هل العهد الجديد كلمة الله ؟ رئيس الملائكة ميخائيل حول جسد موسى، وهيه القصة مأخوذة من كتاب رفع جسد موسى، وهو واحد من كتب البوكريفا اليهودية، وفي عدد 14 يحيو يهوذا حيو غيره من كتاب العهد الجديد، فيقتبس جزءًا آخرمن نبوة مأخوذة من سفر أخنوخ لإثبات صحة كلامه، الأمر الي يشير إلى أنه كان يعتبرها نبوءة حقيقية»(1). ويقولأوسابيوس عن رسال تي يعقوب ويهوذا« :الرسالة [ متنازع عليها ، أو على الأقل أن الكثيرين من الأقدمين لم ييكروها في كتاباام ، كما هو الحال في أمر الرسالة التي تحمل اسم يهوذا ، ومع ذلَ فنحن نعلم أن هاتين الرسالتين قرئتا علنًا مع سائر الأسفار في كنائس كثيرة جدً ا » (2) . ويكمل وليم باركلي«لم تقبل رسالة يهوذا كأحد أسفاره القانونية إل بعد جهد جهيد، وإلى عهد قريب كانت الرسالة في عداد الأسفار التي يدور حولها ل ط كثير، ولم تحظ بالقبول الكامل كجزء من العهد الجديد إل في عصر متأخر»(3). ويقول الآباء اليسوعيون«لشَ أنها كانت تحظى ببعض الشهرة، ول يمكن التقليل من قوة التيار اليهود المسيحي الي تنتسب إليه .. اعترض دخولها قانون الكتاب المقدس بعض العقبات، ولسيما في كنائس سوريا، .. قبلت في وقت مبكر جدًا في روما والإسكندرية وقرطاجة، وقال هيرونيمس (ت 420م): إن الشَ الي تناول الرسالة يعود إلى ما اقتبسته من مؤلفات لم تعترف بها الكنائس»(4). وأما رسالة يعقوبفـ «لم تحظ بمكان في العهد الجديد إل بتدرج بطيء جدًا، (1) تفسير العهد الجديد (رسائل يوحنا ويهوذا)، وليم باركلي ، ص (269.) (2) تاريخ الكنيسة ، يوسابيوس القيصر ، ص88 . ) (3) تفسير العهد الجديد (رسائل يوحنا ويهوذا)، وليم باركلي ، ص (268.) (4 )مقدمة الرسالة في الرهبانية اليسوعية، ص787.)
عدد الصفحات ٦٦هل العهد الجديد كلمة الله ؟ مني أول القرن الثالث ، ولم تحصل على الصفة القانونية في ال رب إل في آخر القرن الرابع، وبعد مناقشات طويلة »(1). وآخر الأمر رأت الكنيسـة ضـرورة توحيـد الـرؤى بخصـوص الكتـاب المقـدس وحسم الخلاف حول قدسية الأسفار المتنازع عليها، فمتى حصل هيا التوافق ؟ في عام 393م انعقد مجمع هيبو لدراسة تحديد قائمة للكتاب المقدس، ثم استكملت اعماله عام 397م في مجمع قرطاج الي حضره الأسقف أوغسطينوس، مستحضرًا قانون الأغلبية الي حسم الخلاف بين الكنائس المختلفة، وجمعها على قائمة واحدة مكونة من 27 سفرًا كما قررت ذلَ المادة 24 من قرارات المجمع(2) ، يقول فيلسيان شالي« :تكون هيا القانون بصورة نهائية في القرن الرابع ، وقد اضطروا لتكوينه بجمع الكتابات التي تقرأ في الكنائس الكبرى ، والتي اعتبرت متفقة مع الآراء المتوسطة المقبولة من المسيحية في ذلَ العهد » (3) . ولم يمنع هيا الإجماع الي صمد قرونًا من صدور أصوات مهمة تتشك قانونية هيه الرسائل، كان أهمها الراهب الألماني وأستاذ اللاهوت مارتن لوثر (ت 1546م) مؤسس البرتستنتية، فعن رسالة يعقوب صدر الموقف الأصعب بحقها من مارتن لوثر الي قال عنها: «إنما هي رسالة كالتبن»(4)، ووفق ترجمة القس منيس عبد (1 )مقدمة الرسالة في الرهبانية اليسوعية، ص721.) (2 )انظر تاريخ الكنيسة، جون لوريمر3/99) ، والوضع الإلهي في تأسيس الكنيسة، الأنبا إيسوذوروس (1/239.) (3) موجز تاريخ الأديان ، فيلسيان شالي ، ص227 . ) (4 )الكوكب الوضاح في تاريخ الإصلاح، الأب فان هام، ص42)، وانظر قصة الحضارة، وليام ديورانت (24/75.)
عدد الصفحات ٦٧هل العهد الجديد كلمة الله ؟ النور «من قِش»(1) ،وكان لوثر ييهب إلى القول : «إنها مؤلف يهود تجب إزالته من قانون الكتاب المقدس»(2) ولعل سبب هيا الموقف القاسي من الرسالة تأكيدها على ضرورة الأعمال الصالحة كطريق للخلاص (3)، وهو ما يناقض آراء لوثر، والتي كان يراها معيارًا مكافئًا لمعيار قبولها عند الآخرين بسبب جودة تعليمها . وغير بعيد عنه ما قاله عن سفر الرؤيا، يقول المفسر الدكتور وليم باركلي أستاذ العهد الجديد بجامعة جلاسكو: « أما مارتن لوثر فقد رفض أن يعطي هيا السفر الرؤيا ] الجديد ، وأضافه إلى أسفار أخرى هي رسائل يعقوب ويهوذا وبطرس الثانية والعبرانيين ، واقترح أن يضيف هيه في نهاية العهد الجديد » (4) . وهيا الموقف السلبي من سفر الرؤيا سببه عند لوثر : « أن هيا السفر ل يعلّم عن المسيح ، ول يشير إليه بوضوح ، ول يتضح فيه أنه من وحي الروح القدس » . وكيلَ فإن المصلح السويسر زونجلي فسَّر في عظاته كل أسفار العهد الجديد إل سفر الرؤيا لأنه وفقًا لولديورانت «لم يكن يحبه»(5)، بلقال : « ليس لنا شأن بسفر الرؤيا ، لأنه ليس سفرًا كتابيًا ، فليس فيه طعم كتابات يوحنا .. وفي وسعي أن أرفضه»،ويعقب المفسر باركلي: « وقد اشترك مع لوثر وزونجلي كثيرون ». كما نقل باركلي عن بعض المفسرين قولهم : « إن عدد الأل از الموجودة (1 )شبهات وهمية حول الكتاب المقدس، منيس عبد النور، ص (418)، وانظر: كيف يفكر الإنجيليون؟ واين جردوم، ص (53.) (2 )مقدمة الرسالة في الرهبانية اليسوعية، ص721.) (3 )انظر: قاموس الكتاب المقدس، ص1077.) (4) تفسير العهد الجديد ( سفر الرؤيا ) ، وليم باركلي ، ص9 . ) (5 )قصة الحضارة، ولديورانت(24/114) .
عدد الصفحات ٦٨هل العهد الجديد كلمة الله ؟ سفر الرؤيا يساو عدد كلماته ، وقال آخر : إن دراسة الرؤيا تصيب الإنسان بالخبل ، أو إن الي يحاول القيام بها مخبول » (1) ، وذلَ لل رمزية التي يستخدمها الكاتب، والتي يستحيل منها الخروج بنتيجة ذات بال، فالكثير من نبوءات ه غير مفهومة، أو مستحيلة الحدوث. ليلَ أدرجه حبيب سعيد في مرتبة الخيال، ل الحقائق، فبعد أن وجد فيه «أرقامًا سرية، ورموزًا ملفوفة بالضباب، ووعودًا لم تكتمل » قال«إن سفر الرؤيا يقف في مرتبة سامية علياء من حيث الخيالت الروحية، وإن يكن تأويله غامضًا ، ونبواته لم تتحقق .. ل نحس فيه بالواقعية التاريخية التي نراها في بشائر الأناجيل، ول الإيمان الثابت الراسخ الي نعيشه في رسائل بولس»(2). من بين عشرات الكتب قررت الكنيسة اختيار كتابها ، وأصدرت بيلَ مراسيم وإعلانات بدأت بتشكيل رأ عام في الكنائس مع بداية عصر المجامع في القرن الرابع بمجمع نيقية 325م، ففي هيا العصر أمرت الكنيسة باعتماد الأناجيل الأربعة ورفض ما سواها من الكتب المتناثرة في مكتبة القرون الأولى ، من غير أن تقدم مبررًا علميًا لهيا الختيار ، أو قاعدة صلبة تم بموجبها إقرار الكتب القانونية، واستبعاد ما رذلته الكنيسة وأسمته (أبوكريفا). يقول يواكيم إرميا: «ولما رأت الكنيسة أن الأمر جدُّ خطير بدأت في تقصي أسس هيه البشائر الأربع ة المعروفة ، واعتبرت ما سواها ( بشائر أبو كريفية ) ، (1) تفسير العهد الجديد ( سفر الرؤيا ) ، وليم باركلي ، ص9 . ) (2 )المدخل إلىالكتاب المقدس، حبيب سعيد، ص (374) .
عدد الصفحات ٦٩هل العهد الجديد كلمة الله ؟ طوردت وجمعت وأحرقت حتى اختفت »(1). وفي ذلَ يقول العالم الألماني تولستو في مقدمة إنجيله الخاص الي وضع فيه ما يعتقد صحته : «ل ندر السر في اختيار الكنيسة هيا العدد من الكتب وتفضيلها إياه على غيره ، وا عتباره مقدسًا منزلً دون سواه مع كون جميع الأشخاص اليين كتبوها في نظرها رجال قديسون .. ويا ليت الكنيسة عند اختيارها لتلَ الكتب أوضحت للناس هيا التفضيل .. إن الكنيسة أخطأت خطأ ل ي تفر في اختيارها بعض الكتب ورفضها الأخرى واجتهادها .. » وليرى فيلسيان شالي كبير خلاف يميز الأناجيل المعتبرة عن المرفوضة « : إن هناك نتيجة مسلمًا بها ، وليس فيها أ مجال للماراة : هي أن الكتب العائدة للكنيسة ل تختلف إطلاقًا عن الأدبيات المسيحية الأخرى ، وليس هناك من فاصل مطلق أو تمييز أساسي بين الأناجيل والرسائل والرؤى الكنسية ، وبين الأناجيل الأخرى والرسائل الأخرى والرؤى الأخرى »(2)، وهكيا ل يحق لرجال الكنيسة إعطاء صفة القانونية للأناجيل الأربعة ، كما ل يجوز لهم إبطال صحة هيه الأناجيل واعتبارها أبوكريفا ( مزيفة ) دون تقديم مبررات علمية مقنعة؛ خلاف اليوق والموافقة لما أرتاته م ن عقائد وآراء، إذ يفترض أن تصدر هيه الآراء عن الكتب المقدسة، ل أن تكون معيارًا لقبولها ورفضها. وقد تعقب فولتير في مقاله «المعجزات» الكنيسة، وتساءل«من خول الكنيسة سلطة الحكم بأن أربعة فقط من الخمسين إنجيلاً التي دونت في القرن الي تلى موت (1) أقوال المسيح غير المدونة في بشائر الأناجيل، يواكيم إرميا ، ص () . (2) موجز تاريخ الأديان ، فيلسيان شالي، ص (234) .
عدد الصفحات ٧٠هل العهد الجديد كلمة الله ؟ المسيح، هي وحدها - أ الأناجيل الأربعة - معتمدة موحى بها من عند الله؟»(1). والسؤال المهم: ما هي المعايير التي تبنتها الكنيسة في اختيارها للأسفار لتكون مقدسة؟ تأتينا إجابات عدة، منها الإعجاب بمضومنها، يقول القس جورج رحمة عن إكليمندس السكندر : «فإن قانونية العهد الجديد نظره لم تكن تستند إلى قول الرسل، بقدر كان محتواها هوقانونيتها الحقيقية، وليلَ نراه غالب الأحيان يعتبر بعض الكتب موحاة نظرًا لمضمونها، مثل رسالة البابا إكليمندس الروماني إلى الكورنثيين، وكتاب الراعي لهرماس، ورؤيا القديس بطرس، وغيرها من الكتب التي كانت مستعملة في ذلَ الزمن»(2). ومنها: الربط بين الكتاب واحد الرسل أو تلامييه، يقول المفسر وليم باركلي: «وحسمًا للنزاع تقرر وضع قاعدة للسير بموجبها، وهيه القاعدة هي التأكد من أن كاتب هيا السفر هو أحد الرسل، أو ممن كانت له صلة مباشرة بواحد من الرسل»(3) ويقول الآباء اليسوعيون« :يبدو أن مقياس نسبة المؤلف إلى الرسل استعمل استعمالً كبيرًا ، ففقد رويدًا رويدًا كل مؤلَف لم تثبت نسبته إلى رسول من الرسل ما كان له من الحظوة »(4). ولكن هيا القول إنما يصح لو كانت هيه الأناجيل جميعًا قانونية ، ثم بدأ بعضها يفقد بريقه عند التحقيق والتدقيق ، بينما حصل العكس في تاريخ الكتاب (1 )قصةالحضارة، وليام ديورانت (38/201 . ) (2 )إكليمندس السكندر ، جورج رحمة، ص102.) (3 )تفسير الرسالة إلى العبرانيين، وليم باركلي، ص17.) (4 )مقدمة العهد الجديد في نسخة الرهبانية اليسوعية، ص8.)
عدد الصفحات ٧١هل العهد الجديد كلمة الله ؟ المقدس ، إذ لم يعتبر شيء من هيه الكتب قانونيًا ، ثم بدأ في الختيار فيما بعد. ومنها: الشهرة والأقدمية ، وكما يقول الدكتور برنت هلمين ستريتر في كتابه "البشائر الأربع ة" The Four Gospels ) :«والجماعة عادة ل تخل ع الصفة القانونية الرسمية على عدد من المؤلفات إل بعد أن يتقادم عهدها وتبلغ درجة عليا من الشهرة وقوة السلطان بسبب خواصها الداخلية»(1). لكن الإجابة الأكثر دقة، هي ما نقله الأنبا إيسوذورس في وصف ما حصل مجمعي هيبو وقرطاج الليين قادهما القديس أوغسطينوس، فقد «وضع القديس أوغسطينوس هيه النظرية قائلاً: لنتبع في قانونية الكتب سلطة أغلبية الكنائس الكاثوليكية»(2)، فبهيه الآلية الديمقراطية قبل الجميع قائمة موحدة من الأسفار التي كانت موضع تنازع، وانتهى مجمع قرطاج إلى اعتماد القائمة المعترف عليها حتى يومنا هيا. ويوضح الصورة ـ بدقة أكثر ـ الدكتور واين جردوم أستاذ كلية اللاهوت في ترينتي فيقول : « علينا أن نعي أنه ليس من المستحيل أو من المستهجن أن ترتكز الكنيسة على مجموعة من العوامل ، منها الدعم الرسولي ، والتناغم مع سائر الأسفار الكتابية ، وإدراك أغلبية ساحقة من المؤمنين أن كتابة معينة هي موحى بها من الله ، لكي تقرر أن كتابة معينة هي حقًا كلمات الله ، وتندرج بالتالي ضمن القانون » (3) . وهكيا تبين لنا من خلال استعراض مسيرة الأناجيل تأليفًا وتقديسًا ، أن تقديس (1 )المدخل إلىالكتاب المقدس، حبيب سعيد، ص (232) ومصادر الكتاب المقدس، القس صموئيل مشرقي، ص (64). (2 )الوضع الإلهي في تأسيس الكنيسة، الأنبا إيسوذوروس1/239.) (3) كيف يفكر الإنجيليون في أساسيات الإيمان المسيحي ، واين جردوم ، ص49 . )
عدد الصفحات ٧٢هل العهد الجديد كلمة الله ؟ هيه الكتب عمل بشر ل يستند إلى دليل من هيه الكتب ، بل هو قرار اختلفت فيه الكنائس زمنًا طويلاً قبل حسم الخلاف في مجامع بشرية عرضة للصواب والخطأ، وبمعايير بشرية ، ولو كانت هيه الكتب من الوحي لما اختلفت فيها المجامع ، ولما احتاجت إلى قرار كنسي لتصبح كلمااا أسفارًا مقدسًا ووحيًا إلهيًا .
عدد الصفحات ٧٣هل العهد الجديد كلمة الله ؟ نشطت حركة التأليف في الجيل الأول من النصرانية بشكل واسع ، وظهرت أناجيل كثيرة كما تدلنا على ذلَ مقدمة إنجيل لوقا «إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخدامًا للكلمة ، رأيت أنا أيضًا ، إذ قد تت بعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلم الذي علّمتَ به » ( لوقا1 :1- 4 ) ، لكن هيه الكثرة الكاثرة من الأناجيل التي سطرها تلاميي المسيح لم يكتب لها القبول فيما بعد من الكنيسة ، فاندثرت وأضحت في خبر كان . ولم يسـتطع العلمـاء تقـديم عـدد محـدد لأولئـَ الــ «كثيـرون» الـيين رأى لوقـا كتاباام قبل أن يكتب إنجيلـه، وأوصـلها نتشـة ( 1810م في كتابـه (Ecce Homo) إلــى أربعــة وســبعين كتابًــا ، وعــدّدها ، فــيكر أن منهــا مــا هــو منســوب لعيســى وأمــه ، وللحواريين ، ومنها ما هو منسوب للإنجيليين الأربعة ، وبعـض البـاحثين يصـل بعـدد الأناجيل إلى مـا يربـو علـى المائـة كتـاب ، ومنهـا مـا هـو منسـوب لجماعـات مسـيحية قديمة كإنجيل المصريين والناصريين . وهيه الكتابات لم تكن متداولة ككتب للفائدة فحسب، بل كان ينظر إلى بعضها على أنها أسفار قانونية مكافئة للأناجيل الأربعة، فإنجيل المصريين «يرتقي إلى ما بعد العام 150م، وقد عده المصريون سفرًا قانونيًا »(1)، وكيلَ الحال في إنجيل بطرس الي وضعه أتباع «بدعة المشبهين .. سنة تأليفه قد تكون قبل العام150م»(2)، (1 )تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، المطران كيرلس بسترس ورفيقاه، ص53) . (2 )المصدر السابق، ص53.)
عدد الصفحات ٧٤هل العهد الجديد كلمة الله ؟ وكيلَ يرى بسترس حظوة واسعة لإنجيل يعقوب الأول في كنائس المشرق رغم ورود رفضه في إعلام جلاسيوس في ال رب، ويستدل لحظوته بوجود أكثر من ثلاثين مخطوط له في اليونانية(1). وقد وجد الكثير منها في أقدم المخطوطات الكتابية جنبًا إلى جنب مع الأناجيل والرسائل القانونية. ولعل أهم ما يشير إلى مكانة تلَ الأناجيل والأعمال اعتماد الآباء عليها في كتبهم، وهي شهادة قوية لها ، فلا تكاد قائمة الآباء تخلو من عالم لم يستشهد بهيا التراث في كتبه، بل إن بولس «الرسول» نقل في رسالته إلى أهل كورنثوس عبارة ل نجدها إل في«رؤيا إيليا» و«إنجيل توما» المكتشف في نجع حماد ، وهي شهادة له بالأقدمية والموثوقية من أحد الكتبة اليين تعتبرهم الكنيسة رسلاً . والنص الي اقتبسه بولس من إنجيل توما كان في وصف الجنة التي أعدها الله للمؤمنين، فقال : «بل كما هو مكتوب ن ما لم تر عين ، ولم تسما أذن ، ولم يخطر على بال إنسان ما أعده اب للذين يحبونه »1 كورنثوس2 :9 ) ،وهو عين ما قاله توما: « قال يسوع: سأعطيكم ما لم تره عينٌ، ول سمعته أذنٌ، ول لمسته يدٌ، ول دخل في قلب بشر قط» (إنجيل توما17)، والسؤال هنا: هل كان بولس ينقل ويحيل إلى نص كتاب يراه منحولً أم موثوقاً؟ وكيف سمح له الروح القدس بالنقل من كتاب مزور؟(2). وينقل أوسابيوس في تاريخه تنازع المسيحيين في القرون الأولى في عدد من (1 )المصدر السابق، ص45.) (2 )والنص موجود أيضًا في كتاب صعود إشعيا، ورؤيا إيليا، وكلاهما من أبوكريفا العهد القديم
عدد الصفحات ٧٥هل العهد الجديد كلمة الله ؟ الكتب: «أمّا ما يُسمّى «أعمال بطرس »و«الإنجيل»الي يحمل اسمه و «الكرازة» و«الرؤيا»– كما سُمِّيَت – فإنَّنا نعلم أنَّها لم تُقبل من الجميع، لأنَّه لم يقتبس منها أ كاتب حديث أو قديم. . ولكن نظرً ا لأنَّ نفس الرَّسول في تحيته الواردة بآخر رسالة رومية ذكر – ضمن من ذكرهم – هرماس الي يُنسب إليه السفر المُسمَّى «الراعي»، فيجب مُلاحظة أن هيا السفر مُتنازع عليه»(1). ونقل أوسابيوس عن إكليمندس السكندر «وصف المناظر » أنه وضع «الأسفار القانونية .. رسالة برنابا والسفر المسمى رؤيا بطرس»(2). يقول مدخل ا باء اليسوعيون للعهد الجديد : «وهناك أيضًا مؤلفات جرت العادة أن يستشهد بها ذلَ الوقت على أنها جزء من الكتاب المقدس ، ومن ثم جزء من القانون لم تبق زمنًا على تلَ الحال ، بل أخرجت آخر الأمر من القانون ، ذلَ ما جرى لمؤلف هرماس وعنوانه الراعي ، وللديداكي ، ورسالة أكليمن دس الأولى ، ورسالة برنابا ورؤيا بطرس» (3) . * فالإنجيل الديداكي (تعاليم الرسل) يعتبر من أقدم التراث المسيحي المحفوظ، ويعود إلى نهاية القرن الميلاد الأول، وشاع بين مسيحي القرنين الثاني والثالث، بل واعتبره إكليمندس السكندر (ت215م) كتابًا مقدسًا (4) . * رسالتا الأسقف إكليمندس الروماني (ت 100م) اللتان نجدهما في أهم المخطوطات اليونانية للكتاب المقدس (المخطوطة السكندرية) ، وهو ما يدل على (1 )تاريخ الكنيسة، أوسابيوس القيصر ، ص96-97.) (2 )المصدر السابق، ص261)، وكتاب«وصف المناظر» أو«الشروحات» كتاب مفقود. (3 )مقدمة الرهبانية اليسوعية، ص10.) (4) انظرآباء الكنيسة، أسد رستم، ص (63)، وقصة الحضارة، ديورانت11/315.)
عدد الصفحات ٧٦هل العهد الجديد كلمة الله ؟ تقديسهما في زمن سابق، وقد نقلت مقدمتهما المطبوعة عن إكليمندس السكندر وديديموس الضرير أنهما كانا يعتبران الرسالة الأولى قانوينة(1)، بخلاف الرسالة الثانية التي يُشَ بصحة نسبتها إلى إكليمندس؛ وإن كان ثمة اتفاق على كونها قديمة تعود إلى بواكير القرن الثاني. ويجدر باليكر هنا أن الكنيسة الأثيوبية تقبل هاتين الرسالتين ضمن رسائل أخرى ترفضها بقية الكنائس : «فعلاوة على الأسفار القانونية المعترف بها ، فإنهم يقبلون: راعي هرماس، وقوانين المجامع، ورسائل إكليمندس ، والمكابيين، وطوبيا، ويهوديت، والحكمة، ويشوع بن سيراخ ، وباروخ ، وأسفار أسدراس الأربعة ، وصعود إشعياء ، وسفر آدم ، ويوسف بن جوريون ، وأخنوخ، واليوبيل»(2) ، كما وردت الرسالتان ضمن القائمة المقدسة لـ «قوانين الرسل الخمسة والثمانون » التي تعود للقرن الميلاد الرابع، فقد أضاف القانون 85 «سفرًا ثالثًا للمكابيين ودساتير إكليمندس ورسالتين منه، مسقصًا منها »(3). * كيلَ تنازع الأولون من المسيحيين في كتاب الراعي لهرماس، حيث يعتقد أوريجانوس أنه الشخص الي خصَّه بولس بتحياته في (رومية 16 : 14)، وذكره القانون الموراتور ، ونسبه إلى هرماس أخي البابا بيبوس الأول (ت 150)، ويحتو «الراعي» على خمس رؤى، واثنتي عشر وصية ، وعشرة أمثال، ولأهميته عند المسيحيين في القرنين الثاني والثالث لم يكن مفاجأة وجوده ضمن أهم (1) انظر مقدمة الرسالة، ص ( 29)، وتاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، المطران كيرلس بسترس ورفيقاه، ص (117.) (2) دائرة المعارف الكتابية1/82.) (3 )تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، المطران كيرلس بسترس ورفيقاه، ص30.)
عدد الصفحات ٧٧هل العهد الجديد كلمة الله ؟ المخطوطات الكتابية (السينائية (ق 4)، والسكندرية (ق 5)، المخطوطة الكلارومونتانية ( ق6))، وقد استشهد به الأقدمون، وعدوه قانونيًا، ومنهم الأسقف إيريناوس (ت 202م الي نقل أوسابيوس أنه «ل يعرف كتاب الراعي فقط، بل أيضًا يقبله، وقد كتب عنه ما يلي: حسنًا تكلم السفر قائلاً: أول كل شيء آمن بأن الله واحد...» (1)، وكيل اعتبره كتابًا مقدسًا كل من إكليمندس السكندر وترتيانوس وأوريجانوس الي ذكر أن ثمة من يحط من قدره(2). تقول رابطة الدراسات اللاهوتية الشرق الأوسط في مقدمتها للسفر: «وقد لقى الكتاب نجاحًا كبيرًا ورواجًا منقطع النظير؛ بحيث إن إيريناوس وترت ليانوس وإكليمندس السكندر وأوريجانوس كانوا يضعونه في مستوى الكتب المقدسة». ويقول المطران كيرلس بسترس «بل عده البعض من الكتب القانونية، فإيريناوس وإكل يمندس السكندر امتدحاه، و عداه سفرًا مقدسًا، وكيلَ أوريجانوس عدَّه ملهمًا؛ مع علمه أن البعض ما كانوا ليقدروه، وترتليانوس إذ كان كاثوليكيًا» صنف الراعي بين الأسفار المقدسة، لكنه عندما اعتنق المونتانية رفض بشدة وتزمت هيا الكتاب»(3) . * وكيلَ فإن رسالة برنابا(وهي غير الإنجيل المشهور) كانت محل قبول في أوساط مسيحية مبكرة، ويرجع تاريخ كتابتها إلى الربع الأول من القرن الثاني حيث توقع كاتبها إعادة بناء الهيكل، وهو ما حدث عام 135م، وعلاوة على نقول الآباء (1 )تاريخ الكنيسة، أوسابيوس القيصر ، ص (215)، وانظرضد الهرطقات، إيريناوس ، (ك4، ف20)، ودائرة المعارف الكتابية (2/44)، والقتباس الخاطئ عن يسوع، بارت إيرمان، ص66.) (2) انظرآباء الكنيسة، أسد رستم، ص (56.) (3) تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، المطران كيرلس بسترس ورفيقاه، ص78) .
عدد الصفحات ٧٨هل العهد الجديد كلمة الله ؟ منها، فإن ناسخ المخطوطة السينائية الأهم والأقدم قد حفظ لنا نصه ا ضمن رسائل العهد الجديد، واعتبرها المسيحيون الأوائل من الكتب المقدسة، وصرح بيلَ إكليمندس السكندر وأوريجانوس ، وأما أوسابيوس القيصر فاعتبرها من الأسفار المتنازع عليها بين المسيحيين قبول وردًا(1). ما سبق ليس إل إيماءة سريعة إلى القرون الأولى، ولو توسعنا بها فسنجد المزيد من الكتب التي اقتبس منها الآباء الأولون وانتشرت بين المسيحيين قبل أن تعتبرها الكنيسة كتبًا زائفة أو غير مقدسة ؛ وإن كانت نافعة للتعليم. وقد اختفت معظم هيه الأناجيل والرسائل والأعمال القديمة في طيات التاريخ، بعد صدور العديد من قرارات التحريم بحق من يحتفظ بشيء من هيه الكتب، ومن أهمها مرسوم البابا ليو الأول ( 450م) الي أعلن أنه : «ل يجب منعها فقط ، بل يجب أن تجمع وتحرق ، لأنه وإن كان فيها بعض الأشياء التي لها صورة التقـــوى ، إل أنها ل تخلو مطلقاً من السُّ م، فهي تعمل خفية ب واية الخرافات، حتى تصطاد في حبائل الضلالت ، كل من تستطيع خداعهم برواية العجائب»(2). ومع توسع المعرفة وزوال مطرقة الكنيسة بدأت الكهوف والأديرة تخرج من تحت الأرض ما تبقى من تلَ الأعمال، فعاد بعضها للنور ، فو صل منها الإنجيل الديداكي (تعاليم الرسل) الي يعود إلى القرن الأو ل الميلاد ، كيلَ إنجيل: نيقوديموس، يوحنا، يهوذا، الطفولة، مريم المجدلية، يوسف النجار؛ علاوة على نُبي من أناجيل أخرى (العبرانيين، المصريين اليوناني، الأبيونيين) ، كما عثر أواسط القرن (1) انظر تاريخ الكنيسة، أوسابيوس القيصر ، ص ( 261)، ودائرة المعارف الكتابية 2/44)، وآباء الكنيسة، أسد رستم، ص (46)، والقتباس الخاطئ عن يسوع، بارت إيرمان، ص (238.) (2) دائرة المعارف الكتابية1/34.)
عدد الصفحات ٧٩هل العهد الجديد كلمة الله ؟ الماضي في نجع حماد بمصر على م كتبة مهمة تضمنت جملة من الأناجيل والأعمال ا لمهمة منها ( إنجيل بطرس ، وكتاب أعمال يوحنا ، إنجيل المصريين القبطي، الحقيقة، فيليب، يعقوب، توما). وقد جمع إسكندر شديد مجموعة كبيرة من الأناجيل الأبوكريفا في جزء، وأضاف إليها الأعمال والرسائل والرؤى الأبوكريفية في جزئين آخرين.
عدد الصفحات ٨٠هل العهد الجديد كلمة الله ؟ يدعي النصارى أن المؤلفين المجهولين الي تعاوروا على تأليف العهد الجديد كانوا ملهمين، ويحتجون بقول بطرس في الرسالة التي ل تصح نسبتها إليه « لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان ، بل تكلم أناس اب القديسون مسوقين من الروح القدس »2 بطرس1 :21 ). وعندالتسليم بصحة النص وأصالة الرسالة التي حملته إلينا؛ فإنه ل يصلح في الدللة على إلهام الإنجيليين لأن بطرس قد مات قبل أن يدون مرقس ( أول الإنجيليين تدوينًا ) ـ ثم بقية الإنجيليين ـ كتاباام ، فليس هؤلء مَن تحدث عنه بطرس، إذ ل يعقل أن يوثق بطرس كتابات لم تكن قد كتبت بعد . كما أن بطرس لم ينص على أسماء الإنجيليين ، و عليه ف لا يُدرى مقصوده ، فلعله كان يقصد بعض الكثيرين اليين كتبوا حينياك ، ثم اعتبرت الكنيسة كتاباام مزيفة . وليلَ فإن دعوى الإلهام عارية عن الدليل الحقيقي، وليلَ لما «سُئل مارتن لوثر عن الأساس الي استند إليه في أن الكتاب المقدس من وحي الله ؟ أجاب: ببساطة أنه استند إلى تعاليمه ، ول يمكن إل لأُناس ألهمهم الله أن يكوّنوا مثل هيا الإيمان العميق الي هو عزاء للنفس»(1) ، فهيه الإجابة معناها العميق: ل دليل على إلهاميتهم سوى إعجاب لوثر بكتابتهم وإحساسه الشخصي بعمق إيمانهم، وهي طريقة في الستدلل عقيمة، فلكل أتباع دين أو عابد وثن أو شجر أن يدعي هيا (1 )قصة الحضارة، وليام ديورانت24/58.)
عدد الصفحات ٨١