المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل العهد الجديد كلمة الله

منقذ بن محمود السقار

صفحة ٤ من ٢٠

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ أغسطينوس بنفس الشعور إزاءها »(1). وأماالدكتور جورج بوست فيقول في قاموسه : «ولم يتفق العلماء اللاهوتيون على مؤلف هيه الرسالة، فنسبها البعض إلى ب ولس، وآخرون إلى لوقا، أو برنابا أو أبلوس، وفي كل حال نرى فيها مظاهر عقل بولس »(2). ويقول مدخل الرسالة في نسخة الرهبانية اليسوعية : « ل شَ أن الأدلة التي تنقض صحة نسبة الرسالة إلى بولس هي كثيرة .. فللمرء أن يعتقد أن الرسالة من إنشاء واحد من أصحاب بولس ، أما الهتداء إلى اسم الكاتب على نحو أفضل فلا سبيل إلى طلبه .. فلابد آخر الأمر من التسليم بأننا نجهل اسم الكاتب » (3). ويقولجون باكلين ورفاقه « :نحن ببساطة ل نعرف الكاتب ، فبالرغم من أن الرسالة تحمل تحيات حارة في ختامها ؛ لكنها ل تحمل عنوانًا في مقدمتها .. إل أن التجاه العام هو افتراض أن بولس هو الي كتبها .. قد يكون الكاتب هو برنابا اللاو (أعمال 4 :36 ) الي لبد كان يعرف كل شيء عن الكهنة وعملهم ، واحتمال ثالث أن يكون لوقا هو الكاتب لتشابه الأسلوب بين العبرانيين وإنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل . هناك رابع هو أبولس الي كان يعرف تيموثاوس معرفة جيدة ( 13 :23 ) كما أن (أعمال 18 :24 ) يخبرنا أن أبولس كان ( فصيحًا ومقتدرًا الكتب ) .. ومن كتب هيه الرسالة لبد أن يكون كيلَ ، وهناك أيضًا عدد آخر من (1) تفسير الرسالة إلى العبرانيين، وليم باركلي، ص17)، وانظر: تاريخ الكنيسة القبطية، منسى يوحنا، ص (240.) (2) قاموس الكتاب المقدس ، جورج بوست2/71.) (3) مقدمة الرسالة في الرهبانية اليسوعية، ص (686-687) .

عدد الصفحات ٥٠

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ التخمينات ، وفي النهاية علينا أن نقول أن ل أحد يعلم من هو كاتب هيه الرسالة » (1) . وهيا الجواب الأخير سبق إلى الإقرار به الأب أريجانوس حين قال« أما من كتب الرسالة يقينًا فالله يعلم ، يقول بعض من سبقونا : إن أكليمندس أسقف روما كتب الرسالة ، والآخرون : إن كاتبها هو لوقا » (2). وكان أوريجانوس يقول«إن كل من يستطيع تمييز الفرق بين الألفاظ الل وية يدرك أن أسلوب الرسالة إلى العبرانيين ليس عاميًا كل ة الرسول الي اعترف عن نفسه بأنه عامي في الكلام، أ في التعبير، بل تعبيرااا يونانية أكثر دقة وفصاحة»(3). واستمر الشَ في نسبة هيه الرسالة إلى القرن الميلاد الرابع، فقد كتب القديس جيروم: «إن كثيرين يعتقدون أنها ليست منه»(4). وليل«لم يعد اليوم أحد من الختصاصيين يتبنى هيا الرأ ول شيء في كتابات الرسول يتفق والنقد الجير والدائم الي نراه في صلب هيه الرسالة ضد العبادة الإسرائيلية»(5 )، بل ييهب المفسر باركلي إلى ما هو أبعد من ذلَ : «لم يخطر ببال أحد في كل تاريخ الكنيسة أن بولس هو كاتب الرسالة إلى العبرانيين»(6). (1) انظر : مدخل إلى الكتاب المقدس ، جون بالكين وآخرون ، ص 556 )، وتفسير الرسالة إلى العبرانيين، وليم باركلي، ص (17.) (2) تاريخ الكنيسة ، يوسابيوس القيصر ، ص276 )، وانظرقاموس الكتاب المقدس ، ص ( 599)، والمدخل إلى العهد الجديد، فهيم عزيز، ص (154) . (3) تاريخ الكنيسة ، يوسابيوس القيصر ، ص275 ). (4 )رسائل القديس هيرونيمس (جيروم1/95.) (5 )الكنيسة التي وثناها، ريموند براون، ص29.) (6 )تفسير الرسالة إلى العبرانيين، وليم باركلي، ص17.)

عدد الصفحات ٥١

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ ج ـ الرسائل الكاثوليكية ورؤيا يوحنا اللهوتي ن وهيه الرسائل سبع رسائل ثلاث منها ليوحنا ، وثنتان لبطرس ، وواحدة لكل من يهوذا ويعقوب ، ثم رؤيا يوحنا اللاهوتي . وهيه الرسائل تعليمية في محتويااا ، شخصية في طريقة تدبيجها ، تحو في مقدمتها اسم مؤلفها غالبًا . أ. الرسائل المنسوبة إلى يوحنا: ينسب إلى الرسول يوحنا بن زبد ثلاث رسائل إضافة إلى رؤيا يوحنا اللاهوتي، وهيه ال رؤيا المنامية ال ريبة ادف إلى تقرير ألوهية المسيح ، وإثبات سلطانه في السماء ، وخضوع الملائكة له ، إضافة إلى بعض التنبؤات المستقبلية التي صي ت بشكل رمز وغامض . وهيه الرؤيا مسطرة في سبعة وعشرين صفحة !! ومثل هيا يست رب في المنامات ول يعهد . وقد شكَ آباء الكنيسة الأوائل كثيراً في هيا السفر. يقول الأسـقف كـيس 212م « إن ســفر الرؤيــا مــن تصــنيف كيرنثــوس الملحــ د »،وأمــا ديونيســيوس رئــيس مدرســة السكندرية عام 250م فينقل في كتابه( المواعيد الإلهية ) عن بعض السـابقين لـه بـأنهم درسوا سفر الرؤيا أصحاحا أصحاحا ، ووجدوه « بلا معنى وعـديم البراهـين ، قـائلين بأنــه عنــوان مــزور . . لــيس مــن تصــنيف يوحنــا .. لــم يكتبــه أ واحــد مــن الرســل أو القديسين ، أو أ واحد من رجال الكنيسة ، بل إن كيرنثوس مؤلف الشيعة التي تـدعى

عدد الصفحات ٥٢

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ الكيرنثيين ، إذ أراد أن يدعم قصته الخيالية ؛ نسبها إلى يوحنـا »(1)، وذلـَ أن كيرنثـوس كان يقول بالملَ الأرضي للمسيح ، وهو ما يتفـق مـع فكـرة السـفر عـن أحـداث آخـر الزمان . لكن المؤلف الكبير لم يقنع بما توصل إليه السابقون ، فأمعن في دراسة السفر ، وتوصل إلى أن « السفر من كتابة شخص يدعى يوحنا .. رجل قديس ملهم بالروح القدس ، ولكنني ل أصدق بأنه هو الرسول ابن زبد ، كاتب إنجيل يوحنا والرسائل الجامعة .. وفي اعتقاد كان هناك كثيرون بنفس اسم الرسول يوحنا » (2) . ويقول يوسابيوس « يحتمل أن يكون يوحنا الثاني هو الي رأى الرؤيا المنسوبة إلى يوحنا ، إن كان أحد ل يميل أن يصدق بأن يوحنا الأول الي رآها»(3). ويقولالآباء اليسوعيون في مقدمة هيا السفر : «ل يأتينا سفر يوحنا بشيء من الإيضاح عن كاتبه ، لقد أطلق على نفسه اسم يوحنا ، ولقب نبي ، ولم ييكر قط أنه أحد الثني عشر . هناك تقليد على شيء من الثبوت ، وقد عثر على بعض آثاره مني القرن الثاني ، وورد فيه أن كاتب الرؤيا هو الرسول يوحنا .. بيد أن ه ليس في التقليد القديم إجماع على ذلَ ، وقد بقي المصدر الرسولي لسفر الرؤيا عرضة للشَ .. إن آراء المفسرين في عصرنا متشعبة ، ففيهم من يؤكد أن الختلاف في الإنشاء والبيئة (1) تاريخ الكنيسة ، يوسابيوسالقيصر ، ص ( 329 )، وانظر ص127.) (2) تاريخ الكنيسة ، يوسابيوس القيصر ، ص330-331 )، وانظر: تاريخ الكنيسة القبطية، الشماس منسى القمص، ص (120). (3) تاريخ الكنيسة ، يوسابيوس القيصر ، ص145 . )

عدد الصفحات ٥٣

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ والتفكير اللاهوتي تجعل نسبة الرؤيا والإنجيل الرابع إلى كاتب واحد أمرًا عسيرًا . ويخالفهم مفسرون آخرون في الرأ .. ويرون أن سفر الرؤيا والإنجيل يرتبطان بتعليم الرسول عن يد كتبة ينتمون إلى بيئات يوحنا في أفسس »(1) . ويقول المفسر وليم باركلي في مقدمة تفسيره للسفر« وليس من المحتمل أن يكون الكاتب رسولً ، فلو أنه كان رسولً لوضع تنبيره على هيه الحقيقة أكثر من تنبيره على أنه نبي ، ثم إنه يتكلم عن الرسل كأغراب عليه .. فإن هيا أسلوب شخص يؤرخ لفترة خدمة الرسل ، بل إن عنوان السفر يوحي بهيه الفكرة ، فهو « رؤيا يوحنا اللاهوتي »ولعل لقب « اللاهو »أ عالم اللاهوت قد أضيف إلى اسم يوحنا الكاتب ليميزه عن يوحنا الرسول . وهيا الشَ في نسبة الرسائل إلى يوحنا يمتد إلى الرسالتين الثانية والثالثة، اللتين تصرح مقدمتهما أنهما من تأليف «يوحنا الشيخ »، بل إن مرسوم البابا جلاسيوس الأول ( 496م) نص على أن الرسالة الأولى من تأليف يوحنا الرسول، وأن الرسالتين الأخريين من كتابة «يوحنا الشيخ الآخر»(2). وهكيا فلا دل لة تثبت كتابة يوحنا ل هاتين الرسالتين وسفر الرؤيا ، وغاية ما يمكن قوله أنه كتب على يد كتبة مجهولين تربوا على يد يوحنا في أفسس . ولعل القارئ فهم مما سبق أن الرسالة الأولى تصح نسبتها جزمًا إلى يوحنا، وهيا ليس بدقيق، ف اية ما يمكننا قوله، أن ثمة تشابهات بينها وبين الإنجيل الي ل نعرف مؤلفه على وجه دقيق، هيه التشابهات جعلت المحققين يعتقدون أن كاتبها (1 )مقدمة الرؤيا نسخة الرهبانية اليسوعية، ص796.) (2) منشور بصورته على الشبكة العنكبوتية .

عدد الصفحات ٥٤

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ وكاتب الإنجيل واحد، ولم تمنع آخرين من أن يلحظوا تباينات أساسية بين الكتابين، فاقترحوا: «أن كاتبها كان تلمييًا ليوحنا الرس ول»(1). بالرسائل الكاثوليكية الأخرى: وتنسب الرسائل المتبقية إلى ثلاثة من تلاميي المسيح، وهم بطرس ويعقوب ويهوذا ، فأما بطرس فهو صياد سمَ في كفر ناحوم ، ويعرف بسمعان ، ويرجح محررو قاموس الكتاب المقدس أنه كان من تلاميي يوحنا المعمدان قبل أن يصحب المسيح ، ويتقدم على سائر تلامييه ، وقد دعا في أنطاكية وغيرها ، ثم قتل في روما في منتصف القرن الميلاد الأول . وتنسب إلى بطرس رسالتان، يقبل العلماء عادة الأولى منهما، ويتشككون جدًا في نسبة الرسالة الثانية إلى التلميي بطرس، يقول التفسير التطبيقي عن الرسالة الثانية« : لسنا على يقين من تاريخ كتابة هيه الرسالة أو لمن كتبت ، كما أن كاتبها محل جدل كثير ، وبسبب ذلَ كانت رسالة ] للعهد الجديد » (2) . وعن كاتب رسالة بطرس الثانية تقول مقدمة الرسالة في نسخة الرهبانية اليسوعية « ليزال الرأ القائل أن كاتب الرسالة هو سمعان بطرس موضوعًا للنقاش ، يثير كثيرًا من المتاعب ، فلا يحسن من جهة أن يُجعل شأن كبير للإشارات التي أخبر فيها الكاتب عن حياته ، والتي قال فيها أنه الرسول بطرس أ كان المؤلف المجهول يكيب وهو يزعم أنه بطرس الرسول ]إنها تعود إلى الفن الأدبي المعروف بالوصايا .. ل يبدو أن الكاتب ينتمي إلى الجيل المسيحي الأول .. ولما كان ل يسوغ الإفراط في تأخير (1) انظر: قاموس الكتاب المقدس ، ص (112 . ) (2) التفسير التطبيقي ، نخبة من العلماء اللاهوتيين ، ص 2706 ) ، وانظر قاموس الكتاب المقدس ، ص (178 . )

عدد الصفحات ٥٥

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ تاريخ رسالة مشبعة على هيا النحو بالتقاليد اليهودية المسيحية يسوغ اقتراح نحو السنة 125م تاريخًا لإنشاء الرسالة ، وهو تاريخ ينف ي عنها نسبتها المباشرة إلى بطرس» (1). وهيا ما يوافق عليه ريموند براون، فإن «رسالة بطرس الثانية تعود إلى الجيل الثالث أو الرابع، ومع ذلَ فهي تدعي النتساب إلى سلطة بطرس، كما أن كتابات منتحلة من القرنين الثاني والثالث تحمل أسماء رسل»(2). وأماالرسالة المنسوبة إلى يعقوب، فيسمي كاتبها نفسه في مطلعها «يعقوب عبد الله والرب يسوع المسيح (يعقوب 1 :1)،وإذا كان لدينا في التلاميي ثلاثة أشخاص يتسمون بهيا السم، فسيستبعد منهم يعقوب بن زبد الصياد ـ أخو يوحنا الإنجيلي ـ، فقد كانت وفاته قتلاً على يد أغريباس الأول عام 44معلى الأرجح ، أ قبل تأليف الرسالة بزمن مديد. ويبقى خياران معقولن: «يعقوب بن حلفي» و«يعقوب أخي الرب»الميكور في (غلاطية 1 :9)، وهيا الأخير«أجمع جمهرة الشراح على أنه كاتب الرسالة، وقد أطلق عليه يعقوب العادل» (3) . لكن الآباء اليسوعيين يخبروننا أن ثمة من ل يسلم لهيه الجمهرة بصحة تعيينها للكاتب، فيهوذا يهود مشبع بالثقافة اليهودية، «أيعقل أنه كتب مؤلفًا يونانيًا بمثل هيا الوضوح؟ .. إنها ل تبدو محتملة »، بل ثمة من يتشكَ بأنها ل تنتمي إلى العصر المسيحي ، فبعض النقاد رأوا أنها «من مؤلف يهود محض » وأما الرأ الأفضل (1 )مقدمة رسالة بطرس الثانية في نسخة الرهبانية اليسوعية، ص754.) (2 )الكنيسة التي ورثناها، ريموند براون، ص (17.) (3 )المدخل إلى الكتاب المقدس، حبيب سعيد، ص (357.)

عدد الصفحات ٥٦

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ «ويرى آخرون رأيًا احتماله أرجح، وهو أنه كان هناك تقليد فيه أقوال يعقوب .. وإن كاتبًا استعمله، فأراد أن يجعل مؤلَّفه في ظل شخص مشهور جريًا على العادات الأدبية في ذلَ الزمان، فيعود تاريخ كتابة الرسالة إلى إحدى السنوات 80-90»(1). وأمارسالة يهوذا فتنسب إلى «يهوذا» ول تقدم الرسالة تعريفًا يحدد شخصه، ليا اختلف العلماء، هل هو يهوذا أخو يعقوب الص ير أ أنه ابن زبد ، أم أنه الحوار الي يدعى لباوس الملقب تداوس ؟ أم أنه يهوذا آخر غيرهما ؟ (2) . وتنسب إليه رسالة ص يرة ل تتجاوز الصفحتين ييكر كاتبها في مطلعها أنه «يهوذا عبد يسوع»، لكن من تراههيا اليهوذا؟ لو أخينا على محمل الجد أن اسم الكاتب هو يهوذا فإن لدينا عددًا من الأشخاص القريبين من المسيح يتسمون بهيا السم الشائع، يستبعد منهم الأسخريوطي الخائن، ليتبقى لنا يهوذا تداوس، تلميي المسيح، وكيلَ يهوذا أخو يعقوب، الملقب «أخو الرب»، فأيهما كاتب الرسالة؟ يحاول العلماء من خلال الرسالة الوصول إلى ملامح الكاتب، في طريق الوصول إلى تحديد اسمه، لكنهم يصطدمون مجددًا بجدار المجهولية فلا يصلون إل إلى السراب، فالمفسر وليم باركلي يضع الحتمالت، ثم يجد أفضلها: «يهوذا هيا هو يهوذا مجهول.. ولو كان هو أخا الرب لما تردد في إيضاح ذلَ ،.. الحقيقة المؤكدة هي أننا ل نعرف بوضوح شخصية كاتب الرسالة»(3). (1 )مقدمة الرسالة في نسخة الرهبانية اليسوعية، ص722.) (2 )انظر: تفسير العهد الجديد (رسائل يوحنا ويهوذا)، وليم باركلي، ص276.) (3 )تفسير العهد الجديد (رسائل يوحنا ويهوذا)، وليم باركلي، ص (277.)

عدد الصفحات ٥٧

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ ويقول الآباء اليسوعيون: «إن بعض ما ورد في الرسالة عائد إلى ما بعد الرسل، فقد ذكر في الآية 3 الإيمان الي سلم إلى القديسين، وذُكر على الخصوص في الآية 17 تعليم الرسل، وكأنهم بأجمعهم من الماضي». وحتى ل نبعد بعيدًا عن اسم يهوذا، فإن القتراح الأفضل للمؤلف عند الآباء اليسوعيين أن يقال: «فلا بد للكاتب من النتساب إلى تعليم يهوذا أخي الرب، فقد كان يعيش في حلقة يكرم فيها أخو الرب يعقوب ويهوذا، وكانت تتناقل أقوالهم، ول يمكن من جهة أخرى تأخير تاريخ رسالة لها مثل هيه الجيور المتأصلة في بيئة يهودية قديمة، فيسوغ إذًا أن تجعل السنوات 80-90 تاريخًا لها »(1)، فالكاتب واحد من تلاميي يهوذا، وينتحل اسمه، على عادة مؤلفي القرن الأول الميلاد . وهكيا يتبين للقا رئ أننا ن وص في احتمالت ل يخرجنا منها إل الحدس والظنون التي تصلنا إلى حقيقة سامقة، وهي أن هيه الكتب والرسائل مجهولة المؤلف، ول يفين، بل أحيانًا ل دليل يربط بينها وبين الأسماء التي وضعت عليها. (1 )مقدمة الرسالة في نسخة الرهبانية اليسوعية، ص787)، وانظر: كيف يفكر الإنجيليون، واين جـردوم، ص (46.)

عدد الصفحات ٥٨

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ ويقفز إلى الأذهان أسئلة جديدة : كيف ظهرت الأناجيل بعد اختفاء إنجيل المسيح ؟ ومن الي كتبها ؟ وما ظروف كتابتها ؟ وكيف أصبحت مقدسة؟ في الإجابة عن هيه الأسئلة نقول : يقرر عدد من مؤرخي النصرانية انتقال روايات شفاهية ، تبلورت فيما بعد بحركة دائبة في كتابة سيرة المسيح لتلبية حاجات الكنيسة المسيحية الناشئة ، فكتب في القرن الأول الكثير من الكتابات ، كما أشار لوقا في مقدمة إنجيله. ويلخص يواكيم إرميا المشهد كاملاً بقوله: «ينب ي أن نضع نُ صب أعيننا حقيقتين أساسيتين عن بشائر الإنجيل وكتابتها : أنه لمدة طويلة ، كانت كل التقاليد المعروفة عن المسيح ، كلها أقوال شفاهية متناقلة .. واستمرت على هيه الصورة ما يقرب من خمسة وثلاثين عامًا ، ولم يت ير الوضع إل في عهد اضطهاد نيرون للمسيحيين ، حينها اجتمع شيوخ الكنيسة وكبارها في خريف عام 64م ، ووجدوا أن الكثيرين من أعمدة الكنيسة قد فقدوا .. ولم يجد المجتمع ون أمامهم إل يوحنا الملقب مرقص ، زميل الرسول بطرس في الخدمة .. ليسجل كل ما يستطيع أن يتيكره من أحاديث المسيح وتعاليمه ، وكتب مرقص بشارته المختصرة التي تحمل اسمه ، وهي أقدم قصة كتبت عن حياة المسيح . والحقيقة الثانية : أن قصة مرقس عن المسيح وأقواله قد دفعت غيره ليحيوا حيوه ، وينسجوا على منواله .. وتنشأ بشائر أخرى .. حتى كان هناك عدد ل يستهان

عدد الصفحات ٥٩

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ به من البشائر »(1). وهكيا فيكاد ينعقد إجماع العلماء على أن إنجيل مرقس هو الأناجيل تأليفًا، يقول مدخل الرهبانية اليسوعية متحدثًا عن تاريخ تدوين العهد الجديد : « ويمكن تأريخ إنجيل مرقس في السنين 65-70م .. وأما إنجيل متى وإنجيل لوقا فلا تنعكس فيهما البيئات نفسها ، لأنهما وُجها إلى بيئات أخرى ، وقد وضعا بعد إنجيل مرقس بخمس عشر إلى عشرين سنة » (2). وليلَ خلت كتابات القرن الميلاد الثاني قبل إيريناوس (ت 202م من أ ذكر للأناجيل الأربعة، إذا استثنينا سطرً ا كتبه بابياس ذكر فيه أن مرقس كتب إنجيلاً من ذكريات تلقاها من بطرس ، وتحدث أيضًا عن إنجيل أقوال كتبه متى بالعبرانية (3). وأما ما ي قال عن اقتباسات إكليمندس الروماني أو أغناطيوس من الأناجيل والرسائل؛ فالعلماء يتشككون في كونها اقتباسات ، إذ لم يزعم كاتبوها ذلَ ، ولم يشيروا بالسم إلى واحد من مصادرهم المفترضة ، وكما قال الآباء اليسوعيون: «يكاد أن يكون من العسير كل مرة الجزم : هل الشواهد مأخوذة من نصوص كتابية كانت بين أيد هؤلء؟ أم هل اكتفوا باستيكار أجزاء من التقليد الشفهي، ومهما يكن من أمر فليس قبل السنة 140 أ شهادة تثبت أن الناس عرفوا مجموعة من النصوص الإنجيلية المكتوبة، ول ييكر أن لمؤلَف من تلَ المؤلفات صفة ما يلزم ، فلم يظهر ذلَ إل في النصف الثاني من القرن الثاني »(4)، فمؤلفات القرن الثا خلت من ذكر أسماء الإنجيليين (1) أقوال المسيح غير المدونة في بشائر الأناجيل، يواكيم إرميا ، ص () . (2 )مقدمة العهد الجديد في نسخة الرهبانية اليسوعية، ص (9.) (3) انظرآباء الكنيسة، أسد رستم، ص (42.) (4 )مقدمة الرهبانية اليسوعية، ص9.)

عدد الصفحات ٦٠

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ الأربعة فجوستين الشهيد (ت 165) أحد أبرز آباء الكنيسة فقد كتب في منتصف القرن الثاني مستدلً لألوهية المسيح بأكثر من ثلاثمائة نص من العهد القديم ونحو مائة من الأناجيل المرفوضة ، ولم ينقل نصًا واحدًا من الأناجيل الأربعة ، بل لم يشر إليها البتة ، يقول البطريرك الدكتور ق ايلز في كتابه ( السجل المسيحي ) « :هيه الأسماء : متى ومرقس ولوقا ويوحنا لم ييكرها جوستين ول أ نص منها نجده في أ من كتاباته » . ويقول الدكتور دوود ويل في كتابه ( أطروحة حول ايريناوس ) « :نحن على يقين بأن كتابات كل من إكليمندس الروماني، هرماس، أغناطيوس، وبوليكارب واليين كتبوا بعد التاريخ المفروض لكتبة الأناجيل ليس بها أ ذكر لهيه الكتب الأربعة » . وكان الأسقف إيريناوس (ت202م) أول من تحدث عن اناجيل الأربعة وذكر أسماء مؤلفيها(1)، وبيَّن سر إكتفاء الكنيسة بأربعة أناجيل حين قال«ليس من الممكن أن تكون الأناجيل أكثر أو أقل مما هي (أ أربعة) ، لأنه توجد أربع مناطق للعالم تعيش فيه، وأربعة رياح (أو أرواح) رئيسية .. فمن المناسب أن يكون للكنيسة أربعة أعمدة »(2). على أية حال، بقيت هيه الكتابات زهاء مائة سنة محل احترام الكنائس وعنايتها، من غير أن يفكر أحد في جعلها كتب مقدسة موازية لسلطة العهد القديم، لكن ظهور الهرطوقي مرقيون في منتصف القرن الميلاد الثاني وتجميعه لمجموعة من الأسفار ضمن كتاب يراه مقدسًا ؛ أوجد أول صي ة مسيحية لكتاب مقدس خاص، و أشعر الكنيسة بحاجتها إلى إصدار مجموعة مقننة من الكتب على غرار الأسفار اليه ودية ، وقد أثمرت ما بين أيدينا من أسفار العهد الجديد ، يقول مدخل الآباء اليسوعيون للعهد الجديد : «لم يشعر المسيحيون الأولون إل بعد وفاة آخر (1 )ضد الهرطقات، إيريناوس (ك3، ف1.) (2 )المصدر السابق (ك3، ف11.)

عدد الصفحات ٦١

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ الرسل بضرورة تدوين أهم ما عمله الرسل وتولي حفظ ما كتبوه .. ويبدو أن المسيحيين حتى ما يقرب من السنة 150م تدرجوا من حيث لم يشعروا بالأمر إل قليلاً جدًا إلى الشروع في إنشاء مجموعة جديدة من الأسفار المقدسة ، وأغلب الظن أنهم جمعوا في بدء أمرهم رسائل بولس ، واستعملوها في حياام الكنسية ، ولم تكن غايتهم قط أن يؤلفوا ملحقًا بالكتاب المقدس»(1). وتواصلمقدمة الآباء اليسوعيي ن للعهد الجديد سرد رحلة تقنين الكتابات : «يمكن القول أن الأناجيل الأربعة حظيت نحو السنة 170م بمقام الأدب القانوني ، وإن لم تستعمل تلَ اللفظة حتى ذلَ الحين .. وأما رسائل بولس فيكاد أن يكون من الأكيد أنها لم تدخل إلى القانون؛ الواحدة تلو الأخ رى، بل إن م جموعتها أدخلت إليه برمتها يوم أخي ي لب في الكنيسة الرأ القائل بأنه لبد من الحصول على قانون للعهد الجديد.. يجدر باليكر ما جرى بين السنة 150 والسنة200 إذ حـدد علـى نحـو تـدريجي أن سفر أعمال الرسل مؤلف قانوني ، وقد حصل شيء من الإجماع على رسالة يوحنـا الأولى .. هناك عدد كبير من المؤلفات ( الحائرة ) ييكرها بعض الآباء ذكرهم لأسفار قانونية في حين أن غيرهم ينظر إليها نظرته إلى مطالعة مفيدة .. » (2) . والمتتبع للقوائم الكنسية المتتالية يرى اتفاقًابين الكنائس على قبول 20 كتابًا من كتب العهد الجديد الـ 27 (الأناجيل الأربعة، أعمال الرسل، 13 رسالة لبولس، رسالة بطرس الأولى، رسالة يوحنا الأولى)، بينما بقي الخلاف جليًا على قبول سبع (1 )مقدمة الرهبانية اليسوعية، ص8.) (2 )مقدمة الرهبانية اليسوعية، ص9)، وانظر: برهان جديد يتطلب قرارًا، جوش ماكدويل، ص ( 69)، والمدخل إلى العهد الجديد، القس فهيم عزيز، ص (145-147)، ودائرة المعارف الكتابية1/442).

عدد الصفحات ٦٢

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ من الرسائل التي ست دو فيما بعد قانونية (العبرانيين، يعقوب، يهوذا، بطرس الثانية، يوحنا الثانية والثالثة، الرؤيا)؛ بعد أن بقيت موضع أخي ورد طوال ثلاثة قرون(1). وأول قائمة مسيحية للأسفار المقدسة هي القائمة التي اكتشف مخطوطتها لودوفيكو موراتور عام 1740م، ف سميت باسمه، وتعود إلى العام 170م، ويرى البعض أنها من كتابة ترتليان أو هيبوليتوس، وقد تضمنت القائمة 22 كتابًا، وخلت من رسائل العبرانيين ويعقوب ورسالتي بطرس ويوحنا الثالثة(2). وأما قائمة أوريجانوس (ت 254م للكتب المقدسة، فقد اشتملت على رسالة برنابا وراعي هرماس والديداكي، وخلت من بطرس الثانية التي قال عنها: «ترك رسالة واحدة معترف بها، ولعله ترك رسالة ثانية أيضًا، ولكن هيا أمر مشكوك فيه »،وخلت أيضًا من رسالتي يوحنا الثانية والثالثة ، فقد قال عنه ما أوريجانوس: «وربما رسالة ثانية وثالثة، ولكن ليس معترفًا بصحتهما من الجميع » ،وأما رسالة العبرانيين فقال عنها أوريجانوس: «أما من كتب الرسالة يقينًا فايعلم»(3). ويقدم كيرلس الأورشليمي (ت ) قائمة بالأسفار المقدسة تخلو من سفر الرؤيا، فيقول: «يحتو العهد الجديد على أربعة أناجيل فقط، أما الباقي فمزور ..، فتُقبل أعمال الرسل الإثني عشر ، ومعها الرسائل الجامعة السبع ليعقوب وبطرس (1 )انظر: المدخل إلى العهد الجديد، القس فهيم عزيز ، ص (154 )، وقصة الحضارة، وليام ديورانت (11/315) . (2) انظر تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، المطران كيرلس بسترس ورفيقاه، ص (38)، وتفسير العهد الجديد (رسائل يوحنا ويهوذا)، وليم باركلي، ص (268.) (3 )تاريخ الكنيسة، أوسابيوس، ص 274-276)، و انظر : دائرة المعارف الكتابية ( 2/144)، كيف يفكر الإنجيليون، واين جردوم، ص (48.)

عدد الصفحات ٦٣

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ ويوحنا ويهوذا، وأخيرًا رسائل بولس الأربع عشر، خاتمة الرسل وآخرهم، وألقِ بعيدًا عنَ بقية الكتب باعتبارها غير قانونية»(1). واستمر الشَ بهيه الرسائل إلى القرن الرابع، ويلخص يوسابيوس القيصر المشهد في الربع الأول منه« : أما الأسفار المتنازع عليها ، المعترف بها من الكثيرين بالرغم من هيا، فبين أيدينا الرسالة التي تسمى رسالة يعقوب ورسالة يهوذا ، وأيضًا رسالة بطرس الثانية و الرسالتان اللتان يطلق عليهما رسالتا يوحنا الثانية والثالثة ، سواء انتسبتا إلى الإنجيلي، أو إلى شخص آخر بنفس السم»(2) . وبخصوص رسالة العبرانيين ، فقد «مرَّ عليها زمن طويل قبل أن يعترف بها كسفر من أسفار العهد الجديد القانونية .. القائمة الأولى لأسفار العهد الجديد ، وهي المعروفة بالقانون الموراتور لم تيكر فيه هيه الرسالة .. ترتليانوس يعرف أن مكانها هو موضع نزاع»(3). ولحقًا بدأ الآباء بمراجعة مواقفهم من هيه الرسائل المشكوك به، فرسالة العبرانيين المجهولة المؤلف «كانوا يقرؤونها ويحبونها، و يحسون بالحاجة إليها ، ليلَ لم يكن أمام الكنيسة إل أمر واحد: كان لبد من ضمها إلى أسفار العهد الجديد .. وهكيا كسبت رسالة العبرانيين طريقها إلى العهد الجديد، على أساس مكانتها العظمى، وعرف الناس جيد المعرفة أن الأسلوب ليس أسلوب بولس، وأن مجرى الفكر ليس شبيهًا بفكر بولس»(4)، فقد صارت مقدسة رغم مجهولية كاتبها، لأن الناس (1) في العقائد العشر، كيرلس الأورشليمي (4/36.) (2) تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصر ، ص (127.) (3 )تفسير رسالة العبرانيين، وليم باركلي، ص13.) (4) تفسيرالرسالة إلى العبرانيين ، وليم باركلي ، ص ( 17 . )

عدد الصفحات ٦٤

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ أحبوها، ومحبتهم لها كافية لعتبارها من وحي الله!!!. وأما الرسالة الثانية لبطرس فقد كانت موضع شَ مني القديم، حتى أن جيروم قال عنها: «إن كثيرين أنكروا نسبة هيه الرسالة إلى بطرس»(1)، وتصف مقدمة الرسالة في نسخة الرهبانية اليسوعية قصتها مع التقديس ، فقد كانت « السفر الي لقي أكثر المصاعب ليُعترف به ، فقد دخلت دخولً بطيئًا إلى مجمل الكنائس .. ولم يعترف بها في معظم الكنائس إل في القرن الخامس ، واعترف بها في سورية في القرن السادس »(2). ليايقول يوسابيوس : « علمنا بأن رسالته الثانية الموجودة بينأيدينا الآن ليست ضمن الأسفار القانونية ، ولكنها مع ذلَ إذ اتضحت نافعة للكثيرين ، فقد استُعملت مع باقي الأسفار .. فالي أعرفه هو أن رسالة واحدة فقط قانونية ومعترف بها من الشيوخ الأقدمين » (3) . وهكيا تأخر العتراف إلى أواسط القرن الرابع الميلاد برسالة بطرس الثانية ورسالتي يوحنا الثانية والثالثة ورسالتي يعقوب ويهوذا ، ورؤيا يوحنا اللاهوتي الي كان موضع جدل كبير قبل إقراره(4) . وبخصوص رسالة يهوذا فإن القديس جيروم كان يشَ في قانونيتها، وأحد أسباب تشككه فيها ؛ أنها «تشير إلى بعض الأسفار غير القانونية التي كتبت فيما بين العهدين، وعلى سبيل المثال يشير عدد 9 إلى المحاجة التي تمت بين الشيطان وبين (1 )المدخل إلىالكتاب المقدس، حبيب سعيد، ص (36) . (2 )مقدمة رسالة بطرس الثانية في نسخة الرهبانية اليسوعية، ص (754.) (3) تاريخ الكنيسة ، يوسابيوس القيصر ، ص96 . ) (4 )انظر: تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصر ، ص ( 127)، وقصة الحضارة، وليام ولديورانت (11/315) .

عدد الصفحات ٦٥