المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

البرلمان في الدولة الحديثة المسلمة

علي محمد الصلابي

صفحة ١٣ من ١٨

193 والأغلبيةيزيد وينقص تبعاً لنسبة الأغلبية مع الأقلية، وقد ترتفع نسبة الأغلبية حتى لَ يبقى بينها وبين الإجماع إلَ فارق ضئيل، وصواب الأغلبية أكثر وأرجح من صواب الأقلية، ومن صواب الفرد المتفرد، وهذا لَ غبار عليه1. ـ ومن الفوائد التي تعزز أهمية الأخذ باغلبية كون هذا السبيل يجعل المشارك يشترك بجدية وفاعلية في التفكير والتدبير، لأن الناس تحس أن لتفكيرها وزنه، وأن لجهدها اعتباره وإن لتدبير اقتراحها أثره بخلاف ما إذا كان كل شيء يؤول أمره في النهاية إلى رأي الفرد وقراره، فحينئذ يسود الفتور واللامبالَة. ـ ومن فوائد احترام قول الأغلبية والأخذ بمقتضاه أن الناس تكون معه أسرع انقياداً ل لتنفيذ وأكثر حماساً في العمل والَلتزام، وهذا لَ ينطبق فحسب على الأغلبية التي أخذ بقولها، بل ينطبق على المجموع، ولَ عبرة بالشذوذ، فالمعتاد أن تسير الأقلية على وفق الأغلبية، وحتى إن لم ينطبق هذا إلَ على الأغلبية فهو أفضل من العكس. ـ وكذلك حين يكون لقرار ما تبعات ثقيلة أو نتائج غير محمودة فإن للذين شاركوا في اتخاذ القرار يكونون أكثر استعداداً لتحمل أعبائه، ويكونون أكثر تقبلاً لنتائجه السيئة، بخلاف ما إذا كان القرار فردياً أو كان فردياً مخالفاً لرأي الأكثرية، فإن التهرب من تبعاته وتكاليفه يكون كثيراً أو غالباً، وأما إذا كانت له نتائج سيئة فإن الجميع يستنكره ويتبرأ منه ومن نتائجه، وقد ينفضون من حول صاحبه. ـ ومن فوائد الَلتزام بالأغلبية، أنه يمنع الأمراء والرؤساء من الَستبداد، والَستبداد يجر ـ عاجلاً أو آجلاً ـ إلى الطغيان والتجبر، والتاريخ من أوله إلى آخره شاهد على هذا، سواء في ذلك تاريخ المسلمين أو غير المسلمين، ودعك ممن يدافع عن حق الأمير في التفرد ومخالفة الجميع، ولو لم يكن من أصول الشريعة مما يمكن الَحتكام إليه في مسألتنا سوى أصل سد الذرائع، لكان الواجب بمقتضى هذا الأصل أن يسارع العلماء إلى القول بتقييد 1 المصدر نفسه، ص503.

عدد الصفحات ١٩٣

194 سلطات الأمراء بإلزامية الشورى، وإلزامية نتيجتها المتمثلة في رأي مجموع المستشارين وأكثريتهم فقد أدى إبطال الَ لتزام بالرأي الغالب إلى ا ستبداد متواصل ومتفاحش عبر العصور، ونشأ بسبب ذلك من المفاسد ما لَ يحصى إلَ العليم الخبير. وبعد قرون وقرون من السير على هذا الحال، ما زلنا نجد من يستميتون في الدفاع عن حق الأمير في مخالفة جميع مستشاريه وجميع الأمة، بدعوى أنه قد يدرك من الحق ما لَ يدركونه1. ومن الحكم المنسوبة إلى الإمام علي رضي الله عنه: من أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بفعله ذل، والذي يستشير ولَ يقبل من نصائحه كالعليل الذي يترك ما يبعث له الطبيب، ويعمل ما يشتهي بغير علم2. ب ـ مجالات العمل بالأغلبية المجالَت التي يمكن فيها العمل بالأغلبية متعددة ومتنوعة، ولكل مجال أهله، وكل مجال أغلبيته، وبصفة عامة فإن الأغلبية يمكن الَ عتماد عليها والأخذ بها في مسائل الرأي والَجتهاد، أما المسائل المقررة الثابتة بأدلة الشرع فلا مجال فيها للأغلبية ولَ للأقلية، فالمتبع فيها ما قرره الشرع وحكم به3. وفيما يلي ذكر موجز لأهم المجالَت التي يصح فيها تحكيم الأغلبية ـ التشريع الاجتهادي العام. وأقصد به التشريعات التي تحتاجها الأمة لمواكبة التطورات والتحولَت ولَستيعاب المشاكل والنوازل والمستجدات وأن يكون الأمر مما له أثر واسع على الأمة وعلى جمهور الناس، أو يكون مما تتدخل فيه الدولة، ويتدخل فيه القضاء، بحيث يتعين أن يكون تشريعاً ملزماً يتحاكم إليه الناس في منازعاتهم، وقد تعامل المسلمون، عبر تاريخهم، مع هذا النوع 1 التقريب والتغليب، ص: 508. 2 المصدر نفسه، ص509. 3 المصدر نفسه، ص509.

عدد الصفحات ١٩٤

195 من التشريع بأشكال متعددة، فتارة كان يتولَه الحاكم العام بنفسه، فيختار من اجتهادات المعروضة ما يراه ويقره فيصبح ملزماً، وأحياناً كان الحاكم يتبنى مذهباً فقهياً معيناً، فيصير فقهاء ذلك المذهب مصدر الَختيارات التشريعية، وأحياناً كان الأمر يسند إلى أحد كبار العلماء، وسمي مفتياً للديا ر، أو قاضي القضاة أو شيخ الجماعة، وأحياناً كان يسند الأمر إلى هيئة جماعية (مشيخة)، هي التي تقرر، أو أحياناً تكتفي بالمراقبة والمصادقة على ما يصدره الأمير من تشريعات، فتجيزها إن كانت مقبولة شرعاً، وتعترض إن كانت متنافية مع الشرع، ولَ شك أن أرقى هذه الصور وأقربها للتقوى، وهي أن تكون التشريعات صادرة عن هيئة علمية جماعية تضم أساساً العلماء المجتهدين في البلا د، وهذه هي الطريقة المروية عن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم. واليوم فقد أصبح من آكد الضروريات والَ عتماد على الَ جتهاد الجماعي، والتشريع الجماعي، والإفتاء الجماعي، والقرار الجماعي في مثل هذه الحالة ينبغي أن يتوخى أولًَ الَتفاق التام أو ما يقاربه، فإن تعذر ذلك فالأغلبية العظمى، ويمكن تقديرها بالثلثين أو بما زاد على الثلثين استئناساً بأن الثلث كثير، وما نقص عنه يسير، وعلى هذا يكون مخالفة الثلث أو أقل مخالفة قليلة لَ تؤثر، فإذا لم يتحقق هذا ولَ ذاك يرجأ البت في المسألة، إذا كانت تحتمل الإرجاء لمزيد من البحث والنظر والتحاور والتشاور إلى أن يجوز الحكم فيها على أغلبية الثلثين أو أكثر، وأما إن كانت المسألة لَ تحتمل الإرجاء فيبت فيها بالأغلبية المطلقة، ويمكن إعادة النظر في المسألة فيما بعد، بل هذا ممكن في كل مسألة لم ينعقد فيها الإجماع الأصولي، إن اتخاذ الَجتهاد الأكثري تشريعاً ملزماً في الأمور العامة، لَ ينبغي أن يمس في شيء حق المخالف في المخالفة والمعارضة، ولَ أن يمس في شيء من حرية البحث والنظر والتعبير، ولَ ينبغي معه اعتبار ما تقرر حكماً نهائياً لَ يراجع ولَ ينقض . وكم من الأقوال الفقهية، كانت مهجورة فأتى عليها حين من الدهر أصبحت مشهورة، وكم من الَجتهادات كانت شاذة أصبحت في وقت آخر هي قول الجمهور والأكثر، وكم من الأقوال كانت نافذة لَ ترد، وأصبحت متروكة لَ تعد وهذه والتغييرات قد تكون راجعة إلى

عدد الصفحات ١٩٥

196 مزيد من البحث من الأدلة والكشف عنها وعن دلَلتها الصحيحة، وقد تكون راجعة إلى التأثيرات والأسباب الظرفية1. ـ التأمير والتقديم وهذا مجال من أهم المجالَت للأخذ بالأكثرية، فأما التأمير فواضح، وأما التقديم فأعني به تولي بعض الأعمال، وبعض المؤسسات مما لَ يدخل عادة في الإمارة، مثل اختيار الناس لمن يمثلهم وينوب عنهم في أمر، ومثل اختيار العمال وذوي الصناعات لأمنائهم ونقبائهم، ويدخل في هذا اختيار رؤساء الدول الإسلامية، ومعلوم أن اختيار الرئيس يكون بالشورى بين المسلمين، والشورى لَ يكون لها معنى ولَ ثمرة إلَ بالإجماع أو الأغلبية، والمهم أن لَ يؤمر على المسلمين من لَ ترضاه أكثريتهم على الأقل، وهذه الأكثرية قد تعرب عن موقفها بشكل مباشر، وقد يتولى ذلك رؤوس الناس وقادتهم وممثلوهم2، ويرى الدكتور الريسوني: أن يتولى ذلك رؤوس الناس وقادتهم وممثلوهم وهي الطريقة الأسلم كلما تعلق الأمر بإمارة واسعة النطاق، .. كرئاسة قُطر من الأقطار الكبيرة، لأن ا لجمهور الواسع المتباعد لَ يتأتى له أن يعرف المرشحين معرفة جيدة، وحتى المؤهلات وشروط التأمير لَ يستطيع أن يدركها جيداً، ولهذا فإنه لَ بد أن يقع تحت تأثير التوجيه الإعلامي والضغط الدعائي المؤيد أو المضاد3، وفي الولَيات الصغيرة يتأتى فيها للجمهور معرفة أفضل بالمرشحين، ويتأتى فيها إشراك الجمهور وأخذ آرائه بشكل أوسع، والزعامات التي ظهرت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت كلها منبثقة بشكل تلقائي عن الجمهور الذي تنتمي إليه، وأكثر الزعماء كانت زعاماته قائمة حتى قبل إسلامهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرهم على مكانتهم وزعامتهم بعد أن يسلموا، ويتعامل معهم على هذا الأساس، وهذا واضح أشد الوضوح في السيرة النبوية4. 1 التقريب والتغليب، ص513. 2 التقريب والتغليب، ص513. 3 المصدر نفسه، ص514. 4 المصدر نفسه، ص518.

عدد الصفحات ١٩٦

197 ـ تدبير المصالح والشؤون المشتركة: وهذا جانب واسع مما يتشاور الناس فيه، ويتعاونون على الَطلاع به بشكل جماعي، ولهذا لَ مفر من اللجوء فيه إلى حكم الأكثرية، كل ما تعذر التفاهم والتراضي والأغلبية هنا، قد تكون أغلبية هيئة من الهيئات الشورية، وقد تكون أغلبية مجلس مختص مكلف جماعياً بأمر من الأمور، وقد تكون أغلبية هي من الأحياء أو قرية أو مدينة، وذلك حسب طبيعة المسألة ومرجع الَختصاص فيها، فمجال هذا الجانب من جوانب العمل بالأغلبية هو بصفة عامة تدبير الناس لمصالحهم الدنيوية، التي يدركونها بخبرتهم وتجاربهم، وفيها يقول ابن عبد السلام: وأما مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها فمعروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون1. يقول الدكتور الريسوني: وكلما كان الأمر يسيراً وخاص ة بفئة معينة، أو في مكان محدود، كلما كانت الأغلبية فيه، هي أغلبية عموم الناس المعنيين بالأمر أو أغلبية المقدمين عندهم في بلدتهم أو فئتهم. وكلما كان الأمر جليلاً وعاماً وواسعاً، كلما كانت الأغلبية المطلوبة فيه هي أغلبية الهيئات العامة للأمة وأغلبية المجالس المتخصصة، المسلحة بالعلم والخبرة وعمق النظر وشموليته2. 1 قواعد الأحكام1 /8.) 2 التقريب والتغليب، ص519.

عدد الصفحات ١٩٧

198 المبحث السابع الحقوق السياسية لغير المسلمين إن تقرير حقوق غير المسلمين في الإسلام سياسية وغير سياسية، جزء لَ يتجزأ من تقرير الإسلام لمبادىء العدالة والحرية ومساواة أفراد الدولة الإسلامية أمام القانون، وقد جاء تقريرها في كتاب الله وتبيان السنة النبوية له، بوصفها أصولًَ ثابتة في الشريعة الإسلامية ودعائم راسخة في بناء النظام السياسي للدولة. ويرتكز على أساس واحد وهو ما يسمى بحقوق (المواطنة) وتحديد صفة المواطن في الدولة الإسلامية، وكون غير المسلمين من أهل دار الإسلام دون نظر إلى اختلاف الدين، وذلك ما نرى أدلة شرعية عليه من الكتاب والسنة وإن وجد خلاف بين الفقهاء، قدامى ومعاصرين، حول ما يجوز لهم أولًَ يجوز بالنسبة لبعض الحقوق السياسية كتولي منصب القضاء، أو تقلد الوزارات، أو ما يخص الحقين المذكورين الداخلين في صميم هذا الكتاب، حق الَنتخاب ـ رئيساً ونيابياً ـ والترشيح لعضوية البرلمان وكونهم بذلك من أهل الشورى أو أهل الحل والعقد اللذين كان لهم نظام ملحوظ في نظام الحكم منذ العهد النبوي، ولذلك كان لزاماً ع لينا أن نبدأ بما يشكل حجر الزاوية في الموضوع كله وهو مبدأ (المواطنة) في النظام السياسي وما يتبع ذلك من مسائل أخرى1. أولاً: المواطنة وتحديد صفة المواطن إن تحديد هذا المبدأ في الدولة الحديثة المسلمة له جذور تمتد إلى العهد النبوي وفي دستور المدينة ما يشفي العليل ويقيم الحجة ويعلي البرهان على حجية وقوة هذا المبدأ، فقد اعتبرت وثيقة المدينة اليهود المقيمين في المدينة من مواطني الدولة وجعلت لهم من الحقوق والواجبات مثل ما للمسلمين في فقرة من فقراتها تقرر: أن يهود بني عوف أمة مع 1 في الفقه السياسي فريد عبد الخالق، ص154.

عدد الصفحات ١٩٨

199 المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلَ من ظلم وأثم، ولَ يقف الأمر عند يهود بني عوف 1 وحدهم وأ وضحت النصوص كذلك أن عنصر الإقليم "المدينة" والإقامة المرتبطة به عند نشأة الدولة هو الذي أعطى غير المسلمين جميعاً حق المواطنة وضمن لهم المساواة في الحقوق والواجبات، ولَ يخفى ما لوصف الرسول صلى الله عليه وسلم لمواطني الدولة المسلمة في دستور المدينة بأنهم: «أمة مع المؤمنين» من دلَلة دستورية على مساواتهم بالمسلمين وانتفاء العنصرية، أو اعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، مما ينال من حقيقة المساواة أو ينتقص منها ويعتبر ما أوردته الوثيقة النبوية من تقرير حق المواطنة لغير المسلمين في الدولة الإسلامية أصلاً ثابتاً في نظام الدولة الإسلامية لَ يقبل من اجتهاد الفقهاء ما يعارضه، وقد تظاهرت نصوص الكتاب والسنة على ترسيخ هذا المبدأ وعلى بيان الأحكام الإسلامية بشأن معاملة غير المسلمين في ديار الإسلام من البر والقسط2. قال تعالى ﴿لََ يَنْهَاكُمُ اللهَُّ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُ قْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهََّ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهَُّ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ (الممتحنة، آية: 8 ـ9). وقد عرضت لذلك كتب الفقه الإسلامي، قديمها وحديثها تحت عنوان "أهل الذمة" وأحكامها في الإسلام وهو اصطلاح من اجتهاد الفقهاء، وإفراز حقبة تاريخية سابقة واعتبارات سياسية تغيرت، وظروف اجتماعية تطورت فالواجب الرجوع إلى هذه المسألة أو غيرها إلى نصوص القرآن وصحيح السنة، ونوطد العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين بعهد الله ورسوله كأصل إسلامي يضمن الوحدة الوطنية ويدعم مكانتها في الدولة الحديثة المسلمة3. 1 في الفقه السياسي الإسلامي، فريد عبد الخالق، ص154. 2 المصدر نفسه، ص155. 3 في الفقه السياسي الإسلامي، ص155.

عدد الصفحات ١٩٩

200 ثانياً: تعريف الأمة الإسلامية عندما نصت وثيقة المدينة أو دستور الدولة الجديدة على أن غير المسلمين "أمة مع المؤمنين" فإنها تكون بذلك قد جعلت منهم مواطنين فيها لهم من الحقوق مثل ما للمسلمين، وعليهم من الواجبات مثل ما على المسلمين شركاء، شركاء في الوطن لهم دينهم وللمسلمين دينهم، وأن بينهم وبين المسلمين "النصح والنصيحة والبر دون الإثم" وهذه ظاهرة يعرفها المجتمع العربي لأول مرة في تاريخه، فلم يجتمع فيه الناس قبل الإسلام إلَ على أساس من صلات القرابة والنسب1، ونرى أن النص على غير المسلمين "أمة مع المؤمنين يكشف عن مفهوم "الأمة" في النظام السياسي الإسلامي وهو معنى أثبت الدكتور عبد الرازق السنهوري ـ في عبارة نقلها عن أحد الأساتذة الفرنسيين ـ أنه قائم مسلم عند علماء الَجتماع الغربيين ونصها: عندما نستعمل اصطلاح الأمة "الجماعة الإسلامية" فإنني لَ أعني بذلك الإشارة إلى مجتمع من المسلمين فقط وإنما أقصد بذلك مجتمعاً له طابع من المدنية قدمها لنا التاريخ كثمرة للعمل المشترك ساهم فيه جميع الطوائف الدينية التي عاشت وعملت معاً جنباً إلى جنب تحت راية الإسلام، وقدمت لنا بذلك تراثاً مشتركاً لجميع سكان الشرق الإسلامي بنفس الصورة، ولنفس الأسباب التي اعتبرنا بها حضارة الغرب مسيحية، وهي تراث مشترك لَ يتجزأ ساهم فيه جميع الغربيين بما فيهم اللاّدينيون والمفكرون الأحرار والكاثوليك والبروتستانت2، وقد عبر الكاساني عن هذا المفهوم في قوله "الذمي من أهل دار الإسلام"3، وهي الدار التي يجري عليها أحكام الإسلام، ويأمن فيها بأمان المسلمين، سواء كانوا مسلمين أم ذميين4، فموطن الإسلام أو الدولة الحديثة المسلمة ليست لمعتنقي الإسلام وحده وإنما هي للمواطنين كافة مسلمين وغير مسلمين، ما التزم غير المسلمين بالنظام العام في الدولة أي أحكام الإسلام فيما لَ يخص العقائد والعبادات 1 في النظام السياسي للدولة الإسلامية، د. محمد سليم العوا، ص53. 2 في الفقه السياسي الإسلامي، ص156. 3 بدائع الصنائع للكساني5 /181.) 4 في الفقه السياسي الإسلامي، ص156.

عدد الصفحات ٢٠٠

201 والأحوال الشخصية، وعلى هذا الأساس بنينا رأينا في موضوع الحقوق السياسية لغير المسلمين في الدولة الحديثة الذي راعينا فيه تقيد كون هذه الحقوق السياسية غير ذات صيغة دينية أي كونها داخلة في نطاق الأحكام الدنيوية للفقه الإسلامي دون الأحكام الدينية وإن كان هناك اختلاف بين الفقهاء في مجال ما يجوز وما لَ يجوز تقلده الوظائف العليا1، لغير المسلمين كمنصب الإمامة والولَية والوزارة والقضاء، وهو خلاف يدور أساساً حول ما يتعين في توفر شرط "الإسلام" وما لَ يتعين فيه ذلك وهي مسألة واجهتها الدول المختلفة ولها فيها معايير وسوابق عمل يمكن الَستئناس بها فيما لَ يعارض أصلاً ثابتاً في الكتا ب والسنة، فوجود الأقليات ليس مما تنفرد به دولة الإسلام، وتحديد مناصب قيادية معينة للغالبية ليس مما تنفرد به دولة الإسلام2، وبعبارة أخرى أن مبدأ المساواة في الحقوق المدنية والسياسية المادي فيها والمعنوي لَ ينفي المبدأ المعمول به في الدنيا كلها من أن يكون حق الإدارة للأغلبية، وتظل حقوق الأقلية مصانة ومحفوظة3. ثالثاً: حق الانتخاب وحق عضوية المجالس النيابية: إن أي مواطن في الدولة الحديثة المسلمة من غير المسلمين من حقه أن ينتخب من يشاء من مواطنين الدولة أو يرشح نفسه للدخول في البرلمان فلهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم والتمثيل عن جزء من الشعب في دائرة معينة لَ يعتبر من باب الإمارة ولَ الولَية، فالنائب ليس أميراً ولَ وزيراً ولَ والياً، بل هو يمثل دائرته في هذا المجلس الذي يقوم على محاسبة الأمراء والولَة والوزراء ومن برهم والإقساط إليهم، أن يمثلوا في هذه المجالس، حتى يعبروا عن مطالب جماعتهم وألَ يشعروا بالعزلة عن بني وطنهم ويستغل ذلك أعداء الإسلام والمسلمين4، فلا مانع شرعاً في الدولة الحديثة المسلمة التي فيها أقليات وأعطت ولَءها للدولة أن تحظى طوائفها بالتمثيل في البرلمان ومن الفقهاء الذين لم يتحفظوا في إباحة الَشتراك لأهل الكتاب في البرلمان الدكتور عبد الكريم زيدان حيث قال: أما انتخاب 1 المصدر نفسه، ص157. 2 في الفقه السياسي الإسلامي، ص158. 3 المصدر نفسه، ص158. 4 من فقه الدولة في الإسلام، ص195.

عدد الصفحات ٢٠١

202 ممثليهم في مجلس الأمة وترشيح أنفسهم لعضويته فنرى جواز ذلك لهم أيضاً، لأن العضوية في مجلس الأمة تعتبر من قبيل إبداء الرأي وتقديم النصح للحكومة، وعرض مشاكل الناخبين ونحو ذلك وهذه أمور لَ مانع من قيام الذميين بها ومساهمتهم فيها1، إن غير المسلمين في الدولة الحديثة المسلمة مواطنون مثلهم مثل المسلمين لهم ما لهم وعليهم ما عليهم ولكن لَ يعني ذلك بحال أن لغير المسلمين أي حق في أن يعطلوا إرادة الأغلبية المسلمة، أو يعترضوا على مبدأ إقامة دولة مدنية حديثة مرجعيتها الإسلام، وإنفاذ التشريعات الإسلامية، وإنما عليهم أن يقبلوا بخيار الأغلبية، وليس في ذلك قهر أو إرغام لهم على قبول الإسلام كدين ولَ التنازل عن معتقداتهم السابقة وفي الوقت نفسه، فليس على المسلمين أن يتخلوا عن معتقداتهم وقوانينهم في سبيل إرضاء الأقليات غير الإسلامية2، إن قيمة الشورى تتسع لسائر المواطنين في كل شأن عام يمس المصلحة العامة، فلا يتدخل المواطنون المسلمون فيما يجريه المواطنون غير المسلمين من شورى في شؤون عقيدتهم ولَ يتدخل المواطنون غير المسلمين فيما يمارسه المسلمون من شورى في شؤون عقيدتهم، اللهم إلَ ما كان أدخل من القواعد المشتركة بينهما من قيم إنسانية، وقواعد أخلاقية وشؤون فنية وإدارية، والدولة الحديثة المسلمة حصن حصين للأقليات التي تعيش في كنفها وبين مواطنيها، لَسيما حين تكون هذه الأقليات أهل كتاب أو أهل ذمة، كما يسميهم الإسلام، وأهل الذمة من غير المسلمين هم من كانت حقوقهم مصانة في ذمة المسلمين والمسلمون مأمورون بحماية الحرية الدينية والدفاع عنها لأنفسهم ولغيرهم وهو أمر منصوص عليه فيما يقرؤونه في كتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهََّ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلََّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهَُّ وَلَوْلََ دَفْعُ اللهَِّ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْض لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَع وَصَلَوَات وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهَِّ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهَُّ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهََّ لَقَوِيٌّ عَزِيز ﴾ (الحج، آية: 39 ـ40)3. 1 أحكام الذميين والمستأمنين، ص: 84. 2 الشورى فريضة إسلامية للصلاّبي، ص 168. 3 الشورى فريضة إسلامية، ص169.

عدد الصفحات ٢٠٢

203 وهذا عهد عمر بن الخطاب لنصارى المدائن وفارس: أما بعد، فإني أعطيتكم عهد ا وميثاقه على أنفسكم وأموالكم وعيالكم ورجالكم، وأعطيتكم أماني من كل أذى وألزمت نفسي أن أكون من ورائكم ذاباً عنكم كل عدو يريدني بسوء وإياكم، وأن أعزل عنكم كل أذى ولَ يغير أسقف من أساقفتكم ولَ رئيس من رؤسائكم ولَ يهدم بيت من بيوت صلواتكم، ولَ يدخل شيء من بنائكم إلى بناء المساجد ولَ إلى منازل المسلمين، ولَ تكفلوا الخروج مع المسلمين إلى عدوهم لملاقاة الحرب، ولَ يجبر أحد من النصارى على الإسلام عملاً بما أنزل الله في كتابه: ﴿لََ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ (البقرة، آية: 256 .) ولي شرط عليهم: ألَ يكون أحد منهم عيناً لأهل الحرب على أحد في سر ولَ علاني ة، ولَ يئووا في منازلهم عدواً للمسلمين ولَ يدلوا أحداً من الأعداء ولَ يكاتبوه 1. وأهل الكتاب في الدولة الحديثة المسلمة يجوزاستشارتهم ودخولهم في البرلمان ماداموا قد أقروا بشرعية السلطة الإسلامية الحاكمة، وبالدستور الإسلامي والقيم الإسلامية العليا في المجتمع، فإنه لَ مانع من مشاركتهم السياسية، فلهم أن يمارسوا حقوقهم السياسية في ظل هذه السلطة وأن يعبروا عن آرائهم وطروحاتهم ضمن نسق هذه السلطة التي جعلوها لهم مرجحاً، بل ولهم المشاركة في إبداء صوتهم في التصويت والَنتخاب للحاكم ولهذا أجاز الفقهاء الإنكار والَحتساب على أهل الذمة أو غير المسلمين في الدولة الإسلامية إذا وجد منهم مخالفات لطبيعة دين الدولة أو معتقداتها، لَعتبار أنهم إن قاموا مع المسلمين في ـ بلد واحد ـ فإنه يحتسب عليهم في كل ما يحتسب فيه على المسلمين، ولكن لَ يتعرض لهم فيما لَ يظهرونه في كل ما اعتقدوا حله في دينهم مما لَ أذى للمسلمين فيه من الكفر وشرب الخمر واتخاذه، ونكاح ذوات المحارم، فلا تعرض لهم فيما التزمنا تركه، وما أظهروه من ذلك تعين إنكاره عليهم، ويمنعون من إظهار ما يحرم على المسلمين2. 1 الشورى مرجعات في الفقه والسياسة والثقافة، د. أحمد الإمام، ص130. 2 الشورى فريضة إسلامية، ص171.

عدد الصفحات ٢٠٣

204 وقد أجاز المسلمون خلال العصور المختلفة، أن يتولى غير المسلمين من أهل الذمة وزارة التنفيذ، وعرف كثير من الوزراء في الدولة العباسية، ولم ينكر عليهم أحد من العلماء ذلك، إلَ أذا طغوا وتجبروا على المسلمين وهو ما حدث كثيراً للأسف، ولم يذهب فقيه معتبر إلى منع هؤلَء من الوزارة وما يشبهها بحجة: أن لَ ولَية لكافر على مسلم لأن المسلمين هم الذين ولُّ وهم هذا المنصب بمقتضى توجيهات دينهم، فهم أولياء في وزارتهم أو ولَيتهم، لكن تحت ولَية العامة للمسلمين1، ويجد الباحث أن هناك إجماعاً على أن بعض الوظائف العليا لَ يقلدها غير المسلمين وذلك لَقتضاء اشتراط الإسلام في شاغلها، مثل رئاسة الدولة ورئاسة الوزارة "وزارة التفويض" وقيادة الجيش وإمارة المناطق "المحافظات" وأمّ ا مَا كان دونها فيجوز لهم تقلدها2، وهذا مُ سلّ م من جهتين: أولاهما: لَرتباط هذه المناصب بمقصود الولَيات التي هي منها وتحتاج إلى وقوف على علم الدين وأحكام الشريعة. ثانيهما: إعمالًَ لمبدأ مسلم به من الناس كافة ومعمول به في غير دولة الإسلام كذلك في القديم والحديث وهو أن المساواة في الحقوق لَ تنفي أن يكون حق الإدارة العليا للأغلبية وتظل حقوق الأقلية مصانة ومحفوظة3. فالدولة الحديثة المسلمة تسمح لمواطنيها من غير المسلمين للانتخاب والترشيح في البرلمان ممّ ن توفرت فيه الشروط المطلوبة في أهل الشورى وتوافر له علم وخبرة وتخصص في مختلف أنواع الأمور العامة والمسائل الدنيوية دون تفرقة في ذلك ترجع إلى الدين، والشواهد تؤكد على أنه قد يكون من غير المسلمين من مواطني الدولة من هم من أهل الذكر والدراية في خصوص بعض المسائل المناط بأهل الشورى النظر والتشاور فيها والوصول إلى اتفاق في شأنها واشتراع القوانين التي تحقق المصالح وتدفع المفاسد في 1 من فقه الدولة في الإسلام، ص195. 2 في الفقه السياسي الإسلامي، ص160. 3 المصدر نفسه، ص161.

عدد الصفحات ٢٠٤

205 مجالَت مختلفة، كأن يكون المعروض عليهم ذا طبيعة مالية أو زراعية أو عمرانية أو سياسية1، وما إلى ذلك منهم، فإن تصدي أهل الَختصاص منهم لإبداء المشورة فيما هم مؤهلون لإبداء الرأي السليم فيه أرجى أن يحقق مقصود الشورى، أما تصدي من لَ يجوز معرفة بها وخبرة فيها تكون تكلفاً واقتفاء ما ليس له به علم، والقاعدة إن كان أخبر لمصلحة كان الأولى بالمشاورة فيها بحقها، إذا المعول عليه في المعاملات اعتبار المصالح وفي هذه المشاركة في المسائل الدنيوية التي لَ تمتد إلى ما ورد فيه نص قطعي لَ محل فيه للاجتهاد، توكيداً للوحدة الوطنية وسداً لأبواب الفتنة الطائفية، فضلاً عن المصلحة المرجوة أصلاً 2، ومما يؤيد جواز استشارتهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد جعل الشورى بين جميع أصحابه، حتى من علم منهم نفاقه وكيده للإسلام والمسلمين، كابن سلول واستشارتهم في مواضع عديدة منها الخروج يوم أحد، يقول العلامة ابن عاشور التونسي في شأن مشاورة الرسول للمنافقين، ويحتمل أن يراد استشارة عبدالله بن أبي وأصحابه، فالمراد الأخذ بظاهر أحوالهم وتأليفهم لعلمهم أن يخلصوا الإسلام أو لَ يزيدون نفاقاً وقطعاً لأعذارهم فيما يستقبل3، فإذا كان حال الرسول مع أعدائه المواطنين الذين يسكنون معه، ويقيمون بين ظهرانيه فكيف الحال مع أهل الذمة الذين أسلموا أمرهم في احترام قيم الدولة الحديثة المسلمة4. وإذا أجاز بعض الفقهاء منهم الحنفية والحنابلة في الصحيح من المذهب والشافعية ماعدا ابن المنذر، وابن حبيب من المالكية5، إلى جواز الَستعانة بأهل الكتاب في القتال عند الحاجة، فمن باب أولى أن يستعان بهم في الَستشارة المدنية المتعلقة بمصالح العامة من المواطنين أو الرعية6، إن المعول عليه إثبات الحقوق السياسية لغير المسلمين في الدولة الحديثة المسلمة هو مبدأ حق المواطنة الكاملة المقرر بالنسبة لهم الذي نصت عليه صحيفة 1 في الفقه السياسي الإسلامي، ص178. 2 المصدر نفسه، ص178. 3 التحرير والتنوير3 /150.) 4 الشورى، د. سامي الصلاحيات، ص108. 5 المصدر نفسه، ص109. 6 الشورى فريضة إسلامية، ص172.

عدد الصفحات ٢٠٥

206 المدينة وجعلته قاعدة دستورية إسلامية أنهم أمة مع المؤمنين، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، ونصت الوثيقة على اعتبار اليهود مع المؤمنين المقيمين في المدينة من مواطني الدولة، وجعلت لهم من الحقوق والواجبات مثلما للمسلمين1. رابعاً: منع غير المسلم من عضوية البرلمان: أما دعوى بعضهم المنع من تمكين غير المسلم من عضوية المجلس النيابي، بأنه داخل في موالَة غير المسلمين، وهي منهي عنها بشدة في كتاب الله، فنقول لهؤلَء: يجب علينا لكي يكون حكمنا صحيحاً أن نحدد معنى ال موالَة المحرمة، فإن تحديد المفاهيم أمر ضروري لإصدار الأحكام، حتى لَ تختلط الأمور وتضطرب الموازين، لقد فهم بعض الناس من الآيات الناهية عن موالَة غير المسلمين والمحذرة منها: أنها تدعو إلى الجفوة والقطيعة والكراهية لغير المسلمين، وإن كانوا (أهل دار الإسلام)، والموالين للمسلمين المخلصين لجماعتهم والمشاركين لهم في المواطنة، والواقفين معهم في صف واحد في مواجهة المعادين والمعتدين، والحق أن الذي يتأمل الآيات المذكورة تأملاً فاحصاً، ويدرس تواريخ نزولها وأسبابه وملابساته يتبين له ما يأتي: 1 ـالنهي الذي تضمنته الآيات: إنما هو النهي عن اتخاذ المخالفين أولياء بوصفهم جماعة متميزة بديانتها وعقائدها وأفكارها وشعائرها، أي بوصفهم يهوداً أو نصارى أو مجوساً أو نحو ذلك، لَ بوصفهم جيراناً أو زملاء أو مواطنين، والمفروض أن يكون ولَء المسلم لله 2 ولرسوله وللمؤمنين كما أن الآيات الواردة في النهي عن موالَة اليهود والنصارى كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لََ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْض وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَّ لََ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ (المائدة، آية: 51.) 1 في الفقه السياسي الإسلامي، ص: 179. 2 من فقه الدولة في الإسلام للقرضاوي، ص196.

عدد الصفحات ٢٠٦

207 فهي واردة في حالة الحرب والعداوة الظاهرة1، وليس ضمن حالة السلم والتعايش الأهلي بين الناس جميعاً، وإلَ لكان من النبي صلى الله عليه وسلم عند دخول المدينة وإقامة دولته فيها، أن يبدأ بقتال اليهود وطردهم من بيوتهم، وهذا ما لم يحدث البتة، وإنما قام النبي صلى الله عليه وسلم: بجعل الدستور السياسي الذي يشمل جميع المواطنين هو الحكم2. 2 ـالموادة التي نهت عنها الآيات: ليست هي موادة أي مخالف في الدين ولو كان سلماً للمسلمين وذمة لهم، إنما هي النهي عن موادة من آذى المسلمين وعاداهم، وحاربهم وبلغة القرآن حاد الله ورسوله، ومما يدل لذلك: أ ـ قوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿لََ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِ نُونَ بِاللهَِّ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهََّ وَرَسُولَهُ ﴾ (المجادلة، آية: 22)، ومحادة الله ورسوله ليست مجرد الكفر بهما، بل محاربته دعوتهما والوقوف في وجهها، وإيذاء أهلها والتصدي لها بكل سبيل. ب ـ قوله تعالى في مستهل سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لََ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللهَِّ رَبِّكُمْ ﴾ (الممتحنة، آية: 1.) فالآية تعلل تحريم الموالَة ـ أو الإلقاء بالمودة إلى المشركين ـ ليس بمجرد كفرهم بالإسلام، بل بأمرين مجتمعين: كفرهم بالإسلام، وإخراجهم للرسول والمؤمنين من ديارهم بغير حق. جـ ـ قوله تعالى: ﴿لََ يَنْهَاكُمُ اللهَُّ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّي نِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهََّ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهَُّ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ (الممتحنة، آية: 8 ـ9.) 1 الشورى، د. سامي الصلاحيات، ص107. 2 الشورى فريضة إسلامية، ص171.

عدد الصفحات ٢٠٧

208 فقسم المخالفين في الدين إلى فريقين: ـ فريق كان سلماً للمسلمين لم يقاتلهم في الدين ولم يخرجهم من ديارهم، فهؤلَء لهم حق البر والإقساط إليهم. ـ وفريق ا تخذوا موقف العداوة والمحادة للمسلمين بالقتال أو الإخراج من الديار، أو المظاهرة والمعاونة على ذلك ـ فهؤلَء يحرم موالَتهم، مثل مشركي مكة الذين ذاق المسلمون على أيديهم الويلات، ومفهوم هذا النص أن الفريق الآخر لَ يحرم موالَته. 3 ـ إن الإسلام أباح للمسلم التزوج بأهل الكتاب، والحياة الزوجية يجب أن تقوم على السكون النفسي، والمودة والرحمة، كما دلَّ على ذلك القرآن في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ ( الروم، آية: 21.) وهذا يدل على أن موادَّة المسلم لغير المسلم لَ حرج فيها، وكيف لَ يوادُّ الرجل زوجته وشريكة حياته إذا كانت كتابية؟ وكيف لَ يوادّ أصهاره، وقد قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ﴾ (الفرقان، آية: 54). وكيف لَ يوادّ الولد جده وجدته وخاله وخالته، ولَ يصل أرحامهم، إذا كانت أمه ذمية؟ وكذلك أولَد الأخوال والخالَت فهم من ذوي القربى الذين أوجب القرآن وأكدت السنة حقوقهم.1 4 ـ إن الحقيقة التي لا شك أن الإسلام يؤكد إعلاء الرابطة الدينية على كل رابطة سواها، سواء كانت الرابطة نسبية أم إقليمية أم عنصرية أم طبقية، فالمسلم أخو المسلم والمؤمنون إخوة والمسلمون أمة واحدة يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، والمسلم أقرب إلى المسلم من أي كافر بدينه ولو كان أباه وابنه أو أخاه. وهذا ليس في الإسلام وحده بل هي طبيعة كل دين وكل عقيدة، ومن قرأ الإنجيل يؤكد هذا المعنى في أكثر من موقف. 1 من فقه الدولة في الإسلام، ص197.

عدد الصفحات ٢٠٨