المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الخرافة الإيمان في عصر العلم روبرت ل.بارك

غير معروف

صفحة ٧ من ٩

فتعني أن التخفيف قد أعيد على التوالي 200 مرة وتؤكد HPUS أن المكوّن مذكور رسميا في دستور أدوية العلاج المثلي في الولايات المتحدة—بعبارة أخرى، مشمول بحكم كوپلاند عام 1938. لذا فـأوسيلّوكوكسينوم معفى من رقابة FDA .إذن ما الذي تحصل عليه؟ شيء سوى سلب مالك. لنقم بالحسابات: إذا بدأت مع تركيز واحد بالمئة ثم خففته واحدا في المئة، ستحصل على تركيز واحد في 10,000. قم بذلك من جديد وستحصل على جزء في المليون، وهكذا. ولكن لأن كل المواد تتكون من جزيئات، هناك حد ما. تصور أنك وصلت لنقطة تبقى عندها جزيئة واحدة فقط من أوسيلّ وكوكسينوم في كامل كمية الدواء الذي يتم تحضيره. وهذا هو حد التخفيف. فلو تم تخفيفه مرة واحدة بعد، فالاحتمالات ستكون 100 ضد1 أن لا تبقى جزيئة واحدة فقط من المادة. واعتمادا على مقدار الكمية، قد يوصل لحد التخفيف ربما بعد عشر تخفيفات—وسيتبقى لدينا 188 تخفيفاتنتظر. "التخفيف" بعد حد التخفيف يفقد معناه، فلا شيء يوجد لتخفيفه. تصور لو أنا نعد الكون المرئي بكامله "كمية" من أوسيلّوكوكسينوم. فهناك حوالي 1080 ذرة في الكون المرئي، ضمنها كل النجوم في كل المجرات. وهذا واحد يليه ثمانون صفرا تصور أن هناك جزيئة أوسيلّوكوكسينوم واحدة في الكون بكامله. ماذا سيكون التخفيف العلاجمثلي لـ أوسيلّوكوكسينوم في الكون؟ حوالي 40C .للحصول على تخفيف أكثر سنحتاج لأكوان أكثر—عدة بلايين أكثر. قلة من التحضيرات العلاجمثلية تدعي تخفيف 200C، ولكن 30C قياسي جدا في العلاج المثلي. ولكن حتى 30C سيتجاوز حد التخفيف لكمية من أوسيلّوكوكسينوم بحجم الأرض. بكلمات بسيطة، فالتخفيفات العلاجمثلية عديمة المعنى كليا، حيث تتجاوز حد التخفيف. لا يوجد دواء في الدواء. إن أوضحت هذا للعلاجمثليين، سيهزون أكتافهم ويخبرونك بأن آلية العلاج المثلي قد لا تُفهم بالكامل، ولكن ملايين الناس حول العالم يجدونها تعمل. وهذا يتضمن إليزابيث الثانية، ملكة إنجلترا، التي لديها علاجمثلي خاص يوفر لها خليطا يوميا من التحضيرات العلاجمثلية. بشكل ما، وفقا للعلاجمثليين، يبقى الجوهر الروحي للتأثير الشافي حتى بعد أن يُخفف "المكون الفعال" كليا. في الواقع، كما يصرون، تكرار التخفيفات حتى بعد اختفاء المادة الفعالة يزيد من الفعالية. فالماء، كما يقولون، يتذكر. أنا أشرب الماء في واشنطن العاصمة، وهو يأتي من نهر پوتوماك، وأفضّل أن ذلك الماء لا يتذكر. مال لأجل لا شئ أوسيلّوكوكسينوم هو صناعة تدر 15 مليون دولار كل عام في الولايات المتحدة وحدها، وتعود بأوسع من ذلك في أورپا. تُباع عبوة من أوسيلّوكوكسينوم العلاجمثلي من بوارون بحوالي 12 دولارا، قريبا من سعر لقاح الزكام. وهذا السعر يمثل كلفة ضمان أن الدواء يبقي أي أثر للمكوّن الفعال. لم اذا، قد تتعجب، يستعد ملايين الناس حول العالم لدفع اثني عشر دولارا لأجل ضمان حصولهم على لا شيء؟ إنهم يدفعون لتأثير الدواء الزائف— والأدوية الزائفة ليست مجانية.

عدد الصفحات ٩٧

يُعلن عنأوسيلّوكوكسينوم بشعار "عند أول علامة زكام، تناول أوسيلّو." إن تناول شخص أوسيلّو عند أول عطسة، ثم استيقظ وهو يشعر جيدا في الصباح التالي، سيميل للاعتقاد بأن أوسيلّو قد أنقذهم من نوبة زكام. لذا، فالتفسير الأكثر احتمالا لقصص عن تأثير أوسيلّوكوكسينوم هو سوء تشخيص بسيط. ففي مراحلة المبكرة، لا يمكن تمييز الزكام من عدة إصابات راينوڤيروس كالبرد العادي أو الانفعالات التحسسية تجاه اللقاح في الهواء، أبواغ العفن، قشرة القطط، ومئات المواد الأخرى. بل حتى إن مر شخص بسلالة لطيفة نسبيا من الزكام، سيستنتج أن أوسيلّوكوكسينوم قد حماه م ن نوبة أكثر جدية، وسيوصي به الآخرين. معظمنا يتأثر بشدة بشهادات تأتي من أناس نعرفهم. لمعظم التاريخ البشري، كانت القصص المتناقلة هي كل ما اتبعه الناس بحثا عن الراحة من المرض. ولكن ليس بعدُ. فأهم تقدم في البحث الطي هو تجربة العمى المزدوج العشوائية والمسيطرة بالدواء الزائف، وبها نستطيع معرفة ما يعمل وما لا. لم يمر دواء علاجمثلي يوما بتجربة كهذه. فمن أين إذن أتى العلاج المثلي—وكيف استطاع البقاء؟

عدد الصفحات ٩٨

آثار جانبية بُعيد ابتدائه في مهنة الطب عام 1781، سرعان ما تخلى صمويل هانيمان، وهو طبيب ألماني شاب مثالي، عن الأوهام في طب عصره. كان اعتقادا واسعا لدى أطباء عصره أن على المريض أن يصل إلى بُحران(8) قبل أن يبدأ بالشفاء—ولذا تعلم الأطباء أن يكونوا خبراء في خلق البحران. لقد عالجوا مرضاهم بالإسهال والفصد، إضافة لأدوية سامة كالأثمد antimony وست الحسنbelladonna.(9) كان هذا عصرا سيئا جدا أن تمرض فيه. وكان فجر الطب العلمي، وضمنه الإصرار على اختبار العمى المزدوج، على بعد أكثر من قرن. بعد سنة من تخرجه في الطب وزواجه القريب، تخلى هانيمان عن مهنته، واصفا الطب بأنه "علاج أمراض غير معروفة بأدوية غير معروفة." حتى إنه وصف العلاجات الطبية في وقته بـ"الجرائم." ولكن مهارته في عشر لغات، أسعفته في تمويل زوجته وعائلته المتنامية—التي وصلت في النهاية لأحد عشر طفلا—من خلال ترجمة بحوث طبية. وصف أحد البحوث علاج الملاريا بلحاء الكينكونا، أو الكينين. ولفضوله فقد جربه على نفسه، ومر بأعراض تشبه الإصابة بالملاريا. كانت هذه نقطة تحول في حياته. فعلى أساس هذه النقطة الشخصية الوحيدة، أعلن قانون الأشباه Law of Similars: "الشبه يشفي شبهه، أو similia similabus curantor. فالمادة التي تسبب أعراض معينة في شخص معافى، كما استنتج، يمكن استخدامها لعلاج أمراض تملك ذات الأعراض. لم تكن الفكرة بالجدة التي وصفها هانيمان. فالكتابات اليونانية القديمة ضمت أفكار مماثلة، كان ليعثر عليها في ترجماته. قانون الأشباه هذا هو مثال على السحر بالمحاكاة. كأقدم أشكال السحر، لا يزال شائعا في المجتمعات البدائية حول العالم. مثارا بما تخيل أنه مبدأ جديد للطب، عاد إلى مهنته الطبية وبدأ بتجريب كل أنواع المواد الطبيعية، محاولا التوفيق بين الأعراض التي تسببها في الأصحاء وأعراض أمراض متنوعة. لسوء الحظ، كانت بعض الآثار الجانبية المتعلقة باستخدام تلك المواد شديدة، مما جعل هانيمان قريبا بشكل خطر من شكل الطب الذي أدانه من قبل. وفي محاولة لتقليص حدة الآثار الجانبية، قام بالخطوة الواضحة فعلا لتخفيف الدواء. وكما قد تتوقع، قلص التخفيف من الآثار الجانبية، ولكن لدهشة هانيمان، لاحظ أن المرضى الذين أعطوا الدواء المخفف تعافوا أسرع من أمراضهم. عند هذه النقطة، نستنتج أنا وأنت أن الدواء كان يمنعهم من التحسن. ربما لهذا لا أنا أو أنت اكتشفنا مبدأ جديدا للطب، لأن هانيمان وصل للاستنتاج المعاكس. فقد ظن أنه كلما تخفف الدواء أكثر، أصبح أقوى. وسمى هذا قانون تناهي الصغر Law of Infinitesimals، وأعلنه كثاني أهم اكتشافاته. لأنه يقدم دون مقوّمات، يقع قانون تناهي الصغر على الآذان المعاصرة كالتفكيك إلى السخافة reductio ad absurdum. والسؤال الواضح الذي يطرحه: أين تتوقف؟ 8. البُحران: مصطلح سرياني يعني (التعاظم) أو (التضخم)، استخدمه الأطباء السريان المترجمون عن اليونانية، للدلالة على ما يسمى اليوم (بالأزمة). 9. كان الأثمد يستخدم عند العرب كمركب أساسي في الكحل، الذي أثبت لاحقا أنه يقتل الجراثيم لاسيما المسببة للتراخوما (الرمد)، أما ست الحسن فمنها تستقطر مادة الأتروپين، التي تستخدم طبيا لتوسيع الأوردة لاسيما حدقة العين.

عدد الصفحات ٩٩

الأقل أكثر هانيمان لم يتوقف؛ فقد استمر بالتخفيف. كان يسعى متعمدا لإلغاء الجزء المادي في الطب. ففي كتابه قانون فنّ الطب Organon of the Medical Art، ينسب هانيمان الشفاء إلى "قوة طبية" روحية، يقول أنها أقوى "حين لا تتوصل بشيء مادي." كتب كمثال، أن الحصبة وجدري الماء تنتقل من طفل لآخر دون تمرير أي شيء مادي، مقارنا إياها بالقوة التي يسلطها مغناطيس على إبرة لا يلمسها. هذ ا هو "المذهب الحيوي ،" الاعتقاد بأن الحياة تتضمن جوهرا روحيا ما وراء الكيمياء والفيزياء، وكان هذا خرافة طبية مسيطرة في ذاك العصر. ولكن لم يكن لهانيمان أن يعرف كم تخفيفا يحتاج ليضمن أن لا يبقى أي جزء مادي من الدواء. فلكي تحسب التخفيف تحتاج لمعرفة عدد أڤوغادرو، عدد الجزيئات في مول واحد من مادة ما. أميديو أڤوغادرو، وهو فيزيائي إيطالي، كان معاصرا لهانيمان، ولكن حتى أڤوغادرو لم يعرف عدد أڤوغادرو. في عام 1811، بعد سنة من نشر الطبعة الأولى من قانون فن الطب لهانيمان، شرح أڤوغادرو أنه على أساس قانون الغاز المثالي، يجب أن يوجد عدد كهذا، وستمر خمسين سنة قبل أن يقوم يوهان لوخشمدت، وهو فيزيائي ألماني، فعلا بتحديد عدد أڤوغادرو. وهو يعرف في البلدان الناطقة بالألمانية بعدد لوخشمدت، وهو أنسب بالفعل. لذا استمر هانيمان بالتخفيف، وحتى تحديد كم مرة يجب أن يخضّ، أو "يهزّ" بين التخفيفات. واضح اليوم أن عدد التخفيفات الذي وصفه يتجاوز بعيدا العدد الذي يحتاجه لإزالة أي أثر مادي للدواء. ولكن هل بقي جوهر روحي ما؟ لحسن حظ مرضى هانيمان، ألغى قانون تناهي الصغر قانون الأشباه. هل طفلك مصاب بطفح الفخذين؟ ستكون وصفة الد. هانيمان، وفقا لقانون الأشباه، علاج الطفل بشيء يسبب الطفح. فقد وصف العشب Rhus toxicodendrum، المعروف للعموم بالصفصاف السام ولحسن حظ الطفل، ينادي قانون تناهي الصغر بتخفيف 30C منRhus toxicodendrum، وهو أكثر من كافي لضمان أن لا جزيئة واحدة من السم ستبقى في الدواء. لو أبقيت المنطقة المتضررة نظيفة وجافة لعدة أيام، سيختفي طفح الفخذين—وسينسب للعلاج المثلي نجاح آخر. زيت الأفعى مع انتشار الخبر عن "نجاحات" هانيمان، بدأ الأطباء في أرجاء أورپا بتجريب وتبني طرقه. تخيل هانيمان أنه قد قدم مساهمة كبرى لمعارف الطب، وربما فعل ذلك بطريقة ما. فرغم أن القانونين الأساسين للعلاج المثلي هراء واضح في ضوء ما نعرف اليوم، سمح قانون تناهي الصغر للمرضى بالشفاء دون أن يسممهم طبيبهم. إلى الحد الذي يحول بين الناس وإفراط الأدوية، لا يزال العلاج المثلي نافعا لبعض الناس اليوم. وفي تلك الأحيان، عبر الأطلسي كان هناك عجز يائس في الأطباء المدربين، حتى رغم عدم وجود معايير لممارسة الطب. معظم الأطباء في أمريكا آنذاك كانوا قد قضوا تدربا تحت طبيب آخر. وكان باعة زيت الأفعى الجوالون، وهم يقرأون بالكاد دون أي مؤهلات طبية، يجولون مناظر الريف الأمريكي بائعين أكاسير ومقويات تافهة لشفاء كل علة. وكانت

عدد الصفحات ١٠٠

خلطاتهم تنسب أحيانا إلى شامانات أمريكان أصليين، لذا يأتي مصطلح "زيت الأفعى" من الپترول الذي تفقأ من الأرض في أجزاء من پنسلڤانيا واستخدم كدواء في قبيلة الأفعى. الاعتقاد بأن المجتمعات القديمة أو البدائية تملكت علاجات سحرية مجهولة للعلم الحديث يقف، كما سنرى، خلف عدة خرافات طبية دائمة ولاعقلانية. وجد العلاجمثليون الأورپيون الذين هاجروا إلى أمريكا أرضا خصبة للطب بلا أذى الذي بدا علميا بشكل مبهم للعموم. بدءا من فيلادلفيا، انتشرت كليات ومستشفيات علاجمثلية في أنحاء القارة. ومع نهاية القرن التاسع عشر، بدا أن مصير العلاج المثلي سيكون الشكل السائد من الطب الممارس في أمريكا. ولكن الاكتشافات العلمية في أورپا وبريطانيا كانت على وشك تغيير المنظر. قامت نظرية داروين للتطور بالانتخاب الطبيعي بالخصوص بتكوين الطبيعية، والتي ستصبح بعد قرن الفلسفة العلمية السائدة عالميا. لم تترك الطبيعية أي مجال للمذهب الحيوي أو أي شرح روحي آخر. وستثبت نظرية الجراثيم المرضية، المنبثقة من عمل پاستير وكوخ بعد موت داروين، أنها مميتة لهراء خرافي كالمذهب الحيوي وعلاجات مريعة كالفصد والإسهال. وفي الغرب البري طبيا للولايات المتحدة، اختارت مؤسسة كارنيجي منظّرا تربويا، أبراهام فلكسنر، ليرأس مسحا للتعليم الطبي. وكان اختيارا ملهما قام على فكرة: "إن كان للمرضى أن يحصدوا النفع الكامل للتقدم الحديث في الطب، تجب المطالبة بتعليم طبي أكثر مشقة وكلفة." وخلال ثمانية عشر شهرا تدبر فلكسنر بشكل مدهش أن يزور كل المدارس الطبية الأمريكية الـ 155. "ما في دولة أخرى من العالم،" استنتج، "هناك مسافة بهذا البعد وفرق بهذا الخطر بين الأفضل، الوسط، والأسوأ." وكان تأثير تقريره هائلا. فقد أغلقت كل الكليات الطبية الخاصة، بما فيها كليات العلاج المثلي. لا يزال هناك مستشفى صمويل هانيمان في فيلادلفيا يعود إلى الثلاثينات، ولكن هذا الاسم هو اليوم مجرد تذكير بالقوة التي امتلكها العلاج المثلي يوما. لم يمارس العلاج المثلي في مستشفى صمويل هانيمان لسنوات عديدة. ولكن مئات الآلاف من الناس حول العالم لا زالوا يلجأون له.

عدد الصفحات ١٠١

الاختبار الذي لـم يحصل بعض من يدعون أنهم شافون قد يعتقدون بصدق أنهم يمتلكون قوى باطنية لإلغاء الأمراض، ولكن هناك آخرون يحتالون بتعمد وقسوة على أشخاص في أكثر حالاتهم حساسية. رغم أن العلاجات التي يقدمون غير فعالة، يحصل هؤلاء "الشافون" أحيانا على أتباع مخلصين ببساطة لنسبتهم الشفاء الطبيعي للمرضى إلى أنفسهم. والأطباء المجازون بالتأكيد يقومون بالمثل أحيانا. كيف لنا أن نعرف متى يجب أن ينسب الشفاء للعلاج؟ تحديد ما يعمل ولا يعمل هو مهمة العلم. كان العالم العلمي شكاكا للغاية حين ادعى البيوكيميائي الفرنسي جاك بينڤنسته في مجلة نيتشر أن محلولا يحتوي جسما مضادا استمر في إثارة استجابة حيوية حتى بعد التخفيف العلاجمثلي. إن لم يتبقى شيء من الجسم المضاد في المحلول، ما الذي أنتج الاستجابة؟ كان هذا أقدم الأسئلة في العلاج المثلي. وكان العلاجمثليون يميلون لهز أكتافهم والقول، "الماء يتذكر." ولكن كيف يتذكر الماء؟ كيف يمكن للمعلومات أن تخزن في محاليل علاجمثلية— أو هل هناك أي معلومات؟ نيتشر هي مجلة مرموقة يراجعها نظراء، ولكن مراجعة النظراء لا تضمن أن ورقة ما صحيحة. يعثر المراجعون أحيانا على أخطاء واضحة في تصميم التجربة أو المنطق المستخدم لتفسير النتائج، ولكن المراجع لا يمكنه التأكد من أن المؤلف سجل بصدق قراءات أجهزته. ولكن محرر نيتشر قام بخطوة غير عادية هي نشر مقال تحريري ينبه القراء لأن نتائج بينڤنسته غير معقولة علميا ويحفز الباحثين المؤهلين لإعادة التجربة. وفعل البعض بذلك في الوقت المناسب. ودون مفاجأة، كانت نتائجهم على خلاف كامل مع تلك التي قدمها بينڤنسته. ورغم كل ذلك، عاد بينڤنسته بعد خمس سنوات. مدعوما بشركة بوارون، نفس الشركة التي تصنع أوسيلّوكوكسينوم، كان الآن يدعي أنه اكتشف التوقيع الكهرومغناطيسي لجسيم مضاد في محلول مر بتخفيف علاجمثلي شديد. كان ا لمقتضى أن "الذكرى" العلاجمثلية كهرومغناطيسية بشكل ما وأن بينڤنسته قد وجد طريقة للتلصص عليها. حتى لقد ادعى أنه قادر على تسجيل التوقيع الكهرومغناطيسي وأرسله عبر النت، جاعلا تحويل الماء العادي إلى دواء علاجمثلي قوي ممكنا في كل مكان حول العالم. لو كان هناك أي حقيقة في ادعاء بينڤنسته، لكان فتحا طبيا ثوريا بحق. ونتيجة تبدو مستحيلة كهذه تطلبت تأكيدا مستقلا. وتجاهل بينڤنسته وبوارون ببساطة فقدان التأكيد. وبالفعل، كانت بوارون على ما ينقل تخطط لتكوين شعبة تستفيد من هذا "الاكتشاف" الجديد. وكان يشاع أن الخطط الأساسية نادت لخلق قسم جديد سيوفر تفعيلا علاجمثليا فوريا في أي مكان في العالم. وحين قامت الشركة باستثمار كبير في خطة كهذه، توقعت أنه من غير المحتمل أن يوافقوا على اختبار حقيقي يملك القدرة على تحطيم الأمر بكامله. إن كان سيتم اختبار، فالاتفاق على الإجراء يجب أن يتوصل إليه سريعا. خرجت بإجراء لاختبار عمى مزدوج بسيط: عشر قوارير متطابقة من الماء، محددة برقم فقط، يتم ربطها بالإنترنت بأي طريقة يحددها بينڤنسته. يقوم مفتاح بالسماح لأي من القوارير، واحد فقط، بالارتباط بالتوقيع المغناطيسي المسجل الذي يرسل عبر الإنترنت من فرنسا. وسيكون طرف ثالث مستقل هو الوحيد الذي يملك الوصول إلى المفتاح، وبالتالي

عدد الصفحات ١٠٢

الوحيد الذي سيعرف أي قارورة تم "تفعيلها." ترسل القوارير العشر بعدئذ إلى بينڤنسته، الذي سيحاول تحديد أي من العشر تم تفعيله. وفقط بعد أن يقوم باختياره سيكشف الطرف الثالث المستقل عن أي قارورة تم "تفعيلها." سيكون لـ بينڤنسته فرصة واحدة من عشر للتخمين الصحيح لأي قارورة تم تفعيلها، وبدا هذا ثمنا لإبقاء الأمر بسيطا. حاولت أن أبلغ بينڤنسته بمقترح الاختبار، ولكن قيل لي أنه كان في طريقه إلى ألبوكيركي، نيو مكسيكو. لتقديم خطابه كمدعو إلى الاجتماع السنوي لجمعية الاستكشاف العلمي SSE . أخبرت سكرتيري أن يسجلني في الاجتماع ويحجز لي على أول طيارة إلى ألبوكيركي، وعدت للبيت لأجهز حقيبة. سألتقي جاك بينڤنسته شخصيا، وعلى أرض محايدة. حسنا، شبه محايدة. فأعضاء SSE يتفاخرون بالتفكير خارج الصندوق، ربما أكثر مما يخرجون للغداء. فقد كانت هناك خطابات عن موضوعات كالاختطاف الفضائي، التواصل مع الأموات، الأحلام التنبؤية، الاندماج البارد، الشفاء بالصلاة، والتصميم الذكي. كانت جميعا متقبلة كعلم أصيل—فهناك قليل من الخلاف الداخلي ضمن جماعة تعتقد أنها تحت حصار. مقتنعين بأن المشاريع القوية الصلبة، وضمنها المؤسسة العلمية، تتآمر لتحجب ثورة علمية، شكا متحدث بعد آخر من أن "علما جديدا" يحرم من التمويل، ويرفض من محرري المجلات، ويصبح موضوع سخرية—كل هذا لأنه لا يتفق مع باراديم مستهلك. ولكن في معظم الحالات لم يكن علما ولا جديدا. فمعظمه كان خرافات قديمة غلّفت لتبدو كعلم. و العلاج المثلي لاءم تماما. خلال استراحة قدمت نفسي إلى جاك بينڤنسته واتفقنا على التحدث بعد انتهاء الاجتماع اليوم. كان الجو في تلك الظهيرة متألقا كما يجب أن يكون في ألبوكيركي، فقمنا بالتجول في مقر جامعة نيومكسيكو، حيث كان يعقد الاجتماع. بينڤنسته، وهو رجل لطيف معتدل الطباع، وافق مباشرة على مقترحي للقيام باختبار عمى مزدوج. ولكن حين وصلنا لترتيب التفاصيل، أصبحت ردوده غامضة ودفاعية. شعر بالانزعاج من أن نتائجه لم تُقبل ببساطة؛ وقال أنه مضيعة للوقت أن نعيد العمل. فبعد كل شيء، لِمَ يقو م أحد بمساءلة علمه؟ أكّدت له أن كل ذلك ضروري في بيئة البحث اليوم، خصوصا حين تحمل تلك النتائج وعودا كهذه للعالم. ثم كان هناك سؤال المال، فكيف يتم الدفع لكل هذا؟ "لن يكلف هذا كثيرا،" قلت له، "فيمكن فعل كل ذلك بالإيميل. لديك فعلا المعدات لالتقاط ورقمنة digitize التوقيع الكهرومغناطيسي. ومتى ما فعّلت عن بعد أحد القوارير في مختبري عبر النت، سنقدم القوارير العشر إليك. كل ما عليك فعله هو فحصها لتحدد أيا منها يملك التوقيع. والأمر بكامله سيستغرق من كلينا ساعتين لا أكثر." "لا، لا،" شرح لي، "الأمر أعقد بكثير من هذا. فالإشارة العلاجمثلية هي جزء صغير فقط من الإشعاع الكهرومغناطيسي الكلي المنبعث من المحلول العلاجمثلي، وليست لدينا طريقة لمعرفة أي جزء هو (أضفنا التأكيد). نسجّل الإشارة الكهرومغناطيسية الكاملة المنبعثة من المحلول، ونستخدمها كلها لتفعيل الماء العادي، حتى رغم أن جزءا ضئيلا فقط هو الإشارة العلاجمثلية. ليس للبقية تأثير." "كيف تعرف إذن أن المعلومات العلاجمثلية هناك؟" سألته باندهاش.

عدد الصفحات ١٠٣

"لأن المحلول المفعّل عبر النت فعال بنفس قدر المحلول العلاجمثلي الأصلي،" أجابني بينڤنسته. كنت عاجزا عن الكلام. ثم جلسنا على أريكة بجانب نافورة تحيطها أوراق صفراء من الرتم الإسباني وتنفسنا رائحتها الزكية بينما حاولت أن أستوعب ما سمعته للتو: بالتأكيد للمحلول "المفعّل" نفس تأثير المحلول العلاجمثلي في مختبره في ليون، ولكن كذلك القوارير التسع الأخرى التي لم تفعّل. ولكن جاك بينڤنسته لا يملك أي طريقة للكشف المباشر عن الإشارة العلاجمثلية. كانت الإشارة الكهرومغناطيسية الملتقطة من محلول بينڤنسته هي الضوضاء الحرارية المحتومة، الذي تولده الحركة الباعثة للحرارة للجزيئات المشحونة في أي مادة. كانت آجرّة brick لتعطي نفس الإشارة. لم يرى بينڤنسته واقعيا توقيعا علاجمثليا؛ فقد رأى ضجيجا حراريا فقط. كان ذلك وهم التعرف على الأنماط الذي ناقشناه سابقا. بالنسبة لـ بينڤنسته لم يكن التوقيع في حاجة ليرى—فسنتعرف عليه بتأثيره. ولكن لا أحد سواه يستطيع رؤية التأثير. كان هذا اختراع من دماغه ليتوافق مع توقعه. كان الرجل معتدل الطباع الجالس بجانبي، كما اكتشفت، مجنونا. ماذا سأفعل الآن؟ كان بينڤنسته مسالما بوضوح، ولكن بإمكانه إيذاء الآخرين بشدة عن طريق تضليلهم. فقد عرضته الوسائط كعالم لامع تحدى المؤسسة العلمية. وفي هذا الاجتماع لمنبوذي العلم كان أشبه ببطل. وكما رأيت، لم يكن خيار سوى المضي باختبار العمى المزدوج. وكان أهم من ذي قبل أن تفنّد مزاعم هذا المجنون. انتهت مناقشتنا بالمصافحة على اتفاق للعمل معا على ترتيب الاختبار، ولكن التفاصيل الإدارية بقيت بلا حل. قال بينڤنسته أنه يحتاج بضعة أسابيع ليستعد. وشككت في داخلي أن هذا سيحصل أبدا. طلبت من برايان جوزيفسون استخدام تأثيره على بينڤنسته. كان لجوزيفسون، وهو خريج كامبردج وحائز على نوبل في الفيزياء عام 1973، تاريخ طويل من دعم ادعاءات يصنفها معظم العلماء كعلم زائف. وكان قد أعلن صراحة اعتقاده بأن بينڤنسته محق، ولذا ظننت أن له بعض التأثير عليه. اعتقد جوزيفسون بصدق أن بينڤنسته سيبرأ كنتيجة للاختبار، وفعل ما بوسعه ليدفعه للعمل. بدا بينڤنسته مستعدا دوما للموافقة على الاختبار، ولكنه كان يجد دوما سببا ما يحتاج لأجله وقتا أزيد بقليل. اتصل بي ليون جاروف، وهو المحرر العلمي السابق فائق التقدير لمجلة تايم. فقد سمع عن ادعاء بينڤنسته المستحيل وتحديّ المتمثل باختبار عمى مزدوج. رغم تقاعده، لا يزال جاروف يساهم دوريا بقطع لاذعة لـ تايم. فقد جعل التحدي علنيا في مقالة تايم يوم 17 مايو 1999. وكان الأمل أن ذلك سيولد ضغطا على رؤساءبينڤنسته ويدفعهم للعمل. وكالعادة، أعرب بينڤنسته عن رغبته في التعاون في الاختبار—ولكنه طلب أسابيع قليلة أكثر ليستعد. أصبحت الأسابيع أشهرا، وسنين مرت. دخل متعصبون دينيون بطيارات في مركز التجارة العالمي؛ ووقعت شجرة ساقطة على فيزيائي مغمور؛ ولكن جاك بينڤنسته ظل محتاجا لوقت أكثر. في عام 2004، أي خمس سنوات بعد الموافقة على التحدي، خضع بينڤنسته، في التاسعة والستين، لعملية قلب. وبعد العملية، عانى من نوبة قلبية مميتة. لم يكن لدى جاك بينڤنسته وقت كافي أبدا. وفي حياته، لم يكن لأحد منا.

عدد الصفحات ١٠٤

البدائل؟ ربما يمكن أن تغفر لصمويل هانيمان معتقداته الطبية الغريبة. فحين كتب نسخته الأصلية من القانون عام 1810، كان المذهب الحيوي حقيقة طبية مقبولة. لم يولدپاستور ولا كوخ بعد، ونظرية الجراثيم المرضية لم تكن موجودة. وأمراض كالكوليرا كان يعتقد أنها تنتشر بالميازما، أو الهواء العفن. ولكن حين يمكن الغفران لهانيمان، لا يمكن لأتباعه. فهم يعرفون عدد أڤوغادرو—حيث حفظوه في صفوف الكيمياء الثانوية. ونظرية الجراثيم المرضية تدرّس في المدرسة الابتدائية. كل ما نعرفه واقعيا حول الوقاية والعلاج من الأمراض قد تعلمناه خلال مائة وخمسين سنة منذ وفاة هانيمان. ومع ذلك، يستمر مئات الآلاف من الناس حول العالم بالتوجه إلى العلاج المثلي لهانيمان. علينا أن نفهم السبب. العلاج المثلي ليس سوى واحد من مئات العلاجات الطبية غير المثبتة التي تسمى "الطب البديل" التي يستخدمها، على الأقل أحيانا، ثلث الشعب. ويبدو أن علاجات بديلة جديدة تقفز كل يوم. لمعظمها، كالعلاج المثلي، جذور في الخرافات القديمة. بحذف خطوة التجريب الطبي، المستهلكة للوقت والمال، يمكن لأي أحد ادعاء علاج بديل جديد. وقد يكون مربحا جدا. سيحاول اليائسون كل شيء، بأي ثمن—فما الذي لديهم ليخسروه؟ تنزع الوسائط لمعاملة "الطب البديل،" من العلاج المثلي والمغانط إلى الأعشاب والوخز بالإبر، كمجال مستقل عن الطب. ولكن لا يوجد مجال في الطب يمكن تسميته "بديلا"؛ هناك فقط الطب الذي يعمل والطب الذي لا يعمل. كل ما تشترك فيه تلك العلاجات البديلة هو أنها لم تثبت بعد. هناك مئات الأدوية والعلاجات قيد التطور والتي لا تزال أيضا غير مثبتة، ولكن مطوريها سينكرون دون خجل أنهم يعملون وفقا "للطب البديل." الطب البديل ليس مجالا منفصلا من الطب؛ بل هو ثقافة منفصلة—ثقافة السخافة. إن الهوة الثقافية عميقة جدا: فعلى جانب هناك العلم الطبي، ممثلا بسلسلة غير مقطوعة من الاستنتاج المنطقي قائمة على الدليل المادي، تقود في النهاية إلى التجارب السريرية. وعلى الجانب الآخر، تُملأ فجوات هائلة في سلسلة الأدلة بالتفكير المتمني، الهراء الخرافي، القصص المنتقاة، وحتى الخداع المتعمد، ولا توجد أبدا، أبدا، تجارب عمى مزدوج، متحكمة بالدواء الزائف، وذات قيمة إحصائية. وهذا الجانب يلجأ إلى الحس الأساسي للتفاؤل الذي يساندنا خلال أوقات صعبة، ولكنه أيضا يجعلنا عرضة للحمقى والمخادعين. لقاح النحل كان مكتب الطب البديل (OAM) فيNIH صغيرا بمقاييسها، بميزانية سنوية قدرها مليون دولار فقط ضمن وكالة بخمسة عشر بليونا. ولكنها لكثير من العموم جعلت الطب البديل يبدو محترما. فمؤكد أن NIH لن يكون لديها مكتب للطب البديل لو لم يوجد طب بديل؟ كان سطر واحد في لغة تقرير يرافق قانون تخصيصات NIH عام1992، أدخله السيناتور توم هاركن، وهو ديمقراطي شعبوي من آيوا، هو كل ما احتاجه لإنشاء مكتب الطب البديل في NIH. كان التقرير المرافق لقانون التخصيصات يصف كيف يريد الكونغرس أن تصرف وكالة ما المال المخصص لها. لا يمتلك قوة القانون، ولكنه في معظم الأحيان يُتبع بما أن للكونغرس أن يرد بقطع تمويل الوكالة في تخصيصات السنة القادمة. تخيل هاركن أنه قد

عدد الصفحات ١٠٥

شفي من الحساسية بتناول كبسولات من لقاح النحل، وهو علاج شعبي غير مختبر، وكان مصمما على جعل المنافع المفترضة للطب البديل متاحة للجميع. يذهب أعضاء أقوياء في الكونغرس مثل هاركن، الذي رأس لجنة التخصيصات، أحيانا وراء لغة التقرير، فيملون كل تفصيل حول كيفية تطبيق البرنامج. وكان OAM الجديد يدار في البداية مباشرة من مكتب هاركن في مبنى مكاتب هارت لمجلس الشيوخ. ليرأس المكتب الجديد، اختار هاركن الد. واين جوناس، وهو مقدم في الجيش الأمريكي. وجد جوناس أن هذه فرصة للدعاية للطب البديل أكثر منها للتحقيق فيه، وملأ المكتب بمؤمنين آخرين. موصوفا على الغلاف كـ "علاجمثلي الأمة الرائد،" كتب جوناس، مع جنيفر جاكوبز، عام 1996 كتابالشفاء بالعلاج المثلي: الدليل الكامل. وفي فصل مبكر، يحاول جوناس أن يتعامل مع انتهاك العلاج المثلي الواضح للسببية. وينهي الفصل بتخمين أن "ربما كل ذلك سيوجد أنه محض تأثير علاج زائف." كان هذا مجرد سطر وحيد في أكثر الكتب عن العلاج المثلي تأثيرا منذ كتاب هانيمان قانون فن الطب، ولكن سيظهر أنه تنبؤي. ففي عام 1996 كان تأثير العلاج الزائف لا يزال غامضا لحد كبير، ولكن هذا كان على وشك التغير. فكما سنرى في الفصل القادم، توفر الدراسات الحديثة عن الدماغ فهما كاملا لتأثير العلاج الزائف. كان تأثير OAM متجاوزا جدا لميزانيته. فالحركة نحو طب "طبيعي" أو "بديل" كانت تنمو باطراد وكان هذا هو المكتب الوحيد في الحكومة الفيدرالية بمسؤولية دعم الطب البديل. ومع مساعدة هاركن في لجنة التخصيصات، نمت ميزانية OAM بشكل أسّي ولكن مع تنامي الميزانية، كذلك تنامى الضغط على تمويل البحوث الفيدرالي للتحقق من ادعاءات الطب البديل. بدأ هاركن يدفع نحو ترقية المكتب إلى مستوى مركز. ولكن مدير NIH هاورد ڤارمَس، وهو فائز بنوبل ذو تقدير كبير في المجتمع العلمي، كان قلقا من أن البحث في الطب البديل ضمن OAM لم يطابق مواصفات البحث في باقيNIH. بعبارة صادمة، ظن ڤارمَس أنه سخيف ومضحك—وهو كذلك. ووافق على ترقية المكتب إلى المركز الوطني للطب التكميلي والبديل NCCAM، مع ميزانية أكبر بكثير، فقط لو كان بإمكانه اختيار عالم حقيقي كمدير. ومضى في طريقه فاختار ستيفن شتراوس، وهو باحث طبي محترم بشدة في NIH لم يقف أبدا موقفا علنيا من الطب التكميلي والبديلCAM. في هذا الفصل استخدما العلاج المثلي كمثال ينوب عن كل الطب الخرافي. هناك علاجات CAM كثيرة جدا لتغطى في كتاب واحد، وعلى شتراوس أن يتعامل معها واحدة كل مرة ومهمته، كما مع كل دواء، أن يميز بين تأثير العلاج والشفاء الجسدي الطبيعي. ولكن الشفاء هو أكثر من طرد الجراثيم وتجديد النسيج المتهدم، فهو أيضا يصدق على الراحة من الإدراك المؤلم للألم. سننظر أقرب إلى آليات الجسد لتسكين الألم في الفصل القادم.

عدد الصفحات ١٠٦

ـ الفصـلــالعاشـرـ الغـــزال وفيه نشرح تأثير الدواء الزائف نقلني فريق الإسعاف من النقالة إلى سرير مستشفى مستأجر، جعلته زوجتي منصوبا في غرفة الطعام بجانب نافذتين كبيرتين ليوفر لي رؤية في الغابة التي تظهر خلف المنزل. منذ آخر مرة رأيت فيها الغابة، كان الفصل قد تغير من الصيف إلى الشتاء. في الشتاء، دون تغطية النباتات الكثيفة، تصبح على اطلاع أكثر على حياة الحيوان. يمكن رؤية حركة الطيور والسناجب على الأغصان العارية لشجرات البلوط والزان في عمق الغابة. وتحت الأشجار الطويلة، رفضت أجمات من البهشية holly والغار أن تتخلى عن خضرتها. تصورت أن الغابات لم تكن أجمل من ذلك. بعد أيام قلائل رأيت شيئا أكبر من السناجب أو الطيور يتحرك خلف أجمات الغار. كما رأيت، خطا خشف يافع أبيض الذيل لمّا تتفرق قرونه على بعد أمتار قليلة من نافذتي. أشعر بالامتنان كلما رأيت تلك الحيوانات الجميلة والرائعة. فرغم اعتبارها طفيليات في الضواحي شبه الريفية في الولايات الشمال-شرقية، كان تنامي تعداد الغزلان أمرا مطمئنا لي. مع تهديمنا لمساكنها الطبيعية بالتغلغل الحضري، لا تزال كائنات برية بحجم البشر تتدبر البقاء والتكاثر على أطراف مدننا الكبرى. فالحياة لا تستلم بسهولة على كوكبنا المدهش. كانت بهجتي برؤية الغزال قصيرة الأمد؛ فمع ظهور رجليه الخلفيتين استطعت رؤية رجل منها، عرجاء ومنكمشة، تتدلى دون فائدة حين يمشي. من مرآها، لا بد أن تلك الساق كانت قد جرحت قبل عدة أشهر. وعدا ذلك ظهر الغزال رشيقا ومعافى، وبدا يمشي بسهولة على ثلاث سيقان. لحسن الحظ لا يوجد مفترسون في تلك الغابة اليوم يقدرون على قتل غزال، فضلا عن غزال يمشي على ثلاث. قام التطور بإمداد الغزال وكل الفقريات بآليات تصليح طبيعية لزيادة فرص البقاء في عالم خطر: دمنا يتخثر، وعظامنا تنتسج، وجهازنا المناعي المذهل يحارب العدوى. ومع أن الغزال قد عانى من جرح خطير، لم يستسلم للعدوى أو المجاعة، وهما أكبر تهديدين لأي حيوان جريح في البرية. فمع الوقت وقليل مما سواه، يمكن للغزلان والبشر أن يشفوا من معظم الأشياء التي تصيبهم، من عضات الحشرات وليّ المفاصل إلى الإنفلونزا وتسمم الغذاء. تقوم آليات تصليحنا الطبيعية باستمرار بشفائنا من علل ربما لن نعرف بوجودها. وفي حين على الغزال أن يشفى بنفسه فقط، هناك أطباء حتى في أكثر المجتمعات البشرية بدائية تكون وظيفتهم الإشراف على عملية الشفاء. ربما لن يكون طبيبا تخرج في الغرب مع مسماع معلق حول رقبته ودرجة طب معلقة على حائطه، ولكن حتى طبيب ساحر بأقنعة بشعة وخشخيشات لترعب الأرواح الشريرة يمكنه جبر عظم مكسور—وهو أمر لا يستطيع نوع

عدد الصفحات ١٠٧

آخر عداالهومو ساپينس تدره. فقد وجد الآثاريون بقايا بشرية تعود لعشرات آلاف السنين وتظهر أدلة واضحة على عظام كانت قد كسرت ولكنها التأمت بعد جبرها. ما يفصل بين الهومو ساپينس وكل الحيوانات الأخرى هو اللغة. ولسوء الحظ، فالحيوان المتكلم كثيرا ما يقول أكاذيب. نمرر معلومات حول جبر العظام من جيل لآخر، ولكن في المجتمعات البدائية، يمرر الأطباء السحرة أيضا الخشخيشات والأقنعة التي تنجح في إخافة الأرواح الشريرة. والعلم هو الطريقة الوحيدة الذي وجدها الإنسان لفصل الحقيقة عن الخرافة أو الخداع، أو الحماقة الساذجة. في هذا الفصل سننظر أعمق إلى ما تعلمه العلم حول آليات شفائنا الطبيعية وإدراك الألم، عارضين تناقض الفهم العلمي مع حنين الناس إلى الإيمان بالخرافة. عصر البكتيريا ربما كان الغزال الأعرج قد كسر رجله حين خطا على جحر حيوان صغير وهو يركض في الغابة. والأرجح أنه كسر مركب، حيث يبرز العظم المكسور من الجلد. إن العظم المكسور مسألة جادة للغاية في الحياة البرية: إذ لا يمكن جبره، أو حتى منع حركته، ويجب أن يشفى بأفضل ما يمكنه في أي موقع ينتهي به. ولكن إن كان الكسر مركبا، يصبح الالتهاب البكتيري التهديد الأخطر على الحياة. نعيش في بحر من البكتيريا. فهي في الماء الذي نشرب، الهواء الذي نتنفس، الطعام الذي نأكل، وعلى سطح كل شيء نلمسه. أشار الراحل ستيڤن جاي غولد، الإحاثي والبيولوجي التطوري الشهير من هارڤرد، إلى أن "العصر الذي نعيش فيه ليس حقا ’عصر الإنسان،‘ ولا كان هناك أبدا ’عصر الديناصور.‘ فهذا، كما كان من الأزل، هو عصر البكتيريا." حكمت البكتيريا العالم لبلايين السنين قبل أن يأتي البشر. فإما أن نعاملهم باحترام، أو يقتلوننا. قبل حوالي بليون سنة، جمّعت مستعمرات من البكتيريا أنفسها في حصون لتحميها ضد سائر البكتيريا. كانت البكتيريا على محيط المستعمرة معرضة لبيئة مختلفة عن تلك في الداخل. وكانت هذه بداية أشكال الحياة عديدة الخلايا. هذه المستعمرات هي أسلافنا الأبعد. والكائن البشري، بشكل ما، لا يزال مستعمرة من الخلايا منظمة في حصن لإبعاد البكتيريا. يمثل الجلد خط الدفاع المحيطي للثدييات، وهو درع جسدي مرن لا يمكن للبكتريا اختراقه واقعيا. ولكن الفتحات ضرورية للسماح بالمعلومات بالوصول للحواس إضافة لإدخال الغذاء والهواء، والتخلص من الفضلات. تغطى العين بغشاء مخاطي شفاف. وهو أكثر احتمالا للاختراق من الجلد، وكذلك الأغشية المخاطية التي تغطي الجهاز البولي/التناسلي والقناة الهضمية. ولأن المخاط أسهل اختراقا من الجلد، تقوم إفرازات مخاطية مختلفة، كالدموع واللعاب، بغسل البكتيريا بعيدا وتعمل كمزيلات لها. ومع ذلك، فالأغشية المخاطية هي مواقع معتادة للالتهاب. ليست كل البكتيريا مسببة للأمراض. فهناك ملايين بلا حصر من البكتيريا تعيش بسلام في أحشاء كل إنسان. وهي غير ضارة في العادة، وأحيانا تساعد في الهضم، ولكن إن تم اختراق

عدد الصفحات ١٠٨

الغشاء المخاطي الذي يفصل محتويات الأحشاء عن جوف الجسد، يمكن لالتهاب الصفاق (10) أن يستولي بسرعة على الجسد وبالنسبة لغزال، كان الكسر المركب ليوفر طريقا سريعا للبكتيريا وكائنات أخرى من الغابة لتدخل جوف الجسد. فالبكتيريا جزء مهم من النظام البيئي للغابة، تتغذى على النباتات والحيوانات الميتة. وبدونها ستصبح الغابة مزدحمة بسرعة. ولكن البكتيريا أيضا تستخدم كل فرصة لتسرّع العملية. فكل شق في الجلد يوفر للبكتيريا مدخلا غير محروس إلى داخل البدن. إن تم اختراق الجلد، فهناك خط ثاني للدفاع. ملايين من خلايا الدم البيض تصنّع في نخاع العظم، تدوّر باستمرار في مجرى الدم. وهي تتجمع في موقع أي جرح للجلد أو المخاطيات، حيث تحيط وتلتهم البكتيريا أو الكائنات الغريبة الأخرى التي تغزو الجسد. تتلقى خلايا الدم البيض مساعدة من مكونات في الدم تسمى الأوپسونينات opsonins تغلف البكتيريا، كعلامة لأجل إعدامها. في مسرحية جورج برنارد شو معضلة الطبيب ، يشرح الد. ردجين أن "الأوپسونين هو الزبد الذي تغلف به الجراثيم المرضية لتجعل خلايا دمك البيض تأكلها." كان الخطر بالنسبة للغزال أن العدد الهائل للبكتيريا قد يفوق الدفاعات. شعرت بألفة مع الغزال. فقد حصلت إصابتي في نفس الغابة وتضمنت عددا من الكسور المركبة. وكان عظم فخذي المكسور قد شق بالخصوص جرحا عريضا بطول عدة إنشات خلف فخذي. كان ذلك جرحا قذرا بالخصوص يضم ترابا، أوراقا متفسخة، وأشياء أخرى من حطام الغابة. في المستشفى وبعد الجراحة، أدخلت قسطرة خلال وريد في ذراعي وتم تتبعها على طول كتفي حتى نزلت إلى الوريد الأجوف الأعلى من قلبي، لتسمح بحقن يومية لجرعات كبيرة من مضادات حيوية قوية. رغم أن المضادات الحيوية جعلت الالتهاب نوعا ما في محله، كان التهاب العظم osteomyelitis أكثر عنادا. يحصل التهاب العظم لأن البكتيريا تعشش على سطح العظم حيث تكون الدورة الدموية أضعف، كي تتجنب الأوپسونين والمضادات الحيوية. وحول المعادن أو المواد الصناعية المستخدمة لاستبدال المفاصل التالفة أو إبقاء العظام المحطمة في محلها كي تشفى، تكون الدورة الدموية أشد ضعفا. واليوم، يعد التهاب العظم أمرا مقلقا بالخصوص في تعويضات الركبة والورك الصناعية. وفي حالتي، تم استزراع مسحات من القضيب المعدني الذي أدخل في فخذي ليثبت القطع معا. وتم التعرف على النتيجة كبكتيريا تربة معينة مثيرة للمشاكل. تم تغيير جرعاتي اليومية إلى مضاد حيوي مطور حديثا وجد أنه فعال ضد تلك البكتريا بالخصوص. ورغم ذلك، كان على حقن المضاد الحيوي اليومية أن تستمر لحوالي سنة حتى التأم عظم الفخذ بما يكفي لإزالة القضيب بأمان. وعند ذلك فقط، بعد أن حرمت ملجأ معدنيا، تم التخلص نهائيا من البكتيريا. قارن تجربتي مع تجربة الغزال. رغم أن إصابتي حصلت في نفس الغابة، أخِذت إلى أحدث مستشفى في عاصمة الأمة، حيث تم جمعي من جديد على يد جراحي عظام خبراء ترشدهم أحدث أجهزة التصوير الطبية. وقاموا تكرارا باستشارة خبراء مختلفين. راقب نفسانيون 10. الصفاق هو الغشاء الشفاف الذي يغطي العضلات والأحشاء، ويقع تحت الجلد في منطقة البطن عند الثدييات.

عدد الصفحات ١٠٩

حالتي العاطفية؛ وتتبع خبراء الدم فحوص دمي، باحثين عن إشارات للالتهاب؛ وعاينني مختصو عناية لأربع وعشرين ساعة في اليوم؛ ومعالجون مدربون أرشدوني خلال التعافي. وبعودتي للبيت، أصبحت زوجتي خبيرة في الحقن اليومية وتغيير الغطاء على جرح الفخذ، الذي كان عليه أن يبقى مفتوحا خلال شفائه من الداخل للخارج. وأمكنني الوصول إلى أقوى مسكنات الألم. زارني العائلة، الأصدقاء والزملاء ليرفعوا معنوياتي. وغطى عني الزملاء في الجامعة بتدريس صفي. كان للغزال نفسه فقط. ربما كان دواء الغزال الوحيد هو اللعاب، الذي يعمل ضد الميكروبات بغسلها بعيدا. وهذا هو سبب لعق الثدييات غريزيا لجراحها. ولكن كيف للغزال أن يتجنب ذلك الالتهاب الجسيم الذي هدد حياتي؟ الأرجح أن الجهاز المناعي في الغزال تعرف على البكتيريا الغازية. بالعيش في الغابة، لا بد أن الغزال جرب الجروح والخدوش الصغيرة التي تشق الجلد، فحتى الخدش البسيط الذي تسببه شوكة قد يسمح لبعض البكتيريا بدخول الجسد. كل شق في الجلد نشفى منه يمكن اعتباره تلقيحا ضد البكتيريا، لأن وجود البكتيريا ينبّه الاستجابة المناعية. تنتج الأجسام المضادة من خلايا دم بيضاء متخصصة تسمى خلايا B. ووجود خلايا لا تتعرف عليها ينبه خلايا B لتنقسم إلى نسخ متطابقة تنتج أجسام مضادة أكثر. ومع تدفق الأجسام المضادة، تتعرف وتلتصق بأي بكتيريا متطابقة مع تلك التي أطلقت الاستجابة المناعية. وقريبا تكون هناك ملايين الأجسام المضادة المتطابقة تتدفق في الدم وتلصق نفسها إلى البكتيريا الغريبة. وهذه هي قبلة الموت. فالجسم المضاد هو علامة، توضع على البكتيريا لقتلها من قبل خلايا قتل متخصصة. يستمر إنتاج الأجسام المضادة حتى يتم القضاء على كل البكتيريا الغازية، وقد تبقى الأجسام المضادة في الجسد طول الحياة. لم تكن العظام المكسورة والالتهابات هي الأخطار الوحيدة التي واجهتنا. فلا أنا ولا الغزال نزفنا حتى الموت من جراحنا، لأن التطور وفر لنا، ولكل الثدييات، آليات لإيقاف النزيف من معظم الشقوق في الجلد. مع ذلك قد ننزف حتى الموت إن كانت الجراح بليغة، ولكننا نشفى من الجراح الصغيرة دون مساعدة. تصويت محسوم إن جرحت نفسك خلال الحلاقة، قد تقوم بضغط منديل ورقي على الجرح لدقيقة لإيقاف النزف. إلا إن كنت تخضع لعلاج بالأسپرين، حيث يكون تخثر الدم أبطأ بشكل ملحوظ وقد تحتاج لضمادة طبية. طوّرت الفقريات الدورة الدموية عالية الضغط كوسيلة كفئة لنقل المواد الأساسية بسرعة خلال الجسم. ونقطة الضعف هي النزف. ولمنع النزف حتى الموت حتى بعد جرح صغير، لا بد وأن تخثر الدم قد تطور في نفس الوقت مع الدورة الدموية. كان يجب نصب ميزان بين إيقاف النزف الشديد وضمان تدفق الدم الملائم للأعضاء الحيوية. تخثر قليل سيترك الحيوانات تنزف حتى الموت. وتخثر شديد سيسدّ الأوعية الدموية، ويقود لفشل الأعضاء. ولكن التصويت محسوم لصالح الشباب. فبعد أن نتجاوز سن إنجاب الأطفال، يتوقف التطور عن عد بطاقاتنا. بالنسبة لبشر في برية الپليستوسين، كانت أخطار الحياة اليومية قد جعلت

عدد الصفحات ١١٠

الوفيات بالنزف أكثر شيوعا مما هي اليوم. أماالنوبات القلبية، وهي في الأساس مرض شيخوخة، فلا بد أنها كانت نادرة جدا—فالأرجح أن الناس كانوا يموتون من شيء ما قبلها. أما اليوم، مع توقع الحياة أكثر من ضعف ما كان عليه قبل قرن، فقد أصبحت النوبات القلبية السبب الأهم للموت بين الأمريكان فوق الخامسة والأربعين. علينا أن ننظر للعلم لنجد طرقا تبقينا معافين في سنواتنا الأخيرة. زائدة جيمس ريستون يختار البعض أن ينظروا للخلف، آملين أن يجدوا أسرار الصحة في عالم قبل العلم. وما يجدونه بدل ذلك هو خرافات عتيقة. في صباح 12 يوليو1971، وصل جيمس "سكوتي" ريستون من النيويورك تايمز، وكان حينئذ أهم معلق سياسي في الولايات المتحدة، مع زوجته إلى پكين، الصين لمقابلة مع الأقدم Premier تشو إن-لاي. عام 1971 كانت الصين أكثر دولة غموضا في العالم، بعد اختفائها لسنوات خلف "ستارة الخيزران." وكانت زيارة نيكسون التاريخية عام 1973 لا تزال بعد سنتين، ولكن في التحضير لرد-الدخول النهائي للصين في العالم، سعى تشو لرفع زاوية من الستارة. وكانت أداته المختارة هي جيمس ريستون، ولكن تشو لم يكن ليتنبأ كيف سينتهي ذلك. بعد وصوله بوقت قصير، شعر ريستون بألم طاعن مفاجئ في أسفل بطنه وفي المساء كان يمر بحمى شديدة. حين علم تشو أن ريستون كان مريضا، نادى على أهم المختصين في المدينة ليتعاونوا في علاجه. وفي الصباح التالي كان ريستون قد أدخل إلى المستشفى الضد- إمبراطوري. وقصة ما حصل لاحقا حُكيت وكررت ألف مرة. ومع كل حكاية هناك تغييرات طفيفة في التوكيد وحتى في الوقائع، مع تبعات سيئة على الصحة العامة في أمريكا وحول العالم. لهذا سأعتمد فيما يلي بالكامل على كلمات جيمس ريستون كما كتبها من پكين، وظهرت في النيويورك تايمز في 26 يوليو1971، بعد أسبوعين فقط من الحادث أُخذ ريستون وزوجته إلى جناح المستشفى المخصص لعلاج أعضاء السلك الدپلوماسي الغربي وعوائلهم. وفي المدخل كانت هناك علامة كبيرة بالإنجليزية تقتبس الرفيق ماو: لن يبعد الوقت حتى يكون كل المعتدين وكلابهم الراكضة في العالم قد دفنوا. لا مهرب لديهم. حتى في المرة التي زرت فيها الصين بعد عقد، يمكن رؤية علامات كهذه تقتبس الرفيق ماو، خصوصا في المناطق الريفية. كانت الثورة الثقافية الپروليتارية العظمى قد أنهيت رسميا بأمر ماو عام 1969، ولكنها ظلت قوة قديرة حتى بعد موت ماو عام1976. في المستشفى، عومل ريستون بلطف وخبرة احترافية. وأجريت اختبارات، تتضمن تخطيط قلب أظهر انتظاما طفيفا في القلب. وحين وصل فريق الخبراء الذي استدعاه الأقدم تشو، تم فحصه من جديد. ذهب فريق الأطباء للاستشارة وعادوا ليعلموه بأنه كان التهاب زائدة حادا. وكان يجب إجراء عملية له بأسرع ما يمكن. كان انفجار الزائدة ليسمح بالكم الهائل من البكتريا التي تعيش بسلام في القناة الهضمية بدخول جوف الجسد. ومن دون علاج، ستقتله البكتيريا الهائجة. كانت الخطوة الأولى هي إزالة مصدر المشكلة، الزائدة. وفي ذلك المساء عند 8:30 دولب على كرسي إلى غرفة

عدد الصفحات ١١١

عمليات حديثة، أعطي حقنة قياسية من اللايدوكين والبنزوكين كمخدر موضعي، وتمت إزالة الزائدة. كان واعيا بالكامل ومرتاحا خلال العملية. وفي الحادية عشرة عاد من جديد إلى غرفته مع زوجته، حيث أعطي حقنة أخرى لتخفيف الألم وحلزون صغير من البخور لتعطير الغرفة لهذه الليلة. "كل شيء كان ورودا،" كما كتب. ولكن لم تمض الليلة الثانية بعد العملية حتى بدأ يشعر بألم محتمل وانتفاخ في المعدة. ونودي على طبيب وخز الإبر في المستشفى. وبعد موافقة ريستون، أدخل إبرا إلى مرفق ريستون الأيمن وأسفل ركبتيه، ثم بدأ بتحريك ليجعل "التشي" تتحرك وتحفز الأمعاء. وبوصف ريستون، "أرسل ذلك موجات من الألم تتسابق خلال أطرافي وكان لها، على الأقل، تأثير تشتيت انتباهي عن الضيق في معدتي." وخلال ذلك، حمل طبيب الإبر قطعتين من عشب مشتعل قريبا من معدة ريستون مع تدويره للإبر. يستذكر ريستون تفكيره بأن ذلك كان طريقة مختلفة نوعا ما للتخلص من غازات المعدة. وعلى كل حال، بعد ساعة بدأ يشعر بتحسن ملحوظ، ولم تتكرر الحالة. ربما كان ألكا-سيلزر ليوفر راحة أسرع، ولكننا لن نعرف. هذه كانت حدود تجربة سكوتي ريستون عن الوخز بالإبر في الصين. إذ لم تجرى له عملية إزالة الزائدة باستخدام الوخز بالإبر فقط كمخدر، كما كررت قصص الوسائط مرارا ومرارا. تمت معالجته من سوء الهضم بالوخز بالإبر، الذي تضمن التعطيب (11) moxibustion حيث تطبق الحرارة على نقاط الوخز —والوخز بالإبر يؤلم. في وقت لاحق بدأ يشعر بالتحسن، كما يشعر من يعانون من الغازات عادة. كانت هذه تجربة طبية بمجموعة من فرد—وقصة فردية لها نتيجة مشوشة بعض الشيء. وهذا كل ما احتاجه إطلاق هوس الوخز بالإبر، الذي لا زال العالم الغربي ينتظر الشفاء منه. وفي قصة النيويورك تايمز، التي كتبها من پكين بعد أسبوعين من عملية الزائدة، تنبّه ريستون بوضوح إلى خطر المبالغة الطبية، ولكنه تراجع كعادته عن اتخاذ موقف خارج مجاله: استنادا للبرقيات التي تصلني هنا، فالتقارير الجديدة وادعاءات الشفاء الملحوظ من العمى، الشلل والاضطرابات العقلية بالوخز بالإبر قد قادت إلى تخمين يعتد به في أمريكا حول تقدمات طبية جديدة وعظيمة في مجال الطب الصيني بالأعشاب والإبر. لا أعرف إن كان هذا التخمين مبررا، ولست مؤهلا للحكم. كما كانت تمارس بعادته كصحفي، كان ريستون يعتص ر الطبيب الصيني لأجل معلومات حتى في خضم ضائقته هو. لم يكن الطبيب ذو الست وثلاثين سنة، كما علم ريستون، قد ذهب إلى كلية الطب. فقد تعلم حرفته كمتدرب عند خبير في الوخز بالإبر. سأله ريستون عن ماهية المادة التي أحرقها ليسلط الحرارة على نقاط الوخز، والتي بدت لريس تون "كنوع من سي جار رخيص." وأخبره الطبيب أنه كانت آي ai. وهي على الأرجح آرتميسيا ڤيرلوتيورَم 11. التعطيب: مصطلح عراقي يستخدم في الطب الشعبي، حيث كانت تؤخذ فتيلة من قماش عتيق وتبرم ثم تشعل بالنار بحيث يكون لها جمر دون لهب، ثم تطفأ في محل الإصابة. عادة ما تستخدم "العطّابة،" أي الفتيلة المجمّرة، على المفاصل والعمود الفقري ("حبل الظهر" في اللهجة العراقية). واستخدمناها كمقابل للمصطلح الإنجليزي لتشابه المبدأ وتلاشي المعنى الشعبي لهذه المفردة.

عدد الصفحات ١١٢