المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

البرلمان في الدولة الحديثة المسلمة

علي محمد الصلابي

صفحة ١٢ من ١٨

177 المبحث السادس الضمانات المقررة للبرلمانات وتحكيم الأكثرية أولاً: الضمانات المقررة للبرلمانات من أهم الضمانات المقررة: 1ـ عدم المسؤولية النيابية تعني عدم مسؤولية النائب عما يبديه من 1الأقوال بصدد قيامه بالوظيفة التشريعية. ومن المعلوم أن النائب البرلماني لَ يعتبر مسؤولًَ عن الأقوال التي يبديها في الجلسات العلنية أو السرية أو في اللجان البرلمانية سواء كان داخل المجلس النيابي أو خارجه، فمن حق النائب في البرلمان أن ينتقد الحكومة وتصرفاتها، من غير خوف من تهديد أو عقوبة قد تصل إليه، فهو ممثل الشعب، وهذه القاعدة لَ يعمل بها إلَ أثناء القيام بالوظيفة النيابية وهي لَ تحمي النائب بالنسبة للجرائم غير المتعلقة بأداء الوظيفة النيابية2. والإسلام يسمح لكل فرد من أفراد الدولة أن يبدي ما يراه من الأقوال حتى ولو كان انتقاداً للسلطة السياسية أو لرئيس الدولة، وهذا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين يطلب من المسلمين تقويمه إن وجدوا فيه اعوجاجاً فليقوِّ مه، فقال له أعرابي: والله لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا، فقال عمر راضياً غير غاضب: الحمد لله ا لذي جعل في هذه الأمة من يقوِّم ا عوجاج عمر، وقال رجل لعمر: اتق الله يا عمر، فقال آخر: ألمثل أمير المؤمنين يقال مثل هذا الكلام؟ فأجاب عمر: لَ خير فيكم إن لم تقولوها ولَ خير فيَّ إ ن لم أسمعها3. والإسلام كفل حق حرية الرأي والتعبير ونظمها وفق ضوابط حددها العلماء لكي لَ تكون حرية خارجة عن الشرع والمبادئ الإنسانية والقيم الرفيعة، ومن أهم هذه الضوابط: 1 السلطة التشريعية، ص422. 2 .............................. 3 تاريخ عمر بن الخطاب لَبن الجوزي1 /107.)

عدد الصفحات ١٧٧

178 أ ـسلامة القصد وصحة التوجه أثناء ممارسة هذه الحرية. ب ـ الَلتزام بقول الصدق والحقيقة. ج ـ التثبت من صدق الخبر. د ـ تجنب الوسائل غير المشروعة للحصول على الأخبار من التجسس أو انتهاك حقوق الآخرين. هـ ـ اتباع طريق اليسر واللين والرفق والأدب في المناقشة وإبداء الرأي عن الغضاضة والكلام. و ـ أن لَ تؤدي حرية الرأي إلى فتنة بين المسلمين ونشر الإلحاد ومحاربة قيم المجتمع وثوابته. ز ـ أن لَ تؤدي حرية الرأي إلى التعرض لأعراض الناس وأسرارهم والإساءة إليهم بدون دليل، فلا مجال للطعن في أعراض الناس وذمهم من غير بينة بل طالب بوجود البينات، وفرض عقوبة رادعة على من يتعدّ ى هذا الأمر1. 2ـ الحصانة البرلمانية تعني عدم اتخاذ أي إجراء جنائي ضد النائب في البرلمان في غير حالة التلبس بالجريمة إلَ بعد رفع الحصانة عنه واستصدار الإذن اللازم باتخاذ الإجراء ضده. وحسب الفقه الدستوري، فإن الحكمة من فرض الحصانة النيابية للنائب، أنها ضمان للسلطة التشريعية بمجموعها، وهي تكفل حرية النائب من القيام بواجبه داخل المجلس، فيكون في مأمن من كيد خصومه السياسيين ومن تعسف السلطة التنفيذية ويمكن التمييز بين قاعدة الحصانة النيابية وقاعدة عدم المسؤولية النيابية بوجود اختلاف بين القاعدتين: فالحصانة النيابية تعني عدم اتخاذ أي إجراء جنائي ضد عضو البرلمان إلَ بعد رفع الحصانة عنه، أما قاعدة عدم المسؤولية النيابية فتعني عدم مسؤولية النائب عما يبديه من الأقوال بصدد قيامه بالوظيفة التشريعية، وتبدأ الحصانة النيابية بمجرد انتخاب العضو أو تعيينه وهي 1 المجالس النيابية، راشد العسيري، ص205 ـ206.

عدد الصفحات ١٧٨

179 حصانة شخصية، أي لَ تمتدلأي أحد غيره ولَ يمكن رفع الحصانة النيابية عن النائب إلَ بعد موافقة المجلس على ذلك1، فإذا وافق المجلس على رفع الحصانة النيابية عن النائب رفعت عنه وأمكن اتخاذ الإجراءات القانونية ضده، وإذا لم يوافق المجلس على رفع الحصانة النيابية عنه لم ترفع عنه هذه الحصانة2، فالنائب ممثل للشعب بأجمعه وهو نائب عنه فيجب على الدولة الحديثة المسلمة الَلتزام والحرص على حفظ وصيانة ممثل الأمة من أي مساس بشخصه ومحاولة الَعتداء عليه، ومن الأمثلة المهمة التي تؤكد حرص الدولة الإسلامية على حماية المسلمين بشكل عام، ومن لهم دور مهم في الدولة بشكل خاص ما هيأه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأهل الحل والعقد من حماية لأداء دورهم في مأمن بعيداً عن الضغوطات والتهديد ، وهذا ما تمثل في حرص الفاروق رضي الله عنه لحفظ وحماية أهل الحل والعقد الذين جعلهم يختارون الخليفة من بعده، حيث أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي طلحة رضي الله عنه ـ قبل أن يموت عمر بساعة ـ فقال: يا أبا طلحة كن في خمسين من قومك من الأنصار، مع هؤلَء النفر ـ أهل الحل والعقد ـ فلا تتركهم يمضي اليوم الثالث حتى يؤمروا أحدهم، فلزم أبو طلحة باب عبد الرحمٰن بن عوف بأصحابه حتى بويع لعثمان3، فدل ذلك على شدة حرص عمر بن الخطاب رضي الله عنه على سلامة أهل الحل والعقد الذين جعلهم يختارون الإمام من بعده، ونصب خمسين من الأنصار على رأسهم أبو طلحة رضي الله عنهم لحمايتهم. ومن هنا نجد أن مبدأ الحصانة النيابية مبدأ مهم، وواجب في سبيل المحافظة على ممثل الأمة وأداء دوره على الوجه الأمثل، وهو ينسجم مع التجربة التاريخية الإسلامية في العصر الراشدي والتي تدعو إلى حفظ النفس البشرية من أي اعتداء يلحق بها4. 3ـ المكافأة البرلمانية وهذه المكافأة التي يحصل عليها النائب تكون نظير الجهد الذي يبذله في خدمة مجموع الأمة، وحرصاً من الدولة على توفير الحياة الكريمة له، وليكون 1 القانون الدستوري والنظم السياسية، فهمي أبو زيد، ص722. 2 المجالس النيابية، راشد العسيري، ص198. 3 الطبقات لَبن سعد3 /61 ـ62.) 4 المجالس النيابية، ص208.

عدد الصفحات ١٧٩

180 في منأى عن المغريات المالية، التي قد تعرض عليه، ممن يريدون تمرير سياساتهم التي قد تتصادم مع المصلحة العامة للأمة وصوناً له من أن يكون تحت الشبهات، فتحرص الدولة على تقديم هذه المكافأة لممثل الأمة وتسعى لتوفير احتياجاته للتفرغ لأداء دوره المهم الذي وكل به من قبل الأمة، وتحدد الدولة مقدار هذه المكافأة وكيفية صرفها ويستحق النائب هذه المكافأة من تاريخ حلفه اليمين القانوني1، وتستمر هذه المكافأة البرلمانية طيلة بقائه في منصبه ممثلاً للشعب في البرلمان 2، والمتمعن في سيرة الخلفاء الراشدين يجد أمثلة تدلُّ على مشروعية هذا الأمر ومن ذلك: لما تولى أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه أمر الخلافة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فرض له الصحابة رضي الله عنهم رزقاً، وكان الصدِّيق رضي الله عنه رجلاً تاجراً يغدو كل يوم إلى السوق، فيبيع ويبتاع، فلما استخلف أصبح غادياً إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بها، فلقيه عمر وأبوعبيدة رضي الله عنهما فقالَ: أين تريد يا خليفة رسول الله؟ قال: السوق. قالَ: تصنع ماذا وقد وليت أمور المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ فقالَ: انطلق معنا حتى نفرض لك شيئاً. فا نطلق معهما ففرضوا له كل يوم شطر شاه، وذكر أن رزقه الذي فرضوه له خمسون ومائتا دينار في السنة وشاة يؤخذ من بطنها ورأسها وأكارعها، فلم يكن يكفيه ذلك ولَ عياله، فألقى كل دينار ودرهم عنده في بيت مال المسلمين، وخرج إلى البقيع فتصافق "تبايع"، فجاء عمر رضي الله عنه فإذا بنسوة جلوس فقال: ما شأنكن؟ قلن: نريد خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي بيننا فانطلق فوجده في السوق فأخذ بيده فقال: تعال هاهنا فقال: لَ حاجة لي في إمارتكم رزقتموني ما لَ يكفيني ولَ عيالي، فقال: فإنا نزيدك قال أبوبكر رضي الله عنه: ثلاثمائة دينار والشاة كلها. قال عمر رضي الله عنه: فأما هذا فلا، فجاء علي رضي الله عنه وهما على حالهما تلك، قال: أكملها له، قال: ترى ذلك؟ قال نعم. قال: قد فعلنا. وانطلق أبوبكر رضي الله عنه فصعد المنبر، واجتمع إليه الناس، فقال: أيها الناس إن رزقي كان خمسين ومائتي دينار وشاة يؤخذ من 1 السلطة التشريعية، محمد فهيم درويش، ص432 ـ433. 2 المجالس النيابية، ص199.

عدد الصفحات ١٨٠

181 بطنها ورأسها وأكارعها، وإن عمر وعلي كملا لي ثلاثمائة دينار وشاة، أفرضيتم؟ قال المهاجرون: اللهم نعم قد رضينا1، ولما تولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة رتب العطايا والمكافآت للولَة على الأقاليم، وهذا ما سار عليه الراشدون ومن أتى بعدهم. ومما سبق يتضح حرص الإسلام على توفير العيش الكريم لأصحاب المهام والمناصب في الدولة، للتفرغ لأداء مهامهم دون إشغالهم بالسعي لطلب الرزق، فيجب على الدولة الحديثة المسلمة أن ت بذل المكافآت والعطايا لممثلي الأمة نظير قيامهم بهذه الوظيفة الكبيرة، وإغنائهم عن طلب الرزق، وتوفير الحياة الكريمة لهم للقيام بهذه الوظيفة بعيداً عن الإغراءات والشبهات وحماية لهم من أي طريق قد يؤدي إلى الَنحراف في مسؤولياتهم المناطة بهم، لأداء مهمتهم بنزاهة وصدق2. ثانياً : تحكيم الأكثرية إن منطق العقل والشرع والواقع يقول: لَبد من مرجح والمرجح في حالة الَختلاف هو الكثرة العددية، فإن رأي الَثنين أقرب إلى الصواب من رأي الواحد ثم إن هناك أمور لَ تدخل مجال التصويت ولَ تعرض لأخذ الأصوات عليها، لأنها من الثوابت التي لَ تقبل التغيير إلَ إذا تغير المجتمع ذاته، ولم يعد مسلماً فلا مجال للتصويت إلَ في الأم ور "الَجتهادية" التي تحتمل أكثر من رأي، ومن شأن الناس أن يختلفوا فيها مثل اختيار أحد المرشحين لمنصب ما، ولو كان هو منصب رئيس الدولة، ومثل إصدار قوانين لضبط حركة السير والمرور، أو لتنظيم بناء المحلات التجارية أو الصناعية أو المستشفيات، أو غير ذلك مما يدخل فيما يسميه الفقهاء "المصالح المرسلة" ومثل اتخاذ قرار إعلان الحرب أو عدمها، أو بفرض ضرائب معينة أو عدمها أو بإعلان حالة الطوارئ أولًَ، وتحديد مدة رئيس الدولة، وجواز تجديد انتخابه أولًَ وإلى أي حد ..إ لخ 1 الرياض النظرة في مناقب العشرة، أحمد الطبري، ص291. 2 المجالس النيابية، ص: 211.

عدد الصفحات ١٨١

182 فإذا اختلفت اراء في هذه القضايا، فهل تترك معلقة أو تحسم، هل يكون الترجيح بلا مرجح؟ أو لَبد من مرجح1. إن القضايا اجتهادية مما لَ نص فيه، أو فيه نص يحتمل أكثر من تفسير، أو يوجد له معارض مثله أو أقوى منه، فلا مناص من اللجوء إلى مرجح يحسم به الخلاف والتصويت وسيلة لذلك عرفها البشر وارتضاها العقلاء، ومنهم المسلمون، ولم يوجد في الشرع ما يمنع منها، بل وجد في النصوص والسوابق ما يؤيدها2. 1ـ القرآن الكريم أ ـ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُ مْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ (الشورى، آية: 38.) هذه الآية تعطي إيحاءً قوياً بأن الممدوحين يُتداول أمرهم بينهم، ويتقرر العمل فيه بينهم، فهم فيه شركاء، وهذا لَ يتحقق في صورة امتلاك فرد واحد منهم حق البت في الأمر، بل يظهر ويتحقق عندما يكون البت جماعياً بالإ جماع، أو بالخلاف اليسير الذي قد يرتفع بالتراضي والتغاضي، وأقل ما يتحقق به ذلك: اتفاق الأغلبية وإلى قريب من هذا المعنى، ذهب العلامة أبو الأعلى المودودي في قوله الأخير3، حيث قال رحمه ا وَأَمْرُهُ مْ شُورَى بَيْنَهُمْ " تتطلب بذاتها خمسة أمور... خامسها التسليم بما يجمع عليه أهل الشورى، أو أكثريتهم، أما أن يستمع ولي الأمر إلى آراء جميع أهل الشورى، ثم يختار هو نفسه بحرية تامة، فإن الشورى في هذه الحالة تفقد معناها وقيمتها. فالله لم يقل "تؤخذ آرائهم ومشورتهم فيما بينهم" وتطبيق هذا الأمر الإلهي لَ يتم إلَ بأخذ الرأي فقط، وإنما من الضروري لتنفيذه وتطبيقه أن تجري الأمور وفق ما يتقرر بالإجماع والأكثرية4. 1 من فقه الدولة في الإسلام للقرضاوي، ص142. 2 نظرية التقريب والتغليب، د. أحمد الريسوني، ص450. 3 ذهب المودودي في كتاباته الأولى إلى عدم اعتبار الأغلبية وأن للأمير أن يخالف الأغلبية انظر: نظرية الإسلام وهديه، ص59. 4 الحكومة الإسلامية، ص 94.

عدد الصفحات ١٨٢

183 ب ـقال تعالى: ﴿ قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأَُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَاب كَرِيم * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهَِّ الرحمٰن الرَّحِيمِ * أَلََّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأَُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ﴾ (النمل، آية: 29 ـ32.) ما قالته ملكة سبأ والتزمت به، أنها لَ تبرم أمراً إلَ بموافقة ملئها وقد سيقت ملكة سبأ في القرآن مساق التنويه والرضى عن تدبيرها وتصرفها وعاقبة أمرها وأما شركها الأول فلأنها ﴿كَانَتْ مِن قَوْم كَافِرِينَ ﴾ (النمل، آية: 43). ولكنها ما أن سمعت دعوة الحق حتى قالت : ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للهَِِّ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ (النمل، آية: 44 .) فكل ما حكاه القرآن من أقوالها وأفعالها ـ منذ تلقت كتاب سليمان ـ يدل أنها سيقت مثلاً للتعقل وحسن التدبير، وقد فهم عدد من المفسرين هذا المساق فاعتبروا به ونبّ هوا عليه1. قال القرطبي معلقاً على مشاورتها ومحاورتها لملئها: فأخذت في حسن الأدب مع قومها، ومشاورتهم في أمرها، وأعلمتهم أن ذلك مُطٌّرد عندها في كل أمر يعرض بقولها فيما ذكر الله عنها : ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ﴾، فكيف في هذه النازلة الكبرى فراجعها الملأ بما يُقر عينها من إعلامهم إياها بالقوة والبأس، ثم سلموا الأمر إلى نظرها، قال القرطبي وهي محاورة حسنة من الجميع2. وقد كشفت تصرفاتها عن أنها كانت أهلاً لذل ك التفويض الذي منحها إياه مجلس شورها، وأنها صدرت فيها عن خبرة ودراية لهذا لما حكي قولها :" إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً "، عقب سبحانه مؤيداً كلامها بقوله : ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ (النمل، آية: 34)، قالابن عباس: هو من قول الله عز وجل، معرفاً لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته بذلك ومخبراً به 3. 1 التقريب والتغليب للريسوني، ص452. 2 الجامع لأحكام القرآن13 /194.) 3 تفسير القرطبي13 /195.)

عدد الصفحات ١٨٣

184 وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي: ألَ ترى أن ملكة سبأ في حال كونها تسجد للشمس من دون الله هي وقومها، لما قالت كلاماً حقاً، صدقها الله فيه، ولم يكن كفرها مانعاً من تصديقها في الحق الذي قالته، وذلك في قولها فيما ذكر الله عنها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ (النمل، آية: 34)، فقد قال تعالى مصدقاً لها في قولها: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾1، فبناء على أن قولها مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ " محكي في كتاب الله عز وجل دون أي إبطال أو ذم، وبناء على سياق التأييد والرضى الذي جاء به هذا القول، فإن قولها والتزامها وجريان العمل بأنها لَ تقطع في أمر من أمور الدولة، إلَ بعد أن يشهده ملأها ويوافقوا عليه، يعتبر مثالًَ يُحتذى 2. 2ـ من السنة النبوية أ ـ الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد: وفي الحديث: «إن الشيطان مع الواحد وهو من اثنين أبعد»3. ب ـ حديث«لو اجتمعتا على مشورة». وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر«لو اجتمعتا على مشورة ما خالفتكما»4، إذ معنى ذلك أن صوتين يرجحان صوتاً واحداً وإن كان هو صوت النبي صلى الله عليه وسلم، ما دام ذلك بعيداً عن مجال التشريع والتبليغ عن الله 5. ج ـ النزول عن رأي الكثرة في أحد: كما رأيناه ينزل عن رأي الكثرة في غزوة أحد، يخرج للقاء المشركين خارج المدينة وكان رأيه ورأي كبار الصحابة البقاء فيها والقتال داخل الطرقات. د ـ حديث «السواد الأعظم». 1 أضواء البيان، تفسير القرآن بالقرآن1 /5.) 2 التقريب والتغليب، ص452. 3 سنن الترمذي، في الفتن، الحديث رقم2165، حسن صحيح غريب 4 مسند أحمد4/ 227.) 5 من فقه الدولة في الإسلام، ص143.

عدد الصفحات ١٨٤

185 وقد ثبت في الحديث التنويه«بالسواد الأعظم» والأمر باتباعه، والسواد الأعظم يعني جمهور الناس وعامتهم والعدد الأكبر منهم، حديث رُو ي من طرق بعضها قوي1. 3ـ الأكثرية المذمومة في القرآن عدد من العلماء والكتاب الإسلاميين المعاصرين وقفوا من مبدأ الأغلبية موقف الإنكار والرفض وأجهدوا أنفسهم في جمع ما يرونه من أدلة تقضي ببطلان اتباع الأغلبية وقالوا: إن الكثرة والأكثرية لَ تأتي في القرآن إلَ في سياق الذم والقدح، والقرآن لَ يصور أكثر الناس إلَ جاهلين ضالين فاسقين، فكيف نثق بالأغلبية ونعتد برأيها ونلتزم به2. والإسلام لَ يجعل كثرة العدد ميزاناً للحق والباطل، قال تعالى ﴿قُل لََّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّ بُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ﴾ (المائدة، آية: 100). ونبدأ في توضيح هذه المسألة، من هذه الآية الأخيرة التي اعتمد عليها بعض العلماء والكُ تّاب: فالآية إنما تنفي المساواة بين الطيب والخبيث، مشيرة إلى أفضلية الطيب ولو كان قليلاً على الخبيث ولو كان كثيراً، والخبيث من الأشياء الحرام هو القذر والنجس ، والخبيث من الناس هو الكافر والمنافق لَ غير، وعلى هذا فالطيبات من الأموال والأشياء ولو كانت قليلة خير من خبائثها ولو كثرت، وكذلك الطيبون من الناس هم المقبولون المعتد بهم في ميزان الشرع ولو كانوا قلة، أما الكفار والمنافقون فمهما كثرت أعدادهم وتعددت مللهم ونحلهم، فإنما هم حطب جهنم، فلا ينبغي للمؤمنين أن يغتروا ويتأثروا لكثرة خبيثة إن رأوها أحاطت بهم، فليس في الآية أبداً تفضيل مطلق للقلة على الكثرة وليس فيها إهدار مطلق للكثرة، وإنما فيها إهدار للكثرة الخبيثة، ومعلوم أن الخبيث لَ تزيده الكثرة إلَ خبثاً وسوءاً، كما أن الطيب تزيده كثرته طيباً فالكثرة تقوي خبث الخبيث وتقوي طيب الطيب 3. ومن نوادر الَستنباطات ما ذهب إليه الإمام ابن عرفة من أن هذه الآية بالذات قد دلت على الَعتداد بالكثرة، فقد قال في تفسيره ـ كما نقل ابن عاشور ـ وكنت بحثت مع ابن عبد 1 رواه الطبراني ورجاله ثقات6 /233،234.) 2 التقريب والتغليب، ص462. 3 التقريب والتغليب، ص464.

عدد الصفحات ١٨٥

186 السلام وقلت له: هذه الآية تدل على الترجيح بالكثرة في الشهادة، فقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ﴾ يدل على أن الكثرة لها اعتبار بحيث إنها ما أسقطت هنا إلَ الخبيث ولم يوافقني عليه ابن عبد السلام بوجه ـ ثم وجدت ابن المنير ذكره بعينه1، فالذي أهدرته الآية هو الخبيث لَ الكثرة وعلى هذا الَساس أيضاً نفهم عشرات الآيات التي جاءت تذم أكثر الناس وتصفهم بأنهم لَ يعلمون، ولَ يؤمنون وأنهم فاسقون. والآيات التي وصفت: ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لََ يَعْلَمُونَ ﴾ كانت تتحدث بصفة خاصة عن مجال الغيبيات وهو المجال الذي لَ يدرك حقائقه ولَ يعقلها إلَ أقل الناس وأكثر الناس لَ يكاد علمهم وإدراكهم يصل إلى شيء منها إلَ بخبر الأنبياء وهاهي بعض الآيات التي تبين السياق الذي يوصف فيه أكثر الناس بأنهم لَ يعلمون والمسائل التي تتعلق بهذا الحكم2. ـقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهَُّ قُلِ الْحَمْدُ للهَِِّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لََ يَعْلَمُونَ ﴾ (لقمان، آية: 24.) ـوقال تعالى: ﴿وَاللهُّ غَالِب عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لََ يَعْلَمُونَ ﴾ (يوسف، آية: 21.) ـوقال تعالى: ﴿أَمَرَ أَلََّ تَعْبُدُواْ إِلََّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لََ يَعْلَمُونَ ﴾ (يوسف، آية: 40.) ـوقال تعالى: ﴿إِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لََ يَعْلَمُونَ ﴾ (الطور، آية: 47.) ـوقال تعالى عن نبيه يعقوب: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْم لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لََ يَعْلَمُونَ ﴾ (يوسف، آية: 68.) 1 التحرير والتنوير لَبن عاشور7 /64.) 2 التقريب والتغليب، ص465.

عدد الصفحات ١٨٦

187 ـوقال عن موسى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلََ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهَِّ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لََ يَعْلَمُونَ ﴾ (القصص، آية: 13.) ـوقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلََ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَة مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَّ قَادِر عَلَى أَن يُنَزِّل آيَةً وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لََ يَعْلَمُونَ ﴾ (الأنعام، آية: 37.) ـوقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَة يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلَ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لََ يَعْلَمُونَ ﴾ (الأعراف، آية: 131.) وهكذا تمضي الآيات تقرر وتؤكد أن أكثر الناس لَ يعلمون الحقائق الغيبية، فلا عبرة بكثرة المنكرين لها، وبكثرة المعتقدين خلافها، ولهذا كان المصدر الصحيح المعتمد في هذا المجال هو الوحي والخبر الصادق1. 4ـ أكثرية المشركين وأهل الكتاب فهذه هي الأكثرية المذمومة في القرآن، أكثرية أهل المشركين والمنافقين واليهود والنصارى، وأكثرية المعاندين والمستكبرين. أ ـ في مشركي العرب أنزل الله عز وجل: ـ قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَْرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهَُّ قُلِ الْحَمْدُ للهَِِّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لََ يَعْقِلُونَ ﴾ (العنكبوت، آية: 63.) 1 التقريب والتغليب، ص466.

عدد الصفحات ١٨٧

188 ـوقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْء قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلََّ أَن يَشَاء اللهُّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾ (الأنعام، آية: 111.) ـوقال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللهُّ مِن بَحِيرَة وَلََ سَآئِبَة وَلََ وَصِيلَة وَلََ حَام وَلَـكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِّ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لََ يَعْقِلُونَ ﴾ (المائدة، آية: 103.) ـوقال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلََّ كَالأَْنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ (الفرقان، آية: 44.) ب ـ ومما أنزله الله تعالى في ذم أكثرية أهل الكتاب وخصوصاً منهم اليهود ـ قال تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيق مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لََ يُؤْمِنُونَ ﴾ (البقرة، آية: 100.) ـوقال تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ (آل عمران، آية: 100.) فهذه هي الأكثرية المذمومة في القرآن أكثرية المشركين والمنافقين واليهود والنصارى والمعاندين والمستكبرين. فمن الغلط الفادح قطع الآيات التي ذمت الأك ثرين من هذه الأصناف عن سياقاتها وموضوعاتها ثم الَنتقال بها إلى صنف المسلمين وجماعة المؤمنين ثم الَنتقال بها إلى إهدار الكثرة مطلقاً وتفضيل القلة عليها.

عدد الصفحات ١٨٨

189 إن الكثرة في اصل هي حكمة الله، وهي نعمته على خلقه، حيث يكثرهم ويكثر أرزاقهم ألَ ترى أن الله سبحانه قد امتن على قوم شعيب بأنه كثَّ رهم، فقال لهم: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ ﴾1، ومن المفيد ذكر هذا الجزء من الآية في سياقه وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَّ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـه غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَة مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلََ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلََ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْر لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَلََ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاط تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِّ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ (الأعراف، آية: 85 ـ86.) إن الله يأمر القوم بتوحيده وعبادته وبإيتاء الناس حقوقهمبلا تطفيف ولَ بخس وينهاهم عن الإفساد في الأرض بعد أن أصلحها، أي جعلها صالحة مهيأة لنفع العباد، ويحذرهم من مضادة نعم الله التي منها أنه هيأ لهم أسباب التكاثر بعد قلة ويحذرهم من عاقبة المفسدين، وهي أنه أهلكهم ومحق كثرتهم بعد أن أفسدوها وحولوها إلى كثرة خبيثة لَ قيمة لها. فالتكثير نعمة من الله كسائر نعمه من خلق ورزق وجمال وقوة ومال، وكل هذه النعم قد تسخر تسخيراً أعوج يفقدها قيمتها ونفعها، لأسباب عارضة ولكن هذه النعم لَ تفقد قيمتها الأصلية، فمتى حسن استعمالها ووضعت في موضعها كانت معتبرة ومعتداً بها، وكانت كثرتها خيراً من قلتها. ألَ ترى أن الله امتدح ضخامة الجسم حين كانت مع الإيمان والصلاح وذمها واستهزأ بها حين اقترنت بالنفاق، فقال في حق طالوت: ﴿إِنَّ اللهَّ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِ لْمِ وَالْجِسْمِ ﴾ (البقرة، آية: 247.) 1 التقريب والتغليب، ص466،467.

عدد الصفحات ١٨٩

190 وقال في زعيم المنافقين وكانذا قامة وضخامة ووجاهة في البدن: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُب مُّسَنَّدَة ﴾ (المنافقون، آية: 4.) فالكثرة مطلوبةومرغوبة ومعتد بها، شريطة ألَ تخرج من دائرة الإيمان والإصلاح إلى دائرة الكفر والإفساد وعلى هذا فالكثرة في دائرة الخير زيادة في الخير، والكثرة في دائرة الشر زيادة في الشر، والقلة في الخير نقصان في ذلك الخير والقلة في الشرّ نقصان فيه أيضاً، فالكثرة في الخير أ فضل من القلة والقلة في الشر أفضل من الكثرة، وعلى هذا فكثرة المؤمنين أفضل من قلتهم من حيث هم مؤمنون، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة،فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد. من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة»1، وتأكيداً لمعنى الحديث وتطبيقاً له قال صلى الله عليه وسلم: «الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب»2، فالثلاثة أفضل من الَثنين، وأبعد عن تأثير الشيطان ونزعه، مثلما أن الَثنين أبعد عن ذلك من الواحد كما في الحديث، واعتبار الراكبين شيطانين ـ ولو أنهم أبعد عن الشيطان من الواحد ـ يرجع والله أعلم ـ إلى أنهما إذا تعرضا للخلاف والنزاع، لم يكن بينهم حكم ولَ مرجح لأنهما يُحرمان من تحقيق ما في الحديث الآخر: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم»3. والتأمير لَ يأتي مع اثنين، لعدم إمكان وجود أغلبية ترجح وتؤمر، كما هو الشأن مع الثلاثة فأكثر فالتأمير لَ يتأتى إلَ مع ثلاثة فأكثر، لأن وجود الأغلبية يصير ممكناً 4. 5ـ الترجيح بالكثرة عند العلماء إن العلماء اعتبروا الكثرة والأكثرية مرجحاً في عدد من المواضيع والحالَت ا ستجابة لقواعدهم وتمشياً مع مناهجهم، ومن ذلك: أ ـ الترجيح بالكثرة في مجال الرواية: 1 سنن الترمذي، في الفتن، الحديث رقم2165، حسن صحيح غريب 2 رواه الترمذي وأبو داود والنسائي 3 رواه أبو داود 4 التقريب والتغليب، ص469.

عدد الصفحات ١٩٠

191 الرواية إذا جاءت من ذوي العدالة والضبط فهي مقبولة لَزمة، سواء كانوا كثراً أو قلة أو أفراداً، ولكن هذا بشرط ألَ يوجد أي مطعن أو معارضة للمروي ذاته، كأن توجد رواية أخرى مناقضة لها وهي أيضاً صادرة عن أهل العدالة والضبط، فإن وجدت لزم اللجوء إلى الترجيح والترجيحات كثيرة ومن بينها الكثرة، قال الفخر الرازي: الخبر الذي يكون رواته أكثر، راجح على الذي لَ يكون كذلك1. ورجح المالكية الإفراد بالحج وفضلوا على غيره لكثرة رواته عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال الشيخ أحمد الصدِّيق يبين دليل المالكية في تفضيل الإفراد: لأن الإفراد هو الأكثر في الروايات الصحيحة في حجة النبي صلى الله عليه وسلم، ورواته أخص بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولأن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم أفردوا الحج وواظبوا عليه2. ب ـ لماذا الترجيح بالكثرة؟ قال الخطيب البغدادي: ويرجح بكثرة الرواة لأحد الخبرين، لأن الغلط عنهم والسهو أبعد، وهو إلى الأقل أقرب3، وقال أبو الحسن البصري: وكثرة العدد قوة.. لأن الرواة إذا بلغوا حداً من الكثرة وقع العلم بخبرهم فكلما قاربوا تلك الكثرة قوي الظن لصدقهم، ولأن السهو والغلط مع الكثرة أقل، وكذلك الكذب4، ويستشهد بعض العلماء على كون الكثرة معتبرة في الشرع بقوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى﴾ (البقرة، آية: 282 ) لأن قول الجماعة أقوى فيالظن وأبعد من التهمة، ولهذا قال تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى﴾5، ويتخلص من أقوال العلماء وتعليلاتهم ب اعتبار الكثيرة وترجيحها، أنها اعتبرت لكون احتمالَت النسيان والغلط والكذب تكون معها أقل مما تكون 1 المحصول2 /453.) 2 مسالك الدلَلة في شرح متن الرسالة، ص146. 3 شرح الكوكب المنير (4 /629 ـ632.) 4 التقريب والتغليب، ص493. 5 المصدر نفسه، ص494.

عدد الصفحات ١٩١

192 مع الفرد ومع الأفراد الأقل،وأنه بقدرما تزيد الكثرة يتضاءل احتمال وقوع هذه الآفات والعكس بالعكس، وهذه الَعتبارات توجد أو توجد نظائر لها في سائر القضايا التي تحتاج إلى العلم والرأي والخبرة، فاتفاق الكثرة أكثر سلامة وأكثر صواباً، وقد طبق العلماء الترجيح بالكثرة بين الَجتهادات أول ما طبقوه على اختلافات الصحابة، فنصّ وا بأشكال مختلفة على تفضيلهم لما قاله أكثر الصحابة أو كثير منهم على الأقل1. وقال ابن القيم عن الخلفاء الراشدين: فإن كان الأربعة في شق، فلا شك أنه الصواب، وإن كان أكثرهم في شق فالصواب فيه أغلب2. ونبقى مع القرطبي في مثال آخر رجح فيه قول الكثرة عن قول القلة، ففي تفسير معنى الشفق ذكر معنيين للمفسرين، ثم قال: والَختيار الأول لأن أكثر الصحابة والتابعين عليه3. وهكذا يظهر جلياً أن الَعتداد بالكثرة و اعتباره مُ رجِّ حاً عند انتفاء مرجّ ح أقوى كان أمراً مسلماً من حيث المبدأ عند علمائنا 4. 6 ـ أهمية العمل بالأغلبية ومجالاته أ ـ أهمية العمل بالأغلبية: العمل بمبدأ الأغلبية إنما هو في الحقيقة فرع عن العمل بمبدأ الإجماع، فإذا كان الإجماع يستمد حجيته وقوته من الكثرة التي لَ مخالف لها أو لَ مخالف لها يعتد بخلافه، فإن هذا الأساس موجود في مسألة الأغل بية ولكن بدرجة أقل، والتقارب والتباعد بين الإجماع 1 أعلام الموقعين4 /119.) 2 التقريب والتغليب، ص501. 3 تفسير القرطبي عند تفسير آية17 من سورة الَنشقاق 4 التقريب والتغليب، ص501.

عدد الصفحات ١٩٢