المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل العهد الجديد كلمة الله

منقذ بن محمود السقار

صفحة ١٧ من ٢٠

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ إلى شكيم ( نابلس ) ووضعوا في القبر الذي اشتراه إبراهيم بثمن فضة من بني حمور أبي شكيم » ( أعمال7 :15-16 ) . وفي سفر التكوين أن أرض شكيم قد ابتاعها يعقوب ل إبراهيم ، حيث يقول : « ثم أتى يعقوب سالمً ا إلى مدينة شكيم التي في أر كنعان .. وابتاع قطعة الحقل التي نصب فيها خيمته من يد بني حمور أبي شكيم بمائة قسيطة » (التكوين33 :18-19 ) . والخطأ من كاتب أعمال الرسل لأن الأرض التي ابتاعها إبراهيم ، هي في أرض حبرون ( الخليل ) ، واشتراها من عفرون ، وفيها دفن سارة ، ثم دفن هو فيها كما في سفر التكوين « ووزن إبراهيم لعفرون الفضة التي ذكرها في مساما بني حث ، أربعمائة شاقل فضة .. بعد ذلك دفن إبراهيم سارة امرأته في مغارة حقل المكفيلة أمام ممرا التي هي حبرون ، في أر كنعان » (التكوين23 :16-19 ) . فمن الي اشترى أرض شكيم ، يعقوب أم إبراهيم ؟ جاء في سفر صموئ يل أن شاول ملَ على بني إسرائيل لمدة سنتين ، حيث يقول : « كان شاول ابن سنة في ملكه ، وملك سنتين على إسرائيل » ( 1 صموئيل 13 : 1 ) ، وهو مناقض لما ذكره سفر أعمال الرسل ، حيث جاء فيه : « ومن ثم طلبوا ملكًا، فأعطاهم اب شاول بن قيس رجلً من سبط بنيامين أربعين سنة » (أعمال13 :21 ) ، فهل ملَ شاول أربعين سنة أم سنتين فقط ؟ نقل بولس في رسالته إلى العبرانيين بشارة الله لداود بابنه سليمان ، لكنه جعلها نبوءة بالمسيح ، فيقول : « كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثًا لكل شيء .. صائرً ا أعظم من الملئكة بمقدار ما ورث اسمً ا أفضل منهم ، لأنه لمن

عدد الصفحات ٢٥٨

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ من الملئكة قال قط ن أنت ابني ، أنا اليوم ولدتك . وأيضا أنا أكون له أبً ا ، وهو يكون لي ابنً ا » ( عبرانيين1 :5 ) . وقد اقتبس بولسالعبارة الواردة في سفر صموئيل الثاني ( 7 :14 ) ، وجعلها نبوءة عن المسيح ، ففيه : « أنا أكون له أبًا ، وهو يكون لي ابنً ا » فقد ظن بولس أن هيه العبارة نبوءة عن المسيح فنقلها في رسالته . إل أن هيا القتباس غير صحيح ، فالنص جاء في سياق الحديث إلى داود ، فقد أمر الله النبي ناثان أن يقول لداود : « فهكذا تقوللعبدي داود ..متى كملت أيامك واضطجعت ما آبائك أقيم نسلك الذي يخرج من أحشائك ، وأثبت مملكته ، هو يبني بيتً ا لاسمي ، وأنا أثبت كرسي مملكته إلى الأبد ، أنا أكون له أبً ا وهو يكون لي ابنً ا ، وإن تعوج أودبه بقضيب الناس وبضربات بني آدم » (2 صموئيل 7 :8-17 ) ، فالمتنبئ عنه يخرج من أحشاء داود، وليس من ذريته ، وهو يملَ على بني إسرائيل بعد اضطجاع داود أ موته ، وهو باني بيت الله ، وهو متوعد بالعياب إنْ مال عن تعاليم الله «تعوج أؤدبه»، وكل هيا قد تحقق في سليمان كما تيكر التوراة . إن أيً ا من تلَ المواعيد لم يتحقق في المسيح ، فهو عندهم إله ل يصح أن يتوعد بالعياب من الله لأنه ل يخطئ ابتداءً ، كما أنه لم يبنِ لله بيتً ا ، ولم يملَ على بني إسرائيل يومً ا واحدً ا ، ولم يثبت كرسي مملكته ، لأنه ل مملكة له أصلاً في هيا العالم كما أخبر هو فقال : « أجاب يسوع ن مملكتي ليست من هذا العالم . لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون ، لكي لا أسلّم إلى اليهود ، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا » (يوحنا18 :36 ) . وقدجاء في سفر أخبار الأيام الأول أن اسم صاحب النبوءة يكون «سليمان» ،

عدد الصفحات ٢٥٩

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ فقد قال لداود : « هوذا يولد لك ابن يكون صاحب راحة ، وأريحه من جميا أعدائه حواليه ، لأن اسمه يكون ن سليمان . فأجعل سلمً ا وسكينة في إسرائيل في أيامه . هو يبني بيتا لاسمي ، وهو يكون لي ابنً ا ، وأنا له أبً ا ، وأثبت كرسي ملكه على إسرائيل إلى الأبد » ( 1 أخبار 22 :9 ) . وقد لحظ المفسر وليم باركلي ما تعرض له الن ص من ت يير، فقال: «قد يبدو للبعض منا أن في اقتباس بعض هيه الآيات شيئًا غريبًا ، فمثلاً، الآية المأخوذة من صموئيل الثاني 7 :14 هي في أصلها إشارة مباشرة إلى سليمان، ل إلى المسيا أو البن ولكن حيث وجد المسيحيون الأوائل كلمة «البن»أو«الرب»رأوا بإلهام من الروح القدس : أن المقصود بهما شخص يسوع »(1) ، وهكيا فقد أعطاهم باركلي الحق التلاعب في النصوص وت يير التاريخ، ليصبح المسيح هو الملَ الي يدوم ملكه ويؤدبه الله بالبلايا حين يخطئ!! المهم عندهم أن نصطنع نبوءات في التوراة عن المسيح. ومن تحريف النبوءات المزعومة ما صنعه متى في قوله عن المسيح وعودته من مصر إبان طفولته : « كان هنا إلى وفاة هيرودس ، لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل ن من مصر دعوتُ ابني » (متى2 :14-15 ) ، فقد زعم أن ذلَ يحقق النبوءة التوراتية التي في سفر هوشع ( انظر هوشع 11 :1-2 ) . لكن النص الي في هوشع ل علاقة له بالمسيح ، فالنص يتحدث عن عودة شعب إسرائيل من مصر مع موسى ، والحديث في أصل السياق عن يعقوب ، ثم ينتقل للحديث عن أبنائه وعودام من مصر ، ثم عبادام للأوثان بعد ذلَ وإعراضهم عن (1) تفسير الرسالة إلى العبرانيين، وليم باركلي، ص32) .

عدد الصفحات ٢٦٠

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ دعوات الله لهم ، فيقول : « لما كان إسرائيل غلمً ا أحببته ، ومن مصر دعوت ابني ، كلما دعوا ولوا وجوههم ، وذبحوا لبعاليم ، وقربوا للأصنام » (هوشع11 :1-2 ) ، والنص وفق الترجمة السبعينية والفولجاتا يبتعد بالنص عن موضع الدللة، فيقول: «إذ كان إسرائيل صبيًا أحببته، ومن مصر دعوت بنيه »(1)، فالحد يث ليس عن ابن واحد، بل عن أبناء كُثر. فالنص ل علاقة له بالمسيح ، فعبادة الأصنام التي يتحدث عنها النص حصلت قبل المسيح ، ول تنطبق على معاصر المسيح ، لأن اليهود تابوا عن عبادة الأوثان توبة جيدة قبل ميلاد المسيح بخمسمائة وست وثلاثين سنة بعدما أطلقوا من أسر بابل ، ثم لم يعودوا بعد تلَ التوبة كما يتضح ذلَ لقارئ الكتاب المقدس ، وهو ما تشهد له كتب التواريخ . واستخدام هيه الصي ة ( ابني ) في شعب بني إسرائيل معهود في التوارة ، فقد جاء فيها « عندما تذهب لترجا إلى مصر .. فتقول لفرعون ن هكذا يقول الرب ن إسرائيل ابني البكر . قلت لك ن أطلق ابني ليعبدني » ( الخروج4 :21-23 ) . وإضافة إلى ما سبق ، فإنه ليس من دليل تاريخي ولكتابي خلاف هيا النص يؤيد فكرة وصول المسيح إلى مصر، ول يمكننا التنبؤ بسبب اختلاق هيه الرحلة، لكننا نردد مع ول ديورانت: «وكثيراً من الحوادث التي يبدو أنها وضعت عن قصد لإثبات وقوع النبوءات الواردة في العهد القديم، وفقرات كثيرة ربما كان المقصود منها تقدير أساس تاريخي لعقيدة متأخرة من عقائد الكنيسة أو طقس من طقوسها»(2). (1 )رسائل هيرونيموس (جيروم)، الرسالة إلى باماكيوس، ص (1/334 . ) (2) قصة الحضارة، وليام ديورانت11/210.)

عدد الصفحات ٢٦١

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ وتبيل محاولت يائسة وساذجة للجمع بين هيه المتناقضات وتقديمها بصورة متوافقة متكاملة ، لكن التكلف يكتنف جميع هيه المحاولت التي غالبً ا ما تظهر باهتة ، إضافة لما تحمله من صور للجمع ل دليل عليها . ليا فإن الفيلسوف الناقد اليهود اسبينوزا صدق وهو يقول عن التوراة ، وينطبق حديثه على العهد الجديد : « فإذا ظن أحد أني أتحدث بطريقة عامة جدًا دون أساس كاف ، فإني أرجو أن يكلف نفسه العناء ، ويدلنا على ترتيب يقين لهيه الروايات يستطيع المؤرخون اتباعه في كتاباام للأخبار دون الوقوع في خطأ جسيم ، وعلى المرء في أثناء محاولته تفسير الروايات والتوفيق أن يراعي العبارات والأساليب، وطرق الوصل في الكلام ، ويشرحها بحيث نستطيع طبقً ا لهيا الشرح أن نقلدها في كتاباتنا ، ولسوف أنحني مقدمً ا في خشوع لمن يستطيع القيام بهيه المهمة ، وإني على استعداد لأن أشبهه ( بأبوللو ) نفسه . على أني أعترف بأني لم أستطع أن أجد من يقوم بهيه المحاولة ، على الرغم من طول بحثي عنه ، ومع أني مشبع مني طفولتي بالآراء الشائعة عن الكتاب المقدس ، فقد كان من المستحيل أل أنتهي إلى ما انتهيت إليه . وعلى أية حال فليس هناك ما يدعونا إلى أن نعطل القارئ هنا ، وأن نعرض عليه في صورة تحد أن يقوم بمحاولة ميئوس منها » (1) . وقليلون هم اليين يعترفون بالحقيقة ، ومنهم محررو مجلة ( الحقيقة المجردة ـ الناصعة ـ ) النصرانية والتي يقول عدد يوليو 1975م منها : « هناك ادعاءات كثيرة (1) انظر : الكتب المقدسة بين الصحة والتحريف ، يحيى ربيع ، ص ( 325 . )

عدد الصفحات ٢٦٢

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ لتناقضات في الكتاب المقدس لم يستطع العلماء حلها حتى الآن ، وفيها ما يسر كل كافر ملحد ، فهناك بعض الصعوبات النصية التي ما زال العلماء يتصارعون معها إلى يومنا هيا ، ول ينكر هيه الحقيقة إل من كان جاهلاً بالكتاب المقدس » . ومثلهم يقول مفسرو الترجمة المسكونية للتوراة عنالأناجيل بأنها « صورة لأدب غير مترابط ، مفتقر هيكله إلى حسن التتابع .. يبدو أن ما فيه من تضاد غير قابل للتيليل » (1) . ونختم بإقرار متحفظ جدًا من الكاتب حبيب سعيد، وهو ينصح المؤمنين بالكتاب المقدس: «يجب التسليم بلا مواربة أن هناك بعض الفارق أو التناقض أو الختلاف في قليل من الروايات .. لم يدع أحد العصمة اللفظية الحرفية لروايات الأناجيل ، فقد كان الكُتاب خاضعين للعوامل العقلية والنفسية التي يخضع لها الكُتاب عادة في كل جيل، ول نجني شيئًا إذا نحن تظاهرنا أو ادعينا أن ليس بين البشائر بعض الفوارق التافهة»(2). (1) انظر : هل الكتاب المقدس كلمة الله؟ أحمد ديدات ، ص77 ) ، التوراة والإنجيل والقرآن والعلم ، موريس بوكا ، ص ( 94 . ) (2 )المدخل إلىالكتاب المقدس، حبيب سعيد، ص (227.)

عدد الصفحات ٢٦٣

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ جاء في كلام المسيح « احترزوا من الأنبياء ا لكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملن، ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة ، من ثمارهم تعرفونهم ، هل يجتنون من الشو عنبً ا أو من الحسك تينً ا ، هكذا كل شجرة جيدة تصنا أثمارً ا جيدة ، وأما الشجرة الردية فتصنا أثمارً ا ردية . لا تقــدر شــجرة جيــدة أن تصــنا ثمــارً ا رديــة ، ولا شــجرة رديــة أن تصــنا أثمــارً ا جيدة، كل شجرة لا تصنا ثمرً ا جيدً ا تقطا وتلقى في النار ، فإذً ا من ثمارهم تعرفونهم » ( متى7 :15 ـ 20 ) . يسوق المسلمون هيا النص الإنجيلي ويطلبون من النصارى التحاكم إليه ، ومن ثم تكون الثمار دالة على حسن ال رس أو سوئه . وعند النظر إلى المجتمع النصراني بشكل عام يسجل المحققون على المجتمع النصراني انتشار عدد من الموبقات ، من أهمها : ( الزنا والشيوذ ـ النتحار والجرائم ـ التمييز العنصر الب يض ـ التفكَ الأسر والعلاقات ال جتماعية السيئة ـ المخدرات والمسكرات والخمور ـ النسلاخ من الدين وشيوع الإلحاد ـ الوحشية مع الأمم الأخرى .. ) . ويتبين من هيا كله من خلال بعض الأرقام التي أوردها المحققون نقلاً عن إحصائيات صادرة في ال رب إضافة إلى قراءام الصحيحة للمجتمع النصراني . فقد نشرت مجلة بونتي الألمانية إحصاءً حول معتقدات الألمان ، ونتيجة الإحصاء أن 65% من الألمان يؤمنون با ، و50% يؤمنون بالحياة بعد الموت والجزاء فيه .

عدد الصفحات ٢٦٤

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ وفي جنوب أفريقيا حيث نسبة النصارى 98% ينتشر زنا المحارم بين البيض بنسبة 8% ، بينما يبلغ عدد مدمني الخمر في أمريكا كما يقول القس جيمي سويجارت أربعة وأربعين مليون إضافة إلى أحد عشر مليون سكير . وييكر جون ستون بحثً ا ميدانيً ا أجر عام 1978م ، وكان من نتيجته أن 4 % من المجتمع الأمريكي يمارسون السحاق أو الشيوذ طوال حياام ، و10% يمارسونه لمدة ثلاث سنوات ، وتشير أرقام اتحاد تنظيم الأسرة في بريطانيا إلى أن نصف الفتيات المراهقات تحت 16 سنة يمارسن الزنا (1) . وللمرء أن يتساءل : ماذا لدى الإنجيل من مقومات الإصلاح لهيا الفساد وتلَ الأرقام الوبائية ؟ وهل للإنجيل علاقة بهيه الأرقام ؟ الإجابة تتلخص في قصور التشريعات الإنجيلية عن معالج ة الأوضاع الفاسدة في المجتمعات النصرانية ، بل ليس من التجني في شيء إذا قلنا بأن الكتاب المقدس هو أحد أسباب الفساد في تلَ المجتمعات ، سواء كان ذلَ بصورة مباشرة أو غير مباشرة (2) . وقد تجلت مسئولية الكتاب عن هيا الفساد بأمور تتفاوت في أثرها ، لكنها مجتمعة حوت أسباب البلاء وجيوره ، وفي كل ذلَ ما يدل على أنه ليس كلمة الله ، لأن الله يرسل أنبياءه بكتبه ليهد الناس ويخرجهم من الظلمات والشرور إلى الهدى والنور . (1) انظر : المناظرة الحديثة ، أحمد ديدات ، ص ( 140 ،169-173 ) ، الكنيسة والنحراف الجنسي ، أحمد عبد الله ، ( 79-82 . ) (2) ل يعني هيا أن الكتاب المقدس خلو من التعاليم السامية والتي هي في الحقيقة بقية أنوار الأنبياء وهديهم، لكن شابها ما أضافه الكتبة من الباطل ، فانطفأت أنوار الحق ، وبهتت ، وغاصت درره في بحور التحريف .

عدد الصفحات ٢٦٥

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ ثمة نصـوص إنجيليـة كثيـرة تجلـى فيهـا مصـادمة الإنجيـل الموجـود بـين أيـدينا للفطرة الإنسانية التي خلـق الله عليهـا عبـاده ، ممـا يـترك أثـرً ا سـلبيً ا أخلاقيًـا أو اجتماعيًـا على قارئيها ، منها : أنه ثمة نصوص تصطدم مع طبيعة الإنسان وفطرته التي فطره الله عليها ، ومنه ما جاء في العهد الجديد من حث على التبتل وترك الزواج يقول بولس : « أقول لغير المتزوجين وللأرامل ن إنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا » ( 1 كورنثوس 7 :8 ) . وفي نص آخر يقول : « لأن اهتمام الجسد هو عداوة ب » ( رومية8 :7 ) ، وعليه فالأكل والشرب والنوم والزواج .. وغيرها من حاجات الإنسان الفطرية إنما يمارسها الإنسان وهو يعاد ربه ، لأن الفكرة الخاطئة التي تسيطر على بولس هي العداوة بين الجسد والروح « لأن الجسد يشتهي ضد الروح ، والروح ضد الجسد ، وهذان يقاوم أحدهما الآخر حتى تفعلون ما لا تريدون » (غلاطية5 :17 ) ، وهيا الصراع المفترض بين الروح والجسد يشوه الحياة الإنسانية التي ل تسعد إل بتكامل حاجات الجسد ورغبات الروح . وقد ألقت هيه النصوص بظلال سيئة الرائحة على «كثيرين من الرهبان المصريين كانوا أميين يحتقرون العلوم الدنيوية ، ويرون أنها غرور باطل ، ومنهم من كان يرى أن النظافة ل تتفق مع الإيمان؛ وقد أبت العيراء سلفيا أن ت سل أ جزء من جسدها عدا أصابعها، وكان في أحد الأديرة النسائية 130 راهبة لم تستحم واحدة منهن قط أو ت سل قدميها، لكن الرهبان أنسوا إلى الماء حوالي آخر القرن الرابع، وسخر الأب اسكندر من هيا النحطاط، فأخي يحِ نُّ إلى تلَ الأيام التي لم يكن فيها

عدد الصفحات ٢٦٦

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ الرهبان "ي سلون وجوههم قط »(1). وذات الصورة بنقلها فيلسيان شالي، فـ «كثيرون هم القديسون، وبعض الصوفيين اليين يعيشون في القيارة، ويفرضون على أنفسهم شتى أنواع الألم؛ احتقارًا منهم للجسد، وفي القرن الثامن عشر كانت "مؤسسة ميهب الطمأنينة " الصوفي والسيدة غويون تضع حجارة في حيائها، وتمزق جسدها بالشوك، وترغم نفسها على وضع لسانها فوق أسوأ بصاق يمكن أن يراه الإنسان»(2). وأما التلميي يعقوب فيبالغ في تحييره من محبة العالم ، من غير أن يفرق بين الخير والشر ، فيقول : « أيها الزناة والزوا ، أما تعلمون أن محبة العالم عداوة للّه ، فمن أراد أن يكون محبً ا للعالم فقد صار عدوً ا اب » (يعقوب4 :4 ) ، فهل محبة الخير أو الوالدين أو حتى شهوات الإنسان الفطرية من نكاح وتناسل وطعام وشراب ، هل محبة هيه المحبوبات عداوة لله ؟! وفي مرة أخرى ينسب متى إلى المسيح أنه قال : « يوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات ، من استطاع أن يقبل فليقبل » ( متى19 :12 ) . وييكر متى دعوة المسيح إلى التخلي عن الدنيا بما فيها الحاجات الأساسية والضرورية للحياة الإنسانية السوية ، فقد جاءه رجل فقال للمسيح بأنه حفظ الوصايا كلها « فماذا يعوزني بعد ؟ قال له يسوع ن إن أردت أن تكون كاملً فاذهب وبا أملكك وأعط الفقراء ، فيكون لك كنز في السماء ، وتعال واتبعني ، ( لكن الشاب الصالح ) مضى حزينً ا ، لأنه كان ذا أموال كثيرةً . (1 )قصة الحضارة، ولديورانت12/122) . (2 )موجز تاريخ الأديان، فيلسيان شالي، ص252) .

عدد الصفحات ٢٦٧

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ فقال يسوع لتلميذه ن الحق أقول لكم ن إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من دخول غني إلى ملكوت اب ، فلما سما تلميذه بهتوا جدً ا قائلين ن إذً ا من يستطيا أن يخلي » ( متى19 :20-25 ) . فهيا النص وأمثاله محارب لدفعة الحياة التي بها يقوم العمران والحضارات ، يقول برنارد شو: «لو عمل الأغنياء قاطبة بهيه النصيحة في وقت واحد، فالنتيجة الوحيدة ستكون إضافة نفسه ومن يعيلهم إلى قا ئمة الفقراء، بينما ل يكون في عمله فائدة للفقراء أكثر من أن يتيح لقلة منهم فرصة لإقامة حفلة سكر معربدة»(1). ومثله تلَ الدعوة التي نرى فيها دعوة للتكاسل والقعود ، تبأس البشرية إن فعلتها ، وهي ما جاء في لوقا : « لاتهتموا لحياتكم بما تأكلون ، ولا للجسد بما تلبسون، الحياة أفضل من الطعام ، والجسد أفضل من اللباس ، تأملوا الغربان إنها لا تزرع ولا تحصد ، وليس لها مخدع ولا مخزن ، واب يقوتها .. تأملوا الزنابق كيف تنمو لا تتعب ولا تغزل .. فل تطلبوا أنتم ما تأكلون وما تشربون ، ولا تقلقوا .. بل اطلبوا ملكوت اب ، وهذه كلها تزاد لكم » ( لوقا12 :22-31 ) . ومثله ييكر متى أن المسيحأمر تلامييه : « لا تقتنوا ذهبًا ولا فضة ولا نحاسً ا في مناطقكم ، ولا مزودً ا للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصً ا » ( متى10 :9-10 ) ، فكيف تعمر الأرض لو امتثل الناس جميعً ا بهيا الأمر المحال . ومما يصادم الفطرة الإنسانية المثالية غير المعقولة ول المحمودة في بعض فقرات العهد الجديد كما في قول متى الي نسبه إلى للمسيح في قوله : « وأما أنا فأقول لكم ن أحبوا أعداءكم ، باركوا لاعنيكم » (متى5 :44 ) ، فعلاوة على كون (1 )المسيح ليس مسيحيًا، جورج برنارد شو، ص91.)

عدد الصفحات ٢٦٨

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ الأمر بمحبة الأعداء أمرً ا محالً لم تطبقه المجتمعات النصرانية في يوم من الأيام ، فإنه ل يحسن أن يكون المسيح قد أمر بمحبة الشيطان ، أكبر أعداء الإنسان ، ومثله يقال في شياطين الإنس اليين يب ضهم الله ، ول يحسن بالمؤمن أن يحبهم وقد أب ضهم ربه جل وعلا . وتزداد النكارة وال رابة من أمر الكتاب المؤمنين بمحبة أعدائهم مهما أساؤوا وصنعوا ، بينما يطلب في موضع آخر من المؤمنين أن يب ضوا أولئَ اليين أحسنوا إليهم أو يلوذون بهم من والِدين وإخوة وأبناء ، فإن ب ضهم وكراهيتهم شرط للتلمية عند السيد المسيح كما زعم لوقا « إن كان أحد يأتي إليّ ، ولا يبغض أباه وأمه وأولاده وإخوانه حتى نفسه أيضً ا فل يقدر أن يكون تلميذً ا » (لوقا14 :26-27 ) .

عدد الصفحات ٢٦٩

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ ورأى المحققون أيضً ا أن تشريعات الأناجيل عاجزة عن إقامة الحياة المستقيمة المتكاملة بما تحمل هيه الأناجيل مـن مثاليـة مقيتـة يسـتحيل أن تصـلح الحيـاة معهـا ، ومن ذلَ ما نسبه متى إلى المسيح : « من لطمك على خد ، فحول له الآخـر أيضًـ ا » ( متــى5 :39 ) ، وقــد ورد الــنص في مقابــل القصــاص ، ولــيلَ فهــو إل ــاء لشــريعة القصاص ، أو إضافة أخلاقية تفتقر إلى المعقولية ، وكأني به يحث على الرضا بالضـيم والظلم ، وهو ول ريب سبب عظيم في ظهور الفساد والب ي . ومثله قول لوقا : « من ضربك على خد الأيمن فاعر له الآخر ، ومن أخذ رداء فل تمنعه ثوبك ... ومن أخذ الذي لك فل تطالبه به » ( لوقا6 :28-29 ) ، فهل يصنع هيا أحد من العقلاء ؟ ولو صنعه الناس فأ واقع من الظلم والضطهاد والشرور سيكون ؟!، يقول بروس: «ليس من السهل تنفيي أوامر يسوع البسيطة مجتمع م قد كمجتمعنا ..هيه الوصية تقع في دائرة السلوك الشخصي، مهما يكن من أمر فهناك الكثيرون من المسيحيين يعتقدون بأن هيا التعليم ينب ي أن يوضع موضع التطبيق من قبل الجماعات والدول أسوة ب الأفراد »(1)، فأين تحقت هيه الطوباوية؟ ومتى؟ وهل تستقيم الحياة الشخصية فضلا عن المجتمعية بإنفاذ مثل هيه المثالية الحالمة؟. إن أحدًا يعيش في دنيانا المليئة بالوحوش والظلم لن يطبق هيا التعليم، بل حتى المسيح نفسه ضرب به عرض الحائط حين ضربه خدم رؤساء الكهنة فلم يعرض له الخد الآخر ، بل قال له : « إن كنت قد تكلمت رديًا فاشهد على الردي ، وإن حسنً ا (1 )أقوال يسوع الصعبة، ف بروس، ص70.)

عدد الصفحات ٢٧٠

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ فلماذا تضربني » (يوحنا18 :23 ) . كما ثمة تساؤل آخر يبحث عن إجابة : هل طبقت الكنيسة هيا الخلق في جولة من جولاا أم أن واقع الحال يؤذن بأن هيا المقال من المحال ، وإذا عجزت الكنيسة والمسيح عن ذلَ ، ف يرهما عنه أعجز . ويحرم العهد الجديد الطلاق إل بعلة الزنا ، فيقول : « فالذي جمعه اب لا يفرقه إنسان .. أقول لكم ن إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزني ، والذي يتزوج بمطلقة يزني » (متى19 :6-9 ) . وهيا التشريع س بب من أسباب انتشار الب اء ، إذ هو المخرج والسبيل الي يلجأ إليه أولئَ اليين حالت مشاكل الحياة واختلافات البشر دون إكمال مسيرام الزوجية ، وحرم عليهم العهد الجديد أن يبنوا حياام على الطُ هر من جديد . ول يمكن أن تستقيم الحياة مع هيا التشريع العجيب ، إذ ثمة أمور كثيرة تجعل الحياة بين الزوجين ضربً ا من المحال ، ول مخرج من ضنكها إل الطلاق ، الي بمنعه تقع الكثير من المضار ، وهو ما دفع الكنيسة البروتستانتية لإباحة الطلاق ، وهو ما تحاول الكنائس الأخرى إقراره ب ية الخروج من هيا التشريع ال ريب . وأما ما ذكره متى من علة تحريم الطلاق وهو قوله : « فالذي جمعه اب يفرقه إنسان » ( متى19 :6 ) فليس بصحيح ، لأن الزواج ليس جمعً ا إلهيً ا بين اثنين ، بل هو اتفاق بين اثنين على الزواج وفق شريعة الله وسنّ ته ، فمثله في ذلَ مثل سائر الشعائر التي أمر بها الله . وثمة عجز تشريعي آخر تواجهه أسفار العهد الجديد في مواجهة متطلبات الحياة الإنسانية ، وهو منع الزواج بأكثر من واحدة كما يفهم من ( 1 كورنثوس 7 :1-5 ) ، وهو ما

عدد الصفحات ٢٧١

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ تجمع عليه الكنائس النصرانية المختلفة ، بينما تشير الإحصائيات إلى زيادة مطردة في أعداد النساء ، ففي انجلترا تزيد النساء على الرجال أربعة ملايين امرأة ، وفي ألمانيا خمسة ملايين ، وفي أمريكا ثمانية ملايين ، فكيف يحل العهد الجديد هيه المشكلة التي ستتفاقم آثارها إذا تابع النصارى قول بولس في الحث على التبتل وترك الزواج « أقول لغير المتزوجين وللأرامل ن إنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا ، ولكن إذا لم يضبطوا أنفسهم فليتزوجوا » ( 1 كورنثوس 7 :8-9 ) ، إن نتيجة هيا التعليم هي الفضائح التي از جنبات الكنيسة وتقرعها كل يوم ، لتثبت أن الفطرة ل تُ لب ، وأن هيا التوجيه ليس من كلمة الله ، لأن الله يعلم ما يصلح عباده ويناسب أحوالهم .

عدد الصفحات ٢٧٢

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ ولكن كل ما ذكرناه ليس إل أسبابً ا جانبية للبلاء ، وأما أسّ البلاء الي تعاني منه المجتمعات النصرانية فيكمن في عقيدة الخلاص والفداء ، والتي تجعل الإيمان بصلب المسيح كافيً ا للخلاص ومحررً ا من لعنة الناموس والشريعة التي نسخها بولس بأقواله ، لقد نسخ ـ بجرة قلم ـ كل ما قررته الشريعة من تحريم وتجريم وعقوبة من ارتكب الموبقات المختلفة من زنا وشرب للخمور وقتل وفساد ، إذ الإيمان بالمسيح المصلوب نيابة عنا يكفر خطايانا مهما عظمت ، وهكيا يمضي المؤمن بهيه النصوص إلى ضروب الرذيلة وفنونها غير خائف من عقاب الله ودينونته . لقد سمى بولس شريعة الله التي ايب السلوك البشر : لعنة ، فقال : « المسيح افتدانا من لعنة الناموس » (غلاطية3 :13 ) . وأعلن عن عدم الحاجة إليها بعد صلب المسيح فق ال : « قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتب رر بالإيمان ، ولكن بعد ما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب » ( غلاطية3 :24-25 ) . وأكد إبطال الناموس بقوله : « سلمنا الذي جعلالاثنين واحد .. مبطلً بجسده ناموس الوصايا » ( أفسس2 :14-5 ) . ويقولأيضً ا : « الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس ، بل بإيمان يسوع ، لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما » ( غلاطية2 :16 ) . وهؤلء اليين يصرون على العمل بالناموس يرى بولس أنهم يسيئون للمسيح : « قد تبطلتم عن المسيح أيها الذين تتبررون بالناموس » ( غلاطية5 :4 ) . ويمضي مؤكدًا عدم الحاجة إلى الأعمال الصالحة ، فيقول : « إن كان بالناموس

عدد الصفحات ٢٧٣