المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الخرافة الإيمان في عصر العلم روبرت ل.بارك

غير معروف

صفحة ٥ من ٩

ولكن كما نظر العالم خاطفا إلى الرعب في الصين، كذلك حصل الصينيون على لمحة من العالم الحديث. واشتهوا ما رأوه. حين أسس للتواصل، الضعيف مع ذلك، مع العالم الخارجي، كانت ثورة ماو النهائية قد خربت. ترك الضوء يدخل بعد أكثر من ألفي سنة من الظلمة الكاملة، كان خروج جيش تشن الفخاري إلى النور بعد سنة من زيارة نيكسون أشبه بمجاز لتحول الصين من رجعية الطفرة العظيمة للأمام وجنون الثورة الثقافية إلى أمة صناعية حديثة. اكتُشف جيش تشن شي هوانغ الفخاري، الذي قد يعد أكبر حدث آثاري في القرن العشرين، وربما على الإطلاق، عام 1974 على يد فلاحين يحفرون بئرا غير بعيد من قبر تشن. وكانت بضع مئات فقط من التماثيل الفخارية قد نبشت حين اصطحبت للموقع بعد عدة سنوات كعضو وفد علمي من جامعة ماريلاند. ومنذ ذلك الحين، كان أكثر من 8000 محارب وحصان فخاري، منتشرين تخطيطيا لحماية قبر تشن، قد نبش. لم يكن هؤلاء الجنود أشباه منتجين بالجملة، خارجين من قالب كجنود دمى للأطفال. لا يشبه اثنان بعضهما. فالمقاتلون المختلفون يستعرضون حتى قسمات عرقية مختلفة، تعكس المناطق الواسعة التي توحدت تحت ظل تشن. تم نحت كل منهم من جنود أحياء في جيش تشن الواسع. وكان هذا مستنيرا بشكل ملحوظ في زمانه—فلعل تشن كان ليختار أن يدفن جيشه حيا. كان تشن شي هوانغ أقوى رجل في العالم. كان بوسعه تملك أي شيء أراد مهما كانت كلفته. لكن كثيرا من ثروة إمبراطوريته بذر على شيء وحيد لم يستطع شراءه: امتداد سلطته وهو في القبر. وبشكل مستقل، بنى الفراعنة الأهرام الكبرى لنفس الغرض. في الصين أيام تشن، لم يكن الدين بالمعنى الغربي موجودا أصلا. فقد كان هناك وفرة من العرافين، الشافين بالسحر، والكبار الحكماء المليئين نصائح حول تجنب إثارة الأرواح، ولكن لم توجد كلمة للدين في اللغة الصينية. لم تكن للجموع لا أمكنة للعبادة ولا كهنة ليتوسطوا للسماء. وملأ الإمبراطور دور الإله لأتباعه، ولكن خلافا للآلهة القديرة لأديان الغرب، كان تشن يحتاج جيشا في العالم الآخر ليحافظ على مقامه في هذه الحياة. كل من الأباطرة والفراعنة ذاق السلطة المطلقة. وليس غريبا أنهم يسعون لترتيب نفس المنافع في الحياة اللاحقة كالتي استمتعوا بها في هذه. لم تكن هناك أي قصص من الجانب الآخر لوصف مدى نجاحهم، ولكن الإيمان بحياة أخرى هو عالمي تقريبا. يعلن الأمريكان عن إيمانهم بحياة أخرى بنفس القدر من الأعداد الهائلة التي تعلن إيمانها بوجود الله. ولكن الاستبيانات لا تقيس عمق الاقتناع. ما الذي يستعد المؤمنون بالسماء للمراهنة على إيمانهم به؟

عدد الصفحات ٦٥

بط وط صغير عام 1997، قام تسعة وثلاثون عضوا من بوابة السماء، وهي نِحلة cult عصر جديد وفضائيين سرية في سان دييغو، بارتكاب انتحار جماعي طقسي معتقدين أن أرواحهم ستؤخذ على متن سفينة فضاء ضخمة اعتقدوا أنهما كانت تختفي خلف مذنب هايل-بوپ. كانت السفينة، كما اعتقدوا، ستأخذهم إلى مملكة السماء. لا نستطيع شرح لماذا حملوا هذا الإيمان، ولا لماذا شعروا بالإلزام لعرض عمق اقتناعهم. ورغم ذلك، نجحوا في الاختبار. لا بد أن هناك طريقة أخرى عدا الانتحار الجماعي يستطيع بها الناس برهنة إيمانهم. ولكن أين هو الدليل الذي يقود أناسا بهذا العدد لإعلان إيمانهم بالسماء؟ يمكنك أن تملأ مكتبة بكتب عن الموضوع، وستنت هي جميعا في نفس المكان. إلى سؤال "كيف نعرف أن السماء موجودة؟" يبدأ رالف منكستر من إرساليات وجود الله بالقول: علينا أولا الاتفاق على سلطة الكتاب المقدس. ومتى ما اتفقنا على سلطته، نستطيع أن نرى ما يقوله الكتاب المقدس حول السماء. حسنا، ها هي لديك. هناك سماء لأن الكتاب المقدس يقول ذلك. "يحبني يسوع وأنا أعرف، لأن الكتاب يقول لي هكذا،" تقول الأغنية التي غنينا في مدرسة الأحد. كانت أول أغنية تعلمتها. وكمعظم الأطفال المسيحيين، تعلمتها قبل تعلمي القراءة. إنها تعلَّم باكرا، قبل أن تملأ أدمغتنا بأفكار متضاربة. أتوقع أنك قد تتذكر أول أغنيتين تعلمتهما، وليس الثالثة ربما. تعلمت أغنيتي الثانية، "بطوط صغير،" حين ذهبت للروضة: بطوّط صغير ذهب يخوض في البركة، ذهب يخوض في بركة صغيرة. لا يهم حقا كم أطش وأنثر، فأنا مجرد بطوط صغير. في طرق طويلة كان والدي ليسألني إن كنت سأغني "بطوط صغير" لأجله ثانية. قال لي أنها أغنيته المفضلة. كنت أقف خلفه على أرضيات طوابق الموديل ألف، متمسكا بظهر مقعده، وأغني "بطوط صغير" مرارا. لا أزال أتذكر كتاب الأغاني مع صورة لفرخ بط سعيد يمشي في المطر بمظلة—مطر قليل لا يضر. كل شيء نتعلمه في باقي حياتنا يجب أن يتلاءم مع دروس الطفولة الصغيرة تلك. بسبب وجود أفكار قليلة متضاربة في عقلنا في ذلك العمر، يقوم المهاد thalamus بتحويلها رأسا إلىاللوزة. كل شيء يتعلمه الأطفال في تلك السنين المبكرة مهم. يستمر منكاستر في شرح أن السماء مذكورة 580 مرة في الكتاب المقدس، "فمن الواضح أن الرب يريدنا أن نفهم أهميتها." وفجأة لا نجد أنفسنا نتساءل عن وجود السماء. والسؤال عن وجودها يستبدل بكون الكتاب المقدس ذا سلطة. "يرفض العلم الانصياع للسلطة لصالح الدليل التجريبي،" كما كتب القاضي الفيدرالي جون إ. جونز في رأيه عام 2005 في قضيةكيتزميلر × مجلس مدارس دوڤر، التي تحدثنا عنها في الفصل الثاني. يذهب هذا السطر إلى قلب الصراع بين العلم والدين. فالعلم يرفض السلطة،

عدد الصفحات ٦٦

والدين يقوم عليها. كان هذا هومفتاح استنتاج القاضي جونز أن نظرية التصميم الذكي ليست، كما تدعي، نظرية علمية. البحث عن السماء في اليوم الذي أعلن القاضي جونز عن رأيه، فتحت التلفاز على أخبار المساء ABC لتخمين ردود فعل الإعلام. وضمن الأخبار كانت دعاية لبرنامج إخباري خاص كان سيعرض لاحقا ذاك المساء، السماء: ما هي؟ وكيف نصل إليها؟، وهو برنامج بطول ساعتين تقدمه المقدمة المعروفة باربرا وولترز. بعد أكثر من عام في إنتاجه، كانت مصادفة أن السماء كان سيعرض بعد ساعات فقط من القرار المهم في كيتزميلر حول الكنيسة والدولة. هناك شيء يُطبخ في البلاد. فقد مر الدين في أمريكا بانتقالة صعبة. والصراع من العقلانية قد صار الآن في العلن. تساءلت: كيف تستطيع ABC ملء ساعتين من وقت الذروة الثمين حول موضوع لا يُعرف عنه أي شيء أبدا؟ إن كنت باربرا وولترز، فذلك سهل: قابِ ل مشاهير، بدءا بالممثل ريتشارد غير، الذي يقول أنه بوذي، إلى سيدة كاليفورنيا الأولى ماريا شرايڤر. هل يعرفان شيئا عن السماء؟ لا شيء أبدا، ورغم ذلك، يريد العموم أن يسمع المشاهير. أدخِل بضع مقابلات مع قادة دينيين كالدلاي لاما، وهو مشهور نوعا ما هذه الأيام، مع بعض العلماء لتعطي الناس مجالا ليقضوا حاجتهم، ومع بضعة أشخاص واهمين تخيلوا أنهم كانوا هناك، وقد غطيت كل شيء معروف عن السماء في وقت أقل من الوقت الذي يلزمك لمشاهد السوپر بوول. وهذا لأننا لا نعرف شيئا بالفعل. أتت المعلومات الوثيقة الوحيدة ضمن الساعتين في المقدمة. فقد صرح استبيان أخبار ABC بأن90% من العموم يؤمن بالسماء—أيا ما كانت. وهذا يخبرنا الكثير عن العموم، وليس عن السماء. نقلت استبيانات أخرى نفس النسبة لسنين عدة، بما في ذلك استبيان هاريس معتبرا قبل عام مضى. ولكن ككل استبيانات الرأي، تعطينا الأعداد فكرة قليلة عن عمق الاقتناع. لماذا ليس هناك هياج لشراء التذاكر؟ لأنه رغم كل الألم والانزعاج الذي يأتي معها، فالحياة هي ما يريده الناس. رغم أن الجميع تقريبا اتفقوا على وجود حياة لاحقة، لم يكن هناك اتفاق على ماهيتها. قال الكاردينال ثيودور مكّاريك، أسقف واشنطن، لباربرا وولترز أن الكاثوليك يؤمنون أن الجسد سيبعث ماديا وأننا سنجتمع بأحبائنا. وكان زعيم للمسلمين الأمريكان أكثر تحديدا: أرائك من سندس وإستبرق، وملذات الأكل، الخمر، والجنس. كان التناقض الأفدح بين الإنجيلي الميغا-كنسي تيد هاغارد وانتحاري مسلم فاشل سجين في أورشليم. كان هاغارد متأكدا من أن السماء هي حصرا للمسيحيين المولودين ثانية، في حين أن الانتحاري الواعد كان متأكدا بنفس القدر من أن السماء للمسلمين وحدهم. بعد سنة واحدة من ظهوره في برنامج السماء، أجبر هاغارد على الاستقالة من رئاسة الاتحاد الوطني للإنجيليين حين اعترف بشرائه مخدر الميث من عاهره الذكر. هل هذه ضمن ملذات السماء؟ روايات شهود عيان

عدد الصفحات ٦٧

التقيت بديڤيد أوكونر وشون مكّارتي في اليوم التالي لحكم المحكمة الفيدرالية في قضية دوڤر لأرى ردهما. لم نذهب في نزهاتنا المنتظمة بجانب جدول الطاحون منذ حوالي سنة. فقد تركت مضاعفات حالة زكام شديدة ديڤيد مربوطا إلى قنينة أوكسجين. وكنت أخشى أنه لن يتحرر منها، ولكن في ذلك اليوم لاقاني في الباب دون قناع الأوكسجين. وكان قد تحسن كثيرا وفي مزاج حسن. ولكن شون لم يبدو بخير. كان صوته الرقيق دوما، الآن غير مسموع تقريبا. أتعبت لنفسي لاستماع ما كان يقول، ولكني لست متأكدا من دور صممي المتزايد منذ حادث الشجرة في ذلك. ولكن المحادثة تحولت بسرعة من التطور إلى برنامج باربرا وولترز الخاص حول السماء. تصور شون، الذي كان على حافة الموت من سرطان القولون قبل بضع سنوات، أن الجزء الأكثر إقناعا في البرنامج هو المقابلات مع الذين مروا بخبرة القرب من الموت. يبدو أنه لا شيء ككونك هناك، مهما قصر، ليجعلك تؤمن بالسماء. تضع مقالة مميزة في تقرير أخبار أمريكا والعالم عام 1997، عدد الأمريكان الذين مروا بخبرات القرب من الموت عند 15 مليون يبدو أحيانا وكأن جميعهم قد كتبوا كتابا عن ذلك، وعديد من القصص تبدو متشابهة— إن كنت تبحث عن التشابهات. فهي تتضمن أحيانا أن تكون في نفق طويل مع ضوء لامع في النهاية، وشعور بالارتياح. كانت قصص خبرات القرب من الموت موجودة لآلاف السنين، ولكن تقنيات الإنعاش الحديثة جعلتها أكثر انتشارا. ولكن بالنسبة لعالم، يصعب تخيل دليل أقل اعتمادا من هذا. فهو يقوم على الذكرى فحسب دون أي دليل مادي. والأسوأ أنها ذكرى عن وقت لم يكن الشخص فيه غير واعي فحسب، بل كانت خلايا دماغه تموت وتطلق إشارات عمياء. إنه أشبه بالبحث عن البصيرة الدينية في الهلوسات التي يحتثها الپيّوت Peyote. وبالتأكيد، ينسب عديد من الناس بالفعل أهمية دينية إلى هلوسات الپيّوت تلك. نمتلك ميلا موثقا بكثرة لربط ما نراه مع ما نتذكره. وهما ليسا نفس الشيء. حين تعمّى صورة ما، يميل الدماغ للملء فيها بصور مخزونة في الذاكرة. بعد سماع قصص عن النفق والضوء، ربما يكون الناس أميل لوصف تجارب القرب من الموت تبعهم بشكل مشابه. معظم الأحكام التي نُدفع في الحياة لفعلها تقوم على دليل غير كافي. وقد يكون هذا غير مريح بالمرة. فالناس يتوقون لشيء أو شخص ما يقول لهم ماذا يفعلون أو يؤمنون. ويجدون طرقا بلا عدد لتجنب مهمة التفكير الشاق ة. قد يذهب البعض لألواح ويجا، والبعض للطوالع، وآخرون للپيّوت. وعلى أي حال، فإن لمحة من السماء لا يُعثر عليها في الومضات الخافتة لدماغ يحتضر. ماذا نريد بالفعل؟ في حين يذكر الكتاب المقدس المسيحي السماءَ 580 مرة، لا يقدم أي إشارة إلى ما هي عليه وحدهم المخادعون والمجانين يدعون تلقي رسائل من وراء القبر، وبالتأكيد لم يتم التحقق أبدا من ادعاء كهذا. إن كانت هناك حياة لاحقة، فلا تزال مخفية بالكامل عن الأحياء. في غياب أي احتمال للتحقق التجريبي، لا يمكن أن يكون سؤال الحياة اللاحقة موضوعا للنقاش العلمي، ولكن في رسالته السنوية الثانية للمؤمنين، "عن الأمل المسيحي،" يسأل الپاپا بندكت الـ16 سؤالا أكثر وجاهة: "هل نريد هذا فع—أن نعيش للأبد؟" يظهر هذا السؤال جانبا غير متوقع أبدا لهذا الپاپا. حين كان الكاردينال راتزنغر، قبل انتخابه پاپا، رأس مجمع

عدد الصفحات ٦٨

عقيدة الإيمان، وهو المكتب الڤاتيكاني الذي كان يعرف بالمكتب المقدس للتفتيش. وبهذا كان المدافع الرسمي عن العقيدة الكاثوليكية التقليدية، وحتى واصفا ملاحقة الكنيسة غاليليو بأنه "معقول وعادل." ولكن رسالته الثانية كپاپا، المنشورة في 29 نوڤمبر 2007، ربما جاءت من عصر التنوير "إن إلحاد القرنين التاسع عشر والعشرين،" كتب يقول، "هي—في جوهرها وأهدافها— ضرب من الأخلاقية: احتجاج على مظالم العالم وتاريخه." وحول سؤال ما إذا كنا نريد الحياة الأبدية فعلا، كتب: ربما يرفض كثيرون هذا الإيمان اليوم ببساطة لأنهم لا يجدون الوعد بحياة أبدية جذابا. فما يرغبون به ليس الحياة الأبدية على الإطلاق، ولكن هذه الحياة الحاضرة، والتي يبدو فيها الإيمان بحياة أبدية أشبه بعقبة. يبدو الاستمرار في الحياة للأبد—دون نهاية—أشبه بلعنة منه بنعمة. الموت، باعترافه، يرغب الشخص في تأجيله لأبعد ما يمكن. ولكن أن تعيش دوما، وبلا نهاية—هذا، باعتبار كل شيء، قد يكون رتيبا وغير محتمل إطلاقا. إن إلغاء وحتى للفرد لن يأتي بأي نفع. كما يظهر، هناك تناقض في موقفنا، الذي يشير إلى تناقض أساسي في وجودنا ذاته. ففي جانب، لا نريد الموت؛ وفوق كل شيء، من يحبوننا لا يريدون الموت لنا. وفي جانب آخر، لا نريد نحن الاستمرار في العيش للأبد، ولا كانت الأرض مخلوقة بهذا القصد. فما الذي نريده حقا؟ هذا الموقف المحير يقدم سؤالا أعمق: ما هي "الحياة" في الحقيقة؟ ما هي بالفعل؟ أعلن العلماء في معهد ج. كريغ ڤينتر في روكڤيل، ماريلاند أنهم قد "بنوا من الخدش" كروموسوما صناعيا يحتوي كل المادة الجينية اللازمة لبناء بكتيري بدائي. وهذا يضعهم على مقربة خطرة من خلق شكل صناعي للحياة يستطيع نسخ نفسه. تنبأ ڤينتر بأنهم سينجحون في هذا خلال السنة. وتم فعل هذا باستخدام الكيماويات الشائعة فقط. تبدو فكرة الشرارة الإلهية أو قوة الحياة الحيوية اليوم بلا معنى. فالحياة مجرد كيمياء.

عدد الصفحات ٦٩

ـ الفصـلـالـسـادسـ إلـه التسونـامي وفـيه يعـاني الأبريـاء كان اليوم عيد الميلاد في أمريكا الشمالية، وعلى الجانب الآخر من العالم في بندا آچيه، سومطرة، كان صباح 26 ديسمبر2004. كان يوما جميلا في منطقة جميلة. لعب الأطفال على الشاطئ، وحضرت الأمهات الإفطار، وأخرج الصيادون شباكهم. ولكن حين اهتزت الأرض، هرع الناس للخارج لينظروا وينادوا أطفالهم، ولكن لم يكن هنالك ضرر كبير، فعادوا بعد قليل إلى حياتهم. ولكن قلة من الناس تصادف أن ينظروا غربا إلى المحيط الهندي، لاحظوا خطا غريبا يمتد في الأفق. حين يكون المحيط هادئا والهواء نقيا، يرى البالغ ذو الطول المتوسط الواقف على حافة الماء الأفقَ على ما يقرب من ثلاثة أميال. ولكن المحيط ذلك اليوم لم يكن هادئا كما بدا. كما لاحظ الناس، بدأت حافة الماء بالابتعاد عن الشاطئ. وكانت موجة كبيرة تتقدم إلى الساحل بسرعة طراد نفاث. تنتقل الموجات أسرع في أعماق المحيط. كلما أصبح الماء أضحل قرب الساحل، أصبح الماء في أسفل الموجة أبطأ بسبب الاحتكاك مع قاع المحيط، مسببا الحافة المتقدمة لتصبح أكثر ميلا. ولهذا تتكسر الأمواج عند الشواطئ —فقمم الأمواج تكون أسرع من قعورها. لا يهم في أي اتجاه تنتقل الموجات أبعد، فبالنسبة لشخص على الشاطئ يبدو أن الموجات تصل دوما عمودية على الساحل. وهذه هي ظاهرة الانكسار. فمع اقتراب الموجة من الشاطئ بزاوية، يتحرك الجزء من الموجة في المياه الأعمق أسرع من الجزء في المياه الأضحل. وهذا يدفع الموجة لتغيير اتجاهها، متوجهة إلى الساحل. كانت أول موجة ضربت ساحل بندا آچيه دفقة قوية، على ارتفاع 33 مترا تقريبا. واستمرت الأمواج بالتدفق إلى الساحل بفترات تقارب ثلاثين دقيقة، معرقلة أي جهود إنقاذ. وكانت الموجة الثالثة هي الأكبر، حيث تلاشت الموجات تقريبا بعدها. ولكن لما تبقى من اليوم منعت الموجات أي إنقاذ منظم. كانت بندا آ چيه أول منطقة مزدحمة بالسكان على ساحل سومطرة يضربها التسونامي. وتكرر المشاهد على طول آلاف أميال الشواطئ حول المحيط الهندي. وأوقع التسونامي ضحايا حتى في منطقة بعيدة كپورث إليزابيث، جنوب أفريقيا، على بعد 8000 كيلومتر من البؤرة. وكان مجموع الضحايا والمفقودين بسبب التسونامي حوالي ثلاثمائة ألف. وكان الضحايا دون تكافؤ بأطوال قصيرة ولم يكونوا قادرين على مقاومة الماء المتدفق—أطفالا . ومع إطلاق العالم لحملة غوث كوارث كبيرة، كان السؤال على ألسنة الناس هو: ما الذي سبب التسونامي؟ أفعال إلهية

عدد الصفحات ٧٠

آچيه، وهي أكثر المناطق تضررا من التسونامين هي مجتمع إسلامي أصولي، تمزق في السنوات الأخيرة بسبب صراع مسلح بين انفصاليي آچيه والجيش الإندونيسي. والغربيون، خصوصا السواح الأورپيون الذين يترددون على أماكن أخرى من إندونيسيا، يبتعدون من آچيه بسبب القتال. وكما في سائر المناطق الإسلامية الأصولية في العالم، كانت المعنويات الضد-أمريكية قوية، وانتشرت بسرعة شائعات عن كون التسونامي اختبارا لسلاح أمريكي جديد. وهذا النوع من نظرية المؤامرة الضد-أمريكية يبدو محتوما حين تحصل أشياء سيئة في العالم الإسلامي. وعلى مشايخ الإسلام الأصولي أن يختاروا بين لوم أمريكا على الكارثة أو على خطايا الجموع. واختاروا التشديد على الخطايا، التي تؤدي للموت والخراب كعقاب من الله لمن يخالفون تعاليم القرآن. في مقابلة تلفازية وضعت على الإنترنت من قبل معهد بحوث الشرق الأوسط الإعلامي، أوضح أستاذ في جامعة الإمام للقرى والمدن إن فشت الفاحشة: "حقيقة أن هذا حصل في وقت عيد الميلاد، حيث يأتي الفاسدون من أنحاء العالم إلى منتجعات السواحل ليرتكبوا الزنا والانحراف الجنسي، هي علامة من الله." كلمة "إسلام" تعني "التسليم." ولعديد من المسلمين، تحمل الألم والخسارة هو طريقة للتسليم لأمر الله. ربما تهرب الناس من صلواتهم اليومية، أو اتبعوا نهج حياة ماديا. والنساء الذين كن يظهرن في العلن دون حجاب، أو غطاء رأس، في الفترة قبل الكارثة كان يشار إليهن بتحقير ويستهزأ منهن في القرى الساحلية. قد يبدو ثلاثمائة ألف قتيل عقابا مفرطا لقلة من النساء يكشفن شعورهن، ولكن من نحن لنحكم على الله؟ يُسمح للشيطان وجنوده أن يُلحقوا المعاناة والشر ليس فقط كعقاب على الانحرافات الخُلقية، ولكن أيضا كاختبار للتواضع والإيمان. في القانون الغربي، يصنف أي تخريب طبيعي، إن كان تسونامي يقتل مئات الآلاف أو شجرة تقع على راكض لوحده، كعمل إلهي، وهذا يعني أن لا أحد يعد قانونيا مسؤولا عن عواقبه. ولكن هناك تاريخ طويل عند المسيحيين والمسلمين لمعاقبة الأفراد الذين يظنون مسؤولين عن إلحاق غضب الله على الجماعة. لم نعد نحرق الساحرات لتسببهن بالمرض أو إماتتهن المحاصيل، ولكن في وقت قريب كـ 2006، كان التلفانجيلي televangelist پات روبرتسون ينادي، هو وأتباعه الملايين، لإطلاق الأعاصير على فلوريدا الخاطئة. ومؤكد أن الرب سيجيب طلبه —فهي مسألة وقت فحسب. وبالفعل، إن كان التواجد في مسار الأعاصير مقياسا للخطيئة، ففلوريدا كانت خاطئة منذ بدأوا بتسجيل سجلات الطقس. وصرح روبرتسون أيضا أن دوڤر، پنسلڤانيا ستترقب ضربة بكوارث طبيعية للتصويت ضد أعضاء أصوليين في مجلس المدارس. وفقا لهذا التفكير، لا توجد كوارث طبيعية. فكل الكوارث ماورائية. وهذا يتوافق مع الكتاب المقدس والقرآن معا، الذين يرفضان وجود قوانين طبيعية تعمل باستقلال عن إرادة الله. فكل ما يحصل في العالم هو فعل إلهي. في القرن الحادي عشر، احتج الإمام الغزالي المسلم بأن قانون السبب والتأثير ليس صحيحا لأنه سيحد من حرية الله في الإتيان بأي حدث شاء. وتقبّل كهذا كقانون إسلامي مقدس ولا يزال حتى اليوم.

عدد الصفحات ٧١

هل علينا لهذا الافتراض أن كل الضحايا الثلاثمائة ألف للتسونامي كانوا يعاقبون لخطاياهم، أم أن الله يتقبل الأضرار غير المباشرة على شكل ضحايا أبرياء كسعر ضروري للعقاب الإلهي؟ وبالفعل، لم يتراجع إله إبراهيم في العهد القديم أبدا عن مسؤوليته لمعاقبة الخطاة حتى إن حاقت المعاناة أيضا بالأبرياء. وهو يفعل ذلك مرارا في العهد القديم—ويبدو ذلك مستمرا حتى اليوم. وبعيدا عن المحيط الهندي، رأى شيخ مسلم كبير في جنوب كاليفورنيا التسونامي على أنه "اختبار من الله ليرى كيف يستجيب الناس." يبدو تفسير الكوارث الطبيعية كاختبارات إلهية لقياس التقدير متقبلا في كافة الأديان. والمكافأة على العيش بلا خطأ تتمثل في الحياة الآخرة. وفي ترجمة أحمد الصافي للرباعيات، يسدي الشكاكُ عمر الخيام نصيحته: ".. فَاغ نَمِ النَّق دَ وَخَلِّ الدَّي نَ." (5) وكما وصل التسونامي لشاطئ بعد آخر حول المحيط الهندي، لم يكن المسلمين وحدهم من عانوا. فسكان قرى الصيد على طول ساحل الهند الجنوبي هم هندوس، يعبدون آلهة محلية أكثرها إناث، إضافة لآلهة هندوسية كبيرة مثل شيڤا. لهذه الآلهة المحلية القدرة على التدمير كما البناء. والمحيط نفسه يعدّ إلها رهيبا يأكل البشر والقوارب، ولكنه يوفر الطعام أيضا. يسعى الصيادون الهندوس لتهدئة الرب الغاضب بأفعال الاسترضاء. وفضلا عن الشعور بالذنب الشخصي، يميلون أكثر لافتراض أن كارثة طبيعية هي عقاب لسيئات ارتكبوها في حياة سابقة. وطوال ساحل تايلاند وسريلانكا، اللتين قاسيتا من التسونامي، فالسكان أجمعهم بوذيون. ليست بالبوذية الفلسفية للتأمل والتقبل التي اجتذبت عديدا من الغربيين المتعلمين. على أنهم لا يعبدون إلها عظيما واحدا، لدى البوذيين الاعتياديين عدة آلهة طقس يستطيعون لومها وعليهم إرضاؤها بالدعوات والتقدمات. ولكن بعد ذلك يقوم البوذيون بالتأمل في الكَرما، والتساؤل عماذا فعلوه بحيث أدى إلى مأساة كهذه. هناك على الأقل أناس يعتقدون بالتناسخ بقدر المعتقدين بالسماء. وعند سؤاله عن كيف ننظر لكارثة أذهبت بحياة حوالي مائتي ألف طفل بريء، استهجن زعيم بوذي في جنوب كاليفورنيا ذلك قائلا "الأطفال ليسوا أبرياء—فيمكن أن تعاقب في أي وقت على خطاياك في حياة سابقة." ولهذا يوفر التناسخ تفسيرا ملائما لمعاناة الأبرياء. فالحياة نفسها معاناة تنتج بالتعلق بأشياء مادية. والكوارث، في الرؤية البوذية، لا يجب أن ينظر إليها كعقاب ولكن كشيء على الناس السمو فوقه. وبهذه النظرة، تصبح الكارثة الطبيعية اختبارا. ودرجة جيدة في الاختبار تعطيك تفضيلا في الحياة اللاحقة. كان اليهود والمسيحيين أقلية صغيرة ضمن المتأثرين مباشرة بالتسونامي. فخلافا للإمام الغزالي المسلم، قام اللاهوتيون اليهود والمسيحيون في عصره بمصالحة الله والقانون الطبيعي. فقد جادل الربّي القروسطي Medieval الشهير موسى بن ميمونMaimonides بأن الله، مع علمه بالمستقبل، يختار تحقيق أهدافه باستخدام القانون الطبيعي. إذ لأننا كائنات فانية لا نستطيع رؤية المستقبل، فلا نستطيع فهم سبب سماح الله بحصول أشياء معينة. وفي نفس الوقت تقريبا، وصل القديس توما الأكويني لاستنتاج مماثل، مجادلا بأنه كمسألة إيمان 5. هذا الشطر من الرباعية28، ونصها الكامل ق ال ق وْمٌ م ا أطْي ب الحُـور فِي الج نَّــةِ قُلْتُ المِـد امُ عِنْدِي أ طْـي بْ ف اغْن مِ النَّقْد و خ لِّ الدَّيْن و اعْل مْ * أ نَّ ص وْت الطُّبُولِ فِي البُعْدِ أ عْذ بْ

عدد الصفحات ٧٢

علينا تقبل أن الكوارث هي انعكاس لحب الله لنا. هناك ثغرات واضحة للاستغلال الدائري في هذه الحجة، ولكن على الأقل يفسح ابن ميمون والأكويني مجالا للقانون الطبيعي وبالتالي للعلم. ولكن ألف سنة تبدو وقتا قصيرا لكي تصل هذه الفكرة إلى الجموع. فعلى منابر مسيحية في أرجاء العالم، قورن التسونامي بمحنة الله لأيوب. فقد كتب وليام سافاير المحافظ في عموده بالنيويورك تايمز، وهو كاثوليكي يتظاهر أحيانا باللاهوت، مساندا هؤلاء المستندين لقصة أيوب الكتابية ليشرح كيف أن إلها قديرا ومحبا لم يتدخل لمنع معاناة الأبرياء. يستحق بعض الوقت منا أن نراجع هذه الحكاية الغريبة.

عدد الصفحات ٧٣

أيوب في تكساس مثل معظم الأطفال الذين يحضرون حصة الأحد في الكتاب المقدس في الكنيسة الميثودية في دونا، تكساس، كنت هناك لأنه يرضي أمي. فمدرسة الأحد، كالكوارث الطبيعية، هي أمر لا بد من تحمله. وتحت تلك الظروف، حاولت أن أستغل الوقت بأفضل ما يمكن بتخيل مغامرات بعيدة، منتبها أحيانا إلى الدرس. وإحدى الدروس القلائل التي قاطعت خيالاتي كانت قصة أيوب، التي وصفتها المدرسة كإحدى أهم قصص الكتاب المقدس. وبالفعل، حاول فقهاء اليهودية والمسيحية أن يبحثوا عن معنى لكتاب أيوب طوال ألف سنة. وكما سترى، لم يصلوا لشيء مهم. والقصة مألوفة للآتين من ثقافة يهومسيحية. كما تقص معلمتي في مدرسة الأحد: عاش في أرض عوص في أيام موسى رجل صالح يدعى أيوب. وكان مستقيما يتقي الله ربه، ويصلي له كل يوم. وكان أغنى رجل في بلده، مالكا لآلاف الغنم والثيران والجمال. نوّ ه به الله للشيطان كـ"رجل كامل يخشى الرب ولا يعمل شرا." ودون إعجاب، يتساءل الشيطان عن عمق تقوى أيوب: "لا شك أنه يحمدك؛ فقد باركته وجعلته غنيا. اسلبه كل هذا وسوف يسبّك في وجهك." مصدوما بكلام الشيطان، يتقبل الله الرهان، سامحا للشيطان أن يفعل ببني أيوب وأملاكه ما يشاء، مانعا إياه فقط من إيذاء شخص أيوب. يعرف أيوب لاحقا أن بدو الصحراء قد سبوا ماشيته وقتلوا زراعه وحارثيه. وبعد ذلك يعرف أن البرق قد قتل كل خرافه ورعاتها، وسرق أعدائه من بلاد الكلدان كل جماله وقتلوا من كان معها. ثم يأتيه رسول آخر بأنباء أكثر سوءا: فقد اجتمع بنو أيوب وبناته ليأكلوا ويشربوا في بيت ابنه الكبر، ثم أتتهم ريح عظيمة من الصحراء فهدمت البيت وقتلتهم جميعا. في يوم واحد خسر أيوب كل شيء. فرمى نفسه على الأرض أمام الرب وقال: "عاريا خرجت من بطن أمي، وعاريا سأعود. بلا شيء أتيت إلى العالم، وبلا شيء سأتركه. الله أعطى والله أخذ؛ فليتبارك اسم الله." لم يستطع الله إلا التباهي أمام الشيطان بأنه قد ربح الرهان: "هل نظرت إلى عبدي أيوب؟ لا زال يتمسك بكماله حتى بعد أن تركتك تؤذيه بشدة." ولكن الشيطان يخدع الله بسهولة من جديد: أجاب الشيطان الله، "كل ما لدى الإنسان سيعطيه لأجل حياته. ابتليه في نفسه وسوف يسبك في وجهك." ويسلم الله أيوبَ من جديد للشيطان، طالبا منه هذه المرة أن يحفظ حياة أيوب فقط. فرمى الشيطانُ أيوب بالقروح من قمة رأسه إلى أخمص قدميه. وكان أيوب في ألم عظيم، ولكنه لم يتكلم بكلمة واحدة ضد الله. وحتى أصدقاء أيوب اعتقدوا أنه فعل بالتأكيد شيئا شنيعا ليغضب الله هكذا. ولكن أيوب بقي مؤمنا، ورفض

عدد الصفحات ٧٤

أن يقول أن الرب عامله بظلم. رغم أنه لم يفهم طرق الرب، ظل أيوب مؤمنا بأن الرب خيّر. تختتم هذه القصة المميزة عن المعاناة والإيمان بنهاية هوليوودية تكافأ فيها التقوى ويعيش البطل سعيدا مديدا. والفقرة الأخيرة قد تكون أضيفت بالتأكيد لاحقا، ربما على يد مترجم: ثم تكلم الله بنفسه لأيوب وأصدقائه، قائلا لهم أنه ليس للإنسان أن يسائل الله، وأن الله يعطي لكل إنسان حقه. وبهذا يصلح الله حال أيوب، فيشفيه من قروحه ويجعله أغنى من قبل بضعف خرافه وثيرانه وجماله. ثم أعطى أيوب من جديد سبعة أبناء وثلاث بنات من أجمل النساء في أرضهن. وعاش أيوب حياة طويلة في غنى وشرف وتقوى تحت رعاية الله. وهكذا إذن. لم يظهر إله إبراهيم في كتاب أيوب كراعي صالح يحمي خرافه، ولكن كإله مغرور فخور تتحكم به استهانات الشيطان. هذا الإله أشبه بصور آلهة اليونان، وله نقاط ضعف بشرية مضخمة. أو لعل هذا ما بدا لي كطفل حين استمعت لقصة أيوب لأول مرة في مدرسة الأحد. لم يُقترح أبدا أن كتاب أيوب لعله كان مجازيا، أو أن أيوب لم يكن شخصية تاريخية حقيقية. استخلصت مدرّسة الأحد ثلاثة دروس من كتاب أيوب: (1) علينا أن لا نسائل الرب؛2 ) علينا التمسك باعتقاداتنا رغم الأدلة الهائلة على خلافها؛3) وسيكافئنا الله على هذا—ولكن ليس في هذه الحياة كما يبدو. دفعت القصة فتاة في الصف للبكاء. فقالت وهي تنتحب، "لم يفعل أيوب أي خطأ، هذا ليس عدلا. لم يكفي أن الله أعاد إليه كل شيء،" قالت بين دموعها، "فلا يمكنك إزالة الألم." واتفق معها الآخرون في الصف. أما أنا فقد انزعجت لسبب مختلف. لماذا كان كل شيء حول أيوب؟ ماذا عن أولاد أيوب الذين ماتوا في العاصفة، وخدمه الذين قتلهم البدو؟ أو حتى ماشيته البريئة؟ فإن حياتهم لم تسترد. هل تمت التضحية بهم لكسب رهان؟ سيحتج اللاهوتيون هنا بأن كتاب أيوب ليس تاريخا. فهو قصة مجازية تحاول أن تصنع معنى للأشياء السيئة التي حدثت في العالم في زمان ما قبل العلم. بالتأكيد! ولكننا لم نُخبر بها. فمعظم السكان مقتنعون بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله المعصومة. فلماذا إذن حصل تسونامي المحيط الهندي؟ المكبس التكتوني بالنسبة للعلماء، الذين يعملون على فهم لماذا تحدث الأشياء، تصبح الكوارث الطبيعية تجارب. في حين تأمل القادة الدينيون في أسئلة عن العقاب الإلهي وفيما كان الناس موضوعات لاختبار ذكاء ماورائي ما، كان الجيوفيزيائيون يدرسون البيانات من محطات زلزالية حول العالم. كانت هزة أرضية عملاقة مركزها في المحيط الهندي على بعد مئة وستين كيلومترا غرب سومطرة هي السبب الأرجح للتسونامي. ولكن ما سبب الهزة؟ لقد كانت إحدى أقوى الهزات الأرضية المسجلة منذ اختراع مقياس الزلازل. فنحن نعيش على القشرة الصلبة الرفيعة لكوكب منصهر كان يبرد منذ تكون قبل 4.5 بليون سنة. وهذه

عدد الصفحات ٧٥

القشرة متكسرة إلى صفائح تكتونية،وهي قطع ضخمة من الصخور تضغط على بعضها على طول خطوط الصدع مع استمرار الأرض في البرودة. وأحيانا تنكسر الصفائح أو تنسحب فوق بعضها. والهزات الأرضية هي حركات مفاجئة لتلك الصفائح التكتونية على طول خطوط الصدع. كعود يتم ثنيه حتى يطقّ، انطلقت قوة التمدد المتنامية بين صفيحتين كبيرتين في المحيط الهندي فجأة حين انسحبت صفيحة فوق أخرى. لا تؤدي كل هزة تحت المحيط إلى تسونامي ضخم، ولكن لأن صفيحة تكتونية قد اندفعت لأعلى بحركتها، صارت أشبه بمكبس عملاق، دافعة حجما هائلا من الماء. وانتشر الماء في المحيط بتموجات متحدة المركز، مثل ما يحصل حين تصب دلوا من الماء في بركة. الهزات الأرضية التكتونية هي ظواهر طبيعية لا مفر منها. وعلى مستوى أصغر، فهي تحصل في مكان ما من العالم كل يوم. وكانت هذه الهزة ببساطة أكبر بكثير من معظمها. ورغم ذلك، لأنها تمركزت بعيدا في عمق البحر، أدت الهزة الأرضية لضرر قليل. رغم أن الموجات كانت عالية جدا، فقد كانت أيضا عريضة جدا، بحيث مرت السفن في البحر بدفعات رفيقة حيث مرت التسونامي من تحتها. ولكن الخراب حصل حين وصلت الموجات إلى خط الساحل. والمأساة كانت أنه في الوقت بين الهزة الأرضية ووصول التسونامي إلى بندا آچيه، كان هناك متسع من الوقت للناس كي يصلوا إلى أماكن أعلى—لو أنهم عرفوا. تم رصد موجة الصدمة من الهزة، التي انتقلت بسرعة الصوت خلال الأرض، بمقاييس الزلازل حول العالم، وفي حين عرفت كل محطة زلزال بأنه قد حصلت هزة أرضية كبرى، لم يعرفوا مباشرة أين هي. وكل ما عرفوه كان الوقت الذي وصلت فيه موجات الصدمة إلى مقاييسهم. وفي الحقيقة، سجلت صدمتان: موجة P، أو موجة الضغط، التي تنقلت عبر الأرض، وموجة S التي تنقلت على السطح كموجة على المحيط. تتنقل موجةP أسرع. من الانفصال بين موجتي P وS، يمكن حساب المسافة من مقياس الزلازل إلىالمركز. وإن علمت المسافة بين ثلاث محطات متباعدة، يمكن للعلماء تحديد موقع الهزة. توجد أحدث المحطات الزلزالية حول المحيط الهادي: اليابان، هاواي، والساحل الغربي للأمريكتين بالخصوص. كان لساحل المحيط الهادي تاريخ من الانفجارات البركانية العنيفة، الهزات الأرضية، والتسونامي. تتم مراقبة المحطات الزلزالية طوال اليوم، ولكن دقائق ثمينة تفقد في التخاطب بين المحطات والقيام بالحسابات. وحين تم تحديد أنها كانت إحدى أقوى الهزات المسجلة إطلاقا وأن المركز كان في المحيط الهندي، كان التسونامي قاطعا معظم الطريق إلى بندا آ چيه. وح تى حينئذ ربما كان هناك وقت لتحذير الناس في المناطق المنخفضة—فأي شخص معه خريطة يمكنه معرفة أين ستضرب—ولكن لم يعرف أحد كيف يتصل بالمسؤولين المحليين في مناطق العالم الثالث الشاسعة تلك. ولا كان لدى معظم المسؤولين المحليين أي وسيلة لنشر التحذير. والواقع المؤلم كان أنه في مناطق الخراب الجسيم، هاجم التسونامي عمليا ساحلا بعد ساحل دون تحذير لساعات بعد تحديد موقع الهزة. الحماية

عدد الصفحات ٧٦

حتى حين أسرعت دول العالم بتموين الإغاثة، المساعدة الطبية، وفرق البناء إلى المناطق التي خربها التسونامي، كان يتم التخطيط لمنع كارثة أخرى كهذه. ليس العلم قريبا أبدا من القدرة على التنبؤ بالهزات الأرضية، فضلا عن منعها، ولكن للاتصالات الحديثة أن تنشر تحذير تسونامي بسرعة الضوء. هناك دوما قلق من كون هزة شديدة ليست سوى مقدمة لهزة أكبر منها. ولهذا فالخطوة الأولى هي تنصيب طافيات إنذار warning buoys على الطاقة الشمسية دون تحكم بشري، تتحسس مرور التسونامي وتعلن الإنذار تلقائيا للمناطق الساحلية. أجهزة إنذار كهذه تستخدم بالفعل في مناطق معينة حول المحيط الهادي. وهي تتضمن تقنيات كاللوحات الشمسية الكهربائية، الاتصالات الساتلية، ونظام المواقع العالمي، وهواتف المايكرويڤ النقالة التي لم توجد حتى قبل عقد. والخطوة اللاحقة، قيد الإنجاز، هي ربط كل المحطات الزلزالية بحاسوب مركزي يقوم تلقائيا بجمع وتحليل الإشارات الزلزالية، أداء الحسابات، إرسال التحذير إلى الأماكن المهددة، وإعلام الحكومات—وكل ذلك دون تدخل بشري. ستركز الجهود بقوة في مناطق ذات توتر مطاطي عالي في قشرة الأرضية، حيث تكون الحركة التكتونية أكثر احتمالا. هذا هو القرن الحادي والعشرين. لا يجب علينا بعدُ أن نستسلم بخضوع لقوى الطبيعة العمياء. حتى لو تكدست كل البشرية في كل محل عبادة على الكوكب لتصلي لآلهتها أن تخلص الأرض من كارثة أخرى كهذه، ستستمر حركة القشرة الأرضية دون توقف ذرة واحدة. ولكن بإمكاننا التوجه للعلم لتقليل المعاناة التي تسببها هذه الحركة.

عدد الصفحات ٧٧

ـ الفصـلـالـسـابعـ العصر الجديد وفـيه كل شيء يجـري أصبح آدم دريمهيلر مليونيرا قبل عيد ميلاده العشرين. آدم، وهو طالب كلية يحتفظ باسمه الحقيقي سرا حفاظا على خصوصيته، هو مؤلف لعدة كتب رابحة، و "محاضراته" في قاعات بخمسمائة مقعد يتم حجزها قبل أسابيع. يصف آدم نفسه كـ"شافي بالطاقة." وعلى المنصة يدخل في حالة شبيهة بالغشية حيث يسقط عقله على أجساد ضحايا السرطان "ليرى" سرطانهم. ومن دون لمسهم، يتخلص آدم من سرطانهم فقط باستخدام قوة عقله. ويسمى تقنيته "الهولوغرافيا الكمية." وهو مستعد لمعالجة الناس خصوصيا—حتى إن كانوا في مدينة بعيدة. هذه الجلسات البعيدة المخصصة تكلف بالتأكيد أكثر بكثير من "المحاضرات." يعترف آدم بصراحة بأن علاجاته لا تنجح دوما في المرة الأولى وتحتاج لأن تكرر لعدة مرات. وعلى المريض أن يدفع لكل جلسة، ولكن من يشتكي إن شفى ذلك سرطانه؟ ولكن هل يشفي ذلك السرطان؟ يشرح آدم أنه قد أعطي هذه القدرة المميزة في زيارة لجزيرة نوتكا قرب ڤانكوڤر حين كان في الخامسة عشرة. صادف على الجزيرة طيرا أسود غريبا بطول أربعة أقدام اتصل معه تخاطريا، محمّلا كل معرفة العالم إلى دماغه. ولكل أحد أن يخمن كيف حصل طير أسود بطول أربعة أقدام على كل معرفة العالم، أو لماذا اختار آدم كمستودع لها. سمعت لأول مرة عن آدم من منتج أخبار في ABC كان يعمل على قصة لمجلة أخبار التلفاز پرايم تايم. أراني عدة ڤيديوهات "لمحاضرات" آدم صوّرتها ABC. ولأن آدم يصر على العمل في أضواء خافتة، تم تصويرها بكاميرا تحت-حمراء. زاد اللون الأخضر الشبحي للصور التحت-حمراء من الانطباع الماورائي. يُرى آدم يستخدم يديه كما لو أنه يعيد ترتيب أشياء لا يستطيع بقيتنا رؤيتها. ربما يحدث تعديلات في الهولوغرام الكمي للمريض. لا بد أنه استعار الهولوغرام الكمي من توم كروز، الذي استخدمه في فيلم إثارة ستيڤن سپيلبرغ تقرير الأقلية. وتاركين الطير الكبير جانبا، لا شيء يرجّح أن آدم يعرف شعرة عما هو الهولوغرام، فضلا عن فيزياء الكم. طارت بي ABC إلى نيويورك لأتحدث عن ذلك. وأراد منتج پرايم تايم أن يعرف أي المعلومات يحتاج لتقييم ادعاءات آدم. أخبرته، "أولا عليك أن تطلب نتائج فحوص لتأكيد أن تقنيته ناجحة عمليا. وعلى الأقل، ستتطلب فحوص ذات معنى أن يتم التأكد من سرطان المريض على يد أطباء خبراء مؤهلين قبل العلاج. وهذا يعني في العادة خزعة biopsy . وعلى نفس الخبراء أن يفحصوا المريض بعد العلاج ليروا إن كان هناك تغير." يبني الشافون بالطاقة سمعتهم على شفاء أشخاص من سرطانات لم يصابوا بها أصلا.

عدد الصفحات ٧٨

"لم تكون هناك أي فحوص أو خزعات،" اعترف المنتج. "في هذه الحالة،" قلت له، يوجد شيء لتقييمه. سيكون غير مسؤول من ABC أن توفر لآدم عرضا مجانيا على تلفزيون وطني دون نتائج فحوص قوية." وفي النهاية، تقدمت أخبار ABC طبعا، مكرّسة ساعة كاملة من پرايم تايم إلى آدم دريمهيلر. فبعد كل شيء، تستغرق الاختبارات وقتا والتلفاز يمشي على جدول. ورغم ذلك، بكشفها عن احتيال "شافي" يستغل مرضى السرطان، تخيلت أخبار ABC أنها كانت تؤدي خدمة عامة مهمة. ليس الأمر بهذه البساطة. فمن بين ملايين الناس الذين شاهدوا پرايم تايم، لم يسمع معظمهم أبدا عن آدم دريمهيلر. وهو لا يرشح نفسه لمنصب سياسي فهو لا يحتاج لإقناعهم جميعا بقدراته، بل حتى أكثريتهم. دعنا من هذا. لو أن مشاهدا واحدا في كل عشرة آلاف يتصور أن هناك شيئا يسند قصته، سيستمر آدم في كسب مليون دولار آخر. أتوقع أنه سيدفع لـ ABC بسرورلفرصة كشفه على پرايم تايم. في غياب أي نتائج اختبار، لا يوجد سبب لتصديق أن لآدم القدرة على شفاء السرطان. والسؤال المهم الوحيد هو، لماذا لأي منا أن يتخيل أن لديه؟ ما الذي سيدفع شخصا عاقلا لتقبل حكاية آدم الخرافية عن طير أسود ضخم يحقنه تخاطريا بالقدرة على شفاء السرطان؟ "حين يعرف رجل أنه سيشنق بعد أسبوعين،" قال صمويل جونسون عام 1775، "سيركز عقله ببراعة." ومع خالص الاحترام للد. جونسون، أجد أن لذلك في معظم الوقت التأثير المعاكس. فالذين يعانون من ألم مزمن أو يتخيلون أن لديهم مرضا مميتا سيتمسكون بأي شيء. فكلما كانت حالتهم يائسة، زاد احتمال أن يقوم الناس بشراء زيت الأفعى أو الركوع أمام آلهة خيالية. بل سيلجأون حتى "للهولوغرافية الكمية" والطيور السود التخاطرية. لا شيء لديهم ليخسروه. ولكن كما سنرى لاحقا، حتى ضمن من لم يصابوا بشيء، ليست المعتقدات اللاعقلانية نادرة. في الفصول السابقة تفحّصنا خرافات قديمة تعد أساسية لعديد من أديان العالم. ورغم غياب الأدلة الداعمة للخرافات الدينية، تتقبل الأغلبية الساحقة للسكان المعتقدات الخرافية لأديانها دون سؤال. لِمَ لا؟ ففي هذا العالم الصعب لا نملك خيارا إلا أن نعتمد على كلام الثقات لدينا. لا تصدر الخرافات الدينية من المنبر وحده؛ فحتى أوثق وأعزّ الناس في مجتمعنا —الآباء، المعلمون، القادة السياسيون، وحتى أبطال الرياضة والترفيه—يعربون أحيانا عن قناعاتهم الدينية للعلن. فبعد كل شيء، يعد الاعتقاد الديني إجمالا فضيلة. في أمريكا الحزام الإنجيلي، قد يكون الأطفال في الكلية قبل أن يكتشفوا أن عدم الإيمان اختيار. لا يستند آدم دريمهيلر إلى الله أو ملائكته، مفضلا الإشارة بدلا منها إلى طير أسود كبير تخاطري كالمصدر الماورائي لقدرته. هذه هي روحانية العصر الجديد؛ فهي تتجنب التنافس المباشر مع المعجزات الدينية الأكثر شيوعا للشافين بالإيمان. هناك كثير من المال للجميع، فلِمَ على شافي بالطاقة من العصر الجديد أن ينازع الشافين بالإيمان؟ دعوة آدم موجهة بالأساس للمتروكين، الذين يشعرون بأن الله والعلم معا قد خذلاهم. والالتجاء للهراء المحض قد يكون مرده لليأس لا لضعف الشخصية. كي نفهم التأثير القوي لروحانية العصر الجديد، علينا أن نبحث كيف يكوّن الدماغ اعتقاداته. اللوزة

عدد الصفحات ٧٩

منذ لحظة الميلاد ينشغل الدماغ الإنساني بمعالجة المداخل من الحواس لتكوين الاعتقادات عما يوجد ولا يوجد في هذا العالم الغريب الذي يجد فيه الوليد نفسه. بما أن لديهم اعتقادات قليلة لتناقض المعلومات الجديدة، يكون الصغار بالتحديد منفتحين على الاعتقادات الجديدة. فهم يميلون لتصديق كل شيء في البدء، ولكن لأن اعتقاداتهم لم تتشابك بعدُ في مصفوفة من الاعتقادات المترابطة، يمكن للأطفال أن يرفضوا الاعتقادات بنفس سهولة تبنيهم لها. يستمر الناس بالإضافة والتعديل إلى كتابهم الشخصي للحياة على كوكب الأرض طوال حياتهم، وتنشأ صراعات محتومة بين مدخلات حسية جديدة وبين اعتقادات حاضرة يجب مواءمتها بطريقة ما. ويستمر عدد الصراعات بالتزايد مع مضينا بالحياة، مما يجعل إضافة اعتقادات جديدة أصعب بكثير. ولهذا يكون التلقين بمجموعة خاصة من الاعتقادات أنجح ما يكون حين يُبتدأ به في الطفولة، ويقوّى باستمرار، ويُربط إلى رؤية عالمية معرّفة جيدا. "أعطني الطفل حتى السابعة،" يقول اليسوعيون، "وسأريك الرجل فيه." يبدأ الاعتقاد بمدخل حسي، يمر خلال المهاد thalamus، وهو مقطع ثانوي صغير في عمق الدماغ. عادة ما يحوّل المهاد المداخل الحسية إلى القشرة الحسية sensory cortex، التي تحللها وتحدد لها مستوى أهمية. ثم تمرر المعلومات إلى اللوزة، وهي زوج من تراكيب لوزية الشكل في الفصين الصدغيين تولّد ردا عاطفيا. اللوزة هي محل دليلنا الشخصي للحياة على كوكب الأرض. يبدأ الاعتقاد حين تكوّن القشرة الحسية ارتباطا بين حدثين، كموجة مدية تتصادف مع بدر يطل من فوق. وفي المرة الثانية التي تكون فيها على الشاطئ في منتصف الليل والقمر بدر، سيسبق دماغك لتوقع موجة مدية—فقط إن استعاد دماغك ذكرى تلك الموجة المدية السابقة تحت بدر كامل. ولكن قد مضت بضع فترات من ثمانية وعشرين يوما منذ أن لاحظت تلك المصادفة لآخر مرة، والذكريات تتلاشى مع الزمن. ولكن إن تكررت المصادفة قبل أن تُفقد الذكرى، قد تصبح الذكرى اعتقادا. فالتكرار، كما يعرف كل مدرس، هو السبيل للتعلم. تعتمد مدة احتفاظ دماغنا بالذاكرة على الأهمية التي تحددها القشرة الحسية للحدث. والأهمية تتعادل مع مستوى هرمونات الإثارة في مجرى الدم. للمرء أن يتخيل أن للقاءات في منتصف الليل على شاطئ دافئ تحت بدر مكتمل قد تقود لحالة عالية من الإثارة العاطفية. وبالفعل، ربما قادتك قراءة هذه الكلمة وحدها لتخيل لقاء كهذا. إن استجابة اللوزة لما فكرت فيه أمرت تحت المهاد بإطلاق هرمونات إثارة مختلفة إلى مجرى دمك، مقلدة الخليط الذي قاد لذكرى كهذه. كنتيجة لذلك، سيرتفع ضغط دمك ونبض قلبك. تحت المهاد، وهو قسم قديم جدا من الدماغ، مسؤول عن التحكم بجريان الهرمونات بناء على تعليمات اللوزة. تتحكم هرموناتنا بنا جميعا، اعتمادا على الاعتقادات والذكريات المخزونة في اللوزة. فتح نشوء اللغة بوابة جديدة قادرة على خلق الاعتقادات. تجعل اللغة الخبرات البديلة هي المصدر الرئيس للاعتقادات، متفوقة على الخبرات الشخصية. وعزّزت قدرات اللغة بقوة باختراع الكتابة، وهي تعزز أكثر فأكثر مع كل تقدم جديد في الاتصالات، من المطبعة إلى البلاكبيري. يمكن للاعتقادات أن تنتشر اليوم حول العالم في ومضات رقاقة حاسوب. ولسوء الحظ، ما يمكّننا من التعلم من الآخرين يجعلنا أيضا عرضة للاستغلال منهم. إن كان مستوى الإثارة عاليا بما يكفي، ربما يختار المهاد بتجاوز القشرة الحسية ببساطة وتحويل المدخل الحسي مباشرة إلى اللوزة. لا يملك المهاد أي دليل حول ما يجعل المدخل

عدد الصفحات ٨٠