المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

البرلمان في الدولة الحديثة المسلمة

علي محمد الصلابي

صفحة ١٠ من ١٨

145 ـ إنها لَ تكلف شيئاً في حين أنها تفيد كثيراً ـ إنها تغني من يتلقاها دون أن تفقر من يعطيها. ـ إنها تحدث في لحظة ولكن أحياناً تستمر ذكراها إل ى الأبد. ـ ليس هناك غني مهما بلغ غناه يمكن أن يستمر بدونها. ـ وليس هناك فقير مهما بلغ فقره إلَ وغني بفوائدها. ـ إنها تخلق السعادة في البيت وتعزز من النوايا الحسنة في العمل، كما أنها كلمة السر بين الأصدقاء. ـ إنها راحة للمتعب وأمل للمحبط وضوء الشمس للحزين، وأحسن عقار طبيعي للمشاكل ومع هذا لَ يمكن شراؤها أو تسولها أو استعارتها أو سرقتها، لأنها شيء لَ يحقق أي منفعة دنيوية لأي شخص، إلَ أن يمنحها الشخص راضياً 1. ب ـ تذكر الأسماء والشخصيات إن من أبسط وأوضح وأهم طرق كسب مودة الناس هو حفظ الأسماء وجعل الناس يشعرون بأهميتهم لأن الشخص العادي يهتم باسمه أكثر مما يهتم بأسماء أهل الأرض مجتمعين، وعندما يتذكر عضو البرلمان اسم أحد المواطنين ويناديه به، يكون بهذا قد قدم للشخص إطراء رقيقاً وفعالًَ في نفس الوقت، وأما إذا نسيه أو نطقه خطأ فيكون قد وضع عقبة كبيرة في طرق كسبه. إن تذكر اسم شخص ما من مسؤول كبير ومناداته به يعتبر بالنسبة له أجمل وأهم صوت يحب أن يسمعه بأية لغة2. 1 القيادة، ص124. 2 المصدر نفسه، ص125.

عدد الصفحات ١٤٥

146 ج ـ الإنصات: لَ بد أن تتعب أذن عضو البرلمان بأصوات المواطنين، والقدرة على الإنصات بمهارة هي أساس بناء العلاقات الإيجابية. وعضو البرلمان الذي يتمتع بالإنصات الجيد يتمتع بالفوائد الآتية: ـ الإنصات يدل على الَحترام. ـ الإنصات يبني العلاقات. ـ الإنصات يزيد المعرفة. ـ الإنصات يبني الولَء. د ـ الاهتمام الصادق بالآخرين: بإمكان عضو البرلمان كسب أصدقاء جُدد بالَ هتمام الصادق بالناس، وأن يعمل على أن يفعل شيئاً للآخرين، أشياء تتطلب وقتاً وجهداً وإيثاراً ومراعاة لمشاعر الآخرين. هـ ـ مراعاة حقيقة أن كل شخص يود أن يكون مهماً: إن أعمق الدوافع في الطبيعة البشرية هي رغبة الشخص أن يكون مهماً، فليس هناك شخص في العالم بأسره لَ يرغب في أن يكون مهماً، وحتى أقل الناس طموحاً يرغبون أن ينظر لهم الآخرون باحترام، لأن أعمق المبادئ في الطبيعة البشرية هي التوق إلى التقدير. وإذا احترم عضو البرلمان هذه الطبيعة البشرية في الآخرين، فإن هذا القانون ـ بعد توفيق الله ـ كفيل بأن يجلب له صداقات لَ حصر لها، وسعادة دائمة، فإذا كان عضو البرلمان

عدد الصفحات ١٤٦

147 صادقاً في تقديره وكر يماً في مدحه سيجد الناس يقدرون كلماته ويحفظونها ويكررونها طوال حياتهم، بل يكررونها حتى بعد أعوام وأعوام من نسيانه إياهم1. إن القائد المتمكن يعلم أن كل من يقابلهم لديهم الإمكانيات التي تؤهلهم لكي يصبحوا مهمين في حياة الآخرين، وكل ما ينقصهم هو التشجيع والتحفيز من جانبه ليؤمنوا بذاتهم ويكتشفوا إمكانياتهم2. إن الأشخاص الذين يحاولون الَستخفاف بطموحات الآخرين، تافهون، ولكن العظماء حقاً هم الذين يجعلونك تشعر بأنك أنت يمكن أن تصبح عظيماً 3. و ـ التعاطف الصادق مع الناس ورغباتهم: إذا أراد عضو البرلمان أن يحسن من فهمه للآخرين بما يكفل له إقامة علاقات إيجابية بهم، فليضع في اعتباره الحقائق التالية التي يتسم بها الناس والإجراءات التي يمكن أن يتبعها لعبور الفجوة التي عادة ما يتسببون فيها: ـ الناس يشعرون بعدم الثقة، فامنحهم الثقة. ـ الناس يودون أن يشعروا بأهميتهم فأثن عليهم بصدق. ـ الناس يأملون في مستقبل أفضل، فامنحهم الأمل. ـ الناس في حاجة إلى من ينصت إليهم، فأنصت إليهم. ـ الناس أنانيون، فخاطب حاجتهم أولًَ. ـ الناس يودون أن ترتبط أسماؤهم بالنجاح، فساعدهم على تحقيق النجاح. 1 القيادة، ص131. 2 المصدر نفسه، ص132. 3 المصدر نفسه، ص132.

عدد الصفحات ١٤٧

148 إن الصداقة كأرقى تجليات التعاطف ـ كما يقول (فرانسيسبيكون) الفيلسوف الكبير ـ: تضاعف المباهج وتقلص الأحزان، ولذلك فما من رجل يتقاسم أفراحه مع صديق، إلَ وتتضاعف أفراحه ويبتهج، وما من رجل يتقاسم أحزانه مع صديق إلَ وتتضاءل أحزانه وتهون1. 22 - التأثير إن القدرة على التأثير في الجماهير ملكة لَ تتوفر إلَ للقلة من الأفراد، إلَ أنها إذا توفرت لأحد مكنته من التوغل في أعماق الجماهير وإحكام قبضته في السيطرة عليهم، ولَ ينجح عضو البرلمان في أن يكون مؤثراً إلَ إذا توفرت فيه عناصر ثلاثة معينة هي: ـ العنصر الأول: الأخلاق أي المصداقية الشخصية حيث يتمثل في نفسه أولًَ ما يريد من الآخرين أن يفعلوه ويمكن أن نطلق على هذا العنصر القدوة. ـ العنصر الثاني: العاطفة الصادقة وهي اللمسة الإنسانية نحو الآخرين وحبهم وتعاطفه معهم وفهم مشاعرهم. ـ العنصر الثالث: المنطق، وهي مرحلة التأثير عبر الحجة العقلية والإقناع. ويضاف إلى هذه العناصر معرفة المفتاح المناسب لكل شخص أو مجموعة والحديث الجذاب ومكونات التأثير هي: ـ الإقناع: ـ في الحديث الجماهيري الجذاب: 1 القيادة، ص133.

عدد الصفحات ١٤٨

149 وهناك حكمة قديمة في البرلمان الإنجليزي تقول: إن كل شيء يعتمد على الأسلوب الذي يتحدث به الإنسان، وليس على الموضوع بحد ذاته، وإن الإلقاء الجيد يجعل المادة الهزيلة تمضي طويلاً. وفي الخطاب موهبة يمكن اكتسابها وتنميتها وليست موهبة فطرية موروثة، ولقد اعترف (إيكوسا)، وهو خطيب مؤثر ـ قائلاً: لم أولد ومعي ملكة التحدث إلى عامة الناس لقد كنت خجولًَ. ولكنه اكتسب مهارة الحديث الجذاب بالتعلم . والأسس للخطاب المؤثر هي: المعرفة، والصدق والإخلاص الحماسي، وقوة اللغة1. ـ تعقيب على شروط وصفات أعضاء البرلمان سوء اختيار العاملين بالمؤسسات الإسلامية وعدم التدقيق في شروط اختيارهم والتركيز على جوانب شكلية مثل السن والمظهر الخارجي دون اشترا ط التمسك بالقيم والعقيدة والتقوى، مما يؤدي إلى عدم تولية الأصلح وتولية حفنة من المترفين البعيدين عن التمسك بالمبادىء، فيترتب على ذلك عدة آثار سيئة منها: ـ اتباع المؤسسة منهجاً مغايراً للمنهج الإسلامي يطعن عليه مبدأ اتباع الأهواء، ويصبح هم العاملين بالمؤسسة هو تحقيق مصالحهم الشخصية بغض النظر عن المصالح الشرعية المنوط بهم تحقيقها. ـ عدم تحقيق المؤسسة للقيم الإيجابية التي نشأت لتحقيقها وعدم قدرتها على تحقيق المقاصد الرئيسة من وراء بنائها، بل تنحرف بالقيم وتبتعد عن رسالتها كما تبتعد عن قيم العدل ويسود الظلم، وتنتشر داخل المؤسسة سلوكيات التواكل وعدم الإخلاص وإعلاء قيم النفاق. ـ عدم اهتمام المؤسسة بأن يكون العمل خالصاً لوجه الله ـ عز وجل ـ محققاً المصالح الشرعية، بل تهتم بأن يكون العمل محققاً لمصالح ذاتية لقيادات المؤسسة. 1 القيادة، ص154،155،157.

عدد الصفحات ١٤٩

150 ـ عدماهتمام المؤسسة بالنواحي الروحية بل يكون محور اهتمامها الدنيا فقط دون اهتمام بالعمل لليوم الآخر، ويؤدي ذلك إلى سعي العاملين بالمؤسسة إلى جمع المال بشتى الطرق المشروعة وغير المشروعة1. وفي الدولالديمقراطية الحديثة، بالرغم من اهتمامها بوضع ضمانات خارجية لتحقيق العدالة وحفظ حقوق الأفراد، فإنها أهملت الضمانات الداخلية المتمثلة في أن يكون الأشخاص الذين يباشرون سلطاتهم، ويديرون أمورها صالحين ذوي وازع ديني قوي وضمائر حية يقظة، لذلك ظهرت مثالب عديدة للديمقراطية في عصرنا الحاضر، من هذه المثالب أن القائمين بالتشريع في النظم الديمقراطية قد تجاهلوا القيم والمبادىء الدينية التي نصت عليها الشرائع السماوية، وذلك لضعف الوازع الديني لديهم وترتب على ذلك مغالَتهم في مجال الحرية الفردية فانتشرت الإباحية، كما ظهرت آثار سيئة في المجتمع الديمقراطي منها زيادة معدلَت الجريمة والبطالة وسوء توزيع الدخول وظهور الَحتكارات والتكتلات الَقتصادية. وكل ذلك أدى في النهاية إلى معاناة الأفراد النفسية2. وعلى هذا فإن الديمقراطية المعاصرة إذا أرادت أن تصلح منهجها فإنها مطالبة بالعودة إلى الإيمان بالله ـ عز وجل ـ فالله عز وجل هو المهيمن على مصير الإنسان وهو الذي يحدد قيمته ومسؤولياته الأخلاقية والَجتماعية، وكذلك الإيمان يوجد قيماً أخلاقية عالمية وموضوعية، شاملة لكل البشر، وهي تعلو على كل اعتبارات الحرية الفردية التي لَ تحدها حدود، وأن تعمل على تربية الضمير لدى الأفراد خاصة من يتولى الوظائف العامة3. ولَ يصلح لهذه المهمة إلَ الإسلام، فالإسلام بمنهجه التربوي الرفيع والخلقي الحميد، وبما اشترط من شروط فيمن يتولى الولَية هو خير وسيلة لمنع التعسف والَستبداد بالسلطة، 1 الدولة الإسلامية والمبادىء الدستورية، ص100. 2 الدولة الإسلامية والمبادىء الدستورية، ص101. 3 هذه مقتطفات من شهادة إنسان غير مسلم وهو الكاتب السوفييتي المنفي (ألكسندر سولزنيش) الحائز على جائزة نوبل للسلام، ورد في محاضرة ألقاها في جامعة (هارفارد) بالولَيات المتحدة الأمريكية عام 1978م

عدد الصفحات ١٥٠

151 فمماشك فيه أن الَستبداد والتعسف في استكمال السلطة هو مسألة سلوكية أي أنه اعوجاج في سلوك الإنسان1. وأن الأصوب معالجة هذا اعوجاج، والإسلام بما يحتويه من نظام خلقي وروحي يستطيع أن يضمن شفاء من بيده السلطة من غلة النزوع إلى إساءة استعمالها، بل أن يسعى من خلال هذه السلطة إلى تحقيق الخير والعدل ونشر الفضيلة والحث عليها: فإن الله يزع بالسلطان ما لَ يزع بالقرآن، وأن يصلح المجتمع والكون باتباع منهج الله، وقد كان سبيل الإسلام في ذلك هو اهتمامه بالأفراد الذين يتولون الولَيات العامة، ومنهم أهل الحل والعقد، فأهل الحل والعقد الذين يمثلون الأمة يجب أن يكونوا معروفين بالتقوى والأخلاق الفاضلة والسلوك المستقيم بالإضافة إلى الخبرة بالشؤون العامة والكفاية والأمانة والضمير الحي. فالضمير الحي عند الإنسان المستمد من إيمانه بالله ـ عز وجل ـ أولًَ ومن الحساب والجزاء في الآخرة هو خير ضمان لأن يكون الشخص أكثر التزاماً بالقانون وأن يؤدي الأعمال المسندة إليه بكل أمانة ونزاهة، لأنه يعلم أنه إن حاد عن الطريق المستقيم، وارتكب جرماً في حق بلده وفي حق وطنه واستطاع أن يفلت من عقاب القانون فإنه لن يفلت من عقاب الله ـ عز وجل ـ. والإسلام قد اهتم بتكوين وتربية ضمير المسلم وجعله حياً يقظاً، وهذا الضمير الحي الن ابع من الإيمان بالله هو أفضل ضمان لنجاح التشريعات وأساس متين لحياة اجتماعية أفضل. ولقد عبّ ر فقهاء المسلمين عن الإنسان الورع التقي ذي السلوك المستقيم والضمير الحي (العدالة) التي سبق تعريفها، ولَبد من وضع الوسائل الكفيلة حتى يصل عضو البرلمان الذي يتوفر فيه هذا الشرط، خاصة بعد النص في الدساتير العربية والإسلامية على أن الإسلام دين الدولة والشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع، وذلك بأن ينص على هذا الشرط في القانون الخاص بشروط الترشيح لعضو البرلمان خالية من الجرائم، بل 1 الدولة الإسلامية والمبادىء الدستورية، ص101.

عدد الصفحات ١٥١

152 يجب أن تتوافر فيه شرط (العدالة) أي أن يكون ورعاً تقياً ملتزماً بأحكام دينه، كما على واضعي القانون أن يضعوا الوسائل اللازمة التي تسهل على الأفراد معرفة المرشحين بحيث يتمكنون من معرفة المؤهلات الثقافية والسياسية للمرشحين وكذلك معرفة السيرة الذاتية لكل واحد منهم1، ومعرفةأفعاله وسلوكه وأن تهتم وسائل الإعلام المختلفة بهذه النواحي، وعلى الأفراد أن تسأل وتتحرى عن أخلاق وسلوك كل من هو مرشح لعضوية البرلمان، فلا تكتفي باهتمام المرشح بالأمور العامة وبهمومهم وبخدماتهم الشخصية لهم، بل يجب أن تهتم بمعرفة تقواه ومدى التزامه بأحكام دينه، حتى يتسنى لهم معرفة من هو أكفأ لمهمة عضوية البرلمان، وأن تختار الأصلح لذلك2. ويمكن التغلب على مشكلة اختيار الأصلح بطريقة مستوحاة من فكرة أهل الحل والعقد في الفكر الإسلامي وذلك بأن تشكل لجنة مستقلة في كل دائرة انتخابية من أشخاص مشهود لهم بالعلم والتقوى والكفاءة والأمانة وتعرض عليهم أوراق المرشحين وتختار من بينهم مجموعة تتوافر في كل واحد منهم الشروط التي يتطلبها الإسلام، وتعرض الأسماء على أفراد الشعب، لينتخبوا من يرونه الأفضل3. ومن أهم ضوابط وآداب الناخب ما يلي ـ اعتبار الترشح مسؤولية وأمانة يحاسب عليها العبد يوم القيامة. ـ إدراك أن سوء الَختيار يؤدي إلى ضياع الأمانة. ـ البعد عن الأهواء والمجاملات والقرابات. ـ تغليب مصلحة الوطن على مصلحة الحزب أو القبيلة أو الجهة أو جماعة معينة. ـ العمل على تقوية قوى الخير داخل العملية السياسية. 1 الدولة الإسمية والمبادىء الدستورية، ص: 103. 2 الدولة الإسلامية والمبادىء الدستورية، ص103. 3 المصدر نفسه، ص103.

عدد الصفحات ١٥٢

153 ـ الحرص علىاختيار الأكفأ والأجدر. وهو ما عبر عنه القرآن على لسان ابنة العبد الصالح: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَْمِينُ ﴾ (القصص، آية: 26.) وبقوله سبحانه على لسان يوسف﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظ عَلِيم ﴾ (يوسف، آية: 55.) وفي قوله في سر اصطفائه لطالوت قال: ﴿ قَالَ إِنَّ اللهَّ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ﴾ (البقرة، آية: 247)1. فالصوت الَنتخابي من حق الوطن، فلا يصح أن يتأخر قادر على إبداء صوته في قضية هي من أمس القضايا بالواجبات الوطنية، فاحرصوا على أداء الواجب ولَ تعطلوا أصواتكم ولَ تهملوها. ويجب أن تعلموا أن إعطاء الصوت شهادة تُسألوا عنها، فحكِّ موا ضمائركم وعقولكم، وكونوا أحراراً في مناصرة الحق، شجعاناً في اختيار الأصلح، واشترطوا على نوابكم أن يكون منهاجهم وطنياً إسلامياً يؤيد قضية الإسلام، ويعمل على صبغ الأمة بتعاليمه وشرائعه، ولَ تغلبنكم المجاملات والعواطف، فإن مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتأملوا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء للهِِّ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًا أَوْ فَقَيرًا فَاللهُّ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللهَّ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ (النساء، آية: 135.) 1 الَنتخابات أحكام وضوابط، ص73 إلى75.

عدد الصفحات ١٥٣

154 إن معركة الَنتخابات لمجلس التشريع الأعلى في البلد من المعارك المشرفة، فمن أهم الواجبات أن تكون على أطهر حال وأشرف مثال بعيدة عن السباب والشتائم، لَ تُنال فيها الأعراض ولَ تنتهك الحرمات ولَ تدنسها الغيبة الفاحشة والنميمة الكاذبة، والرياء القاتل، والنفاق الوبيل، لَ مانع أن يعرض الإنسان منهاجه ومنهاج من يناصره، ويتكلم عن مزاياه وفضائله، ويدلي بالحجج والبراهين على صلاحيته، ولكن لَ يصح مطلقاً أن يغتاب المن افس ويسبه ويشتمه ويلصق به المعايب والتهم بحق أو بغير حق، فإن ذلك ليس من الدين ولَ من المروءة ولَ من الإنسانية في شيء، ولئن قالوا: إن ذلك جائز في عرف السياسة، فإن الإسلام لم يتسامح فيه أبداً، والله تبارك وتعا لى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لََ يَسْخَرْ قَوم مِّن قَوْم عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلََ نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلََ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلََ تَنَابَزُوا بِالأَْلْقَابِ بِئْسَ الَِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِْيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ (الحجرات، آية: 11)1. ثانياً اختيار أعضاء البرلمان في النظم الديمقراطية المعاصرة، يعد نظام الَنتخاب هو الوسيلة الديمقراطية لإسناد السلطة للحكام، حتى إن بعض الفقهاء يربطون بين الديمقراطية والَنتخاب ويرون أنه لَ قيام للديمقراطية ما لم يكن الَنتخاب وسيلة لَختيار الحكام ونواب الشعب، والطبيعي أن أعضاء البرلمان يجب أن ينتخبوا من قبل الشعب وليس بالتعيين من قبل الحاكم والحجة في ذلك: 1 ـأنه يوجد دليل في القرآن الكريم يؤيد مبدأ الَنتخابات وهو قول الله عز وجل : ﴿ وَلَوْ كُنتَ فَظًا غَلِيظَ الْقَلْبِ لََنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾ (آل عمران، آية: 159). والمقصود بالجماعة الذين يأمر الله عز وجل أن يستشيرهم الرسول صلى الله عليه وسلم هم الجماعة المسلمين، أي ما يسمى في وقتنا الحاضر بالقاعدة الشعبية، 1 مجلة الإخوان المسلمون، سنة1936م، كلمة للشيخ حسن البنا

عدد الصفحات ١٥٤

155 وهذا يعني في عصرنا الحاضر أن على الحاكم أن يستشير ممثلي الشعب الذين يختارهم الشعب نفسه لَ أن يستشير أصدقاءه الذين يعينهم، ولو كان المقصود فئة خاصة لكانت الآية الكريمة وشاور أصحابك1. 2 ـإن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتبع الَنتخاب وذلك في بيعة العقبة الثانية وتفصيل ذلك: أن الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج قد أرسلوا وفداً منهم مكوناً من ثلاثة وسبع ين رجلاً وا ثنتين من النساء لمبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم في العقبة، وبعد البيعة طلب منهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينتخبوا من بينهم اثني عشر نقيباً لكي يتولوا أمرهم ويمثلوهم ويكونوا الصلة بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم وقال في ذلك صلى الله عليه وسلم: «أخرجوا إليا منكم اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم بما فيهم »2، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً تسعة من الخزرج وثلاث من الأوس، وفي ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم يبين لنا أهمية الرجوع إلى القواعد الشعبية وإعطاؤهم حق الَختيار فيمن ينوب عنهم وترجمة ذلك في عصرنا الحالي هي أن ينتخب من الشعب مجلس من الأشخاص الذين يمثلون الشعب تمثيلاً صادقاً. 3 ـإن الأحاديث النبوية الواردة بمنع طلب الولَية يمكن حملها على طلب الولَية ممن يطلب بها ديناً ورياسة واستعلاء، لَ للقيام بفرضيتها أو من ضعيف لَ تتوافر فيه شروط الولَية، فالسنة النبوية الناهية عن طلب الولَية ورد فيها تعليل ذلك النهي بأنه التطلع المذموم إلى الولَية للاستعلاء بها وإشباع هوى في النفس لَ للقيام بفرضيتها ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة»3، وكلمةستحرصون" تدل على هذا المعنى، فطلب الولَية ليس محضوراً لذاته وإنما المحضور ما يرافقه من الهوى وحب الرئاسة ولذلك قال بعض الفقهاء: طلب الإمارة لَ لذاتها، بل للقيام بواجباتها سنة الأنبياء والمرسلين وطلب الإمارة لذاتها طلب ملك 1 الدولة الإسلامية والمبادئ الدستورية، ص104 ـ107. 2 مسند أحمد3 /462)، رجاله رجال الصحيح 3 صحيح البخاري، الحديث رقم7148.

عدد الصفحات ١٥٥

156 ورياسة، كما أن القرآن الكريم ذكر أن سيدنا يوسف عليه السلام قد طلب الولَية حيث جاء في القرآن الكريم على لسان يوسف عليه السلام: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظ عَلِيم ﴾ (يوسف، آية: 55). ولَ يظن أن يوسف عليه السلام طلب هذا المنصب حرصاً منه على المنصب ولكن طلبه ليجعله وسيلة لتحقيق مقاصد ترضي الله عز وجل1. إن الأسلوب المناسبختيار أعضاء البرلمانات في الدولة الحديثة المسلمة في عصرنا الحاضر هو الَنتخاب، وذلك لأنه في ظل مجتمعاتنا المعاصرة وما وصلت إليه من تقدم ومن تعقيد يصعب معه معرفة رأي الأمة في شيء معين إلَ عن طريق الَنتخاب، كما أن نظام الَنتخاب أفضل من نظام التعيين الذي يؤدي في غالب الأحوال إلى استبداد الحكَّام 2. ويذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى أن نظام الَنتخاب ربما لَ يأتي إلى البرلمان بمن هو أهل لهذا المجلس، لذلك يكون للحاكم الحق في تعيين عدد من كبار العلماء في كل فروع العلم المختلفة، وبذلك يكون في المجلس من هو مثقف ثقافة عامة ومن هو عالم متخصص في علمه، بحيث إذا عرض أمر في الأحكام الدينية وجد العالم المتخصص في الشريعة وأحكامها، وإن كان في الأمور التجريبية وجد العالم المتخصص في ذلك3. ومن الأفضل عدم تعيين العلماء، كأعضاء في البرلمان أيأن يكون جميع أعضاء البرلمان بالَنتخاب وأن يقوم البرلمان بتعيين العلماء كخبراء ومستشارين باللجان التي يستعين بها البرلمان، للاستفادة من علمهم وخبراتهم، وذلك حتى لَ تُثار شكوك حول مصداقية العلماء الذين يعينهم الحاكم كأعضاء في البرلمان4. ولَ شك أن السلطة المنتخبة، هي راعي الأمن الوطني الأول، ومن ظن أن الأمن الوطني بأنه الحديد والنار فهو واهم ومخادع، فالأمن الوطني يأتي من الَقتناع، من المؤسسة المنتخبة المختارة من الرجال الصالحين الذين لم يصلوا إلى صياغة أوطانهم عبر قهر 1 الدولة الإسلامية والمبادئ الدستورية، ص108. 2 المصدر نفسه، ص108. 3 المصدر نفسه، ص109. 4 المصدر نفسه، ص110.

عدد الصفحات ١٥٦

157 خارجي ولَ خداع حزبي، بل اختارهم الناس بسبب خبرتهم وقدرتهم وصدقهم وإخلاصهم ومعرفتهم لأنه في حال توهم الأمن الوطني بأنه قوة عسكرية فإن روسيا لم يحمها سلاحها الجبار من التمزق، ولَ قداسة الشاه وتاريخه حمى عرشه في إيران، ولَ ألوهية إمبراطور اليابان وملوك فرنسا ولَ دماؤهم الإلهية حمتهم، ولكن العدل والَنتخابات أبقى الَحترام الملكي لملوك بريطانيا والنرويج وغيرها من الدول الملكية، وجمعت هذه الدول بين الأمن الحالي والمستقبلي من خلال زعماء راشدين يقدرون التاريخ والحاضر، فلا يستبدون ولَ يتنكرون لمن كان له أي فضل. نعم صوت كل فرد يساوي الآخر، وقد تمارس حيل وصرف عن غاية هذه السمة، وتتدخل معوقات ولكن استقرار " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ " عقيدة وممارسة في المجتمع، يجعل الإنسان يصر على تحقيق كرامته بصرف النظر عن حيل من يلوونها يميناً وشمالًَ، فسيكون للفرد مبدأ يرجع له ويتحاكم إليه وفق الشريعة التي يؤمن بها1. 1 الديمقراطية الجذور وإشكالية التطبيق محمد الأحمري، ص: 204.

عدد الصفحات ١٥٧

158 المبحث الخامس وظائف البرلمان في ظل المتغيرات المتجددة في عالمنا العربي والإسلامي تطمح الشعوب إلى برلمانات تتناسب مع هذه الثورات المجيدة التي ضربت بكل توقعات المراكز الإستراتيجية والمستقبلية عرض الحائط، وغيرت النظرة السلبية تجاه المواطن العربي والمسلم بحيث أصبح في مقدوره أن يثور على حاكمه، وأن يطالب بحقه، وأن يعلن الشيء الذي يريد، وكان في رأس أولياته أن: الشعب يريد إسقاط النظام، وحيث أن الفاعل الحقيقي في البرلمان هم النواب، فإن الشعوب تعقد آمالًَ كثيرة على هؤلَء النواب لتظل الثورة على الظلم والفساد باقية، ما يحقق للشعوب الحرية والعدالة، ويرسخ مطالب الثورة التي مات من أجلها من مات، وأصيب من أصيب. والنائب في البرلمان له وظائف، بعضها أساسي وبعضها ثانوي، وهو لَ يطالب بالثانوي إن عاقه عن أداء الأساسي، وتتمركز أدوار النائب فيما يلي1: أولاً : الدور التشريعي وهذا الدور من الأدوار الرئيسة التي يطالب بها النائب، حيث يناط به ـ مع أعضاء البرلمان من النواب ـ أمر سن القوانين والتشريعات التي تضبط علاقة الفرد بالفرد، والفرد بالمجتمع، والفرد بالدولة والدولة بغيرها من الدول، ومن ثم فهو مطالب باقتراح القوانين والتشريعات التي تخدم الوطن، كل الوطن بكل أطيافه، دون محاباة لأحد، مع مراعاة أن يكون ذلك وفق شرع الله2. والتشريع الإسلامي يكون أحد أمور ثلاثة ـ إيجاد شرع مبتدأ وهو لَ يكون إلَ لله. 1 الَنتخابات أحكام وضوابط، ص69. 2 الَنتخابات أحكام وضوابط، ص69.

عدد الصفحات ١٥٨

159 ـ بيان حكم تقتضيه شريعة قائمة ـ وضع القوانين المنظمة لشتى مجالَت الحياة1. ولَبد من مؤهت لنواب البرلمان المنوط بهم الَجتهاد في وضع قوانين الدولة التي لم ينص عليها الشرع، وهذه المؤهلات هي: أ ـ الإيمان الكامل بالشريعة الإلهية، وبأن ها على الحق والرغبة المخلصة في اتباعها، واستمداد الأهداف والمبادىء والمعايير منها. ب ـ العلم باللغة العربية وقواعدها وآدابها لأن القرآن منزل بها، ومصادر التعريف بالسنة مكتوب بها. جـ ـ العلم بالقرآن وبالسنة، بحيث يقف المجتهد على تفاصيل الشريعة وأحكامها الجزئية وأصولها ومبادئها الكلية على السواء. د ـ العلم بأعمال المجتهدين السابقين في الأمة، والذي لَ تقف ضرورته وأهميته عند حد الَجتهاد والتمرس به، وإنما هو مهم لَستمرار الَرتقاء القانوني أيضاً وتسلسله، إذ معنى الَجتهاد ـ على أي حال ـ ليس إعراض كل جيل عن منجزات الأجيال السابقة، وشروعه في البناء من جديد. هـ ـ العلم بظروف الحياة العملية ومشاكلها، لأن الغاية المطلوبة هي تطبيق أحكام الشريعة ومبادئها وقواعدها عليها. و ـ حسن السيرة والسلوك من وجهة نظر الأخلاق الإسلامية، لأن الناس لَ يثقون في أي اجتهاد من دون ذلك، كما أن الناس لَ يكنون احتراماً لهذا القانون الذي يصدر عن اجتهاد أناس غير صالحين2. هذه الشروط ينبغي أن تتكامل في أشخاص أعضاء البرلمان مجتمعين بحيث لَ يشترط أن تتكامل في شخص فرد منهم، وأي اجتهادات لَ تصدر عن مراعاة كاملة لهذه الَحتياطات والَشتراطات، فلربما أتت بأحكام عشوائية لَ تنسجم مع الإسلام، لَ في قواعده الكلية ولَ في روحه العامة، ولَ تتماشى مع متطلبات بناء المجتمع الإسلامي، 1 الدولة الإسلامية والمبادىء الدستورية، ص61. 2 مدخل إلى الفلسفة السياسية، ص232.

عدد الصفحات ١٥٩

160 ومن ثم لَ يمكن أن تكون قوانين معتبرة في الدولة الحديثة المسلمة1. ويرى الدكتور سليمان محمد الطماوي رأي قابل للنقاش حول التشريعات المتعلقة بالقوانين في البرلمان حيث يقول: إن الصفات التي يتعين توافرها في المجتهد لَ يمكن اكتسابها في الوقت الحاضر إلَ لمن تلقى قدراً معيناً من الثقافة، ولما كانت الدولة هي التي تشرف على التعليم في الدولة الحديثة، فإنه من الممكن حصر صفات الَجتهاد في حملة شهادة معينة تعترف بها الدولة الحديثة رسمياً، بعد التثبت من أن تلك الشهادة لَ تمنح إلَ لمن يصل إلى مرتبة الَ جتهاد، ثم يتكون من حملة هذه الشهادة مجلس استشاري تعرض عليه كافة مشروعات القوانين قبل أن تتولى السلطة التشريعية إصدارها ليقرر مدى مطابقتها للأصول العامة في التشريع الإسلامي، ثم يعرض هذا الأمر على السلطة التشريعية قبل أن تقرر التشريع بصفة ملزمة. وهذا الحل لَ يجافي بحال من الأحوال الأصول الدستورية الحديثة، لأن من حق المجالس المنتخبة أن تستعين في أداء عملها بآراء الفنيين والمتخصصين لتغطي ما في أعضائها من نقص بسبب عدم اشتراط التخصص الفني من المرشحين، ولهذا تعددت المجالس الفنية على مستوى الدولة في مختلف المجالَت وبمختلف الأسماء2. إن المسلم الذي يدعو إلى الديمقراطية إنما يدعو إليها باعتبارها شكلاً للحكم يجسد مبادىء الإسلام السياسية في اختيار الحاكم، وإقرار الشورى والنصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومقاومة الجور ورفض المعصية، خصوصاً إذا وصلت (كفر بواح) فيه من الله برهان، ومما يؤكد ذلك: أن الدستور ينص ـ مع التمسك بالديمقراطية ـ على أن دين الدولة هو الإسلام، وأن الشريعة الإسلامية هي مصدر القوانين، وهذا تأكيد حاكمية الله، أي حاكمية شريعته وأن لها الكلمة العليا، ويمكن إضافة مادة في الدستور صريحة واضحة: أن كل قانون أو نظام يخالف قطيعات الشرع فهو باطل، وهي في الواقع تأكيد لَ تأسيس3 . وينبغي على هذا الأساس الدستوري الأمور التالية 1 المصدر نفسه، ص232. 2 السلطات الثلاث، ص348. 3 من فقه الدولة في الإسلام للقرضاوي، ص141.

عدد الصفحات ١٦٠