المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل العهد الجديد كلمة الله

منقذ بن محمود السقار

صفحة ١٣ من ٢٠

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ كما ثمة أغلاط في الأناجيل يشهد العقل بأنها ل تصدر عن الوحي ، لأنه أ العقل يشهد بخطئها وجهل قائلها بقوانين الله في الطبيعة . ذكر متى قصة المجوس اليين جاءوا للمسيح عند ولدته وسجدوا له فقال : « ولما ولد يسوع في بيت لحم في أيام هيردوس الملك إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم قائلين ن أين هو المولود ملك اليهود ؟ فإننا رأينا نجمه في المشرق ، وأتينا لنسجد له .. ذهبوا إذا النجم الذي رأوه في المشرق يتقدمهم حتى جاء ، ووقف فوق حيث كان الصبي ، فلما رأوا النجم فرحوا فرحً ا عظيمً ا جدً ا .. » (متى2 :1-10) . فعند عر القصة على العقل فإنه يرفضها لأمور ن أن متى يتحدث عن نجم يمشي ، وحركته ـ على رغم بعده الهائل ـ ملحوظة على الأرض تشير إلى بعض أزقة أورشليم دون بعض ، ثم إلى بيت من بيواا ، حيث يوجد المسيح ، فيتوقف وهو في السماء ، فكيف مشى ، وكيف دلهم على البيت ، وكيف وقف ؟! وكيف رأوا ذلَ كله ؟ أسئلة ليس لها إجابة . كيف عرف المجوس خبر المسيح ونجمه وهم ل يعرفون الله ؟ وكيف يسجدون لنبي وهم ل يؤمنون بدينه ؟ وهنا يجيب أوريجانوس: «المجوس على اتصال بالأروح ، وبتوجيههم يستخدمونهم في الأغراض التي يريدونها، وهم ينجحون في هيه الأعمال طالما كان ل يظهر شيء أكثر روحانيةح قواا، وصارت ضعيفة

عدد الصفحات ١٩٤

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ .. أدركوا أن السبب لبد أن يكون جوهريًا ، وإذا رأوا علامة من الله في السماء»(1). ويواصل أوريجانوس تفسير ما حدث ، فيستعين بأساطير الوثنيين«لقد لوحظ أنه عند الحوادث الهامة وت يرات التاريخ البعيدة الأثر تظهر نجوم من هيا النوع للإشارة إلى ت ييرات في الأسر والحروب .. لقد قرأنا في الكتاب الي كتبه كيريميون الرواقي عن المينبات، وكيف كانت تظهر أحيانًا عندما تكون هناك حوادث سارة مزمعة أن تحدث»(2). ثملماذا تحمل المجوس عناء هيه الرحلة الطويلة ؟ هل لمجرد أن يسجدوا بين يديه ويقدموا له الهدايا ثم يعودون !! ؟ أليس هيا الخبر من الكيب بدليل أن أحدًا من قدماء المجوس ومؤرخيهم لم ينقل مثل هيا ، وكيلَ لم ينقله الإنجيليون الآخرون ، ومنهم لوقا الي تتبع كل شيء بتدقيق . كما يتحدث النص عن اهتمام الوالي هيرودس بأمر المولود وأنه أضمر قتله ، وطلب من المجوس أن يخبروه إذا وجدوا الطفل ليسجد له ، ثم أُوحي للمجوس في المنام أن ل يرجعوا لهيرودس ، ففعلوا ، فلو كان اهتمام هيرودس حقً ا لقام معهم إلى بيت لحم وهي على مقربة م ن أورشليم ، أو لأرسل معهم خاصته ، إذ الموضوع بالنسبة إليه جِ دُّ خطير . وأما ما ذكره متى عن قتل هيرودس للأطفال بعد توار المجوس قبل أن يقف على الطفل فهيا كيب بدليل أن أحدً ا من المؤرخين لم ييكره على أهمية هيا الحدث، كما ننبه إلى أن هيرودس الكبير قد مات سنة (4 ق م كما تيكر ذلَ كافة المصادر التاريخية . (1 )ضد كلسس (سلوس)، أوريجانوس، (الكتاب الأول، الفقرة60.) (2 )المصدر السابق (الكتاب الأول، الفقرة59.)

عدد الصفحات ١٩٥

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ ومما يكيبه العقل ول يتصوره ما ذكره متى عند حديثه عن دخول المسيح أورشليم فقال : « وأتيا بالأتان والجحش ووضعا عليهما ثيابهما ، فجلس ( أ المسيح ) عليهما » ( متى21 :7 ) فجلوس المسيح على الج حش والأتان معً ا ل يتصوره العقل . وهو غلط وكيب أراد متى من خلاله أن يحقق قراءته الخاطئة ل نبوءة توراتية «فكان هذا كله لكي يتم ما قيل بالنبي القائل ن قولوا لابنة صهيون ن هو ذا ملكك يأتيك وديعً ا راكبً ا على أتان وجحش ابن أتان » (متى 21 :4-5 ) ، فمتَّى هنايقتبس نبوة زكريا القائلة : « ابتهجي جدًا يا ابنة صهيون ، اهتفي يا بنت أورشليم . هوذا ملكك يأتي إليك ، هو عادل ومنصور وديا وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان » ( زكريا9 :9 ) ، وـ كعادة الإنجيليين ـ ل يجد متى ويوحنا أ حرج في ت يير النصوص التوراتية عندما وجد ما يستدعي ذلَ ، فقد عمد إلى اختصار النص ، وحيف من القتباس ما ل يتناسب مع شخص المسيح ، وهو قوله : « عادل ومنصور » ،لأنه أدرك أنها ستثير عليه مشاكل، فالمسيح ليس بالملَ الأرضي المنتظر الي من صفاته العدل والظفر ، فحيف هاتين الصفتين ، وأبقى صفة الوداعة والركوب على الحمار والجحش معًا . لكن ههنا أخطأ البشير متـى في قـراءة الـنص التـوراتي، فـنص زكريـا وفـق القـراءة الصحيحة له؛ لم يتحدث عن «راكب على حمار وعلى جحش ابن أتان»، بل هـو وفـق عدد من النسخ، ومنها العربية المشتركة والبولسية هكيا: « وراكب علـى حمـار؛ علـى جحـش ابـن أتـان»، أ بحـيف أداة العطــف التـي تجعـل الحمـار والجحـش مركــوبين اثنــين، يقــول الأب متــى المســكين في بيــان هــيا الخطــأ النســاخي: «معــروف أن الأدب

عدد الصفحات ١٩٦

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ النبو اليهود وخاصة ما يأتي منـه بالأشـعار؛ يـأتي تكـرار الكـلام لتحسـين الـن م والـوزن ولتوضيح المعنى .. عاد يكرر راكبً ا على حمار، ثـم أراد أن يوضـح أنـه حمـار صـ ير «ابـن أتان»، فأخطأ النساخ وبعدهم المترجمون وكتبوها : «على حمار وعلىجحـش ابـن أتـان» بإضــافة الــواو ، فجــاء المعنــى م لوطــاً ، وكأنــه جــالس علــى ح مــ ار وعلــى جحــش معًــا، والصحيح: أنـه حمـار صـ ير، أ جحـش ... ولكـن كمـا فهـم النسـاخ للترجمـة السـبعينية هكيا نقل عنها القديس متى في انجيله كما هي، واضطر أن يعدِّ ل المعاني والألفاظ، لتصـير بالمثنى، أ : «حمار وجحش ابن أتان» معًـا»وهـيا الخطـأ بالنقـل غيـر المقصـود تلافـاه كل من القديسين مرقس ولوقا ويوحنا حيث ذكروا أنه جحش واحد»(1). ومثله يرفض العقل ما حكاه متى من عجائب حصلت عند موت المسيح يقول: « وأسلم الروح ، وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل ، والأر تزلزلت ، والصخور تشققت ، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين ، وخرجوا من القبور بعد قيامته ، ودخلوا المدينة المقدسة ، وظهروا لكثيرين » ( متى27 :51-54). والقصة من ال لط بل والكيب ، إذ لم يعهد مثل هيه العودة للقديسين والراقدين، ولم يعهد أن عاد هؤلء أو غيرهم من الموت . ثم ماذا بعد العودة هل تزوجوا ؟ وهل عادوا لبيوام ؟ أم ماتوا بعدها ؟ أم .. ، ثم ماذا كانت ردة فعل اليهود وبيلاطس والتلاميي أمام هيا الحدث العظيم ؟ الإجابة : ل شيء . إذ لم ييكر شيء عند متى ول عند غيره ممن لم ييكر هيه العجائب ، ولو كانت حقً ا لسارت في خبرها الركبان ، ولآمن الناس بالمسيح حينياك، يقول الأب كنن سر : يجب المتناع عن الهزء ( أ بمثل هيه الأخبار ) ، لأن نية متى (1) شرح إنجيل القديس يوحنا ، الأب متى المسكين1/728. )

عدد الصفحات ١٩٧

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ كانت محترمة جدً ا ، إنه يدمج المعطيات القديمة للرواية الشفهية مع مؤلَفه ، ولكن يبقى إخراجه لئقً ا بعيسى ، المسيح النجم . وقال أندريوس نورتن (ت 1853م الملقب بحامي الإنجيل في كتابه: «براهين أصالة الأناجيل » : « هيه الحكاية كاذبة ، وال الب أن أمثال هيه ا لحكايات كانت رائجة عند اليهود بعد ما صارت أورشليم خرابً ا ، فلعل أحدً ا كتب في حاشية النسخة العبرانية لإنجيل متى ، وأدخلها الكاتب في المتن ، وهيا المتن وقع في يد المترجم ، فترجمها على حسبه » (1). ونقول ما قاله العلامة أبو زهرة : « لعل كثيرًا مما في المتن أصله في الحاشية ثم نقل خطأ في المتن » ، فكيف يتسنى لنا بيان هيا الزائف وإخراجه من الكتاب ؟ (2) . (1) The Evidences of the Genuineness of the Gospels . Andrews Norton.pp 442‏. ‏ (2) محاضرات في النصرانية ، محمد أبو زهرة ، ص ( 107 ).

عدد الصفحات ١٩٨

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ لقد بقيت هيه الأغلاط وغيرها حبيسة دفتي الكتاب المقدس قرونً ا طويلة ، بقي خلالها الكتاب المقدس حكرً ا على رجالت الكن يسة بعيدً ا عن أيد العامة اليين لم يكونوا يقرؤونه ، فالكنيسة «لم تكن تشجع هيه القراءة، لأنها لم تكن تثق بتفسير العامة لأسرار الكتب الدينية »(1) ،ووفق عبارة المؤرخ أندرو ملر: «ولم تكن الكتب المقدسة قبلاً متاحة للعلمانيين »(2)، لكن لحقًا قرر مجمع تولوز 1229م «جعل حيازة الكتاب المقدس جريمة كبرى » حين أصدر قراره : « منع كتب العهد القديم والجديد عن العلمانيين ؛ إل من كان يريد منهم اقتناء كتاب المزامير .. ولكنا نحرم تحريمً ا باتً ا ترجمة أ جزء من الكتاب الأخرى إلى الل ات الدارجة » (3) . وهو قرار امتدحه الكاهن الكاثوليكي جون مسلييه (ت 1733مراعي أبرشية في شمبانيا في كتابه «عهد الجديد » الي نشره بعد موته ، فقال في هجومه القاسي على كنيسته ودينها: «الكنيسة كانت حكيمة إلى حد ما في إبعاد الكتاب المقدس عن العامة، وكان يجدر بها أن تحتفظ به بعيدًا عن متناول رجال الدين أيضًا » (4). ولما ظهرت الطباعة حاولت الكنيسة منع طباعة الكتاب وأصدرت مراسيم شهيرة تتوعد بالحرق والقتل من يقوم بيلَ كمراسيم أراندل ، وقد نفيت هيه المراسيم بالفعل ، لكن ذلَ كله لم يفد شيئً ا ، فقد انتشرت نسخ الكتاب المقدس وبعض ترجماته في القرن السادس عشر . فلم تيأس الكنيسة التي أكد آب اؤها أن شرح الأناجيل وفهم ما فيها هو من اختصاص البابا الي يُ عينه في ذلَ روح القدس ، لكن مارتن لوثر وأتباعه رفضوا هيه (1) قصة الحضارة، وليام ولديورانت17/11.) (2) مختصر تاريخ الكنيسة ، أندرو ملر ، ص345 ) (3 )مختصر تاريخ الكنيسة ، أندرو ملر ، ص345 ) ، ويجدر التنبيه أن هيا المجمع هو الي أنشأ محاكم التفتيش (4) قصة الحضارة، وليام ولديورانت38/11.)

عدد الصفحات ١٩٩

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ الخصوصية للكنيسة ، وطالبوا بأن يكون حق قراءة وفهم الكتاب المقدس لكل أحد ، فانعقد مجمع ترنت نوتردام في 1542-1563م للرد على دعوة لوثر الي يناد بنشر الكتاب المقدس الي رآه لوثر لأول مرة حين كان عمره عشرين سنة !! وكان من قرارات مجمع تريدنت نوتردام : « إذا كان ظاهرًا من التجربة أنه إذا كان الجميع يقرؤون في الكتب باللفظ الدارج ، فالشر الناتج من ذلَ أكثر من الخير ، فلأجل هيا ليكن للأسقف أو القاضي في بيت التفتيش سلطان حسب تميزه بمشورة القس أو معلم العتراف ليأذن في قراءة الكتاب باللفظ الدارج لأولئَ اليين يظنون أنهم يستفيدون ، ويجب أن يكون الكتاب مستخرجً ا من معلم كاثوليكي ، والإذن المعطى بخط اليد ، وإن كان أحد بدون الإذن يتجاسر أن يتجرأ أو يأخي هيا الكتاب فلا يسمح له بحل خطيئته حتى يرد الكتاب إلى الحاكم » (1) . ويبدو في قرار المجمع هروب وهلع من اكتشاف العامة لأغلاط الكتاب المقدس وما فيه من المفاسد ، وهو ما يؤكده بعض المحققين ، حين يربطون بين الإلحاد الي شاع في أوربا وانتشار نسخ الكتاب المقدس واطلاع العامة على ما فيه . وبعد : لعل المرء يتساءل ما هو رأ النصارى بأغلاط الأناجيل ؟ وهل يقرونها؟ في الإجابة نقول : ل ريب أن أتباع الكنيسة اليين أغلقوا عقولهم في وجه الحقيقة يرفضون أن يحو الإنجيل غلطً ا ، لأن روح القدس ل ي لط ، ومن هؤلء الدكتور القس شروش حيث يقول : « إنا نعلم أنالإنجيل هو وحي الله ، لأن التنبؤ بالأحداث قد تم قبل وقوع الأحداث بقرون ، إن للإ نجيل تأثيره على المجتمعات البشرية طالما تم الإيمان به والعمل بمقتضاه . أكثر من ذلَ فإن دقة الإنجيل قد (1) انظر : إظهار الحق ، رحمة الله الهند2/352 . )

عدد الصفحات ٢٠٠

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ وجدت من يتحداها ، ولكنها لم تجد من ينجح في التحد » . ويقول أيضًا : « إن صحة محتوياتالإنجيل قد أثبتتها الوثائق التاريخية والحفريات الأثرية والوثائق القديمة ، وتوجد الآن أكثر من خمس وعشرين ألف وثيقة من الوثائق المقدسة بالمتحف البريطاني من أجلكم ، لكي تتأكدوا من صحة مشيئة الله » (1) . ولما كانت الحقيقة ـ بوجود ال لط في الأناجيل والرسائل ـ ساطعة كالشمس عمل بعض علماء النصرانية على التخلص من هيه الأغلاط بالإقرار بأن الإلهام لم يكن مصاحبً ا للإنجيليين حال كل كتابة كتبوها ، يقول هورن : « إذا قيل إن الكتب المقدسة أوحي بها من عند الله ل يراد أن كل الألفاظ والعبارات من إلهام الله .. ول يتخيل أنهم كانوا يلهمون في كل أمر يبينونه ، وفي كل حكم كانوا يحكمون به » . وتقول دائرة المعارف البريطانية : « وقع النزاع في أن كل قول مندرج في الكتب المقدسة هل هو إلهامي أم ل ؟ وكيا كل حال من الحالت المندرجة فيها ، فقال جيروم وكثيرون : ليس كل قول إلهامي .. اليين قالوا : إن كل قول إلهامي ل يقدرون أن يثبتوا دعواهم بسهولة » (2) . وهيا القول يطالب قائلوه بتعيين المواضع غير الإلهامية وإقامة الدليل على خصوصها بعدم الإلهام أو إقامة الدليل على خصوص المواضع التي يقولون بإلهاميتها ، وإذا لم يتم ذلَ وجب التوقف في شأن الكتب المقدسة ، إذ فيها ما هو عمل بشر ل يجوز اعتباره مصدرً ا دينيً ا . (1) انظر : مناظرة العصر ، أحمد ديدات ، ص35 . ) (2) إظهار الحق ، رحمة الله الهند2/358 . )

عدد الصفحات ٢٠١

هل العهد الجديد كلمة الله ؟

عدد الصفحات ٢٠٢

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ ولقد يتساءل المرء أين وقع التحريف في الأناجيل ؟ هل وقع من الإنجيليين وأصحاب الرسائل ، أم من النساخ اليين تصرفوا في النصوص حسب أهوائهم وعقائدهم ، أم من أولئَ اليين أضافوا القداسة للكتب الشخصية التي خطها الحواريون ، أم من ذلَ كله ؟ ولعل الأخير هو أولها بالصواب . أصبح من المسلم به ـ كما أسلفنا ـ أن لوقا نقل ما نسبته 51% منفقرات إنجيل مرقس ، بينما نقل متى ما نسبته 90% من محتويات إنجيل مرقس . فهل كان متى ولوقا أمينان في نقلهما عن مرقس ، أم كانا يتصرفان بنص مرقس كما يحلو لهما ؟ الحقيقة البينة أن كلا الثنين تصرف برواية مرقس حسب ما تبدى له ، وخاصة متى الي كان يضخم دائمً ا فيما ينقله من أحداث ينقلها من رواية مرقس ، لتناسب غلوه في شخص المسيح أو لتحقق نبوءة توراتية لم تحققها رواية مرقس ، وذلَ يظهر من أمثلة كثيرة ذكرها المحققون ، منها : * حين كان المسيح في الجليل يعلِّ م؛ قال عنه بعض سامعيه: «أليس هذا هو النجار ابن مريم أخو يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان؟» (مرقس6 :3)، ولحظ متى في عبارة «النجار ابن مريم» تعريضًا في نسب المسيح، بنسبته إلى أمه كما ينسب أبناء الزواني(1)، فعمد إلى ت يير العبارة، لتصبح«أليس هذا ابن النجار؟ أليست أمه تدعى مريم وإخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا.؟» (متى13 : 55.) (1 )انظر: أل از الإنجيل، فراس السواح، ص83) .

عدد الصفحات ٢٠٣

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ وما فعله متى هنا ، ولوقا في مواضع أخرى هو محاولت منهما: «أن يصق أسلوبه بطرق كثيرة»(1) ، ولفظة«الصقل» أكثر دبلوماسية في وصف ما فعله متى ولوقا من تحريف متعمد ، فـ«من صفات إنجيل مرقس الصراحة التامة في سرد القصة، مما جعل البشيرين متى ولوقا يحاولن تخفيف وقع هيه الصراحة»(2)، ووفق عبارة حبيب سعيد: «حاول بكل تدقيق وعناية أن يلطفا قصص مرقس التي رواها شهود العيان ففي بشارة مرقس مثلاً نرى يسوع يدهش، أو يكتئب، أو ي ضب، أو يحزن، ولكن متى ولوقا يهملان هيه التفاصيل عادة»(3). إن استخدام ألفاظ «الصقل» و«التلطيف» و«التخفيف» لن يثنينا عن تعرية الحقيقة، وتسميتها باسمها الحقيقي (التحريف)، ويمكن لنا أن نقرنه بمبرره، فنسميه «تحريف الصقل» و«تحريف التلطيف». وفي هيا الشاهد نلحظ أمرًا جديرًا بالنظر، فقد اام كلسس الوثني المسيح بأنه نجار، وهو ااام صحيح مطابق لما ورد في (مرقس 6 :3)، لكن خصمه أوريجانوس صاحب المعرفة الواسعة في الأسفار المقدسة ردَّ عليه: «إن كليسوس أعمى بالنسبة لهيا الموضوع ، إنه لم يُيكر في أ من الناجيل الموجودة في الكنيسة على أن المسيح وصف أنه نجار!!»، فكيف جحد أوريجانوس نص مرقس؟ يقلِّب البرفسور بارت إيرمان الحتمالت، ويبدأ بأيسره، وهو أن أوريجانوس نسي نص مرقس، أو أنه كانت لديه نسخة أخرى ل تجعل المسيح نجارًا، وهيا ما يميل إليه إيرمان ، لأن «هناك مخطوطات تحتو على هيا الت يير، وفي إحدى النسخ (1 )المدخل إلى العهد الجديد، فهيم عزيز، ص217) . (2 )المصدر السابق، ص216) . (3 )المدخل إلىالكتاب المقدس، حبيب سعيد، ص (259) .

عدد الصفحات ٢٠٤

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ الأولى من مخطوطات إنجيل مرقس، والتي تدعى (P45) والتي تعود إلى أوائل القرن الثالث، وفي عدة نسخ لحقة فإن الآية تقرأ بشكل مختلف، حيث يسأل اهل بلد يسوع: (اليس هيا هو ابن النجار) » (1)، ولو صح هيا فإننا أمام تحريف نساخ المخطوطات في إنجيل مرقس .. تحريف انطلى على الجميع من لدن مرقس إلى يومنا هيا، ول يستثنى إل شخص متى الي تنبه للتحريف ، وكتب القراءة الصحيحة. * يقول مرقس عن المصلوب : « أعطوه خمرً ا ممزوجةً بمر » ( مرقس15 : 23). لكــن متــى نقــل عــن مــرقس وغيّــر ، فقــال : « أعطــوه خــلً ممزوجًــ ا بمــرارة » ( متى27 :34 ) ، ومن المعلوم أن الخل غير الخمر . ولقد قصد متى من هيا الت يير أن يحقق النبوءة التوراتية المزعومة « يجعلون طعامي علقمً ا ، وفي عطشي يسقونني خلً » ( المزمور 69 :21 ) ، فأبدل كلمة الخمر التي كتبها مرقس بالخل . يقول مرقس : « إن من يصنا مشيئة اب هو أخي وأختي وأمي » ( مرقس3 :35 ) . وينقلها متى : « إن من يصنا مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمي» ( متى12 :50 ) . فكلمة أبي وضعت لأسباب لهوتية . * ومثله يقال عندما سأل المسيح تلامييه عما يقولون فيه ، فأجاب بطرس : « أنت المسيح » (مرقس8 :29 ) . لكن متى عـدلفي إجابـة بطـرس وجعلهـا : « أنـت هـو المسـيح ابـن اب الحـي » (1 )القتباس الخاطئ عن يسوع، بارت إيرمان، ص253.)

عدد الصفحات ٢٠٥

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ ( متى 16 :16 ) . *ومثله لما ظهر لهم المسيح مع موسى قال بطرس لسيده كما ينقل مرقس : « يا سيدي جيد أن نكون هنا » ( مرقس9 :5 ) . ولكـــن متـــى ي عـــدّل نـــص مـــرقس ، ويقـــول : « يـــا رب جيـــد أن نكـــون ههنـــا » (متى17 :4 ) . *ومن غلو متى ت ييره لما جاء في مرقس عن عدم قيام المسيح بالمعجزات الجليل حيث يقول : « ولم يقدر أن يصنا هنا ولا قوة واحدة غير أنه وضا يديه على مرضى قليلين فشفاهم ، وتعجب من عدم إيمانهم » ( مرقس6 :5-6 ) . حيث لم يصنع ول قوة واحدة ، لكنه شفى قليلي ن ، لكن شفاء القليلين لم يكن كافيً ا لإيمان أولئَ القساة ، فتعجب المسيح لعدم إيمانهم . لكن متى عزّ عليه أن ل يصنع المسيح أ قوة ، فقال : « ولم يصنا هنا قوات كثيرة لعدم إيمانهم » ( متى13 :58 ) . إذًا هو صنع معجزات ، ولكن ليس كثيرً ا ، وبرر قلة المعجزات بعدم إيمانهم . فأصبحت سببً ا لقلة المعجزات بعد أن كانت عند مرقس نتيجة لها . * وحين أخبر مرقس عن طلب الفريسيين آية من المسيح، «فتنهد بروحه ، وقالن لماذا يطلب هذا الجيل آية؟ الحق أقول لكمن لن يعطى هذا الجيل آية » (مرقس 8 :12)، وهكيا فلا معجزة ليلَ الجيل، وهو بهيا اللفظ خاطئ يناقض ما يروى عن معجزات المسيح، فتولى متى إعادة الصياغة، لتصبح مقولة المسيح أكثر قبولً: « جيل شرير فاسق يلتمس آية، ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي، ثم تركهم ومضى» (متى16 :4)، ورغم هيا التعديل ، فإن مشكلة النص ل تنتهي ، إذ المسيح لم يحقق آية يونان النبي؛ علاوة على أنه صنع العديد من المعجزات. * ومثله تلاعب لوقا بما نقله عن مرقس ، فقد أورد مرقس ـ الي تصفه المصادر

عدد الصفحات ٢٠٦

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ المسيحية بأنه يقدم أصدق صورة عن المسيح ـ أورد آخر عبارات المصلوب على الصليب، وكانت صراخه اليائس « إلهي إلهي ، لماذا تركتني » ( مرقس 15 :34). لكن لوقاـ وكما يرى ول ديورانت ـ لم تعجبه عبارة مرقس ، ورآها ل تتفق مع تعليم بولس عن المسيح الفاد الي جاء ليصلب ، فأبدلها بقوله : « يا أبتاه في يديك أستودع روحي » ( لوقا23 :46 ) . *وال لو عند متى في شخص المسيح جعله يخالف مرقس في كثير من الأحداث التي نقلها عنه ، فزاد فيها بما اعتقد أنه يرفع من قدر المسيح ، من ذلَ أن مرقس ذكر خبر المجنون الممسوس بالشياطين والي شفاه المسيح وأخرج منه الشياطين وجعلها تدخل في الخنازير ، فيقول : « وجاءوا إلى عبر البحر ، إلى كورة الجدريين ، ولما خرج من السفينة للوقت استقبله من القبور إنسان به روح نجس .. فلما رأى يسوع من بعيد ركض وسجد له ، وصرخ بصوت عظيم وقال ن ما لي ولك يا يسوع ابن اب العلي . أستحلفك باب أن لا تعذبني .. وكان هنا عند الجبال قطيا كبير من الخنازير يرعى . فطلب إليه كل الشياطين قائلين ن أرسلنا إلى الخنازير لندخل فيها . فأذن لهم يسوع للوقت ، فخرجت الأرواح النجسة ، ودخلت في الخنازير » (مرقس5 :2-13 ) . لكن متى جعل صاحب القصة مجنونان بدلً من واحد فقال : « ولما جاء إلى العبر إلى كورة الجرجسيين استقبله مجنونان خارجان من القبور هائجان جدً ا .. وإذا هما قد صرخا قائلين ن ما لنا ولك يا يسوع ابن اب ! أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا؟ وكان بعيدً ا منهم قطيا خنازير كثيرة ترعى . فالشياطين طلبوا إليه قائلين ن إن كنت تخرجنا فأذن لنا أن نذهب إلى قطيا الخنازير . فقال لهم ن امضوا ، فخرجوا ومضوا إلى قطيا الخنازير » ( متى8 :28-32 ) .

عدد الصفحات ٢٠٧

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ ويحاول القمص تادرس يعقوب ملطي في تفسيره لإنجيل متى التوفيق بين روايتي المجنون والمجنونين ، فيقول : « يبدو أن أحد المجنونين كان شخصية معروفة هناك ، وأن جنونه كان شديدً ا بطريقة واضحة ، فاهتم به القديسان لوقا ومتى متجاهلين المجنون الآخر »(1)،إذً ا فشهرة أحد المجنونين جعلت البشيرين ي فلان ذكر معجزة المسيح بشفاء المجنون الآخر ، لأنه مجنون م مور وليس بمشهور ! * وذكر مرقس ولوقا شفاء الأعمى ، يقول مرقس : « وفيما هو خارج من أريحا مــا تلميــذه وجمــا غفيــر كــان بارتيمــاوس الأعمــى ابــن تيمــاوس جالسًــ ا علــى الطريــ ق يستعطي . فلمـا سـما أنـه يسـوع الناصـري ابتـدأ يصـرخ ويقـول ن يـا يسـوع ابـن داود ، ارحمني .. فأجاب يسوع ، وقـال لـه ن مـاذا تريـد أن أفعـل بـك ؟ فقـال لـه الأعمـى ن يـا سيدي أن أبصـر . فقال له يسوع ن اذهب . إيمانـك قـد شـفا . فللوقـت أبصــر ، وتبـا يسوع في الطريق » ( مرقس10 :46-52 ، وانظر لوقا 18 :35-42 ) . لكن متى روى نفس القصة و جعل الأعمى أعميين اثنين ، فقال : « فيما هم خارجون من أريحا تبعه جما كثير . وإذا أعميان جالسان على الطريق ، فلما سمعا أن يسوع مجتاز صرخا قائلين ن ارحمنا يا سيد ، يا ابن داود .. فوقف يسوع وناداهما وقالن ماذا تريدان أن أفعل بكما ؟ قالا له ن يا سيد أن تنفتح أعيننا . فتحنن يسوع ولمس أعينهما ، فللوقت أبصرت أعينهما ، فتبعاه » ( متى20 :29 ـ 34 ) ، فهيا غلو من متى وتحريف للقصة التي ينقلها عن مرقس . ول يفوتنا هنا التنبيه على أن لوقا جعل القصة قبل دخول المسيح إلى أريحا فقال : « ولما اقترب من أريحا كان أعمى جالسًا على الطريق يستعطي » (لوقا18 : (1 )تفسير إنجيل متى، تادرس يعقوب ملطي، ص (206.)

عدد الصفحات ٢٠٨

هل العهد الجديد كلمة الله ؟ 35 ) ، فهل شفى المسيح الأعمى قبل دخوله أريحا أم بعد خروجه منها ؟! وثمة تحريف آخر وقع به الإنجيليون في هيه الواقعة ، وهو مكان حصول هيه المعجزة ، هل هو كورة الجدريين كما زعم مرقس ( 5 :1 ) ولوقا( 8 : 26 ) أم هو كورة الجرجسيين كما في متى ( 8 :28 ) ، فالسمان يدلن على مكانين مختلفين ، فالأول منهما كما تقول دائرة المعارف الكتابية تقع اليوم في « أطلال أم قيس على المرتفعات جنوبى العيون الساخنة في واد اليرموك والمسماة « الحمة » على بعد نحو ستة أميال إلى الجنوب الشرقي من بحر الجليل » . وأما كورة الجرجسيين فتقع على بعد ستين كيلو متر إلى الجنوب من جدرة ، وما تزال أطلال هيه المدينة الرومانية الشهيرة ترى اليوم في مدينة جرش الأردنية ، وموقع المدينتين ظاهر لكل من نظر خريطة من خرائط الكتاب المقدس ، ولسوف يلحظ الناظر للخريطة أمرً ا آخر مهمً ا ، وهو أن كلا المدينتين ل تقعان بجوار بحر ، فلا تصلحان مكانً ا لهيه الأعجوبة . ويحار الشراح في تقريب المكانين البعيدين ، فتتفق عقلية كاتبو دائرة المعارف عن افتراض ل دليل عليه ، فقالوا بأنه « من المؤكد أن سلطان جدرة ـ باعتبارها المدينة الرئيسية في تلَ المنطقة ـ قد امتد إلى كل المنطقة شرقي البحر بما فيها مدينة « جرسة»(1) ،وبهيه الطريقة البهلوانية أصبحت كورة الجرجسيين هي ذااا كورة الجدريين ! * وأخبر مرقس عن قدوم المسيح لأورشليم راكبً ا على جحش فيقول : « أرسلاثنين من تلميذه ، وقال لهما ن اذهبا إلى القرية التي أمامكما ، فللوقت وأنتما داخلن إليها تجدان جحشً ا مربوطً ا لم يجلس عليه أحد من الناس . فحله، وأتيا به .. (1) انظر دائرة المعارف الكتابية2/511 . )

عدد الصفحات ٢٠٩