هل العهد الجديد كلمة الله ؟ تلَ الأيام قاصرة جدً ا » ، ويعلق بوكا : « لشَ أن نسب المسيحالأناجيل قد دفع المعلقين المسيحيين إلى بهلوانيات جدلية متميزة صارخة تكافئ الوهم والهوى عند كل من لوقا ومتى » (1) . لكن النتيجة الخطيرة والمهمة المترتبة على وجود هيا التناقض هي : أن إنجيل متى لم يكن معروفً ا للوقا مع أنه قد سبقه بنحو عشرين سنة ، ولو كان لوقا يعرفه ، أو يعتبره إنجيلاً مقدسً ا لراجعه ولما خالفه ، فدل ذلَ على عدم وجود إنجيل متى يومياك ، أو إسقاط العتبار له . لكن محرر قاموس الكتاب المقدس أوصلونا إلى نتيجة أخرى أهم منها ، وهي أن « هيه الفروق تبرهن استقلال كل من البشيرين عن الآخر في ما كتبه واعتماده على مصادر تختلف عن مصادر الآخر ، ولكنها ليست أقل منها أهمية ووثوقً ا » (2) ، بمعنى أن مصدرهما لم يكن الروح القدس ، بل لكل منهما مصدره الخاص . ومن التناقضات بين الأناجيل أيضً ا اختلاف الأناجيل في أسماء التلاميي الثني عشر ، إذ يقدم العهد الجديد أربع قوائم للتلاميي الثني عشر تختلف كل واحدة عن الأخرى ، وبيانه : أن أســـماء التلاميـــي ذكرهـــا متـــى في إنجيلـــه ( 10 :1-4 ) ، ومـــرقس أيضًـــ ا ( انظر 3 :16 ) ، وذكرها لوقا في إنجيله في ( 6 :14 ) ثم في أعمال( 1 :13 ) . (1) انظر التوراة والإنجيل والقرآن والعلم ، موريس بوكا ، ص ( 119-120 )قاموس الكتاب المقدس ، ص ( 1037 . ) (2) قاموس الكتاب المقدس ، ص1037 . )
عدد الصفحات ٢٤٢هل العهد الجديد كلمة الله ؟ وتتشابه القوائم الأربعة في ع شرة أسماء وهي سمعان بطرس ، وأخوه اندرواس، ويعقوب بن زبد ، وأخوه يوحنا ، وفيلبس ، وبرثو لماوس ، وتوما ، ومتى ، ويعقوب بن حلفي ، وسمعان القانو أو ال يور . ويتفق متى ومرقس ولوقا على ذكر يهوذا الأسخريوطي ، فيما أهمل في أعمال الرسل ، وهو ما يمكن أن نعتبره توافقً ا ، إذ قد أهمل ذكر التلميي الخائن . وأما السم المكمل للإثني عشر ، فييكر متى ومرقس اسم لباوس الملقب : تداوس ، فيما ييكر لوقا في إنجيله وأعمال الرسل يهوذا بن حلفي . ول يمكن أن يكون لهيا التلميي هيه الأسماء الثلاثة ، لأنه كما في تعليق الآباء اليسوعيين على ( متى 10 :3 ) : « يستبعد أن تكون هيه الأسماء المختلفة قد أطلقت على شخص واحد ، لأن هيه هيه الأسماء الثلاثة هي سامية كلها ، حين كان لشخص واحد اسمان في ذلَ الزمان ؛ كان أحدهما يهوديً ا ، والآخر يونانيً ا أو رومانيً ا . إن التقليد الي حافظ بثبات على عدد الرسل الثني عشر لم يتردد إل على اسم واحد منهم »(1) . وإذا كانتالأناجيل تختلف بأمر بمثل هيه الأهمية والوضوح ، فكيف لنا أن نثق بما وراء ذلَ من أخبار ووقائع وتفصيلات تعرضها عن حياة المسيح وغيره . ومن تناقضات الأناجيل أيضً ا ما تناقض فيه متى مع مرقس ، فقد ذكر متى أنه « تقدمت إليه أم ابني زبدي ما ابنيها وسجدت ، وطلبت منه شيئً ا ، وقالت له ن قل ن أن (1 )حاشية النص في نسخة الرهبانية اليسوعية، ص63.)
عدد الصفحات ٢٤٣هل العهد الجديد كلمة الله ؟ يجلس ابناي هذان ، واحد عن يمينك ، والآخر عن اليسار في ملكوتك ، فأجابها يسوعن لستما تعلمان ما تطلبان .. » ( متى20 :20-23 ) . وفي مرقس تيكر القصة نفسها وبنفس حيثيااا ، لكن الي طلب الملكوت همـا البنان ، وليس أمهما ، يقول مرقس : « وتقدم إليه يعقوب ويوحنا ابنا زبدي قائلين ن يا معلّم نريد أن تفعل لنا كل ما طلبنا .. فقـالا لـه ن أعطنـا أن نجلـس واحـد عـن يمينـك ، والآخــر عــن يســار في مجــد . فقــال لهمــا يســوع ن لســتما تعلمــان مــا تطلبــان .. » ( مرقس10 :35-38 ) . يقول جون فنتون في تفسيره نجيل متى : لقد أحدث متى بعضً ا من الت يرات والحيف لما في إنجيل مرقس ، وأهم ما في ذلَ ، أنه بينما في إنجيل مرقس نجد أن التلمييين نفسيهما يطلبان من يسوع ، إذ بأمهما هي التي تطلب منه حسب رواية متى(1). ومن التناقضات أن مرقس ييكر وصية المسيح لتمييه بعد أن أعطاهم سلطانً ا على الأرواح النجسة فقال : « وأوصاهم أن لا يحملوا شيئًا للطريق غير عصا فقط ، لا مزودً ا ولا خبزً ا ولا نحاسً ا في المنطقة ، بل يكونوا مشدودين بنعال ، ولا يلبسوا ثوبين » ( مرقس6 :8-9 ) . لكن الوصيةلوقا تتفق مع مرقس في أمور وتختلف في أخرى فقد جاء فيها : « وأرسلهم ليكرزوا بملكوت اب ويشفوا المرضى ، وقال لهم ن لا تحملوا شيئً ا للطريق ، لا عصا ولا مزودً ا ولا خبزً ا ، ولا فضة ولا يكون للواحد ثوبان » ( لوقا9 : (1) Saint Matthew. J Fenton. pp 324.،والترجمة بحسب المسيح في مصادر العقائد المسيحية ، أحمد عبد الوهاب ، ص (87 ).
عدد الصفحات ٢٤٤هل العهد الجديد كلمة الله ؟ 2-3 ) . فقد تناقضا في وصية المسيح بخصوص العصا . كما ناقض إنجيلُ متى القديسَ مرقس في حمل العصا والأحيية ، إذ نسب إلى المسيح قوله : « لا تقتنوا ذهبًا ولا فضة ، ولا نحاسً ا في مناطقكم ، ولا مزودً ا للطريق ولا ثوبين ، ولا أحذية ولا عصا » (متى10 :9-10 ) ، فقد نص متى على منعهم من اقتناء ( أ تملَ ) الأحيية والعصا ، مخالفً ا ما جاء في إنجيل مرقس . يتحدث يوحنا عن الله الآب فيقول : « والآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي ، لم تسمعوا صوته قط ولا رأيتم هيئته » (يوحنا5 :37) ، وعليه فإن أحدً ا لم يسمع صوت الله. في حــين أن الإنجيليــين الثلاثــة يتحــدثون عــن صــوت لله ســم عه النــاس بعــد عمــادة المسيح على يد يوحنا المعمدان، يقول مرقس: «وكان صوت من السماواتن أنـت ابنـي الحبيب الذي به سررتُ » (مرقس1 :11)، و(انظر متى17 :5، ولوقا3 :22)، وكيل سمع بطرس صـوت الله حـين كـان فـوق الجبـل المقـدس، يقـول بطـرس: «أخـذ مـن اب الآب كرامة ومجداً ، إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنىن هذا هـو ابنـي الحبيـب الذي أنا سررت به. ونحن سمعنا هذا الصـوت مقـبلً مـن السـماء؛ اذ كنـا معـه في الجبـل المقدس»2 بطرس 1 :17)، فكيف يتحدث بطرس والإنجيليون عن سماع صوت ا وهو يبشر بالمسيح؛ في حين أن يوحنا ييكر أن أحداً لم يسمع صوت الله ولم يره؟ وتتحدث الأناجيل عن إتيان المسيح شجرة تين ، فلما وجدها غير مثمرة دعا عليها قائلاً : « لا تخرج منك ثمرة إلى الأبد ، فيبست تلك الشجرة للوقت ، فنظر
عدد الصفحات ٢٤٥هل العهد الجديد كلمة الله ؟ التلميذ وتعجبوا » ( متى21 :19-20 ) ، إذً ا كان يباسها في الحال . وهيا ما يناقضه مرقس ، إذ ذكر دعاء المسيح على الشجرة ثم « لما صار المساء خــرج إلــى خــارج المدينــة ، وفي الصــباح إذ كــانوا مجتــازين رأوا التينــة قــد يبســت مــن الأصول ، فتذكر بطرس ، وقال له ن يـا سـيدي ، انظـر التينـة التـي لعنتهـا قـد يبسـت ! » ( مرقس11 :19-20 ) ، ومعنى هيا أنها لم تيبس في الحال ، كما لم يكتشف التلاميي يباسها إل في ال د . وييكر متى أن المسيح عندما دخل كفر ناحوم « جاء إليه قائد مائة يطلب إليه ويقول ن يا سيدي ، غلمي مطروح في البيت مفلوجً ا متعذبً ا جدً ا » ( متى8 :5-7 ) . ويرو لوقا القصة وذكر بأن القائد لم يأت للمسيح، بل « فلما سما عن يسوع ( أي القائد ) أرسل إليه شيوخ اليهود يسأله أن يأتي ويشفي عبده ، فلما جاءوا إلى يسوع طلبوا إليه باجتهاد .. » (لوقا7 :3-4 ) ، فهل حضر القائد أم لم يحضر . وجاءت المرأة تشكو إلى المسيح مرض ابنتها بالجنون ، وهيه المرأة عند متى « كنعانية » ( متى15 :22 ) ، غير أنها عند مرقس « فينيقية سورية » ( مرقس7 :26 ) ، فأيهما الصحيح ؟ وتتحدث الأناجيل الأربعة عن قصة المرأة الخاطئة التي دهنت قدمي المسيح بالطيب ومسحت قدميه بشعرها ، ويختلف الإنجيليون في تحديد الوقت الي جرت فيه القصة ، فقد جعلها لوقا في أوائل تبشير المسيح ، في حين جعلها الآخرون متلازمة مع قصة الصلب ، واختلفوا هل كانت قبل الفصح بيومين أم قبله بستة أيام .
عدد الصفحات ٢٤٦هل العهد الجديد كلمة الله ؟ أما لوقا جعل القصة من أوائل قصص المسيح ( انظر لوقا 7 :36-50 ) وإبان حياة يوحنا المعمدان ، فقد ذكر لوقا قصة إرسال المعمدان تلامييه إلى المسيح في نفس الأصحاح ( انظر لوقا 7 :19-23 ) . لكن مرقس يزعم أن هيه القصة حدثت قبل عيد الفصح بيومين« كان الفصح وأيام الفطير بعد يومين ، وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يمسكونه بمكر ويقتلونه . ولكنهم قالوا ن ليس في العيد لئل يكون شغب في الشعب .. جاءت امرأة معها قارورة طيب ناردين خالي كثير الثمن » (14 :1-4 ) ، والفصح الي يتحدث عنه مرقس في أواخر تبشير المسيح ، أ العيد الي حصلت فيه حادثة الصلب . وأما يوحنا فجعل القصة قبل الفصح بستة أيام ، بدلً من يومين ، يقول يوحنا : « ثم قبل الفصح بستة أيام .. فأخذت مريم من ا من طيب ناردين خالي كثير الثمن ، ودهنت قدمي يسوع ومسحت » (يوحنا 12 :1-3 ) ، وهو يتحدث عن ذات الفصح الي تحدث عنه مرقس ، أ الي سبق أحداث الصلب ، فمتى حصلت القصة ؟ وهل أخطأ روح القدس في إبلاغ بعضهم ؟ أم أن الإنجيليين كانوا هم المخطئين ؟ ويتحدث الإنجيليون عن تجربة إبليس للمسيح في موضعين ، أحدهما في القدس عند الهيكل ، والثانية عند جبل عال جدً ا ، لكن الإنجيليين يختلفون في ترتيب الحدثين ، فمتّى يرى أن تجربة الهيكل أولً ثم تلته تجربة الجبل ، فيقول : « ثم أخذه إبليس إلى المدينة المقدسة ، وأوقفه على جناح الهيكل ، وقال له ن إن كنت ابن اب فاطرح نفسك إلى أسفل .. ثم أخذه أيضً ا إبليس إلى جبل عال جدً ا ، وأراه جميا ممالك العالم ومجدها » ( متى4 :5-8 ) . وهيا الترتيب يخالف فيه لوقا ، والي يرى أن تجربة الجبل حصـلت أولً « ثـم أصعده إبليس إلـى جبـل عـال ، وأراه جميـا ممالـك المسـكونة في لحظـة مـن الزمـان .
عدد الصفحات ٢٤٧هل العهد الجديد كلمة الله ؟ وقال له إبليس ن لك أعطي هذا السلطان كله ومجـدهنّ .. ثـم جـاء بـه إلـى أورشـليم ، وأقامه على جناح الهيكل ، وقال له ن إن كنت ابن اب فاطرح نفسك من هنا إلى أسفل » (لوقا4 :5-9 ) . ويحار القس الدكتور إبراهيم سعيد في ترتيب التجربتين ، ثم ل يجد ما يدفع حيرته وحيرة قرائه ، فيقول : « تميل جمهرة المفسرين في القرن الماضي إلى الترتيب الميكور في متى ، بينما يتفق المفسرون العصريون على تفضيل الترتيب في لوقا » (1)، بينما يجزم القس سمعان كلهون بأن ترتيب متى للتجارب هو الصحيح(2). ويبقى السؤال مطروحً ا أمام المؤمنين بصحة الإنجيلين معًا : أ التجربتين كانت أولً ؟ إنها إحدى معضلات العهد الجديد . ويتحدث الإنجيليون عن ظهور موسى وإيليا أمام التلاميي بعد أن ذهبوا مع المسيح إلى جبل للصلاة ، وذلَ بعد م ادرة المسيح قيصرية بعدة أيام ، اختلف الإنجيليون هل كانت ستة أيام أم ثمانية أيام ، يقول لوقا : « وبعد هذا الكلم بنحو ثمانية أيام أخذ بطرس ويوحنا ويعقوب وصعد إلى جبل ليصلّي » (لوقا9 :28 ) . ويخالفه متى فيقول : « وبعد ستة أيام أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا أخاه، وصعد بهم إلى جبل عال منفردين » (متى17 :1 ) ، فهل كان ظهور موسى وإيليا بعد ستة أيام أم ثمانية ؟ . وفي محاولة يائسة لحل هيا التناقض يقول الأب متى المسكين : « وهيا اللبس (1) شرح بشارة لوقا ، القس إبراهيم سعيد ، ص85 . ) (2 )اتفاق البشيرين، القس سمعان كلهون ، ص (108 . )
عدد الصفحات ٢٤٨هل العهد الجديد كلمة الله ؟ ربما لأن القديس متى لم يحسب السبت في الوسط ، أما القديس لوقا فحسبه وحسب اليوم الي تكلم فيه القديس بطرس عن استعلان المسيح » (1) . ول إخال القارئ إل مدركًا أن ما قدم له الأب المسكين بقوله : « ربما » إنما هو محض تخرص وتخيل ل أساس له ، وكان الأولى به الإقرار بأن أحد الإنجيليين قد أخطأ في روايته . ولعل من أهم صور التناقض بين كتبة العهد الجديد اختلافهم في أهمية العمل للحصول على البر ، مع اتفاقهم على أهمية الإيمان ، فبولس يقلل من أهمية العمل ، ويراه غير ذ فائدة عند الله ، ويستدل لصحة ميهبه ببرارة إبراهيم بالإيمان قبل اختتانه والتزامه بالشريعة ، ويرى أن الأعمال إنما هي أجرة سداد لدين البرارة التي منحها الله له ، فيقول : « لأنه إن كان إبراهيم قد تبرر بالأعمال فله فخر . ولكن ليس لدى اب . لأنه ماذا يقول الكتاب ن فآمن إبراهيم باب فحُسب له برً ا . أما الذي يعمل فل تحسب له الأجرة على سبيل نعمة ، بل على سبيل دين . وأما الذي لا يعمل ولكن يؤمن بالذي يبرر الفاجر ، فإيمانه يحسب له برً ا ، كما يقول داود أيضً ا في تطويب الإنسان الذي يحسب له اب برً ا بدون أعمال .. أفهذا التطويب هو على الختان فقط أم على الغرلة أيضً ا ؟ لأننا نقول ن إنه حسب لإبراهيم الإيمان برً ا . فكيف حسب ؟ أوَهو في الختان أم في الغرلة ؟ ليس في الختان بل في الغرلة » (رومية4 :2-6 )، فالإيمان دون العمل هو طريق البر ، وكما تبرر إبراهيم به يتبرر المؤمنون ، هيا هو ميهب بولس « الإنسان يتبرر بالإيمان ، بدون أعمال الناموس » (رومية3 :27-28). وأما التلميي يعقوب فيخالفه ويناقضه ، حين يرى أن الإيمان بدون عمل ل (1) الإنجيل بحسب القديس متى ( دراسة وتفسير وشرح ) ، الأب متى المسكين ، ص502 . )
عدد الصفحات ٢٤٩هل العهد الجديد كلمة الله ؟ يجد شيئً ا ، بل هو إيمان ميت ، ويستدل ليلَ ببرارة إبراهيم مناقضً ا بولس ، حيث لم يكف إيمان إبراهيم ليكون بارً ا عند الله ، إذ أصبح بارً ا بالعمل ، حين قدم ابنه إسحاق ذبيحة بين يد الله ، فحسب ذلَ له برً ا ، يقول يعقوب : « ألم يتبرر إبراهيم أبونا بالأعمال ، إذ قدم اسحق ابنه على المذبح ، فترى أن الإيمان عمل ما أعماله ، وبالأعمال أكمل الإيمان ، وتم الكتاب القائل ن فآمن إبراهيم باب فحسب له برً ا ودعي خليل اب . ترون إذً ا أنه بالأعمال يتبرر الإنسان ، لا بالإيمان وحده .. لأنه كما أن الجسد بدون روح ميت ، هكذا الإيمان أيضا بدون أعمال ميت » (يعقوب2 :21-26 ) ، فهل تبرر إبراهيم بالإيمان وحده ، أم أن الإيمان بدون عمل جسد ميت ؟ وييكر الإنجيليون موعظة المسيح الطويلة لتلامييه ، والتي عزّى فيها الفقراء والجياع ، وادد الأغنياء والمتخمين ، لكنهم اختلفوا في الموضع الي كانت فيه الموعظة ، « ولما رأى الجموع صعد إلى الجبل ، فلما جلس تقدم إليه تلميذه .. » (متى5 :1) ، فمتّى يرى أن الموعظة كانت على الجبل . وهو ما يخالفه فيه لوقا ، والي يجعل الموعظة في سهل ، ل في الجبل ، فيقول: « ونزل معهم ، ووقف في موضا سهل هو وجما من تلميذه .. » (لوقا6 :17 ) . ويحاول الأب متى المسكين الجمع بين النصين ، فيـأتي بقـول ل علاقـة لـه بـأ من النصين من قريـب ول بعيـد ، فيقـول : « ربمـا يكـون أنـه بعـد أن ألقـى العظـة علـى الجبل جالسً ا نزل إلى السهل ليشفي المرضى واقفً ا ثم صعد مرة أخرى » (1) . (1) الإنجيل بحسب القديسمتى ( دراسة وتفسير وشرح ) ، الأب متى المسكين ، ص ( 212 . )
عدد الصفحات ٢٥٠هل العهد الجديد كلمة الله ؟ ويتحدث العهد الجديد عن نهايتين مختلفتين للتلميي الخائن يهوذا الأسخريوطي الي خان المسيح ، وسعى في الدللة عليه وتسليمه مقابل ثلاثين درهمً ا من الفضة ، فيقول متى : « لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين ندم وردّ الثلثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ ، قائلً ن قد أخطأت ، إذ سلمت دمً ا بريئً ا . فقالوا ن ماذا علينا ؟ أنت أبصر . فطرح الفضة في الهيكل وانصرف ، ثم مضى وخنق نفسه ، فأخذ رؤساء الكهنة الفضة ، وقالوا ن لا يحل أن نلقيها في الخزانة ، لأنها ثمن دم . فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء . لهذا سمي ذلك الحقل حقل الدم إلى هذا اليوم » ( متى27: 2-5 ) . ولكن سفر أعمال الرسل يحكي نهاية أخرى ليهوذا وردت في سياق خطبة بطرس، حيث قال : « أيها الرجال الإخوة ، كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود عن يهوذا الذي صار دليلً للذين قبضوا على يسوع ، إذ كان معدودً ا بيننا ، وصار له نص يب في هذه الخدمة ، فإن هذا اقتنى حقلً من أجرة الظلم ، وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط ، فانسكبت أحشاؤه كلها ، وصار ذلك معلومً ا عند جميا سكان أورشليم ، حتى دعي ذلك الحقل في لغتهم حقل دما ، أي حقل دم » ( أعمال1 :16-20 ) . فقد اختلف النصان في جملة من الأمور ن * كيفية موت يهوذا ، فإما أن يكون قد خنق نفسه ومات « ثم مضى وخنق نفسه » ، وإما أن يكون قد مات بسقوطه ، حيث انشقت بطنه وانسكبت أحشاؤه فمات « وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها » ، ول يمكن أن يموت يهوذا مرتين ، كما ل يمكن أن يكون قد مات بالطريقتين معً ا .
عدد الصفحات ٢٥١هل العهد الجديد كلمة الله ؟ * من الي اشترى الحقل ، هل هو يهوذا « فإن هذا اقتنى حقلً من أجرة الظلم » ، أم الكهنة اليين أخيوا منه المال « فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري » ؟ * هل مات يهوذا نادمً ا « لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين ندم ..قد أخطأت، إذ سلمت دمً ا بريئً ا » أم معاقبًا بينبه كما يظهر من كلام بطرس ؟ * هل رد يهوذا المال للكهنة « وردّ الثلثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ»، أم أخيه واشترى به حقلاً « فإن هذا اقتنى حقلً من أجرة الظلم » ؟ * هل كان موت يهوذا قبل صلب المسيح وبعد المحاكمة « ودفعوه إلى بيلطس البنطي الوالي ، حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين ندم .. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف ثم مضى وخنق نفسه » أم أن ذلَ كان فيما بعد ، حيث مضى واشترى حقلاً ثم مات في وقت الله أعلم متى كان ؟ * هل سمي الحقل حقل دم لأنه كان ثمنً ا لدم المسيح « فأخذ رؤساء ال كهنة الفضة وقالوا ن لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم ، فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء ، لهذا سمي ذلك الحقل حقل الدم إلى هذا اليوم » ، أم لأن دم يهوذا قد سال فيه لما انشق بطنه « فإن هذا اقتنى حقل من أجرة الظلم ، وإذ سقط على وجهه انش ق من الوسط ، فانسكبت أحشاؤه كلها ، وصار ذلك معلومً ا عند جميا سكان أورشليم ، حتى دعي ذلك الحقل في لغتهم حقل دما ، أي حقل دم » .
عدد الصفحات ٢٥٢هل العهد الجديد كلمة الله ؟ وتظهر الأناجيل المسيح متناقضً ا مع نفسه في أقواله ، ومرد ذلَ إلى تناقض الإنجيليين الأربعة ، أو تناقض الواحد منهم مع نفسه . يتناقض متى في صفحة واحدة وهو يتحـدث عـن رأ المسـيح في بطـرس ، فقـد قال له : « طوبى لك يا سمعان بن يونا . إن لحمً ا ودمً ا لم يعلن لك ، لكن أبـي الـذي في السماوات .. أنت بطرس .. وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات ، فكل ما تربطه علـى الأر يكــون مربوطًــا في الســماوات ، وكــل مــا تحلــه علــى الأر يكــون محلــولاً في السماوات .. » . ولكنه ناقض ذلَ بعده بسطور حين قال عنه : « قال لبطرس ن اذهب عني يا شيطان . أنت معثرة لي ، لأنك لا تهتم بما ب ، لكن بما للناس » ( متى16 :17-23). ثم يتحدث متى عن إنكار بطرس للمسيح في ليلة المحاكمة بل وصدور اللعن والسب منه ( انظر متى 26 :74 ) . ثم يقول عنه في موضع آخر : « متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضً ا على اثني عشر كرسيً ا ، تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر » ( متى 19 :28 ) ، فأ الأقوال تصدق في حق بطرس ، وجميعها منسوبة للمسيح ؟ ومن التناقض الي نسبه الإنجيليون إلى المسيح ما زعمه متى أن المسيح قال لتلامييه : « من ليس معي فهو علي ، ومن لا يجما معي فهو يفرق » ( متى12 :30 ) . وهيا يناقض ما ذكره مرقس عنه : « من ليس علينا فهو معنا » ( مرقس9 :40 ) ، فبأ الهديين يهتد التلاميي .
عدد الصفحات ٢٥٣هل العهد الجديد كلمة الله ؟ ويعود لوقا للتناقض فينسب إلى المسيح موقفين متناقضين من الأعداء ، فزعم مرة أنه أمر بمحبتهم فقال : « أحبوا أعداءكم ، وأحسنوا إلى مبغضيكم ، وباركوا لاعنيكم » ( لوقا6 :27-38 ) . لكنـه نسـب إلـى المسـيح مناقضـة ذلـَ عنـدما ذكـرـ علـى لسـانه ـ مثـل الأمنـاء العشرة الي ضربه المسيح لمملكته ، وقد تمثل فيه قول الملـَ الـي رفضـه شـعبه ، فقال : « أما أعدائي الذين لم يريدوا أن أملك عليهم ، فـأتوا بهـم إلـى هنـا ، واذبحـوهم قدامي » ( لوقا19 :27 ) (1) ، فأ الهديين في المعاملة مع الأعداء صدر من المسيح ؟ ومن التناقض أيضً ا ما وقع فيه لوقا حين زعم أن المسيح قال : « إن كان أحد يأتي إلي ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته ، حتى نفسه أيضً ا ، فل يقدر أن يكون تلميذً ا » ( لوقا14 :26 ) . ثم في موضع آخر ييكر لوقا أن رجلاً سأل المسيح عن طريق الحياة الأبدية فكان من إجابته « أكرم أبا وأمك » ( لوقا18 :20 ) . وفي مرقس أن المسيح قال : « تحب قريبك كنفسك » (مرقس12 :31 ) ، فهل المطلوب من التلاميي ب ض الوالدين أم محبتهما وإكرامهما ؟ (1) يرى القس الدكتور إبراهيم سعيد أن هيا النص يتحدث عن دينونة المسيح لليهود الرافضين لتمليكه عليهم ، وأنه تحقق في « خراب أورشليم والمعاملة السيئة التي عومل بها اليهود في كل العالم .. على أن هيا القول ل يعني اليهود وحدهم ، بل يشمل كل من كان على شاكلتهم » . شرح بشارة لوقا ، ص473 . )
عدد الصفحات ٢٥٤هل العهد الجديد كلمة الله ؟ وتتناقض الأناجيل حين تيكر أن المسيح توعد اليين يشتمون إخـوانهم بالنـار ، ثم تزعم أنـه صـنعه ، فقـد قـال : « ومـن قـال ن يـا أحمـق يكـون مسـتوجب نـار جهـنم » (متى5 :22 ) . في حين أن لوقا زعم أن المسيح قال لتلميييه الليين لم يعرفاه بعد القيامة : « أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميا ما تكلم به الأنبياء » (لوقا24 :25 ) ، وأنه قال لبطرس : « اذهب عني يا شيطان » (متى16 :23 ) . وخاطبه في موطن آخر : « يـا قليـل الإيمـان لمـاذا شـككت » ( متـى14 :31 ) ، فهل يحكم النصارى على المسيح باستحقاقه النار ، أم يحكمون علـى هـيه النصـوص بالقصور والتناقض .
عدد الصفحات ٢٥٥هل العهد الجديد كلمة الله ؟ وكما تناقض الإنجيليون وكتاب الرسائل مع بعضهم فإنهم تناقضوا مع أسفار العهد القديم ، في مختلف القضايا التي شاركوا كُ تاب العهد القديم في الحديث عنها ، اللاهوتية منها والتاريخية . يقول يوحنا : « اب لم يره أحد قط » ( يوحنا1 :18 ) وكلامه حق . لكنه متناقض مع ما جاء في عدة مواضع في التوراة ، منها قول يعقوب : « نظرت اب وجهً ا لوجه » ( التكوين32 :30 ) . ومثله ما جاءسفر الخروج أن موسى أصر على رؤية الله فقال له الرب : « هو ذا عندي مكان ، فتقف على الصخرة ، ويكون متى اجتاز مجدي أني أضعك في نقرة من الصخرة ، وأستر بيدي حتى أجتاز ، ثم أرفا يدي فتنظر ورائي ، أما وجهي فل يرى » ( الخروج33 :21-23 ) . كمايتناقض قول يوحنا مع زعم لوقا بأن استفانوس قد رأى الله بصورته ومجده، إذ يقول : « وأما هو فشخي إلى السماء ، وهو ممتلئ من الروح القدس ، فرأى مجدَ اب ويسوعَ قائمً ا عن يمين اب . فقال ن ها أنا أنظر السماوات مفتوحة ، وابن الإنسان قائمً ا عن يمين اب » (أعمال7 :55-56 ) . كما وصف يوحنا الله الآب بأنه لم يسمع أحد صوته ، فيقول : « والآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي ، لم تسمعوا صوته قط ، ولا رأيتم هيئته » (يوحنا5 :37 ) ، وعليه فإن أحدً ا لم يسمع صوت الله ، وهو بيلَ يخالف ما جاء في التوراة ، التي تيكر أن بني إسرائيل سمعوا صوت الله حين كلمهم في حوريب « فكلمكم الرب من وسط
عدد الصفحات ٢٥٦هل العهد الجديد كلمة الله ؟ النار ، وأنتم سامعون صوت كلم ، ولكن لم تروا صورة ، بل صوتً ا » (التثنية4 :12 ) ، فهل سمع البشر صوت الله أم لم يسمعوه ؟ ويصف بولس الله بوصف حق ، فيقول : « اب ليس إله تشويش ، بل إله سلم » (1 كورنثوس 14 :33 ) . ولكنه يناقض بيلَ ما جاء في سفر التكوين « وقال الرب ن هوذا شعب واحد ، ولسان واحد لجميعهم .. هلم ننزل ونبلبل هنا لسانهم ، حتى لا يسما بعضهم لسان بعض ، فبددوهم من هنا على وجه كل الأر » ( التكوين11 :6-9 ) . ومن التناقضات أيضً ا أن التوراة تتحدث عما يجوز أكله وما ل يجوز من الأطعمة مما ينجس أكله . ( انظر اللاويين 11 :1-47 ) . لكن مرقس ييكر أن المسيح خالف ذلَ فقال كلاما غريبًا أباح فيه كل طعام فقال : « اسمعوا مني كلكم وافهموا ن ليس شيء من خارج الإنسي إذا دخل فيه يقدر أن ينجسه ، لكن الأشياء التي تخرج منه هي التي تنجس » . وقد صعُب فهم هيا على تلامييه فأعادوا السؤال عنه ، فأعاد الجواب ، وقال : « لأنه لا يدخل إلى قلبه ، بل إلى الجوف ، ثم يخرج إلى الخلء ، وذلك يطهر كل الأطعمة » (مرقس7 :14-19 ) . فهيه أغرب طريقة في تطهير الطعام ، وهي تناقض أحكام التوراة وتخالفها وتنقضها . ومن التناقضات أيضً ا ما بين أعمال الرسل وسفر التكوين فيمن اشترى أرض شكيم من بني حمور ، هل هو إبراهيم أم إسحاق ؟ فقد جاء في أعمال الرسل « نزل يعقوب إلى مصر ، ومات هو وآباؤنا ، ونقلوا
عدد الصفحات ٢٥٧