الحسي يسبب دفقة الهرمونات، فهو يرسل كل شيء ببساطة. وهذا ما يجعلنا ن تذكر كل تفاصيل ما حولنا وما كنا نفعله حين سمعنا عن هجوم 11/9 على مركز التجارة العالمي أحداث كهذه هي أيضا أصول الخرافات الشخصية، والطقوس الصغيرة التي نؤديها جميعا لرد-خلق الظروف التي نربطها بلحظة ما من الرضا العالي، أو لتجنب الأشياء التي نربطها بعدم الراحة. قد يتناول الرياضي نفس الفطور قبل مباراة، أو قد ترتدي ربطة عنق الحظ تبعك قبل اجتماع مهم. هذا هو السحر بالتقليد أو المحاكاة. وما لم نصبح مهووسين بها فعلا، خرافات شخصية كهذه لا تؤذي، وتكون أحيانا نافعة برفعها مستوى ثقة الشخص.
عدد الصفحات ٨١نسبة الإشارة إلىالضوضاء تتم معالجة كميات هائلة من المعلومات الحسية لتكوين اعتقادات عن العالم في كل لحظة يقظة. وبمرور الزمن، تعرّف تلك الاعتقادات ما نحن عليه، ولكنها أحيانا خاطئة. فكل المداخل الحسية تحمل قدرا ما من "الضوضاء" قد يحط من قيمة المعلومة: فقد يكون هناك مثلا ضجيج مرور في الخلفية، أو أن الدنيا كانت غسقا والضوء خافت، أو كانت هناك إلهاءات ما. كل تلك الأشياء ضجيج. وفي محاولة منه لإضفاء المعنى على مدخلات حسية شوهتها الضوضاء، يحاول الدماغ المساعدة بملء الصورة بتفاصيل مستعارة من الذاكرة— وضمنها ذكريات قد تكون نفسها خاطئة. كطالب دراسات قبل خمسين عاما عملت في الصيف في مختبر جامعي مؤديا بحوث سونار لصالح البحرية. وأصبح من الواضح خلال الحرب العالمية الثانية أن هناك اختلافا كبيرا في قابلية مشغّلي السونار على استفادة المعنى من زحم ة الأصوات التي تلتقطها مسامع الغواصة. فيمكن لبعض المشغّلين التعرف على الصوت الخافت لنابض سفينة بعيدة حتى في وجود ضجيج خلفية أعلى بكثير. وكان الفرق في قابلية المشغلين أبعد بكثير من نتائج اختبارات السمع القياسية. هل كان هذا شيئا يمكن تعليمه للمشغلين؟ وإن لم يكن، هل يمكننا أن نصون هذه القابلية؟ كخطوة أولى، تم إجراء تجربة استمع فيها مشغلو السونار بسماعاتهم إلى خلفية من الضوضاء العشوائية. ثم ركّب خيط من الكلمات المنطوقة على ضجيج الخلفية. كانت مهمة المشغل هي كتابة ما سمعه. ثم تكرر الكلمات المنطوقة بعلوّ متزايد حت ى يستطيع المشغل تمييزها عن الضوضاء. وكان متوقعا أن ما سمعه المشغلون في البداية سيكون مخربطا، ولكنه سيتحسن كل مرة يزيد فيها مستوى العلو للكلمات المنطوقة مقارنة بالخلفية. للحصول على خط قاعدة جيد، أبقي ضجيج الخلفية لفترة من الزمن على السماعات قبل تركيب السطر المنطوق. ولكن لم يقم أحد بإعلام المشغلين عن هذه الفترة الميتة. كانت النتيجة غير متوقعة. بدأ المشغلون أحيانا بكتابة كلمات "سمعوها" مباشرة—قبل أن تكون هناك أي كلمات ليسمعوها. كانت أدمغتهم تناضل لتجد معنى في ضجيج الخلفية العشوائي. كان هذا ضربا من اختبار رورشاخ Rorschach test(6) صوتي، يوفر لمحة عن عقول المشغلين. كان هذا تجليا منبّها: فهناك صفحات في الدليل الشخصي لكل منا للحياة على كوكب الأرض، مرصوفة بمدخلات حسية مشوشة وغير مكتملة. والفجوات تملأها قصاصات مستعارة من صفحات أخرى. يبدو كل شيء بشكل أو آخر في المكان الصحيح، ولكن مثل وحش الد. فرانكشتين، فالأجزاء قد أخذت من أجسام مختلفة، والنتيجة المجموعة قد تكون مخيفة. اسأل لوزتيك كنت أهرول ذات مساء على الطريق بجانب الفرع الجنوب-غربي في الغروب، حين لمحت حيوانا كبيرا يدخل في الغابة على مسافة أبعد. وبهذا البعد في الضوء الخافت، ظننت أنه بدا كدبّ. أحسست بدفقة أدرينالين خفيفة تدغدغني. سيكون الدب أمرا مثيرا؛ فقد قبض على دب 6. اختبار رورشاخ: هو اختبار نفسي يهدف لتقييم أنماط الإدراك، يتم فيه عرض صور مختلفة لبقع حبر غامضة الملامح على الموضوع، ثم يُسأل عن الأشكال التي يجدها أقرب ما تكون لتلك البقع.
عدد الصفحات ٨٢في هذه الغابة، ولكن قبل عدة سنواتبدا الحيوان الذي رأيت وكأن له حجم خرتيت قزم رأيته في أخبار الصباح، ولكن الخرتيت القزم محدود بجزيرة إندونيسية صغيرة. ربما فكرت في الطنطل Bigfoot، ولكني أعرف أن الطنطل محض خيال. أو لعلي رأيت سارقا يتخذ وضعا خلف شجرة ليفاجئ راكضا غير عابئ؟ ولكن الأرجح أنه كان كلبا كبيرا فحسب. كان دماغي يفعل ما تفعله الأدمغة حين تواجهها مداخل حسية مشوشة وغير مكتملة. فقد كان يحاول ملاءمة الصورة المشوشة التي سجلت بشكل وجيز على شبكيتي مع سائر الأشياء المخزونة في دليلي الشخصي للحياة على كوكب الأرض. لأن المنظر تم إعطاؤه ترتيب "مهم" من قبل قشرتي الحسية، كانت اللوزة لتأمر تحت المهاد بإطلاق خليط من الهرمونات سيحدد رد فعلي. أيُّ هرمونات ستنادي اللوزة بها هو أمر يعتمد على ضروب القلق والأحكام المسبقة التي تجدها بين اعتقاداتي. إن ساد الحذر، سأبطئ سيري أو أدور للوراء؛ أو فاز الفضول، سأسرع لألقي نظرة أفضل على هذا الشيء قبل أن يبتعد عني. الأمر يعود للّوزتين. فالدماغ بالتأكيد يشتغل كهروكيماويا لا كهرومغناطيسيا، فهو ليس بسرعة غوغل. ورغم ذلك، ستعود اللوزة بعدد مفاجئ من النتائج في وقت قصير للغاية. ولكن كما في غوغل، لا يمكنك الافتراض أن كل المعلومات دقيقة أو مهمة. أن تركض وحدك في الغابات مع اقتراب الظلام ليس أمرا محمودا. إن كان خطرا أو لا، قد يتصرف شخص من ثقافة أخرى بشكل مختلف جدا تجاه مرأى شكل داكن يعبر الطريق في الغسق. قد يظن إنويت في طريقه شمال الدائرة القطبية وقت الغروب أنه رأى أماروك، ذئبا ضخما في أساطير الإنويت يأكل كل شخص أحمق بما يكفي للصيد وحده حين يحل الظلام. ربما نحتاج أسطورة أخرى للمهرولين. في العصور الوسطى، ربما يظن مسيحي أن ذلك شيطان. فشياطين إبليس كانت في كل مكان آنذاك، تجول في البرية وقت الظلام باحثة عن الأرواح البشرية لتعيدها إلى الجحيم.7 لا شك أن أساطير مخيفة كهذه قد اخترعت للحد دون السلوك الخطر أو غير ملائم، وتم ضمها كالعادة إلى التعاليم الدينية. ولكن العلم اليوم يسخر من أفكار كالأماروك أو شياطين الغروب، ويحذّر من أن الإشعاع الفوق -بنفسجي غير المحجوب من شمس الظهيرة هو ما يجب الخوف منه. والفرق هو أن العلم قد أتم البحث ليدعم تحذيره. الإيمان بالإيمان ولكن ماذا عن الذين بلا خلفية في العلم أو الدين؟ كيف لهم أن يقرروا بما يؤمنون؟ بسيطة— ينضمون لثورة العصر الجديد ويؤمنون بكل شيء. فبدءا بالثمانينات، اعتنقت حركة العصر الجديد الروحانية، التناسخ، الوساطة الروحية، الوسطاء، الشفاء الكلي، التنجيم، البلورات، قوة الأهرام، وغير ذلك كثير. دون هداية من كتاب مقدس أو تراث، يصبح الإيمان بنفسه المبدأ الموحِّد خلف العصر الجديد. حين سمعت لأول مرة في ديسمبر 2006 أن كتابا يدعىالسر The Secret بقلم روندا بايرن كان على رأس قائمة أفضل المبيعات في النيويورك تايمز، كنت في حيرة. فأنا أتابع قسم 7. هناك أيضا بعض الأحاديث الإسلامية حول كراهة الخروج أو التجول ساعة الغروب إلى انتهاء صلاة العشاء، لأن الشياطين تنطلق فيها.
عدد الصفحات ٨٣مراجعات الكتب في التايمز والواشنطنپوست عن قرب كل أسبوع، ولكني لم ألاحظ كتابا بهذا الاسم في قسم الكتب الخيال أو الجادة، أو أسمع عن روندا بايرن. لكني نسيت عن قسم "النصائح،" الذي أنشئ في التسعينات حين بدأت كتب العصر الجديد بقلم ديپاك تشوپرا بعناوين غريبة مثل البديل الكمي للشيخوخة بالتسيّد على قائمة الكتب الجادة. أنا متأكد أن هناك بديلا واحدا فقط عن الشيخوخة، ولا أوصي به. ورغم ذلك، كان لدى تشوپرا ذات مرة أربعة كتب في أفضل 10 كتب جادة في نفس الوقت. حقيقة أن هراء تشوپرا العصر-جديدي شبه العلمي يباع بهذا القدر هو تعليق حزين على أذواق القراء، ولكننا لا نحرق الكتب أبدا، حتى الكتب المريعة. ولكننا نقوم بتقسيمها، وهو ليس حلا كاملا. بعد عدة أسابيع، قام صحفي بالاتصال ليسأل عما يعتقده العلماء في السر. سألته، "لماذا، هل هو كتاب علم؟" فأجابني "لا، لا،" مصدوما كما يبدو بأني لم أعرف عن كتاب فاقت مبيعاته أحدث مغامرات هاري پوتر، "ولكنه يقتبس من كثير من الفيزيائيين." في الحقيقة، لم أستطع العثور على فيزيائي واحد أعرفه سمع أبدا عن الكتاب. وبحصوله على المرتبة الأولى في قسم النصائح، حل السر محل كتاب غاري ترودو علاجات طبيعية لا "يريدونك" أن تعرف عنها. ترودو، الذي لم ينهي الكلية أبدا، يبلغ عمره 44 سنة وهو سجين سابق وزعيم معلونات infomercial حالي. وقد غرّمته وكالة التجارة الفيدرالية FTC مليوني دولار لممارسات بيع غير شريف ومُنع من البيع في المعلونات التلفازية، ولكن وفقا للتعديل الأول لا يزال بوسعه كتابة الكتب. وهو يرتدي إداناته القضائية كأوسمة شرف—برهان على أن المؤسسة تحاول إسكاته. إضافة إلى طب ترودو الزائف، قسم النصائح هو حيث يضعون خطط الحِمية الجديدة، فضفضات المشاهير، وعلاجات ساعد-نفسك الجنسية. وهو أيضا حيث يضعون كتب العصر الجديد. أفضل ما يمكن به وصف قسم النصائح هو "كتب لمن يشاهدون التلفاز النهاري." والسر ملائم تماما.
عدد الصفحات ٨٤أوبرا هي>السر < في مقدمة مجلدها الضئيل الرفيع، تقطع روندا بايرن وعدا مستحيلا هو "حين تتعلم السر، ستصبح عارفا كيف تملك، تكون، أو تفعل أي شيء تريد." وهي لا تبقيك تنتظر. ففي الفصل الأول، "السر مكشوفا،" يعرف القارئ أن "فيزيائيي الكم يقولون أن الكون كله انبثق من التفكير." لا يخبرنا هذا من هم فيزيائيو الكم هؤلاء، أو من كان يقوم بالتفكير الذي خلق الكون. ولكن في خلال الكتاب، هناك إشارات إلى قدرة الأفكار على أن تكون أشياء. وفي نهاية الفصل هناك ملخص السر. لو عرفوا أن سيكون هناك ملخص، ربما كان للقراء أن يتجنبوا الصفحات الأربعة والعشرين السابقة الملأى برواسم clichés العصر الجديد المبتذلة المنسوبة إلى زعماء العصر الجديد. وهي لا تضيف أي شيء أبدا، عدا إظهار أن هذا ليس وهم شخص لوحده. النقاط الرئيسة هي: السر الأكبر في الحياة هو قانون الجذب. حين تفكر في فكرة، فأنت أيضا تجتذب الأفكار المماثلة إليك. أفكارك الحاضرة تصنع حياتك المستقبلة. وما تفكر فيه معظم الوقت سيظهر على شكل حياتك. أفكارك تصبح أشياء هذا هو—هذا هو السر. إن كنت ترغب بالمال أو الجنس، عليك فقط أن تريده بما يكفي، ولا تترك الأفكار السلبية تتسلل إليك. الهدف الرئيس في الحياة، كما تشدد عليه كل صفحة تقريبا، هو أن تشبع طمعك باجتذاب الثروة إلى نفسك. هل أنت فقير؟ كان يجب أن تتصور نفسك غنيا. في هذا حمق، بل وقسوة شديدة. هل لديك سرطان مميت؟ لا بد أنك اجتذبت السرطان إليك بالخوف منه. هل طفلك مصاب بالربو؟ هذا لأنك فشلت في تصوره معافى. أكبر الداعيات لـ السر، التي جعلته بجهد يسير من أفضل المبيعات إطلاقا، هي أوپرا وينفري، ملكة التلفاز النهاري. ترى أوپرا نفسها تجسيدا لوعد الكتاب: فقد كانت تطمع في الثروة، القدرة، الشهرة والجنس، وكانت مقتنعة إطلاقا بأنها ستحصل عليها. وهي الآن تملكها جميعا. وبتقديم السر مرتين على برنامجها الحواري النهاري الشهير، ضمنت أوپرا أنه سيحقق نجاحا ماليا هائلا. أقول، أليست هذه طريقة عمل السر؟ الواعظ الإيجابي ولكن هل أي من هذا جديد؟ بدا كله معتادا للغاية. وبالخصوص، آخر نقطة من ملخص روندا بايرن: أفكارك تصبح اشياء. بدوت أتذكر أني حاولت، قبل سنين، أن أكتشف إن كان هذا معنى حرفيا أو مجازيا. بحثت في نسخة لكتاب نورمان ڤنسنت پيل الأفضل مبيعا عام 1952، قوة التفكير الإيجابي، الذي بقي على قائمة النيويورك تايمز للأفضل مبيعا لـ 186 أسبوعا متعاقبة وبيع منه 7 ملايين نسخة. أجل هناك كانت في الصفحة169: "الأفكار أشياء والسرّ ما هو إلا إعادة العصر الجديد لـ قوة التفكير الإيجابي.
عدد الصفحات ٨٥نورمان ڤنسنتپيل، الذي نشأ ميثوديا، وكرّس كوكيل عام 1922، غير انتماءه لاحقا إلى الكنيسة المُصلَحة في أمريكا Reformed Church in America، وأصبح واحدا من أشهر واعظي نيويورك. ولأربع وخمسين سنة كان يقدم برنامج راديو إسبوعيا، فن الحياة. قام الرئيس رونالد ريغان عام 1984 بإعطاء پيل الميدالية الرئاسية للحرية، وهي أعلى تشريف مدني في الولايات المتحدة، لمساهماته في مجال اللاهوت. ولكن لاهوت پيل أقل اهتماما بالخلاص والعبادة، التي شعر بأنها تؤتي نتائج قليلة، منه بإقناع الناس أن يطبقوا تقنياته في "التفكير الإيجابي" لـ "إيصال قوة الله،" وبهذا تحقيق النجاح في كل شيء يسعى له المرء—وخصوصا نيل الثراء. وهذا يتطلب برنامجا كثيفا من التنويم الذاتي، الكبح الكامل لكل الأفكار السلبية. كان پيل هو العصر الجديد قبل أن يتم اختراعه. ففي قوة التفكير الإيجابي، ادعى أن خبراء علميين، لم يعرّفوا بالاسم، دعموا فلسفته وتحققوا من فوائد تقنيته في التفكير الإيجابي. في الحقيقة، تعرضت تقنيات پيل للتنويم الذاتي لانتقاد شديد من خبراء الصحة العقلية، الذين حذروا من خطورتها. واتهمه الناقدون بكونه مخادعا ومحتالا. ولكن كونه وكيلا، أعفى پيل من أي متطلبات لإثبات تأكيداته. أما اليوم، فطرق پيل لا تبدو مختلفة عن طرق التأمل في "استجابة الاسترخاء" للد. هربرت بينسون التي ناقشنا في الفصل 3. ولكن بينسون، الذي أضعه على حافة العصر الجديد، يدعي منافع صحية فقط، في حين يعد پيل بـ "النجاح"، وبه يعني "المال." يصر پيل على أنه باتباع طرقه في التفكير الإيجابي، ستجعل الأشياء الإيجابية تحصل، في حين تتسبب الأفكار السلبية في حدوث أفكار سلبية. وبعد خمسين سنة، هذا بالتحديد هو الادعاء في السرّ ، في حين لا ذكر لنورمان ڤنسنت پيل. خدعة الكم إن عدم وجود أي نص مقدس ليربط تلك المعتقدات والممارسات غير المترابطة كما يبدو، والتي تكوّن حركة العصر الجديد، يبدو نقطة ضعف لها مقارنة بالدين المؤسّس. ولكن بدلا من العقيدة الدينية، تدعي حركة العصر الجديد أنها تجد تأكيدا في العلم، وخصوصا علم الفيزياء الكمية. هذا تخطيط ذكي، يعتمد على عدم ألفة الجمهور مع الأسس الرياضية لنظرية الكم. يتضمن السر مساهمات مختصرة من عدة دكاترة فيزياء مرتدين يظهرون في الفيلم البائس ما الـ(طووط) الذي نعرف؟ What the (bleep) Do We Know?،وهم أشخاص قاموا بمساهمات ضئيلة للعلم، ولكن يبدو أنهم يستمتعون بتضليل الجماهير بمؤثرات خاصة يراد بها أن تظهر كيف قد تبدو تأثيرات فيزياء الكم لو أنها طبقت على مستوى الجسم البشري. في الحقيقة، تتحول قوانين فيزياء الكم بسلاسة إلى القوانين المألوفة للفيزياء الكلاسية مع ازدياد عدد الذرات. فيزياء الكم هي إحدى أعظم الإنجازات الفكرية لنوعنا، ولكنها لا تزال علما قيد الإنجاز.
عدد الصفحات ٨٦ـ الفصـلــالثامنـ قــبر شرودنــغر وفيه نثبت أن التصوف الكمي خرافة طوال ثماني وعشرين سنة، كان المختبر الصغير المزدحم في قبو بناء هندسة في مقر جامعة پرنستون مشهورا حول العالم بدراساته العلمية الرصينة حول تأثير الوعي البشري على الماكنات. ولكن في 10 فبراير2007، أعلن روبرت ج. يان، مؤسسمختبر پرنستون لبحوث شذوذات الهندسة، فجأة أن المختبر سيغلق أبوابه للأبد في نهاية الشهر. في سن السادسة والسبعين، كان يان رجل پرنستون طوال حياته كبالغ. وكطالب استثنائي في دفعة 1951، تخرج بأعلى درجات الشرف في فيزياء الهندسة. ووصف ذات مرة سنوات دراسته كـ"فترة الكنيسة العليا" للفيزيائيين. إن كان كذلك، ف پرنستون، نيوجرسي، كانت المدينة المقدسة. متأثرين بوجود ألبرت آينشتين في مركز الدراسات المتقدمة، سافر المفكرون العظام الذين قادوا ثورة القرن العشرين في الفيزياء، ومنهم نيلز بوهر وويرنر هايزنبرغ، إلى پرنستون وحاضروا في جامعتها. نما يان في هذا الجو المحفز، باقيا في پرنستون حتى نيل الدكتوراه ومنضما في النهاية لهيئة التدريس عام 1962 كأستاذ مساعد في هندسة الملاحة الجوية. كما نال شعبية بين طلابه لرؤاه غير العادية ومحاضراته النشطة، أصبح يان جسرا بين جموع الطلاب وإدارة الجامعة أثناء قلاقل حرب ڤيتنام. ساعد على إبقاء پرنستون هادئة نسبيا في وقت حكمت الفوضى فيه عدة كليات أمريكية. وبدأت إدارة الجامعة بالانتباه إلى أستاذ الهندسة الموهوب الشاب هذا. فارتقى بسرعة في الرتب، حتى أصبح عميد مدرسة الهندسة التي ازدهرت في إمرته. ولكن الإدارة أصابت روبرت يان بالملل. فمنذ سنوات دراسته الأولية، كانت التطورات المحيرة في فيزياء الكم هي ما أذهله. إذ كنت تتنفس فيزياء الكم في پرنستون. صنع الموجات في صيف 2001، تمت دعوتي للحديث في منتدى ألپباخ الأورپي، وهو مؤتمر لأسبوعين حول العلم والفنون والسياسة يعقد كل أغسطس في قرية ألپباخ النمساوية الجميلة على سفوح الألپ التيرولي. كنت قد قرأت من قبل أن إروين شرودنغر (1887-1961)، أبو نظرية الكم الحديثة، قد دفن في مقبرة كنيسة في ألپباخ. نظرا لنمط حياته غير العادي، بدت مفارقة أن مرقده الأخير سيكون في مقبرة كنيسة—فبين أشياء أخرى، كان اتفاق سكن شرودنغر هو علاقة جنس ثلاثي. كانت الكنيسة الكاثوليكية في ألپباخ مباشرة مقابل الطريق الحصوي المار بجانب الفندق ذي الطراز الألپي الذي بقيت فيه مع زوجتي وابني الأكبر.
عدد الصفحات ٨٧لم نجد معلومات سياحية لترشدنا، فانقسم ثلاثتنا وبدأنا بتفحص كل شاهد قبر في مقبرة الكنيسة الصغيرة. ولم يستغرق طويلا العثور على شاهد لإروين رودولف يوسف ألكسندر شرودنغر. والكتابة الوحيدة أسفل اسمه كانت معادلة تفاضلية جزئية، معروفة لكل فيزيائي بـ"معادلة شرودنغر." إنها نقطة البداية لكل حساب في ميكانيك الكم تقريبا، وقد تنبأت بشكل صحيح بناتج تجارب لا عد لها، قادت في النهاية إلى معجزات تقنية الإلكترونيات الحديثة. حتى "مبدأ اللايقين" لهايزنبرغ، إحدى أحجار الزاوية في ميكانيك الكم، ينبثق في الأساس من "معادلة موجات" شرودنغر. هايزنبرغ على يقين في كتاب سابق، العلم الخرافي ، استخدمت مثال قياس سرعة سيارة لتصوير المعضلة الكلاسية للقياس. يمكنك نصب برجين على جانب الطريق بينهما مسافة معلومة. يضغط ملاحظ في البرج الأول زرا يبدأ ساعة تشتغل حين تمر السيارة؛ ويضغط ملاحظ آخر زرا يوقف الساعة حين تمر السيارة بالبرج الثاني. قسم المسافة بين البرجين على الزمن في الساحة، وستحصل على قياس لسرعة السيارة. ولكن في كل مرة تقوم فيها بالقياس، ستحصل على نتيجة مختلفة بشكل طفيف. كما في كل القياسات، هناك مصادر "للضجيج" تؤثر على الدقة التي يقاس بها الزمن أو المسافة—مثل زمن استجابة الملاحظين. يمكن تقليص الضوضاء باستبدال الملاحظين بخلايا ضوئية تلقائية، قياس المسافة بين البرجين بمقياس تداخل، واستبدال الساعة بساعة ذرية. وأبسط من ذلك، يمكنك تقليص الدور النسبي للضجيج بتحريك البرجين لأبعد. ولكن، كلما حركت البرجين أبعد لتحسّن الدقة النسبية، كنت أقل يقينا من مكان السيارة حين تتنقل بين البرجين. لو سئلت، فسيكون جوابك "بين البرجين." هذه المبادلة هي المعضلة الكلاسية للقياس. كان يفترض من قبل أنه بتصميم أفضل وموارد كافية، ستكون قادرا على تقليص اللايقين لأبعد ما تريد. وحان الوقت لإحدى أعظم البصائر العلمية في التاريخ. وقد أتت من فيزيائي ألماني لا يزال في عشريناته. اقترح ويرنر هايزنبرغ أن ثابت پلانك—نسبة طاقة كم واحد من الإشعاع إلى تردده— يعرّف الحد الأساسي لمقدار الدقة الذي يمكنك به معا معرفة موقع وزخم الش يء. وأشار إلى أنه بملاحظة أصغر أجزاء العالم، ففعل الملاحظة يغير الشيء الملاحَظ. كانت النظريتان العلميتان الرئيسة اللتان عرّفتا القرن العشرين، النسبية وميكانيكا الكم، معا قد جعلتا الملاحظ جزءا من الفيزياء. وقد نال هايزنبرغ عام 1932 جائزة نوبل في الفيزياء "لخلقه ميكانيك الكم." لن يعود العالم كما كان. اللايقين بعد سنة من نيل هايزنبرغ لجائزة نوبل، تشارك إروين شرودنغر الجائزة مع پول ديراك "لاكتشاف أشكال منتجة جديدة من نظرية الكم." كان شرودنغر قبل ذلك قد انتقل من ڤينا إلى برلين لشغل المنصب الذي كان يشغله ماكس پلانك. كانت برلين في تلك الأيام المركز الرائد للعلم في العالم، وهناك طوّر شرودنغر معادلته الموجية التي منح لأجلها جائزة نوبل. ولكن 1933 كانت أيضا سنة وصول هتلر للسلطة، وقرر شرودنغر، مرتعبا من معاداة
عدد الصفحات ٨٨السامية في ظل النازيين، أنه لن يبقى في ألمانيا. لدى جائزة نوبل طريقة لفتح كل الأبواب، فقد تلقى جائزة نوبل لا في ألمانيا بل في جامعة أكسفورد، مما أشعل غضب النازيين. في عام 1936 قدم له منصب في جامعة غراز في موطنه ألنمسا. ورغم الهواجس السيئة حول المناخ السياسي الذي يزداد سوءا في أورپا، لم يستطع مقاومة فرصة للعودة إلى ألنمسا. ولكن بعد عامين، ألحقت ألمانيا بها ألنمسا، ووجد شرودنغر نفسه في مشكلة حرجة. فهروبه من برلين قبل منحه جائزة نوبل عام 1933 كان قد أحرج النازيين. ولكنه استطاع الهروب عبر إيطاليا وانتهى به الأمر في معهد الدراسات المتقدمة الجديد في دبلن، حيث سيصبح مديره ويبقى حتى تقاعده عام 1955، حيث عاد إلى ألنمسا تساوي أجيال من طلاب الفيزياء فيزياء الكم بمعادلة الموجات لشرودنغر، معاملة دالة الموجة كتوزيع احتمالي. فسعة دالة الموجة عند أي نقطة تمثل احتمالية العثور على إلكترون هناك. وحل معادلة شرودنغر لإلكترون في نوع ما من بئر الجهد potential well هو سؤال محتوم في الامتحان النهائي في ميكانيك الكم الأساسي. تصور الآن أنك ترصد إلكترونا بمعدات. لا يوجد الآن أي شك حول موقعه. يقال أن فعل ملاحظة الإلكترون قد "هدم" دالة الموجة عند تلك النقطة. ولبعض العلماء، هدم دالة الموجة جعل ذلك يبدو وكأنّ الفعل الواعي للملاحظة قد خلق الشيء الملاحظ حقيقة ، محوّلا دالة الاحتمال الضبابية إلى شيء—رغم أن شرودنغر نفسه استهزأ بهذا التفسير. اتفق الجميع على أن معادلة شرودنغر تنجح، وكانت هناك ملايين الحسابات المهمة التي تنتظر الإنجاز. وكان هذا وقتا ذا أهمية كبيرة، لترجمة الأوصاف الكلاسية للطبيعة إلى لغة فيزياء الكم—حتى لو كان هناك بعض الاختلاف على كيفية شرحها. لِمَ لا نتفق فحسب على أن الطبيعة تتصرف كما لو أن الواقع يعتمد على الفعل الواعي للملاحظ ونتجاوز ذلك؟ ولكن دون مفر، بدأ العلماء بحذف عبارة "كما لو أن" من مناقشاتهم. ما المشكلة، فكل شيء يعمل جيدا؟ وبعضهم ذهب أبعد بكثير، محتجا بأنه بما أن الأحداث على المستوى الذري تتأثر بفعل الملاحظة، وبما أن كل شيء في العالم مكون من ذرات، لا يجب أن نتفاجأ لو وجدنا أفكارنا تؤثر في أحداث على الصعيد الكِبَري macroscopic الذي نعيش فيه حياتنا. وبدأ ذوي الميل الروحاني بالحديث عن "الوعي الكوني." كان هذا هبة إلهية للمهتمين بالماوراء. فقد وفر غطاء علميا لكل خيال عصر-جديدي من التخاطر إلى الفينغ شوي. وكان الهراء التقني للعصر الجديد قد رش عليه "لاموقعية كمية،" "أشراك،" ودوال موجات "منهدمة." ستقوم CIA بصرف الملايين على "الرؤية عن بعد، وسيصبح السر لروندا بايرن من أفضل المبيعات إطلاقا. لسؤال "كيف لذلك أن يحصل؟" أصبح الجواب القياسي "ميكانيك الكم." الواقع المنهدم يبدو بعض العلماء مستمتعين بمكانتهم كقسوس كمّيين مكرّسين يوجّهون طقوسا غامضة بلغة غريبة، أشبه بأداء القدّاس باللاتينية. لكي ننزع بعض الأردية ونرى ما تحتها، لنقم بتجربة فكر صغيرة.
عدد الصفحات ٨٩نضع كرة بيضاء وكرة سوداء في صناديق منفصلة ولكن متطابقة. ثم تخلط الصناديق؛ وأضع واحدا في جيبي وآخر في جيبك. ثم نركب في سفننا الفضائية الخاصة مغادرين الأرض إلى اتجاهات مختلفة. لا أملك طريقة لمعرفة ما إذا كان صندوقي يحتوي الكرة البيضاء أو السوداء. في لغة ميكانيك الكم، دالة الموجة للكرة البيضاء هي نصف في صندوقي ونصف في صندوقك على الجانب الآخر من المجرة. وذلك يصح أيضا لدالة الموجة للكرة السوداء. إن لم أختلس النظر، فهناك فقط كرة "بالإمكان" داخل الصندوق. يوما ما، حين يستولي عليّ فضولي، سأفتح صندوقي. ربما سأجد فيه كرة بيضاء. في لسان الكم quantumspeak، يقال أن فعل الملاحظة قد خلق الكرة البيضاء بـ"هدم" دالة الموجة للكرة البيضاء—وضمنها 50% في صندوقك على الجانب الآخر من المجرة. هل تنقلت المعلومات بأسرع من الضوء ضمن مجال وعي كوني؟ لا أستطيع إثبات خلاف هذا—ففي لغة الفلاسفة، لا يمكن تخطئته—ولكن هذا لا يبدو فكرة مفيدة جدا.
عدد الصفحات ٩٠أحداث عشوائية؟ كان أحد الذين ظنوا أن ميكانيك الكم تقتضي شكلا ما من الوعي الكوني هو روبرت يان في پرنستون، واعتقد بقوة أن العلماء مسؤولون عن التأكد من هذا. إن صح ذلك، فسيغير ذلك فهمنا للحقيقة بشكل كبير. وآخر ممن ظنوا ذلك كان الفيزيائي والپاراسيكولوجي المولود في ألمانيا هلموت شمدت في معهد الپاراسايكولوجيا العائد لمركز بحوث راين في دورهام، كارولينا الشمالية. كان شمدت قد بدأ بالبحث في تأثيرات الوعي البشري على آلات تدعى مولدات الأرقام العشوائية random number generators (RNGs) في الـ1970ـات. يمكن تصور مولد الأرقام العشوائية كجها ز يقلب عملة لأجلك مرارا وتكرارا، ولكنه يقوم بعدّ الصور والكتابات. استخدمت RNGs للتحكم في عدة تجارب تتضمن التحليل الإحصائي في الحقيقة، قد يكون قلب العملة مرات كافية للحصول على إحصائيات جيدة مستهلكا للوقت. ولكن جهاز شمدت كان إلكترونيا، يتبدل عشوائيا بين ضوء أحمر وأخضر. تؤدي RNGs هذا بإطلاقالضوضاء الكهربائية "البيضاء." تعني "الضوضاء البيضاء" حرفيا أن للطيف نفس الشدة لدى كل تردد. كل نتوء فوق مستوى المحدد سيغير لون الضوء. من المصادر المعتادة للضجيج الأبيض: هسيس الراديو غير المحدد لمحطة وصوت الماء الجاري. وسيحاول موضوع التجربة أن يؤثر بعقله على أي لون سيظهر أكثر. إن كونك تستطيع فعلا صنع ماكنة عشوائية بالكامل محل جدل عند بعض الخبراء، وحتى لو كان، شعر شمدت بأنه سيتحكم بذلك بجعل موضوعاته يبدلون بين فترات من التفكير بالأخضر وبالأحمر. سمح RNG الإلكتروني لشمدت بتجميع نتائج قيمة إحصائيا بسرعة نسبية. في مئات المحاولات، حصل على نسب نجاح لـ 1% و2% أعلى مما يتوقع لو لم يؤثر في RNG بأفكارالموضوعات. إن "صورة" واحدة أزيد في مئة قذفة للعملة قد لا يبدو كثيرا، ولكن لو كان عقل الموضوع يؤدي أي تأثير، مهما كان صغيرا، سيكون ذلك اكتشافا ثوريا— لو كان حقا. فالتحريك النفسي Psychokinesis، أو "التحريك عن بعدtelekinesis" كما كان يسمى في الـ1970ـات، أسر اهتمام العموم. لعلك تتذكر من الفصل 3 أن الوسيط الإسرائيلي أوري غيلر اذهل فيزيائيين: هارولد پاتهوف وراسل تارغ، من معهد ستانفورد للأبحاث بحيلة صالونات بسيطة، بدا فيها يثني الملاعق بقوة عقله. وكان فيلم برايان دي پالما عام 1976، كاري Carrie،حول الهيجان التحريك -نفسي لمراهقة غاضبة، نجاحا هائلا في شباك التذاكر. حتى أنه كان هناك برنامج ألعاب تلفازي على NBC يدعىصك فارغ Blank Check يهدف لمكافأة المتسابقين على قدراتهم في الإ.ف.حESP، وألغي بعد حلقتين فقط لأن لا أحد من المتسابقين، الذين تخيلوا جميعا أنهم يملكون قدرات نفسية هائلة، استطاع التفوق على قذف العملة. لأن تجارب هلموت شمدت على مولد الأرقام العشوائي في دورهام حوت كل مطبات الدراسات العلمية الجادة، تقبلها بجد أشخاص ربما كان عليهم أن يعرفوا أفضل. ألعاب عقلية
عدد الصفحات ٩١ولكن كان هناك جانب أكثر جدية لبدعةالإ.ف.ح في الـ1970ـات. فعلى بعد ألفين وأربعمائة كيلومترا من دورهام في مختبر لوس ألاموس الوطني في نيومكسيكو، عقد المسؤولين عن ضمان سلامة الخزين الهائل لأمريكا من القنابل النووية اجتماعات عاجلة وسرية للغاية لمناقشة نتائج شمدت. وحسب المهندسون القوة التي قد تُ حتاج، والمسافة التي يمكن أن تطبق عليها، لإطلاق قنبلة نووية. وآخذين العواقب بالاعتبار، فإن كمية الطاقة التي يتطلبها إطلاق رأس نووي بدت صغيرة بشكل مخيف. ففي تصميم الأسلحة النووية كان التأكيد على ضمان عدم وجود طريقة لتطبيق قوة كهذه خارجيا، ولكن هل للعقل أن يصل لداخل القنبلة؟ وعلى بعد 400 ألف كيلومتر على سطح القمر، أجرى رائد الفضاء إدغار ميتشل، والذي أثارته نتائج ميتشل، تجارب إ.ف.ح خاصة مع أصدقائه على الأرض. وتكونت الاختبارات من تركيز ميتشل على واحد من خمس بطاقات مختلفة ومحاولة صديقه الوسيط على الأرض أن يحدد أيا منها. وكانت النتيجة وفقا لميتشل أن الإ.ف.ح كان يعمل على بعد حوالي 400 ألف كيلومتر من الفضاء الخالي كما يعمل مع شخص في ذات الغرفة. وفي الواقع، أنا مستعد للاعتقاد بأنه يعمل كذلك بالتأكيد. يعد المؤمنون بذلك دليلا على "اللاموقعية الكمية." وعلى بعد ستمائة كيلومتر في جامعة پرنستون، اقترحت طالبة، كمشروع تخرجها في الكلية، بناء مولّد أرقام عشوائية يشبه ما لِشمدت لدراسة التحريك النفسي. وسألت روبرت يان، عميد مدرسة الهندسة، إن كان بإمكانه الإشراف على مشروعها. وسيصبح هذا عمل حياته. PEAR أعلن روبرت يان عام1979 عن تأسيس مختبر پرنستون لبحوث شذوذات الهندسة PEAR . وكان أول مشاريع المختبر الجديد هو إعادة تجارب شمدت على مولد الأرقام العشوائي وفي السنوات التي تلت، سيجد مختبر PEAR نتيجة إيجابية صغيرة في ملايين المحاولات التي استخدمت تشكيلة واسعة من الأجهزة العشوائية. كانت هناك ماكنات "مشي عشوائي،" دمى تشغلها نضائد كانت تغير اتجاهها عشوائية. وكان على الموضوع أن يدفع ماكنة المشي العشوائي للذهاب إلى اتجاه محدد. رغم أن المسار الذي تتخذه الماكنة كان يبدو عشوائيا للملاحظ، بدا دائما أن الماكنات المؤتمتة التي تعقبت الجهاز تحسب بدقة كبيرة أن حركة الجهاز كانت تتأثر بأفكار الموضوع. وكانت هناك تجارب على نوافير الماء، حيث تتولد قطرات الماء عشوائيا عن طريق جريانه. وكان على الموضوع أن يدفع النبع ليجعل القطرة تقفز أعلى. وثانية، كانت التحليل المؤتمت ليحسب نوعا ما فرصا فلكية ضد كون النتيجة صدفة محضة. هل كان الاحتيال متضمنا؟ لا يمكن إلغاؤه. فمعظم محاولات PEAR أجريت من قبل الطاقم والحياة أفضل في أي مؤسسة إن كان الرئيس سعيدا، والطاقم يسرع عادة لمعرفة ما الذي يجعل الرئيس سعيدا. والاحتيال بالتأكيد يقتضي التعمد. ولكن الانحياز غير الواعي هو احتمال أكثر جدية. رغم أن PEAR بدت تخضع لمقاييس معقولة لحذف انحياز الباحث،بقي التصميم الأساس للتجارب دون تغير لثماني وعشرين سنة. وكانت فلسفة المختبر هي أن كلما كانت مرات
عدد الصفحات ٩٢تكرار التجربة أكثر، ستكون للنتيجة قوة إحصائية أكبر، واستمروا عليها عاما بعد عام. ولحد ما هذا افتراض معقول. ولسوء الحظ، لا يقوم التكرار بمعادلة أخطاء النظام، الميكانية أو البشرية. حتى قذف العملة، لأن العملة ليست متناظرة بالكامل، يتوقع أن يختلف بين الصور والكتابات، ولكن سيحتاج هذا عددا كبير جدا من القذفات ليظهر ذلك الفرق الضئيل. وبعدد كافي من التكرارات، تبدأ الأخطاء غير المهمة ظاهريا في تصميم أي جهاز عشوائي بالانبثاق من النتائج حين تتلاشى الضوضاء العشوائية. في نسخة عمى مزدوج عشوائية لتجارب PEAR، يمكن أن يتخذ القرار حول أي ضوء، أحمر أو أخضر، للموضوع أن يركز عليه، عن طريق RNG ثانية غير معروفة للذي يقوم بتسجيل النتائج. وبعد أن يُنتهى من المحاولات فقط تتم مقارنة السجلات لإيجاد عدد الإصابات. إن كان الهامش الضئيل الذي بنى عليه PEAR ادعاءاتهم حول التحريك النفسي نتيجة لانحياز المختبِر، سيتلاشى هذا الهامش. ولكن، مؤكد أن نسخة عمى مزدوج لم تجرب أبدا—أو على الأقل لم تسجّل. نادرا ما يفكر الفيزيائيون بالقيام بتجارب عمى مزدوج، معتقدين بأنها مفيدة فقط في التجارب الطبية الذاتية للالتفاف على تأثير الدواء الزائف. ولكني شخصيا وجدت حالات عديدة كانت فيها تجربة فيزيائية بعمى مزدوج لتخلص الباحثين من إحراجات متتالية. وأوصيت مرارا عديدة طوال سنوات أن تحاول PEAR استعراضا مختلفا بالكامل للتحريك النفسي. فبدلا من التحليل الإحصائي لمخارج مولدات الأرقام العشوائية، لِمَ لا نستخدم ميزانا صغريا microbalance من أحدث ما يمكن، لقياس قوة التحريك النفسي التي يسلطها العقل مباشرة؟ للموازين الصغرية الحديثة حساسيات في مستوى ال پيكونيوتن ( 12-10). صفّر الميزان الصغري ببساطة ثم حاول عدم موازنته بقوة التفكير. إن تحرك، فلن يكون أول استعراض مباشر للتحريك النفسي، بل سيوفر قياسا فيزيائيا مباشرا للقوة التي يسلطها الفكر. وللأسف، لا تستخدم الموازين الصغرية في هذه التجارب لسبب بسيط هو أنها ترفض التزحزح بعناد، لا يهم لأي درجة يركز الموضوع. وبالفعل، حتى لو ركز عدد من الناس معا، لا يحدث شيء. لو أن كل شخص على الأرض شارك في هذا الجهد، سأبقى متأكدا أنه لن يكون له تأثير. لا مقدار من التمني أنه لم يكن كذلك سيغيّره فعلا. كوارث عالمية بعد حوالي عشرين سنة من دراسات مولد الأرقام العشوائي في مختبر PEAR،توسع العمل إلى تعاون دولي عام 1998. فقد تضمنمشروع الوعي العالمي Global Consciousness Project شبكة من خمسة وستين مولد أرقام عشوائي متوزعة حول العالم. وكان مدير المشروع هو روجر نيلسون، پاراسيكولوجي انضم إلى فريق PEAR عام1980 وأجرى عددا من تجارب RNG بنفسه كان هذا تغيرا كبيرا في التوجه، فقد كان تركيز PEAR لعشرين عاما على قوة التفكير للتحكم بمخرج RNG .ولكنإن كانت RNGs تتأثر بالأفكارالموجهة إليها من قبل الموضوع، هل يمكنها الاستجابة أيضا لسائر المرور في مجال الوعي العالمي؟ بدا أن لا طريقة ليحجب بها مجال الفكر.
عدد الصفحات ٩٣فخلال فترات من الإثارة العاطفية الشديدة التي يمر بها عدد كبير من الناس حول العالم،مثل كارثة طبيعية كبرى، سيتوقع أن RNGs تظهر سلوكا غير عادي. شكّل مشروع الوعي العالمي لمقارنة كل الخمسة وستين RNGs في الشبكة. ولكن ما الذي يكوّن السلوك الشاذ لماكنة مصممة لتعطي مخرجا عشوائيا؟ انحرافات عن العشوائية بالطبع. بعبارة أخرى، سيفحصون مخارج الـ RNGs في الشبكة بحثا عن الأنماط بالتأكيد، عثر المشروع على ما أنشئ لإيجاده —بل وأكثر. فقد وجدوا "انحرافات عن العشوائية" مرتبطة بأحداث مثل 11/9 وجنازة الأميرة ديانا. وأهم من ذلك، كانت هناك انحرافات قبل كوارث كبرى كتسونامي عيد الميلاد في المحيط الهندي. لعلك تظن أن أي شذوذ يحصل قبل حدوث حدث كبير سوف يلغى—لا بالعكس. ليس فقط أن الـ RNGs كانت تستجيب لمشاعر الجموع المشتركة ، فقد استبقت الحدث الذي سينتج المشاعر. فمولدات الأرقام العشوائية، كما يجب استنتاجه، ليست واعية فقط، بل لديها جلاء حسي. إن كان أي من هذا صحيحا، فسيقزّم كل الاكتشافات البشرية الأخرى. إن خيط الأصفار والآحاد الذي يفرزه مولد الأرقام العشوائي قد يخبرنا بكل شيء قد يحدث—فقط لو استطعنا كسر الشفرة. في إعلانه المفاجئ عن إغلاق PEAR، قال روبرت يان ببساطة أن حان الوقت. "إن لم يصدّقنا الناس بعد كل النتائج التي أنتجنا،" قال للنيويورك تايمز، "فلن يصدقوا أبدا." لا أحد ممن يعرف روبرت يان يشك في إخلاصه أو ذكائه، ولكن في قرار إغلاق PEAR ما هو أكثر من إرهاق مؤسسه. فمشروع الوعي العالمي، الذي كان يتحول لأهم فعاليات PEAR، لم يكن تحت تحكم يان المباشر. ربما، من منظور أكثر ابتعادا بعض الشيء، كانت السخافة التامة لادعاءات مشروع الوعي العالمي قد تجلت أخيرا عنده. أهذا ما استحال إليه PEAR؟ ألعله كان يخدع نفسه طوال تلك السنين؟ لقد استغرق ملايين المحاولات في فترة ثماني وعشرين سنة لكي يكشف بوضوح عن الخطأ الخفي في البحث —أن كائنات بشرية قد أجرته. علينا أن نسأل لأي درجة على الملاحظ البشري أن يكون واعيا ليهدم دالة موجة؟ هل لشمپانزي، مدرب على صنع الملاحظات، تهديم دالة موجة؟ ماذا عن إنسان ليس أذكى من شمپانزي؟ لم يتعثر روبرت يان في مزلق الوعي بنفسه. فقد استخدم فيزيائيون آخرون "الوعي" في شروحهم. وإنه لتذكير منبّه أن العلم نفسه يملك خرافاته الخاصة.
عدد الصفحات ٩٤ـ الفصـلــالتاسـعـ بطــة الـبربري وفيه يشفي الجسم نفسه مع اقتراب موسم الزكام في خريف 2004،عرضت الوسائط، كما تفعل كل سنة، قصصا حول وباء الزكام الرهيب في 1918 الذي قتل100 مليون شخص حول العالم. وترافقت القصص مع تحذيرات مسؤولي الصحة العامة من أنه قد يحصل ثانية. تلك التحذيرات هي طقس سنوي يهدف لتحريك العموم ليحصلوا على لقاحات الزكام. ولكن كانت هناك علامات مقلقة على أن وباء 2004-2005 سيكون قاسيا على غير العادة فمع أنها تتسبب في قتل آلاف البشر كل سنة، الإنفلونزا في الأساس من أمراض الطيور. يتطفر ڤيروس الزكام بسرعة، وأحيانا ستجعل طفرة ما سلالة من زكام الطيور تقفز إلى نوع دافئ الدم آخر. فوباء الزكام عام 1918 بدأ ظاهرا كڤيروس طيور. يجعل التطفر السريع لڤيروس الزكام من الصعب تطوير لقاح فعال له. إذ لكي يكون فعالا، على لقاح الزكام أن يتضمن عددا من السلالات الفعالة، وبضمنها الأحدث، ويجب صنع لقاح زكام جديد كل سنة. تعاقدت الولايات المتحدة مع شركة كايرون في المملكة المتحدة لتجهيز ما يكفي من اللقاحات لتغطية الطلب في شتاء 2004-2005، حتى لو ظهر أنها سنة سيئة للزكام، ثم حصل غير المتوقع. ففي أكتوبر، أجبر المنظمون البريطانيون كايرون على إغلاق معمل إنتاج الزكام تبعها بسبب مشاكل تلوث. وكان الوقت لا يكفي لاستزراع لقاح أكثر مع موسم الزكام في أوائله. وبهذا واجهت الولايات المتحدة عجزا حرجا في اللقاحات. حذر سكرتير الصحة والخدمات الإنسانية المتقاعد تومي تومبسون من أن العجز قد وضع الولايات المتحدة على الخطر الداهم لوباء زكام مميت آخر. وبدلا من تحفيز الجميع ليحصلوا على لقاحات زكام كما يفعلون في معظم السنوات، بدأت السلطات بسؤال الأشخاص الأصحاء تحت الخمسين أن يمتنعوا عن التلقيح. ورغم ذلك، تقاطر الناس خارج أي عيادة لديها لقاح. وكانت مخزونات اللقاح تستنفد أحيانا والناس لا يزالون ينتظرون بالدور. وكان الذين يشكل الزكام لهم خطرا، المسنون والضعفاء لأمراض أخرى، أقل قدرة على الوقوف في الدور لساعات وسمح لهم بشكل عام أن يتقدموا الدور. مع تنامي العجز، نشرت الوول ستريت جورنال مقالة طويلة حول بدائل لقاح الزكام. مع وجود إمدادات قليلة للقاح الزكام، بدا ذلك للمحررين شيئا مسؤولا ليفعلوه. كان أول بديل على قائمتهم هو فلوميست FluMist: متوفر بالوصفة فقط، وهو لقاح ڤيروسي حي يُتناول كبخاخ أنفي. فلوميست فعال جدا، ولكن لأنه يستخدم ضربا مخففا من الڤيروس الحي، لا يوصى به لمن هم فوق التاسعة والأربعين أو ذوي الصحة الضعيفة—فكلاهما في خطر. نادت المقالة أيضا بضرورة غسل الأيدي المتكرر، لأن الزكام ينشر في الأساس بتلامس
عدد الصفحات ٩٥الأيدي مع أسطح لمسها آخرون يحملون الڤيروس. ونبهت الوول ستريت جورنال إلى أنك لو شخّصت بالزكام، يمكن لطبيبك أن يصف لك أدوية ضد-ڤيروسية، مثل أمانتادين، يمكنها على الأقل تقليل المدة. لا يمكنك مجادلة أي من هذا. ولكن المقالة تضمنت بديلا آخر دفع المجتمع العلمي للاستنكار. فقد ذكرت أوسيلّوكوكسينوم، وهو دواء علاج مثلي homeopathic، كاختيار والتحذير الخفيف الوحيد كان أن "آلية العلاج المثلي يحيطها التساؤل." ولكن آلية العلاج المثلي لا "يحيطها التساؤل،" بل هي غير موجودة. حد التخفيف يجلس أوسيلّوكوكسينوم على رف الصيدلية بجانب كل أدوية الزكام المتوفرة. لا تدعي الأدوية الأخرى قدرتها على علاج أو منع الزكام، بل على تخفيف أعراضه كالاحتقان الأنفي وآلام العضل، وهي تفعل ذلك بدرجات متفاوتة من التأثير. تذكر الأدوية الأخرى أيضا آثار جانبية كالدوار وجفاف الفم. ولكن لا توجد آثار جانبية تتعلق بـ أوسيلّوكوكسينوم—لا أعراض إطلاقا. من يبحثون في رف الزكام في صيدلية عن شيء يخفف تعاستهم ربما لن يلاحظوا أبدا كلمة "علاجمثلي" مطبوعة بحروف صغيرة على الغلاف، وكثير منهم لو لاحظوا قد لا يملكون فكرة عما يعنيه. يعتقد معظم الناس أن أي دواء يباع في أمريكا قد تم إثبات أمانه وتأثيره. ولسوء الحظ، ليس هذا صحيحا. فقد كان الكونغرس مستعدا لتفعيل إعفاءات معينة من قوانين الغذاء والدواء الصافية. بالخصوص، كان السيناتور رويال كوپلاند من نيويورك، وهو طبيب علاجمثلي قبل دخوله مجلس الشيوخ، الداعم الأساس لقانون الغذاء والدواء والتجميليات عام 1938، الذي تضمن بندا يعفي بصراحة كل الأدوية العلاجمثلية المذكورة في دستور الأدوية العلاجمثلية Homeopathic Pharmacopoeia منرقابة FDA. ولا يزال الإعفاء في سجلات القوانين حتى الآن. كان توجيه كوپلاند للإعفاء بسيطا جدا: لا يوجد طريقة لتأكيد أن التحضير المثلي هو ما يدّعي كونه. كان تأثير هذا الإعفاء أنه أعطى للعلاج المثلي درجة على سائر زيت الأفعى المطروح في السوق. يصنع أوسيلّوكوكسينوم حصريا في فرنسا عند مختبرات بوارون. يبدأ التصنيع بمادة يقال أنها تحضّر من كبد وقلب بطة البربري. ليس واضحا لماذا اختير هذا النوع الخاص من البط البري لهذا الشرف، ولكن طيور الماء عرضة بالخصوص للزكام، فليس من غير المعقول أن شيئا يتم تحضيره من أحشاء البطة قد يقدم حماية للبشر من هذا المرض. ولكن الخطوة اللاحقة في إجراءات بوارون، هي التخفيف العلاجمثلي لخلا صة البطة. والنتيجة، كما سنرى، هي أن أوسيلّوكوكسينوم لا يحتوي شيئا من المادة المستخلصة من أحشاء البطة. ولا جزيئة واحدة. كأي دواء متوفر على الرف، على مصنّعه أن يسرد المحتويات على العبوة. وتضع بوارون المركب الفعال لـ أوسيلّوكوكسينوم باللاتينية:anas barbariae hepatis et cordis extractum، "خلاصة كبد وقلب بطة البربري." والتركيز معطى بأنه200CK HPUS . قليل من المشترين، كما أظن، يملكون أي فكرة عن معنى ذلك. تعني K" ببساطة أن أوسيلّوكوكسينوم قد تم تخفيفه، و C" تعني أن التخفيف البدئي هو جزء في المئة. أما 200"
عدد الصفحات ٩٦