أن يساهم في رقي بلده بما لديه من إمكانيات وقدرات. 1 من فقه الدولة في الإسلام، ص198.
عدد الصفحات ٢٠٩210 ـأن تستبعد آراؤهم فيما يتعلق بالشريعة وأحكامها ولَ يؤخذ برأيهم في ذلك1. إن وجود أعضاء البرلمان من المواطنين من غير المسلمين كاليهود والنصارى والأقليات في الدولة الحديثة المسلمة من شأنه إشاعة روح الوحدة والتآلف وزيادة التفاهم بين المسلمين وبقية المواطنين من الأقليات والديانات الأخرى مما يشعرهم بأنهم جزء من نسيج المجتمع ويترسخ مفهوم المواطنة في نفوسهم فيعملون لصالح الوطن لَ أن يكونوا معاول هدم تعمل ضده، فالدستور في الدولة الحديثة المسلمة جعل المواطنين على قدم المساواة في حق الَنتخاب والترشيح وساوى بين المواطنين في الحقوق والواجبات2. 1 الَنتخابات أحكام وضوابط، د. أكرم كساب، ص66. 2 الدولة الإسلامية والمبادئ الدستورية، ص138.
عدد الصفحات ٢١٠211 المبحث الثامن ترشا ح المرأة في البرلمان إن الأصل العام الذي اجتمعت عليه الأمة أن جميع المسلمين ذكوراً وإناثاً سواء في الخطاب بالأحكام الشرعية، فخطاب الذكور موجه إلى النساء إلَ ما ورد بتخصيصه نص أو إجماع1، وكما يقول الشاطبي: الرجل والمرأة مستويان في أصل التكليف على الجملة ومفترقان بالتكليف اللائق بكل واحد منهما، كما في الحيض والنفاس والعدة وأشباهها بالنسبة إلى المرأة والَختصاص في مثل هذا لَ إشكال فيه2. إن القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية هي المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات إلا ما استثنى بنص صريح. أولاً: الآيات القرآنية: التي استدل بها بعض العلماء على جواز ترشح المرأة نفسها لتولي الولَيات العامة عدا الإمامة العظمى: 1 ـقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لََّ يُشْرِكْنَ بِاللهَِّ شَيْئًا وَلََ يَسْرِقْنَ وَلََ يَزْنِينَ وَلََ يَقْ تُلْنَ أَوْلََدَهُنَّ وَلََ يَأْتِينَ بِبُهْتَان يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلََ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوف فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهََّ إِنَّ اللهََّ غَفُور رَّحِيم ﴾ (الممتحنة، آية: 12.) إن القرآن الكريم سجلمبايعة المؤمنات للنبي صلى الله عليه وسلم ومشاركتهن في الحياة العامة، فدَّ ل على تساويهن مع الرجل فيجوز للمرأة ترشح نفسها للولَيات العامة لتساويها مع الرجل. 1 في الفقه السياسي الإسلامي، ص146. 2 المصدر نفسه، ص146.
عدد الصفحات ٢١١212 2 ـقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَّ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُّ إِنَّ اللهَّ عَزِيز حَكِيم ﴾ (التوبة، آية: 71.) ويرى العلامة استاذ علال الفاسي: أن الآية الكريمة قد أثبتت الولَية المطلقة للمؤمنات كما أثبتها للمؤمنين، وتدخل فيها ولَية النصرة، كما يدخل فيها الحضور في المساجد والمشاهد ومعارك الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم أضاف رحمه الله: وقد نص القرآن على التشاور بين الرجل وزوجته في شؤون الزوجية فقال: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًَ عَن تَرَاض مِّنْهُمَا وَتَشَاوُر فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ (البقرة، آية: 233). وإذا كانت الشورى مطلوبة لهذا الحد في أمر الأسرة فما بالك بأمر الأسر الكبرى وهي الأمة والدولة، وكما أن الشارع لم يحرم نصف الأسرة ـ الذي هو المرأة ـ من حق الشورى، فلا معنى لأن يحرم نصف الأمة الذي هو المرأة من حق الشورى1. 3 ـقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ﴾ (البقرة، آية: 282). وجه الدلَلة: أن الله قد قبل شهادة المرأة والَنتخاب عبارة عن شهادة من الناخب بصلاحية من انتخبه للقيام بما سيعهد إليه من وظيفة في الدولة، وهو جائز بقبول القرآن شهادة المرأة بالجملة في الآية السابقة2، ومن استدل بهذه الآية بعدم تقديمها للتصويت وقال: والَنتخاب شهادة، فهل يعتبر كل صوتين من النساء بصوت رجل واحد؟ ألَ ترى أنه لَ يجوز تقديمها للتصويت بهذا الَعتبار؟ وهذا الَستشهاد غير صحيح: 1 علال الفاسي عالماً ومفكراً، د. الريسوني، ص 78. 2 المجالس النيابية، ص162.
عدد الصفحات ٢١٢213 أولاً لأن الشهادة غير إبداء الرأي، فالمشورة لَ تدخل إلَ قبيل استنباط الأحكام وتقريرها، والَستدلَل لها بالنصوص الشرعية ومقتض يات الرأي والَستحسان، وهي من قبيل الَجتهاد والفتوى، ولم يختلف أحد من أئمة المسلمين في الَعتداد برأي العالمات المجتهدات والَستدلَل بفتاويهن والأخذ عنهن، وفي ذلك يقول ابن حزم: لو تفقهت امرأة في علوم الديانة للزمنا قبول نزارتها وقد كان ذلك، فهؤلَء أزواج النبي وصواحبه قد نقل عنهن أحكام الدين، وقامت الحجة بنقلهن، ولَ خلاف بين أصحابنا وجميع أهل نحلتنا في ذلك1. وثانياً فإن شهادة المرأة تختلف أحكامها بحسب الموضوع الذي تشهد فيه وفي ذلك يقول ابن القيم: وشهادة النساء نوعان: نوع تقبل فيه النساء منفردات ونوع لَ يقبلن فيه إلَ مع الرجال، وقد اختلف السلف في مواضع، وروى عن الشعبي قال: إن من الشهادات ما لَ تجوز فيه إلَ شهادة النساء، وعن الزهري قال: مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لَ يطلع عليه غيرهن، ونقل عن مالك أن شهادة النساء منفردات تقبل في عيوب النساء والولَدة والرضاع والَستهلال وحيث يقبل شاهد ويمين الطالب2. وقال ابن القيم والمرأة العدل كالرجل في الصدق والأمانة والديانة إلَ أنها خيف عليها السهو والنسيان قويت بمثلها وذلك قد يجعلها أقوى من الرجل الواحد أو مثله3. ويقول علال الفاسي وعدم قبول شهادة المرأة وحدها لَ يقصد منه النيل من عدالتها، فالمرأة مساوية للرجل عدالة وتجريحاً، وإنما بقصد التذكر أن تضل أحداهما فتذكر أحداهما الأخرى، فلما كان وضع الشهادة المذكورة في الآية هو من عدم الكتابة، وكانت المرأة ربما لَ تقوى على أن تعقل على تفاصيل موضوع الشهادة، لأنه لم يكن من شأنها أن تشتغل بالشؤون المالية، هدى الشارع إلى الجمع بين امرأتين حتى إذا نسيت إحداهما ذكرتها الأخرى، والذي يظهر أنه إذا كانت المرأة تستعين على شهادتها بالكتابة، وأحرى 1 الأحكام لَبن حزم (3 /82.) 2 الطرق الحكمية لَبن القيم، ص153 وما بعدها 3 الطرق الحكمية لَبن القيم، ص171.
عدد الصفحات ٢١٣214 إذا كان ذلك يقع تسجيله في إبانة من طرف الشهود، فلا يبقى معنى لَشتراط المرأتين مكان الرجل، وكذلك إذا تطورت المرأة إلى درجة إتقان مسائل المال والأعمال وبلغت في ذلك مبلغ الرجال، فإنها فيما أرى تتساوى معهم في الحكم. والمقصود بالعقل هنا الذكر مقابل الضلال بمعنى النسيان، وليس المقصود العقل بمعنى الفكر ففكر المرأة والرجل سواء في مطبوعه أو مكتسبه وحصول النسيان في المعاني عند المرأة ناشىء عما وضعتها فيه الأجيال من بُعد عن الدراسة وممارسة أسباب الحياة العامة ويزول ذلك حسب تطورها فتتبع الأحكام العلة المذكورة في القرآن وجوداً وعدماً 1. 4 ـ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًَ كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَّ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَّ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ (النساء، آية: 1.) 5 ـوقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾ (الإسراء، آية: 70.) 6 ـوقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهَِّ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهََّ عَلِيم خَبِير ﴾ (الحجرات، آية: 13.) وجه الدلالة إن هذه الآيات توضح بجلاء تكريم الإسلام للمرأة ومساواتها للرجل وإثبات كمال إنسانيتها وما يترتب على ذلك من تقدير لها وإن مكانتها تساوي مكانة الرجل، وعليه يجوز للمرأة تولي الولَية العامة2. 1 علال الفاسي عالماً ومفكراً، ص 82. 2 المجالس النيابية، ص163.
عدد الصفحات ٢١٤215 7 ـقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُ مْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ (الشورى، آية: 38.) وجه الدلَلة: قوله﴿أَمْرُهُ مْ﴾ شاملة الرجال والنساء معاً ولَ مجال لحصر ذلك على الرجال دون النساء1. ثانياً: الآيات التي استدل بها المانعون على مشاركة المرأة في البرلمان والرد عليها: 1ـ قال تعالى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُّ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض ﴾ (النساء، آية: 34.) وأن البرلمانات تقوم مقام "القوامة" لجميع الدولة لأنها ـ كما يقولون ـ هي التي تدير دفة المجالس2. ويقول المودودي: إن القرآن لم يقيد قوامة الرجال على النساء بالبيوت.. وأن قوامية الدولة أخطر شأن وأكثر مسؤولية من قوامية البيت، راداً بذلك على القائلين بأن هذا الحكم يتعلق بالحياة العائلية لَ بسياسة الدولة3 وجاء في فتوى الجامع الأزهر: ساوت الشريعة الإسلامية بين المرأة والرجل فيما يتعلق بالولَية الخاصة والتصرف في شؤونها الخاصة وأن الشريعة الإسلامية لَ تقر أن تكون للمرأة عضوية البرلمان لأن هذه العضوية تعد من الولَية العامة وقد قصرت الشريعة الإسلامية الولَية العامة على الرجال إذا توافرت فيهم شروط معينة، وأن الشريعة الإسلامية تحرم كذلك على المرأة حق الَشتراك في الَنتخاب استناداً إلى أن المرأة إنما تهدف من وراء تقرير حق الَنتخاب لها إلى الوصول وضع تشريع يقرر لها عضوية البرلمان، فلا يجوز أن يمهد لها سبل الوصول إلى حق الَنتخاب عملاً بالمبدأ المقرر في الشريعة والقانون: أن وسيلة الشيء تأخذ حكمه4، إن الآية الكريمة 1 الشورى فريضة إسلامية، ص162. 2 في الفقه السياسي الإسلامي، ص120. 3 نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور، ص261. 4 فتوى لجنة الفتوى بالأزهر، مجلة رسالة الإسلام، العدد الثالث السنة الرابعة يوليو1952م
عدد الصفحات ٢١٥216 التي ذكرت قوامية الرجال على النساء، إنما قررت ذلك في الحياة الزوجية، فالرجل هو رب الأسرة وهو المسؤول عنها بدليل قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُّ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ (النساء، آية: 34). فقوله: ﴿بِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ يدلنا على أن المراد القوامة على الَسرة وهي الدرجة التي منحت للرجال في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَة ﴾. ومع قوامة الرجل على الأسرة ينبغي أن يكون للمرأة دورها وأن يؤخذ رأيها فيما يهم الأسرة، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في فطام الرضيع: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًَ عَن تَرَاض مِّنْهُمَا وَتَشَاوُر فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾1. وكما جاء في الحديث الذي رواه أحمد«آمروا النساء في بناتهن» أي: استشيروهن في أمر زواجهن. وأما ولَية النساء على بعض الرجال ـ خارج نطاق الأسرة ـ فلم يرد ما يمنعه، بل الممنوع هو الولَية العظمى للمرأة على الرجال2. لم ير علماء السياسة الشرعية قبل المودوديسنداً لمنع المرأة من الولَية العامة فضلاً عن منعها من المشاركة السياسية جمالة، إذ أن القوامة، إذا كان معناها الرئاسة بإطلاق، كانت نتيجة منع المرأة من الرئاسة في أي مستوى من المستويات حتى ولو كانت مدرسة أو حضانة أطفال، أو إشرافاً على مصحة أو إدارة متجر أو م صنع، ما وجد رجل في تلك المؤسسات، وهذا مخالف لمقاصد الشريعة ولم يذهب إليه فيما أعلم علماء الإسلام المعتبرين في القدامى والمحدثين ومفسري القرآن الكريم3. 1 من فقه الدولة في الإسلام، ص165. 2 المصدر نفسه، ص165. 3 الحريات،1 /238) الغنوشي
عدد الصفحات ٢١٦217 والمجتمعات اليوم تتيح للمرأة أعمالًَ لم تكن معروفة من قبل وتُنشى ء لها المدارس والكليات، تضم الملايين من ا لفتيات، وتخرج معلمات وطبيبات ومحاسبات وإداريات وبعضهن مديرات لمؤسسات فيها رجال. فكم من معلم في مدرسة بنات تديرها امرأة وكم من أستاذ في كليات بنات عميدتها امرأة، وكم من موظف في شركة أو مؤسسة تديرها امرأة أو تملكها امرأة وقد يكون زوج المرأة نفسه مرؤوساً لها في المدرسة أو الكلية أو المستشفى أو المؤسسة التي تديرها، وهي مرؤوسة له إذا عادت إلى البيت، والقول بأن مجلس الشعب أو الشورى أو الأمة ـ حسب تسمياته المختلفة ـ أعلى مرتبة من الحكومة والسلطة التنفيذية نفسها ومنها رئيس الدولة لأنه هو الذي يحاسبها قول غير مسلم على إطلاقه، فليس كل محاسب أعلى منزلة ممن يحاسبه، وإنما المهم أن يكون له حق المحاسبة وإن كان أدنى منه. فممَّ ا لَ ريب فيه أن أمير المؤمنين أو رئيس الدولة أعلى منزلة وأعلى سلطة في الدولة، ومع هذا نجد أن من حق أدنى فرد في رعيته أن ينصح له ويحاسبه ويأمره وينهاه على نحو ما قاله أبوبكر الصدِّيق : إن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فقوموني، وما قاله الخليفة الثاني: من رأى فيّ اعوجاجاً فليقومني . ولَ ينكر أحد أن من حق المرأة أن تحاسب زوجها وهو القوام عليها ـ في شؤون البيت، وتقوله له: لم اشتريت هذا؟ ولم أكثرت من هذا؟ وكيف لَ تراعي ولدك؟ ولم لَ تصل رحمك؟ إلى غير ذلك من مظاهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على أن المجلس إن كان أعلى من الحكومة ـ بوصفه الذي يشرع لها ويحاسبها ـ فذلك ب اعتبار مجموعة لَ باعتبار كل فرد فيه، والأغلبية في المجموع للرجال1، إن عدد النساء اللائي يرشحن للمجلس النيابي محدود وستظل الأكثرية الساحقة للرجال، وهذه الأكثرية هي التي تملك القرار، وهي التي تحل وتعقد، فلا مجال للقول، بأن ترشح المرأة للبرلمان سيجعل الولَية للرجال على النساء2. 1 من فقه الدولةفي الإسلام، ص: 168. 2 المصدر نفسه، ص165.
عدد الصفحات ٢١٧218 2 ـقال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلََ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُْولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهََّ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهَُّ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ (الأحزاب، آية: 33.) وجه الدلَلة عندالقائلين بالمنع: يأمر الله سبحانه وتعالى النساء بالقرار في البيوت وعدم الخروج إلَ لحاجة وعدم إظهار الزينة والتبرج وتولي الولَيات العامة يؤدي إلى خروجها في أغلب الأوقات وهو خلاف المكان الطبيعي الذي اختاره الله لهن، فلا يجوز توليها للولَية العامة1. والرد على ما ذهب إليه المانعون من دخول النساء في البرلمان: أ ـ إن خروج المرأة للعمل السياسي ليس فيه مخالفة للنص القرآني، إذ الأمر وإن اعتبرناه لنساء المؤمنين وليس لأمهات المؤمنين فقط، فإن المقصود من القرار في البيت هو عدم الخروج إلَ لحاجة قال ابن كثير: الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة2. ب ـويرى بعض العلماء: أن الآية تخاطب نساء النبي كما هو واضح من السياق، ونساء النبي لهن من الحرمة وعليهن من التغليط ما ليس على غيرهن، ولهذا كان أجر الواحدة منهن إذا عملت صالحاً مضاعفاً، كما جعل عذابها إذا أساءت مضاعفاً أيضاً 3. ج ـ إن في أمره تعالى لنساء النبي صلى الله عليه وسلم بملازمة بيوتهن فلا يخرجن لغير حاجة في قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ خصوصية لهن لَ تصلح للاستدلَل بها على منع الإسلام المرأة حقوقها السياسية كما ذهب إلى ذلك أصحاب هذا الرأي كالمودودي وغيره، ذلك أن هناك نصوصاً في كتاب الله قطيعة الدلَلة على مشاركة النساء في أمور داخلة في السياسة والحكم وإضافة إلى ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ ما 1 المجالس النيابية، ص154. 2 تفسير القرآن العظيم لَبن كثير6 /409.) 3 من فقه الدولة في الإسلام، ص163.
عدد الصفحات ٢١٨219 تضمنه الحكم من بيانعلته على وجه صريح في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهَِّ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهََّ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ﴾ (الأحزاب، آية:34.) قال قتادة وغير واحد: واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من الناس، أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس1، فإن قرارهن في بيت النبوة ما وسعهن ذلك أرجى برواية السنة، وتعليمها للناس، كما نقل منها عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح والمسانيد ما فيه تفسير وبيان شاف لحكمة قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ واختصاصهن بذلك2. د ـ إن أم المؤمنين عائشة مع هذه الآية، خرجت من بيتها وشهدت "معركة الجمل" استجابة لما تراه واجباً دينياً عليها، وهو القصاص من قتلة عثمان 3، وهي من أفقه نساء الأمة وسافرت من المدينة المنورة إلى البصرة مع صحبة جيش فيه الكثير من الصحابة ومنهم اثنان من العشرة المبشرين بالجنة، ومن الستة المرشحين للخلافة، أصحاب الشورى، طلحة والزبير تطالب بما تعتقد أنه حق فصواب من المبادرة بالقصاص من قتلة عثمان وكانت ترى أن ذلك هو الطريق لإصلاح ذات بين وعودة الأمة إلى وحدتها وقوتها، على أن بعضهم اتخذ من آية ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ حجة عامة على أن المرأة لَ يجوز لها أن تخرج من بيتها إلَ للضرورة حتى التعليم في المدرسة والجامعة توقفوا فيه، ولَ عجب أن حرموا عليها أن تشترك في الَنتخابات بالتصويت، بأن تقول "نعم" أو "لَ" وبهذا يعطل نصف الأمة على الشهادة في هذا الجانب المهم، وإن شئت التعبير عن الواقع، قلت: تعطل الصالحات من النساء عن أداء هذه الشهادة على حين تذهب الأخريات لإعطاء أصواتهن للمعادين لشريعة الإسلام، وقد نسى هؤلَء أن بقية الآية الكريمة تدل بمفهومها على شرعية الخروج للمرأة من بيتها إذا التزمت الحشمة والأدب ولم تتبرج تبرج الجاهلية الأولى، 1 تفسير القرآن العظيم لَبن كثير6 /409.) 2 في الفقه السياسي الإسلامي، ص123. 3 من فقه الدولة في الإسلام، ص162.
عدد الصفحات ٢١٩220 فالنهي عن التبرج يفيد أن ذلك خارج البيت، فالمرأة في بيتها لَ حرج عليها أن تتزين وتتبرج فالتبرج المنهي عنه إذن لَ يكون إلَ خارج البيت1. هـ ـ إن المرأة قد خرجت من بيتها بالفعل وذهبت إلى المدرسة والجامعة، وعملت في مجالَت الحياة المختلفة، طبيبة ومعلمة ومشرفة، وإدارية وغيرها، دون نكير من أحد يعتد به، مما يعتبره الكثيرون إجماعاً على مشروعية العمل خارج البيت للمرأة بشروطه2. و ـ إن حبس المرأة في البيت لم يعرف إلَ أنه كان في فترة من الفترات ـ قبل استقرار التشريع ـ عقوبة لمن ارتكبت الفاحشة: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُّ لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ (النساء، آية: 15.) فكيف يظن أن يكون هذا من الأوصاف اللازمة للمرأة المسلمة في الحالة الطبيعية3؟ ز ـ ولَ شك أن العمل السياسي ـ ومنه الترشيح والترشح ـ الذي هو صورة من العمل الدعوي حاجة من حاجات المجتمع، وخصوصاً في عصرنا الذي نعيش فيه الآن، وإذا كان غير المل تزمين بالشرعية الإسلامية يدفعون بالمرأة في هذا المجال، فعلى المسلمات الملتزمات أن يدخلن معركة الَنتخاب في مواجهة المتحللات ودعاة فصل الإسلام عن الدولة والحياة اللائي يدعمن قيادة العمل النسائي والحاجة السياسية والَجتماعية قد تكون أهم وأكبر من الحاجة الفردية التي تجوز للمرأة الخروج إلى الحياة العامة4. ثالثاً: في السنة والسيرة النبوية 1 ـقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إنما النساء شقائق الرجال»5، فالرجل والمرأة في الحقوق تجاه المجتمع والدولة على السواء، فكما يحق للرجل الترشيح لعضوية البرلمان يحق للمرأة كذلك الترشيح ودخول البرلمان، ولَ اعتبار أن المشاركة السياسية التي تقوم 1 من فقه الدولة في الإسلام، ص174. 2 المصدر نفسه، ص163. 3 المصدر نفسه، ص164. 4 الَنتخابات أحكام وضوابط، ص49. 5 صحيح سنن الترمذي للألباني1 /80.)
عدد الصفحات ٢٢٠221 بها المرأة هي أفعال قانونية وشرعية تهدف للتأثير على الآخرين أو أفعالهم1. فالقرآن يقرر أن: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَى إِلََّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَر أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِن فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَاب ﴾ (غافر، آية: 40.) ومثله قوله تعالى﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَر أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِن فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلََ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ (النساء، آية: 124.) وقال الخطابي في شرح الحديث«إنما النساء شقائق الرجال»2، أي: نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطباع، فكأنهن شققن من الرجال3. 2 ـ خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ناصحة ومعينة: فهذه خديجة رضي الله عنها تتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما نزل عليه الوحي، وقد جاء إليها قائلاً: «زملوني زملوني»، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: «لقد خشيت على نفسي»، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتحمل الكل ـ تنفق على الضعيف وتكسب المعدوم ـ تعطي الناس ما لَ يجدونه، تقري الضعيف وتعين على نوائب الحق4، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل5. ماذا نعد هذا العمل هل هو اجتماعي أم عمل سياسي؟ وهل عاتب النبي صلى الله عليه وسلم خديجة على تدخلها في مثل هذا الأمر؟ لَ وإنما الوارد أنه صلى الله عليه وسلم شكر لها هذا الصنيع ومثله كثير، ولم ينسه أبداً حتى أحزن ذلك عائشة فكان ردُّ النبي صلى الله عليه وسلم ردّ شكر للجميل، ففي المسند عن أحمد قالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء، قالت: فغرت يوماً فقلت: ما أكثر ما تذكرها 1 الشورى، د. سامي الصلاحات، ص81. 2 تقدم تخريجه 3 معالم السنن للخطابي1 /79.) 4 نوائب الحق: الكوارث والحوادث 5 صحيح البخاري، في بدء الوحي، الحديث رقم3.
عدد الصفحات ٢٢١222 حمراء الشدق، قد أبدلك الله عز وجل بها خيراً منها، قال «ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء»1. 3 ـ المرأة ناخِ بة ومُ نتخَ بة: إن النص الصريح الصحيح جاء بجواز ممارسة المرأة ناخبة ومنتخبة مرشحة مدلية بصوتها ونائبة عن الشعب والدليل هو ما كان في بيعة العقبة إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: «أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم »، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس 2. السؤال هنا: ألم يكن في القوم نساء؟. والجواب: نعم. السؤال الثاني: هل استثنى النبي صلى الله عليه وسلم المرأتين من هذه العملية الَنتخابية؟ الجواب: لَ. ويمكننا القول بأن المطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد دليل يفيد التقييد وأن العام يجري على عمومه ما لم يرد دليل يفيد التخصيص إذن فلماذا استثناء المرأة بدون دليل صحيح صريح؟. والجواب: نعم. وهذه هي الطبيعة العامة للمجتمعات العربية آنذاك وحتى الآن، بل وهي طبيعة كل المجتمعات شرقيها وغربيها، إذ تميل العادة دائماً لتكليف الرجال لَ النساء وهذا لَ يقتضي حرمانهن من مثل هذه المشاركات3. 4 ـ المرأة مجاهدة وإذا كان الجهاد من الأمور التعبدية فهو لَ شك صورة من صور العمل السياسي وقد شاركت المرأة في الأعمال الجهادية منذ فجر الإسلام وقد ترجم الإمام البخاري في كتاب الجهاد في صحيحه "باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال، ومما ذكره قول أنس رضي الله عنه قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ولقد رأيت 1 مسند أحمد، الحديث رقم24864 حديث صحيح وهذا سند حسن 2 مسند أحمد، الحديث رقم15798 حديث قوي إسناد جيد 3 الَنتخابات أحكام وضوابط، ص59.
عدد الصفحات ٢٢٢223 عائشة بنت أبي بكر وأم سليم "أمه" وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما "أي الخلاخيل في سيقانهما" تنقزان القرب ـ وقال غيره: تنقلان القرب ـ على متونهما "أي ظهورهما" ثم تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم1. وهذه أم عمارة الأنصارية يقول عمر عنها: لقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول «ما التفت يميناً ولا شمالاً يوم أحد إ لا وأنا أراها تقاتل دوني»2. وعن أم الربيع بنت معوذ: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فنسقي ونداوي الجرحى3، وأم عطية الأنصارية تفتخر بجهادها مع النبي صلى الله عليه وسلم، وتعدد ما حضرت من الغزوات وطبيعة عملها، وتقول: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات أخلفهم في رحالهم فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى4. وإذا كانت المشاركة في الجهاد والقتال أكثر وطأة من المشاركة في العملية الَنتخابية ألَ يدل ذلك دليلاً واضحاً على حق المرأة في المشاركة السياسية سواء كانت عملية انتخابية مدلية بصوتها ومرشحة نفسها ومبدية آرائها5؟ 5 ـ المرأة مشاركة في الشأن العام لم تكن المرأة بعيدة عن الشأن العام في صدر الإسلام، فهذه أم سلمة تسرع بنفسها ملبية دعوة النبي صلى الله عليه وسلم حين دعا الناس، فعن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أيها الناس»، فقلت للجارية استأخري عني، قالت: إنما دعا الرجال ولم يدع النساء، فقلت: إني من الناس6. وهذه أم هانىء تتدخل في مهمة لَ ينشغل بها إلَ الساسة الكبار، فتجير قريب لها، فلا ينقض النبي صلى الله عليه وسلم ما صنعت، فعن أم هانىء أنها قالت: يا رسول الله، إني 1 صحيح البخاري ك الجهاد والسير، رقم2880. 2 الطبقات الكبرى8 /415) لَبن سعد 3 صحيح البخاري في الجهاد والسير، الحديث رقم2882. 4 صحيح مسلم، الحديث رقم4667/1812. 5 الَنتخابات أحكام وضوابط، ص57. 6 صحيح مسلم، في الفضائل، الحديث رقم5930/2295.
عدد الصفحات ٢٢٣224 أجرت أحمائي، وأغلقت عليهم، وإن ابن أمي "تعني: عليَّاً" أراد قتلهم، فقال لها رسول ا صلى الله عليه وسلم: «قد أجرنا من أجرت يا أم هان ىء، إنما يجير على المسلمين أدناهم»1. كما أجارت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا العاص بن الربيع، فأمضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم2. ولهذا قالت عائشة: إن كانت المرأة لتجير على المسلمين فيجوز3. وها هي عائشة ـ رضي الله عنها ـ تسأل عن أحوال الرعية وتطمئن على صنيع الولَة وسيرتهم، روى مسلم عن عبد الرحمٰن بن شماسة قال: أتيت عائشة أسألها عن شيء، قالت: ممن أنت؟ فقلت: رجل من أهل مصر، فقالت: كيف كان صاحبكم في غزاتكم هذه؟ فقال: ما نقمنا عليه شيئاً، إن كان ليموت للرجل منا البعير، فيعطيه البعير، والعبد فيعطيه العبد، ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة، فقالت: أما إنه لَ يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر أخي أن أخبرك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن شقا عليهم فاشقق عليه»4. 6 ـ أم سلمة في الحديبية ومن الأدلة التي تشير إلى دخول المرأة واجهة العمل السياسي وإبداء رأيها في الأمور العامة ما رواه البخاري عن استفادة النبي صلى الله عليه وسلم من رأي زوجته أم سلمة في مصلحة عامة في صلح الحديبية، حيث جاء فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا»، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك، اخرج ثم لَ تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدنك وتدعو حالقك 1 صحيح البخاري، الحديث رقم: 3171، صحيح مسلم، الحديث رقم1666. 2 سنن البيهقي9 /95.) 3 صححه الألباني في صحيح أبي داود، الحديث رقم2402. 4 صحيح مسلم في الإمارة ، الحديث رقم4699 /1828.
عدد الصفحات ٢٢٤