المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل العهد الجديد كلمة الله

منقذ بن محمود السقار

صفحة ٢ من ٢٠

هل العهد الجديد كلمة الله ؟

عدد الصفحات ١٨

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ العهد الجديد هو مجموعة الأناجيل الأربعة والرسائل الملحقة بها ، وينسب إلى ثمانية من المحررين ينتمون إلى الجيل الأول والثاني من النصرانية ، وهم متى ومرقس ولوقا ويوحنا أصحاب الأناجيل ، ثم بولس صاحب الأربع عشرة رسالة(1) ، ثم بطرس ويعقوب ويهوذا ، تلاميي المسيح اليين تنسب إليهم القليل من الرسائل . وهؤلء الكتبة الثمانية بعضهم تتلمي على يد السيد المسيح  (متىـ يوحنا ـ بطرس ـ يعقوب ـ يهوذا ) ، بعضهم تنصر بعد المسيح ولم يلقه ( بولس ، ومرقس تلميي بطرس ، لوقا ) . وتسمية هيا الجزء من الكتاب المقدس بـ( العهد الجديد ) من إبداع العلامة ترتليان (2) في مقابل تسمية التوراة وأسفار الأنبياء ( العهد القديم ) كما جاء في إنجيل متى في وصف رسالة المسيح: « لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا » ( متى26 :28 ) . وتشتملالأناجيل على سيرة مقتضبة للمسيح ، إذ ل تكاد تيكر شيئً ا عن طفولته ونشأته ، فيما تتحدث بإسهاب عن بعض الحوادث التي تلت إرساليته (معجزات وأحاديث للمسيح وعظات للتلاميي واليهود ) ، كما تحكي الأناجيل باهتمام بالغ تفاصيل قص ة صلبه المزعوم ، ول تكاد تيكر شيئً ا من المعتقد الي اهتمت به الرسائل الملحقة بها . وكلمــــة ( الإنجيــــل ) كلمــــة مشــــتقة مــــن الكلمــــة اليونانيــــة (εὐαγγέλιον) (1) إذا وافقنا بعض الشراح اليين نسبوا متشككين رسالة العبرانيين إلى بولس (2) انظر : المدخل إلى العهد القديم ، القس الدكتور صموئيل يوسف ، ص ( 25 . )

عدد الصفحات ١٩

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ «إفنجليون»، وتعني: «الخبر السار» أو«البشارة». وأصولهيه الأناجيل كتب بالل ة اليونانية فيما عدا ( متى ) الي كتب بالعبرانية، إذا صدق فيه أنه الإنجيل الي تحدث عنه الأسقف بابياس في القرن الثاني . ومن المعلوم أن أيً ا من الل تين لم تكن ل ة للمسيح ، الي كان يتكلم الآرامية ـ كما دلت على ذلَ الأناجيل ـ وهي تنسب إلى ا لمسيح عبارات سريانية ، ومنه ما نقله مرقس «أمسك بيدالصبيبة ، وقال لها ن طليثا قومي . الذي تفسيره ن يا صبية ن لك أقول، قومي » ( مرقس5 :41 ) . ويقول مرقس أيضًا : «وقال له ن إفثا . أي انفتح » ( مرقس7 :34 ) . وييكر متى أن المسيحالمصلوب ـ بزعمه ـ صرخ على الصليب : « ايلي ايلي لم شبقتني . أي إلهي إلهي لماذا تركتني » ( متى27 :46 ) . وتسهيلاً على قراء العهد الجديد تم تقسيمه إلى أصحاحات في القرن الثالث عشر الميلاد على يد الكاردينال «هوجو دو سنكتو كارو » ، ورُ قِّ مت فقرات كل أصحاح عام 1551م (1). ويعتقد النصارى أن مؤلفي العهد الجديد كتبوا هيه الأسفار بإرشاد وإلهاممن الروح القدس الي كان يحرك ضمائرهم ويسددهم ، وفي هيا يقول مجمع الفاتيكان المنعقد عام 1869-1870م عن أسفار الكتاب المقدس بعهديه: « كتبت بإلهام من الروح القدس ، مؤلفها الله ، وأعطيت هكيا للكنيسة » . تؤكد الكنيسة بحزم ومثابرة عظمى أن الأناجيل الأربعة ـ التي أكدت دونما تردد (1) انظردائرة المعارف الكتابية (3/300.)

عدد الصفحات ٢٠

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ صفتها التاريخية ـ تنقل بأمانة ما فعله وعلمه المسيح ابن الله .. فالكتاب المقدسون ألَّ فوا الأناجيل الأربعة ، بحيث يكشفون لنا دومً ا عن المسيح أشياء حقيقية وصادقة»(1) ، فقد غيَّ رت الكنيسة بعض الشيء ، فلم تعد تعتبر الكتاب مؤلفً ا من قبل الله ، بل الإنجيليون هم مؤلفوه ، ولكن بإلهام من روح القدس . في حين يصر بعض العلماء المحافظين على حرفية الوحي وأن «الروح القدس سيطر على الكاتبين حتى لتعتبر كلماام هي كلمات الروح القدس نفسه »فإنعامة المسيحيين اليوم ل يعتقدون بالوحي الحرفي الي يعتقده المسلمون في القرآن، فهم ل يقولون بأن الأناجيل نزلت على كاتبيها من الله أو الملائكة حرفً ا حرفً ا ، وكلمة كلمة ، بل كان الوحي يلهمهم المعاني ، من غير أن يتدخل باختيار الكتبة للكلمات والأسلوب، فطبيعة الوحي عندهم أشبه بمفهوم المسلمين لوحي السنة النبوية .. وحي معنو ، ل لفظي،.. «عمل الروح القدس في كتبة الأسفار الإلهية بشكل عجيب، ليعلنوا حق الله بصورة معصومة من الخطأ .. كلمة الله المكتوبة يتجلى فيها العنصران: الإلهي والبشر في وحدة ل تتجزأ، فلم يكن الكُتَّاب سلبيين، أ مجرد أقلام، إذ تبرز في كتاباام شخصياام وأساليبهم المتميزة»(2) . ويشرحالمنصر كارل جوتليب بافندر اعتقاد النصارى في الوحي فيقول : «واعتقادنا : أن الأنبياء والحواريين وإن كانوا قابلي السهو والنسيان في جميع الأمور ، لكنهم معصومون في التبليغ والتحرير ، إن ظهر لأحد في موضع من المواضع في تحريرهم اختلاف أو محال عقلي ، فيلَ دليل نقصان علمه وفهمه » (3 ) . (1) اختلافات في تراجم الكتاب المقدس ، أحمد عبد الوهاب ، ص91-92 . ) (2 )دائرة المعارف الكتابية6/326.) (3) إظهار الحق ، رحمة الله الهند1/39 – 42 . )

عدد الصفحات ٢١

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ ويتلخص الرأ النصراني باعتبار الأناجيل والرسائل كلمة الله التي ألهمها الروح القدس لبعض تلاميي المسيح وتلامييهم ، فكانت هيه الكتابات مقدسة بهيا العتبار .

عدد الصفحات ٢٢

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ تعود أسفار العهد الجديد السبعة والعشرون إلى ثمانية مؤلفين تفاوتت مقادير كتاباام ، ففي حين لم تزد رسالة يهوذا التلميي عن صفحتين فإن لبولس ما يربو على المائة صفحة . وأيضًا يتفاوت قرب هؤلء من المسيح ، ففي حين أن متى ويوحنا وبطرس ويهوذا ويعقوب من تلامييه الثني عشر ، فإن لوقا ومرقس لم يلقيا المسيح ، فيما لم يتنصر بولس إل بعد رفع المسيح . ولكن تواجهنا مسألة مهمة: هل تصح نسبة الكتب إلى هؤلء الثمانية ؟ وباليات إلى متى ويوحنا وبطرس اليين يفترض أنهم من أخص تلاميي المسيح ؟ أم أن الكتب منحولة والنسبة إليهم زور وبهتان ؟ اهتم المحققون بدراسة وتوثيق نسبة هيه الأسفار إل ى تلاميي المسيح، ولن نتوقف طويلاً مع توثيق نسبة بعض الأسفار إلى أصحابها، لأن كتبتها ليسوا من تلاميي المسيح ، وعليه فلا يهمنا إن كان كاتب إنجيلي مرقس ولوقا هما مرقس ولوقا أو أيًا من النصارى اليين عاشوا في نهاية ال قرن الميلاد الأول ، إذ أ من هؤلء ليس بمعصوم ول ملهم ول م يصدر بحقه ثناء واحد من المسيح ، ومثله نصنع في رسائل بولس عدو المسيح الي ادعى الرسالة والعصمة ، وهو لم يلق المسيح البتة . وأود هنا أن نستشعر ما ساد العصر الأول من انتحال الكتب ونسبتها إلى غير أصحابها، يفعل ذلَ تلاميي المنحول إليه وغيرهم، ول أدل على سعة وانتشار هيه الظاهرة من تأمل أسماء الأناجيل والكتب التي سميت بأسماء تلاميي المسيح وأمه،

عدد الصفحات ٢٣

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ ويجزم الجميع بقطع الصلة بين تلَ الأسماء والكتب المنحولة إليهم، وعليه فلن ت رنا عناوين البشائر، فإن مؤلفي الأناجيل لم ييكروا فيها أسماءهم و «الألقاب الحالية وضعت بعد زمن ظهورها ؛ اعتمادًا على وجهة نظر الكنيسة الأولى ... هي عناوين تقليدية، وقد تكون هيه التقاليد صحيحة أو خاطئة»(1). ويقول ريموند براون «الحقبة التي كتب فيها المؤلفون اليين يتضمن العهد الجديد أعمالهم ت حت أسماء رسل مشاهير سبقوهم (باستثناء النبي المجهول المعروف باسم يوحنا الي يقدم نفسه ككاتب سفر الرؤيا) ، فلقد اجتهد تقليد لحق بنسبة أسماء مؤلفين إلى الأناجيل التي لم تكن تحملها سابقًا، غير أن العلم الحديث يشَ في دقة هيه النسبة التي ادف إلى ترسيخ السلطة ا لتي يستند إليها هيا العمل الفرد أكثر مما »(2)، وهكيا فالأسماء التي تسمي بها الكنيسة الأناجيل ليست إل اجتهادًا يعوزه الستدلل والتحقيق. (1) المدخل إلىالكتاب المقدس، حبيب سعيد، ص (221.) (2) الكنيسة التي ورثناها، ريموند براون، ص16.)

عدد الصفحات ٢٤

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ وهو أول إنجيل يطالعَ وأنت تقرأ في الكتاب المقدس ، ويتكون هيا الإنجيل من ثمانية وعشرين أصحاحً ا تحكي عن حياة المسيح ومواعظه من الميلاد وحتى الصعود إلى السماء . وتنسبه الكنيسة إلى الحوار متّى أحد التلاميي الثني عشر اليين اصطفاهم المسيح ، وتختلف المصادر اختلافًا كبيرًا في تحديد تاريخ كتابته ، لكنها تطبق على أن ه كتب في القرن الميلاد الأول ، يقول مدخل الإنجيل في نسخة الرهبانية اليسوعية : «فالكثير من المؤلفين يجعلون تاريخ الإنجيل الأول بين السنة 80 والسنة90 ، وربما قبلها بقليل ، ول يمكن الوصول إلى يقين تام في هيا الأمر » (1). ويرجحجون فنتون مفس ـر الإنجيل أنه «كتب في حوالي الفترة من 85-105م»(2 )، وهو يقارب ما ذهب إليه البرفسور هارنج حين قال«إن إنجيل متى أُ لف بين 80-100م » (3 ) . وعلى الرغم من أن كافة مخطوطات الإنجيل باليونانية، وأن أسلوبه وصياغته ل تدلن على أنه نص مترجم، فإن ثمة اتجاهًا قويًا عند آباء ا لكنيسة للقول بأنه كتاب مؤلَف بالعبرانية للربط بينه وبين أقدم شهادتين كنسيتين ، وهما شهادة أسقف هرابوليس (منبج) الأسقف بابياس (ت 155م) حيث قال : «قد كتب متى الأقوال بالعبرانية ، ثم ترجمها كل واحد إلى اليونانية حسب استطاعته »، ثم شهادة إيريناوس (1) مقدمة إنجيل متى في نسخة الرهبانية اليسوعية، ص35)، وانظر دائرة المعارف الكتابية1/457). (2) Saint Matthew. J Fenton. pp 11. (3) انظر : التوراة والإنجيل والقرآن والعلم ، موريس بوكا ، ص ( 8-12 )،المسيح في مصادر العقائد المسيحية ، أحمد عبد الوهاب ، ص ( 59 )، الإنجيل بحسب القديس متى، متى المسكين، ص25) .

عدد الصفحات ٢٥

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ أسقف ليون (ت 202م) في كتابه ( الرد على الهراطقة ) حين ذكر بأن متى وضع إنجيلاً للعبرانيين كتب بل تهم (1) . ولما كانت جميع مخطوطات الإنجيل الموجودة يونانية فقد تساءل المحققون عن مترجم الأصل العبراني إلى اليونانية ، وفي ذلَ أقوال كثيرة ل دليل عليها البتة ، وهي ـ كما يرى الأب متى المسكين ـ ( تخمينات ل يؤيدها برهان ) ، فقد قيل بأن مترجمه هو متى نفسه ، وقيل : بل يوحنا الإنجيلي ، وقيل غيرهما ، ولعل الصحيح ما قاله القديس جيروم ( 420م«الي ترجم متى من العبرانية إلى اليونانية غير معروف » ، بل لعل مترجمه أكثر من واحد كماقال بابياس (2) . من هو متى ؟ وما صلته بالإنجيل المنسوب إليه ؟ وهل يحو هيا الإنجيل كلمة الله ووحيه ؟ في الإجابة عن هيه الأسئلة تناقل المحققون ماذكره علماء النصارى في ترجمة متى ، فهو أحد التلاميي الثني عشر ، وكان يعمل عشارًا في كفر ناحوم ، وقد تبع المسيح بعد ذلَ ، وتيكر بعض المصادر أنه رحل إلى الحبشة ، وقتل فيها عام 70 م. ولم يرد ل لتلميي «متى» ذكر في العهد الجديد سوى مرتين ، أما المرة الأولى فعندما نادى عليه المسيح ، وهو في مكان عمله في الجباية ( انظر متى 9 :9 ) . والثانية في سياق تعداد أسماء التلاميي الثني عشر . ( انظر متى 10 :3 ، ولوقا6 :15 . ) (1) تاريخ الكنيسة ، يوسابيوس القيصر ، ص146 ،214 )، وانظر الإنجيل بحسب القديس متى، متى المسكين، ص (25) . (3) انظر : الإنجيل بحسب القديس متى ( دراسة وتفسير وشرح ) ، الأب متى المسكين ، ص ( 29 . )

عدد الصفحات ٢٦

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ ويجدر أن نيكر أن مرقس ولوقا ييكران أن العشار الي لقيه المسيح في محل الجباية هو لو بن حلفي ( انظر مرقس 2 :15 ، ولوقا5 :27 ) ولم ييكرا اسم متى . وتزعم الكنيسة ـ بلا دليل ـ أن لو بن حلفي هو اسم آخر لمتى العشار ، وما تشكَ به الأب أوريجانوس حين قال: «إنني أسلم بأن لو الي تبع يسوع كان محصل ضرائب، لكنه لم يكن ضمن الرسل إل كما ورد في إحدى نسخ إنجيل مرقس»(1). وتؤكد الكنيسة بأن متى هو كاتب الإنجيل ، و تستند لأمور ذكرها محررو قاموس الكتاب المقدس ، أهمها : «الشواهد والبينات الواضحة من نهج الكتابة بأن المؤلف يهود متنصر » وأيضًا «ل يعقل أن إنجيلاً خطيرًا كهيا ـ هو في مقدمة الأناجيل ـ ينسب إلى شخص مجهول ، وبالأحرى أن ينسب إلى أحد تلاميي المسيح » وأيضًا ييكر الأسقف ( بابياس ) في القرن الثاني الميلاد : « أن متى قد جمع أقوال المسيح » . وأخيرًا «من المسلم به أن الجابي عادة يحتفظ بالسجلات ، لأن هيا من أهم واجباته لتقديم الحسابات ، وكيلَ فإن هيا الإنجيلي قد احتفظ بأقوال المسيح بكل دقة» (2) . ومن خلال تأم ل ما سبق رأى المحققون أنه ليس ثمة دليل حقيقي عند (1 )ضد كلسوس، أوريجانوس (ك1، ف62) . (2) قاموس الكتاب المقدس ، ص832 )، وانظردائرة المعارف الكتابية (1/455).

عدد الصفحات ٢٧

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ النصارى على صحة نسبة الإنجيل إلى متى ، إذ ليس بالضرورة أن يكتب الجابي معلوماته الدينية كما يكتب متعلقات عمله ، كما أن كتابة التلميي متى لأقوال المسيح أو لإنجيل؛ ل تفيد صحة نسبة هيا الإنجيل إليه ، وكيلَ كون الكاتب يهود متنصر صفة تنطبق على كثيرين في القرن الأول، وليست محصورة بمتى. ولو تساءلنا هل هيا الإنجيل هو ما كتبه متى كما جاء في شهادة بابياس في القرن الثاني الميلاد ؟ وفي الإجابة عن السؤال نقول : ذكر بابياس أن متى كتب وجمع أقوال المسيح ، وما نراه في الإنجيل اليوم هو قصة كاملة عن المسيح ، وليس جمعًا لأقواله ، كما أن نسبة هيا الإنجيل إليه ل تمنع من وجود إنجيل آخر قد كتبه ، ولعل من المهم أن نيكر بأن في الأناجيل التي رفضتها الكنيسة إنجيلاً يسمى إنجيل متى ، فلعل بابياس عناه بقوله . وغير بعيد عن هيا الي انته ينا إليه ما ذهب إليه العلامة شلاير ماخر عام 1832م ، حيث انتهى في بحثه إلى أن ما كتبه التلميي متى هو «أقوال المسيح » التي ترجمت فيما بعد إلى اليونانية وصي ت وفق النسق التاريخي الموجود بين أيدينا حاليًا»(1) ، فالمؤلف الأصلي هو متى، وثمة من جاء بعده، فصاغه حلته النهائية على شكل قصة(2). وينتهي شلاير ماخر إلى الجزم بضياع الإنجيل الي تحدث عنه بابياس، و«أن مؤلَف متى الي أشار إليه بابياس ل يمكن أن يكون إنجيلنا الأول، لأن هيا دُوِّن في (1) انظر : الإنجيل بحسب القديس متى ( دراسة وتفسير وشرح ) ، الأب متى المسكين ، ص ( 28 . ) (2) المدخل إلىالكتاب المقدس ، حبيب سعيد، ص (222.)

عدد الصفحات ٢٨

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ اليونانية، وهو يتضمن من الوقائع أكثر مما يتضمن من الخطب والأقوال»(1). إن الأدلة تضافرت على أن كاتب هيا الإنجيل ليس من تلاميي المسيح . إذ في الإنجيل أمورًا كثيرة تدل على أن كاتبه ليس متى الحوار ، ومن هيه الأدلة : * أن متى اعتمد في إنجيله على إنجيل مرقس ، فقد نقل من مرقس ستمائة فقرة من فقرات مرقس الستمائة والثني عشر ، يقول القس فهيم عزيز: اعتماد متى على مرقس حقيقة معروفة لدى جميع الدارسين (2)، فإذا كان متى التلميي هو كاتب الإنجيل فكيف تفسر الكنيسة أن ينقل عن مرقس الي كان عمره عشر سنوات أيام دعوة المسيح ؟ كيف لأحد التلاميي الثني عشر أن ينقل ع من لم يلق المسيح ؟ هل ينقل الشاهد المعاين للأحداث عن ال ائب الي لم يشهدها !؟ * ثم إن إنجيل متَّ ى ييكر التلميي متَّ ى العشار مرتين ، ولم يشر من قريب أو بعيد إلى أنه الكاتب ، فقد ذكر اسمه وسط قائمة التلاميي الثني عشر ، ولم يجعله أولً ول آخرًا ، ثم لما تحدث عن اتباع متَّى للمسـيح اسـتخدم صـي ة ال ائـب ، فقـال : « وفيمـا يسوع مجتاز هنا رأى إنسانًا جالسًا عند مكان الجباية اسمه متَّ ى فقال له ن اتبعني فقـام وتبعه » ( متى9 :9 )،ولو كان متَّ ى هو الكاتب لقال : «قال لي »،«تبعته »،«رآ »، فدل كل ذلَ على أن التلميي متَّ ى ليس هو كاتب الإنجيل . * ثم إن التمعن في الإنجيل يبين مدى الثقافة التوراتية الواسعة التي جعلت منه أكثر الإنجيليين اهتمامًا بالنبوءات التوراتية عن المسيح ، وهيا ل يتصور أن يصدر من (1 )إزائية الأناجيل الأربعة، بولس الف الي وآخرون، ص665.) (2) انظر: المدخل إلىالعهد الجديد ، فهيم عزيز، ص (243)، والمدخل إلىالكتاب المقدس، حبيب سعيد، ص (243.)

عدد الصفحات ٢٩

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ عامل ضرائب محدود الثقافة ، فهيا الكاتب لن يكون متَّ ى العشار، يقول أ . تريكو في شرحه للعهد الجديد ( 1960م ) : إن العتقاد بأن متى هو عشار في كفر ناحوم ناداه عيسى ليتعلم منه ، لم يعد مقبولً ، خلافًا لما يزعمه آباء الكنيسة (1) . *وقد طعنت في صحة نسبة الإنجيل أو بعضه إلى متّى فرق مسيحية قديمة ، فقد كان الأبيونيون يرون البابين الأولين لإنجيل متى إلحاقيين ، وير ون أن البداية الحقيقية لهيا الإنجيل قوله : «في تلك الأيام جاء يوحنا المعمدا .. » (متى3 :1 ) فتكون بداية الإنجيل قصة يوحنا المعمداني كما هو الحال في مرقس ويوحنا(2). ويدل على ذلَ أيضًا أن قوله «في تلك الأيام »ل يمكن عوده على ما الأصحاحين السابقين ، إذ كان الحديث في آخر الأصحاح الثاني عن قتل هيرودس للأطفال بعد ولدة المسيح ، وهو زمن طفولة المسيح والمعمدان الي يكبره بستة أشهر ، بينما الأصحاح الثالث يتحدث عن دعوة المعمدان ـ أ وهو شاب ـ ، وهيا يعني وجود سقط أو حيف قبل الأصحاح الثالث ، أو أنه البداية الحقيقية للإنجيل. * وقد أنكر كثير من علماء المسيحية في القديم والحديث صحة نسبة الإنجيل إلى متى ، يقول المانو الهرطوقي فاوست الي تتلمي على يديه القديس أوغسطين في أواخر القرن الرابع « :إن الإنجيل المنسوب إلى متى ليس من تصنيفه»، وكيا يرى القديس وليمس . والأب ديدون في كتابه ( حياة المسيح ). ويقول ج ب فيلبس في مقدمته لإنجيل متى : « نسب التراث القديم هيه البشارة إلى الحوار متى ، ولكن معظم علماء اليوم يرفضون هيا الرأ » (1) التوراة والإنجيل والقرآن والعلم ، موريس بوكا ، ص ( 80 – 84 . ) (2 )تاريخ الفكر المسيحي، حنا جرجس الخضر1/497) .

عدد الصفحات ٣٠

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ وإذا لم يكن متى هو كاتب الإنجيل المنسوب إليه ، فمن هو كاتب هيا الإنجيل؟ في الإجابة عن السؤال نقول: نتائج الدراسات ال ربية التي أكدت أن هيا الإنجيل قد كتبه شخص مجهول ؛ غير متى التلميي ، ونسبه إليه مني القرن الثاني ، ولربما يكون هيا الكاتب تلمييًا في مدرسة متى ، وهو ما يميل إليه النقاد . يقول البرفسور هارنج في كتابه «تاريخ الصحف السماوية»: إن إنجيل متى ليس من تأليف متى الحوار ، بل هو لمؤلف مجهول أخفى شخصيته ل رض ما (1) . وجاء في مقدمة الرهبانية اليسوعية لإنجيل متى «أما المؤلِّف ، فالإنجيل ل ييكر عنه شيئًا وأقدم تقليد كنسي ( بابياس أسقف هيرابوليس في النصف الأول من القرن الثاني ) ينسبه إلى الرسول متى .. ولكن البحث في الإنجيل ل يثبت ذلَ الرأ أو يبطله على وجه حاسم ، فلما كنا ل نعرف اسم المؤلف معرفة دقيقة يحسن بنا أن نكتفي ببعض الملامح المرسومة في الإنجيل نفسه .. »(2) . ويقول القس فهيم عزيز عن كاتب متى المجهول : «ل نستطيع أن نعطيه اسمًا ، وقد يكون متى الرسول ، وقد يكون غيره »(3) . ويقول حبيب سعيد«أما متَّى فلا ينعقد الإجماع على أنه مؤلف البشارة التي تحمل اسمه ... لم ييكر لنا التاريخ اسم الكاتب الحقيقي، ولكننا ندعوه «متَّى» ، وهو (1 )تاريخ الصحف السماوية، هارنج، ص (11.) (2 )مقدمة إنجيل متى في نسخة الرهبانية اليسوعية، ص35). (3 )المدخل إلىالعهد الجديد ، فهيم عزيز، ص (245).

عدد الصفحات ٣١

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ السم الي عُرف به الإنج يل»(1). يرى جون فنتون مفسر إنجيل متى وعميد كلية اللاهوت بلينشفيلد بأنه من المحتمل «أنه كانت هناك بعض الصلات بين متى التلميي والكنيسة التي كتب من أجلها هيا الإنجيل ، ولهيا فإن مؤلف هيا الإنجيل نسب عمله إلى مؤسس تلَ الكنيسة أو معلمها الي كان اسمه متى ، ويحتمل أن المبشر كاتب الإنجيل قد اغتنم الفرصة التي أعطاه إياها مرقس عند الكلام على دعوة أحد التلاميي ، فربطها بيلَ التلميي الخاص أحد الثني عشر ( متى ) الي وقره باعتباره رسول الكنيسة التي يتبعها»، ويضيف : «إن ربط شخصيته كمؤلف بهيا التلميي إنما هي بالتأكيد محض خيال » (2 ). ويحاولأوسكار كولمان في كتابه «العهد الجديد» وشـراح الترجمـة المسـكونية تحديد بعض الملامح لهيا الكاتب ، فالكاتب ـ كما يظهر في إنجيلـه ـ مسـيحي يهـود يربط بين التوراة وحياة المسيح ، وهو كما يصـفه كولمـان : يقطـع الحبـال التـي تربطـه باليهودية مع حرصه على الستمرار في خط العهد القـديم ، فهـو كاتـب يهـود يحـترم الناموس ، ويعتبر بـيلَ مـن البعيـدين عـن مدرسـة بـولس الـي ل يحـترم النـاموس ، بينما يقول هيا الكاتب «فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس ، هكـذا يدعى أصغر في ملكوت السماوات »متى5 :19 ) (3 ) . (1) المدخل إلى الكتاب المقدس ، حبيب سعيد، ص (222،243.) (2) Saint Matthew. J Fenton. pp 136.،والترجمة بحسب المسيح في مصادر العقائد المسيحية ، أحمد عبد الوهاب ، ص ( 58 ) (3) انظر : التوراة والإنجيل والقرآن والعلم ، موريس بوكا ، ص8-12 . )

عدد الصفحات ٣٢

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ ثاني الأناجيل التي تطالعنا في العهد الجديد ، ويتكون من ستة عشر أصحاحً ا ، تحكي قصة المسيح من لدن تعميده على يد يوحنا المعمداني إلى قيامة المسيح بعد قتله على الصليب . وهو أقصر الأناجيل ، ويعتبره النقاد أصح إنجيل يتحدث عن حياة المسيح ، ويكاد يجمع النقاد على أنه أول الأناجيل تأليفًا ، وأن إنجيل متى ولوقا قد نقلا عنه ، يقول مؤلفو «مدخل إلى الكتاب المقدس »« :ربما كانت بشارة مرقس هي أقدم البشائر الأربع وقد كتبت فيما بين 65-70 ميلادية قبل تدمير هيكل أورشليم ، ويبدو أن كلاً من متى ولوقا قد استخدم إ نجيل مرقس»(1) . يقول العالم الألماني رويس : إنه كان الأصلالي اقتبس منه إنجيلا متى ولوقا، وهيا الإنجيل هو الوحيد بين الأناجيل المسمى بإنجيل المسيح ، إذ أول فقرة فيه « بدء إنجيل يسوع المسيح ابن اب » ( مرقس1 :1 ) (2) . وأما ل ة هيا الإنجيل، فالمصادر تتفق على أنها اليونانية، إذا تجاهلنا الأصـوات القليلة التي زعمت أنه لتيني أو آرامي (3) . وتزعم المصادر أن مرقس كتب إنجيله في روما ، ولعله في الإسكندرية ، وأن كتابته تمت ـ على اختلاف في هيه المصادر ـ بين عام 44-75م معتمدين على شهادة (1) انظر : مدخل إلى الكتا ب المقدس ، جون بالكين وآخرون ، ص ( 408) ،دائرة المعارف الكتابية (1/466). (2) يجدر التنبيه على أن عبارة « ابن ا » ل ترد في جميع المخطوطات ، كما نبه الآباء اليسوعيون حاشيتهم على هيه الفقرة في الرهبانية اليسوعية، ص (126). (3) انظردائرة المعارف الكتابية (1/460-461).

عدد الصفحات ٣٣