المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الخرافة الإيمان في عصر العلم روبرت ل.بارك

غير معروف

صفحة ٤ من ٩

كان د. فم منزعجا جدا من أن ادعاء مستحيلا كهذا يمكن أن يمر بإجراء مراجعة النظراء في مجلة محترمة في مجاله هو. فهذه الورقة، كما شك فلام، لم تكن خطأ بالكامل، ولكنها تلفيق متعمد. كان يقصد بها فقط استغلال الإيمان الديني للنساء اللاتي أردن بيأس أن يحصلن على طفل، بهدف أساسي هو صنع المال. ولكن كيف للمؤلفين التربح؟ أن تكون مخطئا ليس سوء سلوك علميا—فقلة من العلماء سيصنعون سيرتهم دون الوقوع في أخطاء. ونجاح العلم ونزاهته يعتمدان على ثقافة من الانفتاح، بها تنكشف أخطاء كهذه وتصحح. لدى العلماء التزام بالتنبيه إلى البحث المثير للشك. وحين بدأ فلام بالحفر أعمق، قام بكشف شبكة متراكبة من المغالطة والخداع. كان المؤلف الرئيس هو الد. روجيريو لوبو، رئيس قسم النساء والولادة في مركز جامعة كولومبيا الطبي. لن يتوقع أحد أن شخصا في مكان كهذا في جامعة مرموقة مثل كولومبيا قد يتورط في الخداع. ومع ذلك، كان مؤلف آخر، الد. كوانغ تشا، أستاذ مساعد زائر في القسم، مالكا ثريا لعيادات خصوبة ومستشفيات في كاليفورنيا وكوريا، مما يطرح أسئلة جادة عن تضارب المصالح. ولكن كان هناك مؤلف ثالث رفع من ضغط الد. فلام: دانيال پ. ويرث، ماجستير حقوق، وواضح أنه لم يكن على علاقة بكولومبيا أو المجال الطبي. إذ كان محاميا وپاراسيكولوجيا، وهو ما يكفي لجعل أي عالِم حذرا . كان لدى ويرث تاريخ طويل من الادعاءات الطبية القائمة على الإيمان عديمة الأدلة. فما الذي كان يفعله مع طبيبين مصدّقين في دراسة "علمية" في إحدى أقدم وأوثق الكليات الطبية في أمريكا؟ كانت "دراسة معجزة كولومبيا"، كما أصبحت تعرف، قد نقلت بشكل واسع في الإعلام الشعبي، بما في ذلك النيويورك تايمز الجليلة وبرنامج ABC "صباح الخير أمريكا." وصفت قصة في التايمز النتائج بأنها تظهر أن الشفاء الإيماني يعمل في الواقع، وبدأت تظهر نسخ من القصة في غرف الانتظار في عيادات الخصوبة حول العالم. يمكن النظر إليها كدعاية لعيادات خصوبة تشا—قد يكون في عيادتك أطباء جيدون، ولكن هل تقدم مساعدة ماورائية مؤكدة؟ أول خطوة كان يجب فعلها على مجلة الطب التناسلي هو سحب الورقة مباشرة في انتظار تحقيق، وعلى جامعة كولومبيا هو أن تنكر العمل بالكامل.وكلاهما لم يحصل. فلا المجلة ولا الجامعة أشارت حتى لرسائل الد. فلام المتعلقة بما عرفه. بعد رفضها نشر رسائل تنتقد دراسة الصلاة في كولومبيا، قامت مجلة الطب التناسلي بخطوة غير اعتيادية، هي نشر دفاع مطول عن الدراسة بقلم الد. تشا. كانت المجلة تمد تشا بأرضية للدفاع عن رسالته ضد تهم رفضت المجلة بصلابة حتى الإشارة إليها. وفي رسالته، يشير تشا أنه لم يصمم الإجراء الغريب المستخدم في الدراسة —بل كان دانيال ويرث، الپاراسيكولوجي والمحامي، الذي رتب وقام بالدراسة فعليا. فأي سؤال يجب إذن أن يوجه إلى ويرث. ولكن دانيال ويرث لم يكن حاضرا. فقد اعتبر مذنبا في تهم احتيال غير متعلقة وصفت في حكم إدانة فيدرالي من 46 صفحة اشتمل على فترة عشرين عاما، وكان في طريقه إلى السجن الفيدرالي ليقضي مدة خمس سنوات تتبعه ثلاث سنوات من إطلاق السراح المراقَب. كيف لمؤسسة معتبرة كجامعة كولومبيا أن تتورط مع أشخاص كهؤلاء، يبقى أمرا غامضا. دعاوى غير عادية

عدد الصفحات ٤٩

مجلة الطب التناسلي هي مجلة طبية يراجعها نظراء. وهذا يعني أن الأوراق يجب أن يراجعها خبراء مجهولون قبل أن تُقبل للنشر. هويات الخبراء تبقى محمية بشدة ولا يكافَئون على وقتهم؛ فمراجعة النظراء تعتبر مسؤولية مقدسة للعلماء. بالإضافة إلى البحث عن الأخطاء الظاهرة، يوضح المراجعون رأيهم فيما إذا كان العمل أصيلا، وأن تقديرا معقولا قد أعطي للأعمال السابقة، وأن النتائج مهمة بما يكفي لإجازة نشرها. يُتوقع من المراجعين معاملة المادة بسرية، وعدم الانتفاع بمعلوماتها حتى يتم طبعها. مراجعة نظراء لورقة بحث لا تعني أنها صحيحة. فالمراجعون لا يملكون سببا إلى معرفة إن كانت الأجهزة العلمية تعمل جيدا أو أن الباحثين نقلوا النتائج بأمانة. وهذا بوضوح يترك احتمالية مفتوحة لأن تضم ورقة راجعها نظراء تلفيقا متعمدا. رغم أن الخداع قد يحصل، فهو نادر جدا لأن كل كشف علمي يجب تأكيده مستقلا قبل تقبله كمعرفة جديدة. لئلا نُخدع باختبارات خاطئة، على العلماء أن يجروا اختباراتهم بانفتاح، مشاركين نتائجهم مع العلماء الآخرين، وهم بدورهم أحرار في إعادة كل تجربة وتأكيد كل ادعاء. إن كان العمل احتيالا، فالانكشاف النهائي شبه مؤكد. لأن العلم شأن مفتوح ومشروط، فالأخطاء ذاتية التصحيح. لا يمكن للاختلافات بين العلماء أن تحل إلا بتجارب أفضل—والطبيعة هي الحكم الوحيد. في عالم مدمن على الحروب، لا تقوم حروب على المجادلات العلمية. فـ"الادعاءات غير العادية،" كما يعبر كارل ساغان، "تتطلب أدلة غير عادية." حيث أن أمريكا لا تزال في صدمة من هجوم 11/9 على مركز التجارة العالمي، تعامل عديدون في الوسائط Media مع دراسة الصلاة في كولومبيا كأخبار جيدة، أدلة على أن الله لا يزال يسيطر. في مناخ كهذا، هل كان المراجعون مراعين بإفراط للدين؟ كان معظم العلماء مصدومين بأن مجلة حسنة السمعة اختارت نشرها. بأي آلية مادية، تساءل العلماء، يمكن لصلاة بعيدة أن تؤثر على اختراق حيوان منوي لجدار بويضة؟ كان هذا بالتأكيد ادعاء غير عادي، ولكن الدليل لم يكن غير عادي أبدا. "ولكن ألا تقدر الصلاة على الأداء من خلال قوة ما لا يعرفها العلماء بعد؟" سألني صحفي. "هناك أشياء كثيرة لا يعرفها العلم بعد،" أجبته، "ولكن إن كان شخص ما راكعا في مكان ما من العالم يستطيع تجاوز قانون طبيعي بقوله صلاة ما، لن يكون هناك علم." في اليوم الذي تحدثت فيه النيويورك تايمز عن دراسة الصلاة في كولومبيا، تأكدت من أني سألاقي شون مكّارتي وديڤيد أوكونر، القسّين الكاثوليكيين، في نزهتهما اليومية. توقعت أن ديڤيد وشون سيجدان تجربة تمتحن الرب مهينة. ولكن رغم احترامهما الدائم للعلم، لم يجدا خطئا في القيام بتجارب كهذه، ولكنهما وجدا النتيجة مفاجئة. ""طرق الله ليست طرقنا،" قال شون. ولا نستطيع دوما معرفة أسبابه." كلاهما تراجعا إلى هذا السطر من قبل. وبعبارة أخرى، أظنه يعني أن الواقع لا يتسق دوما مع رب محب حكيم. وفي نفس الوقت، على الجانب الآخر من القارة، اتخذ الد. بروس فلام في كاليفورنيا نظرة أظلم إلى الدراسة. تمت الدراسة في الواقع في كوريا الجنوبية. وتضمنت 200 امرأة في سول بعقم شديد مررن بتخصيب أنبوبي (IVF) في إحدى عيادات تشاIVF هو أكثر أشكال علاج العقم تقدما المتوفرة الآن. نصف النساء، مختارات بعشوائية، صلى لأجلهن متطوعون مسيحيون في الولايات المتحدة، كندا وأستراليا. والنصف الآخر تلقين نفس علاج IVF، ولم يتلقىن الصل وات. تمت الصلاة على صور للمريضات أرسلت بالفاكس إلى مجموعات الصلاة. ربما يستطيع الرب معرفة من الذي كان يصلى لأجله.

عدد الصفحات ٥٠

تم تقسيم النساء المصلى لهن وفقا لأي مجموعة، أو تركيب من المجموعة، كانت تؤدي الصلاة. وفي محاولة لتعظيم التأثير، كانت هناك مجموعة ثانية تصلي لأجل سماع صلوات المجموعة الأولى. لِمَ لا توجد مجموعة ثالثة لتصلي لأجل الثانية؟ بدا كل ذلك معقدا للغاية. والإجراءات المعقدة في الدراسات الإحصائية، كالتي استخدمت في دراسة الصلاة في كولومبيا، هي علامات تحذير. فتقسيم الجماعة الكلية إلى دون-مجموعات أصغر، كما فعلوا، يزيد فرص وجود تأثير إيجابي في دون-مجموعة واحدة على الأقل فقط بسبب لايقين إحصائي. لتجنب مغالطة التقاط الكرز، يجب تحديد عدد الدون-مجموعات، ولتجنب مغالطة قناص تكساس، يجب أن تقرر الدون-مجموعات قبل الدراسة. هل يقوم إله الكون بكامله بحساب عدد الصلوات كي يقرر أيها يستحق الإجابة؟ قد تظن أن ربا محبا حكيما قد يكون لديه محددات لتقرير من اللاتي يمنحن حملا خلاف حجم مجموعة الدعم. ولكن الحقيقة هي أن لا أحد يعرف كيف يصنع الله قراراته. "فطرق الرب ليست طرقنا،" كما يقول شون. كانت لدى الد. فلام أسئلة أخرى. لم يكن دانيال ويرث عالما أو طبيبا. وكان انتسابه محددا كمكتب قانوني. كتب فلام عدة رسائل إلى مجلة الطب التناسلي يطرح فيها أسئلة عن الدراسات وحول دور السيد ويرث. كانت ردود المجلة متهربة. وحين أصرّ فلام، أوقفت المجلة الرد على رسائله. لم يكن فلام لينا. فقد نشر مقالات في مجلات علمية أخرى مقدما فيها كل الحقائق، واتصل بصحفيين، واحتج لدى خريجين مؤثرين من كولومبيا، وأدرج زملاء علميين في حملة كتابة رسائل. وبعد ثلاث سنوات من جهوده المتصلة، بدأ الخداع يتفكك. الجريمة والعقاب بدأ أشخاص خارج المجتمع العلمي، بعد سماعهم عن فضيحة كولومبيا والد. فلام، بالاتصال به وتزويده بمعلومات أكثر من دانيال ويرث. كان ورث قد نشر مقالات عديدة من قبل عن الشفاء الماورائي في مجلات الپاراسيكولوجي. والپاراسيكولوجي لا يعد موثوقا لدى العلماء. في عام 2004، وبعد ثلاثة أعوام من نشر دراسة الصلاة في كولومبيا، أدين ويرث وشريكه، جوزيف هورڤاث، في المحكمة الفيدرالية للتخطيط لارتكاب احتيال بريدي وبنكي يتضمن أكثر من مليون دولار. وحكم عليهما بخمس سنوات في السجن الفيدرالي، حيث انتحر هورڤاث. يبدو الآن أن ويرث كان القوة المحركة خلف دراسة الصلاة في كولومبيا. قام المؤلف الرئيس، روجيريو لوبو، أستاذ قسم النساء والولادة في كولومبيا، بسحب اسمه من الورقة واستقال لاحقا من منصبه. وخلال تحقيق لقسم الصحة والخدمات البشرية الأمريكي، في جامعة كولومبيا، أقر بأنه، رغم أنه كان المؤلف الرئيس للورقة، لم يعرف الد. لوبو عن وجود الدراسة إلا بعد سنة تقريبا حين اكتملت. كان يعتقد بشكل واسع أن الد. لوبو قد أجبر على التنازل عن منصبه بسبب الفضيحة التي تحيط دراسة الصلاة. ومع ذلك، أعيد تعيينه كمدير برنامج الزمالات في مركز النساء التناسلي في كولومبيا. ربما كانت هذه ترقية.

عدد الصفحات ٥١

والمؤلف الثالث، الد. كوانغ تشا، ترك كولومبيا وعاد إلى إدارة عيادات خصوبته في كاليفورنيا وسول. في فبراير 2007، اتهم تشا من قبل محرر مجلة أخرى،العقم والخصوبة، بسرقة عمل طالب كوري في بحث آخر. ولا تزال دراسة الصلاة في كولومبيا الشائنة، يمكن العثور عليها على موقع مجلة الطب التناسلي. وبالفعل، كانت لا تزال تعد كبرهان على قوة الصلاة في منشورات مسيحية أصولية حتى في أستراليا البعيدة. ولكن الأسوأ كان في طريقه. في الذكرى السادسة لنشر الدراسة، قدم استدعاء للد. فلام. كانت دعوى من الد. كوانغ تشا "للتشهير الكيدي." قام تشا بحساب أن حملة فلام الشديدة كلفته ملايين وطلب محاكمة بمحلفين، معتقدا بلا شك أن محلفين في جنوب كاليفورنيا سيرون إصرار فلام كهجوم من عالم كافر على الصلاة. هددت الدعوى بمسح مبلغ التقاعد الذي جمعه آل فلام ببطء. وحتى التكاليف القانونية المطلوبة لدفع هذه الدعوى ستدفع بمواردهما للحضيض. في تلك الليلة، جانيس فلام، خائفة أصلا من أن دانيال ويرث سيلاحقهما بعد أن يخرج من السجن، بعد سنة من الآن فقط، بكت حتى النوم. وفي طريق هذا الكتاب إلى النشر، يعيش آل فلام تحت ظل دعوى تشهير الد. كوانغ تشا. وبالتاكيد، فالدعوى ليست حول التشهير بالتأكيد. فهي محاولة لإسكات النقد ضد دراسة صلاة مخادعة نشرت في مجلة الطب التناسلي، وشارك في تأليفها مخادع خبيث، حبيس السجن الفيدرالي اليوم، وأستاذ في جامعة كولومبيا يقول اليوم أنه لم تكن له علاقة بالرسالة. خسر تشا الجولة الأولى، ولكنه استأنف الدعوى. يبدو أن الدعوى ستذهب إلى محكمة المحلفين. ومهما كانت النتيجة النهائية، سيدفع الد. بروس فلام وعائلته ثمنا ثقيلا لقراره كمواطن مسؤول أن يفضح رسالة مخادعة تتنكر بالعلم. سألته لو كان سيفعلها من جديد. وكانت وقفة طويلة. "كنت لأفعلها،" قالها برقة. وأنا أكتب هذا الكلام، تقرأ ساعة تعداد العالم 6,630,725,709. يصلي معظم الناس لصحتهم وصحة أحبائهم. وأكثر من مليار يصلون خمسة مرات في اليوم. إنها لأعجوبة أن لا يزال الناس يمرضون. ولا زلنا مع السؤال الذي بدأنا به: هل الصلاة تشفي؟ المعيار المفقود في 30 مارس 2006، عقد بينسون مؤتمرا صحفيا ليعلن عن منشوره المنتظر طويلا في مجلة القلب الأمريكي حول دراسة الآثار العلاجية لصلاة الشفاعة. كانت هذه هي أكبر وأدق دراسة حول كفاءة الصلاة تمت إطلاقا، وقد أخذت حوالي عقد. كانت نتائج الدراسة هي أن الصلوات التي يقدمها الغرباء لا تأثير لها على تشافي الأشخاص المارين بجراحة قلب. وربما ستكون آخر دراسة كبرى حول قوة صلاة الشفاعة. المفاجأة الوحيدة هي أن هناك زيادة ضئيلة في المضاعفات وجدت في مجموعة من المرضى أخبروا بأن غرباء كانوا يصلون لأجلهم. بدت معرفة أنهم يصلى لأجلهم تتدخل في شفائهم. نسبت هذه الزيادة الصغيرة، إنما المهمة إحصائيا، في النتائج السلبية من قبل المؤلفين إلى "قلق الأداء." ربما جعلهم كونهم على جانب الرب تحت توتر أكثر. وطرح ذلك سؤالا عما

عدد الصفحات ٥٢

إذا كانت فكرة جيدة أن تجعل الناس يعرفون أنهم يصلى لأجلهم. وفيما عدا ذلك، لم يكن هناك أي فرق بين شفاء الذين صلّي لأجلهم والذين لم يصلى. وهكذا هل أظهر العلم أن لا تأثير للصلاة؟ ليس كثيرا، ولكن دراسة بينسون لا تقدم عزاء لأولئك الذين يدعون للصلاة كحل لمشاكل العالم. فمثل كل دراسات الصلاة، كانت لدراسة بينسون قيمة علمية ضئيلة. لقد غلفت لتظهر كالعلم، مع قيم سيغما مرتبطة بالاحتمالات، مجموعات الضبط، وصفحات من الأعداد. ومع ذلك، وفقا للعلم، كان لدراسة بينسون خطأ لا يتجنب ولكنه مميت. فالصلاة ليس لها "معيار". وهذا اختزال علمي لـ "لا يمكن قياسها". يمكننا أن ننشئ نوعا ما من المعيار للنتائج، كالتقييم الطبي لمريض، ولكن لا نعرف كيف نقيس الصلاة. يعرف قاموس أكسفورد الإنجليزي الصلاة بأنها "دعاء إلى إله،" ولكن هل يهم أي إله؟ هل يهم لو قمت بها جاثيا على ركبتيك؟ هل الصلاة لأجل حصان في السباق تنال نفس الانتباه الإلهي كالصلاة لأجل السلام العالمي؟ هل صلوات بيلي غراهام تحمل وزنا أكبر من صلوات متشرد؟ لا شك أن أشخاصا عديدين يقفون مستعدين لتقديم الآراء حول هذه الأسئلة، ولكن أي دليل لهم أن يقدموا؟

عدد الصفحات ٥٣

ـ الفصـلـالـرابـعـ التخلي عن الشبح وفيه نبحث عن الروح دعتها وظيفتها لأن تكون "مقاتلة لأجل صحة النساء،" ولخمس سنين خدمت الد. سوزان وود كرئيسة مكتب صحة النساء في إدارة الأدوية والأغذية، كانت فيها مقاتلة بحق. ولكن عام 2005،شعرت الد. وود بأنها ملزمة بالاستقالة للاحتجاج على قرار المدير المفوض للـ FDA ليستر كروفورد برفض أن يكون مانع الحمل الطارئ " الخطة ب " على رفوف الصيدليات. مع أن لجنة الاستشارة العلمية في FDA نفسها أوصت بقوة بالموافقة منذ أصبحت متوفرة في أوائل الستينات، فتحت مانعات الحمل الفموية، المسماة تحببا "الحبة،" أبوابا للنساء كانت مغلقة عليهن على طول التاريخ. مكّنت الحبة النساء، ربما أكثر من أي عامل آخر، أن يكن مسيطرات على حياتهن ويحققن إمكاناتهن. أما اليوم، فمئة مليون امرأة في أرجاء العالم يستخدمن الحبة. ورغم ذلك، تبقى هناك حالات طارئة بسبب الاغتصاب أو خلل أدوات منع الحمل. وهناك طوارئ أخرى تنتج من الجنس المتراضى عليه غير المخطط له. بعد كل شيء، كان الدافع الجنسي البشري قد شكّله التطور لضمان الإنجاب، وهو يعمل جيدا بشكل غير عادي. ففي وجود العوامل النفسية الملائمة، كل أحد تقريبا، بما في ذلك رؤساء أمريكا والزعماء الدينيون البارزون، سيخاطرون بكل شيء لأجل لقاء جنسي ممنوع. إن الإصرار على اعتماد المجتمع على العفة بدلا من منع الحمل، هو إنكار لغريزة يقف أمامها الأرباب دون تدخل. طوّرت الخطة ب لتغطية الطوارئ، أيا كان سببها. وتوفرت كدواء موصوف عام 1999 . ووجدت ملايين النساء منذئذالخطة ب آمنة ومؤثرة لو أخذت بعد الجماع ولكن قبل أن يخترع الحيمن غلاف البويضة. وهذا يعني أن الخطة ب يجب أن تتناول خلال 72 ساعة بعد الجماع. والحصول على وصفة في فترة قصيرة، قد يكون صعبا وربما مستحيلا، خصوصا في العطل الأسبوعية، التي تميل لأن تكون أكثر الفترات نشاطا جنسيا. ولتجنب التأخير، ولأنها آمنة جدا، أوصت لجنة استشارة في FDA من علماء الطب بتصويت23-4 أنالخطة ب يجب أن تتوفر دون وصفة. بينما ترفض FDA أحيانا توصيات لجان خبرائها، لم تفعل هذا من قبل مع تصويت لجنة بهذا الانحياز. وإضافة لذلك، فضّل الطاقم العلمي في FDA نفسها الموافقة بقوة. ولكن عضوا من لجنة الخبراء، الد. ديڤيد هايغر، وهو طبيب نسائية من لكسنغتون، كنتاكي، دون أي شهادات في علوم الطب، قدم تقرير أقلية—أقلية مِن فرد—ساوى فيه البويضة المخصبة بالإنسان. كصوت مسيحي محافظ رائد في صحة وجنسانية النساء، أثارت معارضة هايغر للجنس قبل الزواج والإجهاض انتباهَ البيت الأبيض، الذي تدخل لإضافة الد. هايغر إلى لجنة الخبراء. كمسيحي إنجيلي، ربما ظن الد. هايغر أن الله عينه في اللجنة. وعدّ المدير المفوض كروفورد،

عدد الصفحات ٥٤

وهو مسيحي إنجيلي أيضا عينه بوش، "تقرير أقلية" هايغر كتبرير لتجاوز توصية اللجنة. وهنا استقالت الد. وود من منصبها في FDA. شرارة الحياة أثرت جدلية الخطة ب مع ديڤيد وشون في نزهتنا اللاحقة. رغم أننا حملنا رؤى مختلفة جدا حول تنظيم الأسرة، لم يبدوا أبدا متأثرين من أسئلتي. لعلهما أملا في تحويلي، أو ربما استمتعا ببساطة، كما فعلت، بالتحدث إلى شخص ذي رؤية مختلفة كليا للعالم، شاركهما رغبة في عالم أسعد وأرأف. "لماذا يجب أن تعد البويضة المخصبة إنسانا؟" سألتهما، وأجابا في شبه اتحاد:"لأن لها روحا." ففي عين الله، هذه الخلية الواحدة، رغم صغرها لترى بالعين المجردة، هي كائن إنساني لأن الله قد قدّسها. "فمعجزة الحمل تدفع للإيمان بالله،" قال شون في شيء من الدفاع. "إن منح الروح هو شرارة الحياة التي تحرّك الجسم وتجعله إنسانا. فالروح تخلق في لحظة الحمل، وهي تحدد الشخص وتحيا بعد موته." "الحمل حدث رائع،" رددت عليه. ولكن في نفسي كنت أفكر في غرابة المصطلح "شرارة الحياة" لعالم في القرن الحادي والعشرين. ففي بداية القرن العشرين، كان وجود "قوة حياة دافعة" أو "شرارة إلهية" لا يزال ضروريا لبعض العلماء كي يشرحوا لماذا بعض الأشياء معدن، في حين بعض الأشياء المركبة من نفس العناصر تستطيع الحياة. كانت هذه فكرة عتيقة للمذهب الحيوي vitalism، فقدت بمرور الزمن أي معنى علمي. لم يعد في الكيمياء والفيزياء المحركتين للمادة أي غموض. وبالتأكيد منذ كشف واطسون وكريك غموض الدنا، لا حاجة بعد الآن لـ"شرارة إلهية." ولكن تكون الزيجة zygote من الأمشاج gametes الذكرية والأنثوية لا يزال رائعا. فالالتقاء المميز لخيوط كروموسومات الذكر والأنثى ملتفين على بعضهما لتكوين حلزون مزدوج لجزيئة دنا فريدة بالكامل فيه جمال محسوس يدفع للتقديس. "هل للدنا أن يكون الروح؟" سألتُ بسذاجة. وبدا أنهما أجفلا من اقتراحي. بدأ ديڤيد، الذي درّس القانون الكنسي في المعهد، بالتفاخر بالموقف المستنير نسبيا للكنيسة الكاثوليكية تجاه نتائج العلوم—على الأقل في العصر الحديث. وكان بوضوح مأسورا باقتراح أن الدنا، وهو كيان مادي عليه عيون البيولوجيا الحديثة، قد يكون الروح، التي كانت تعد تقليديا غير مادية. ووعد بأن يبحث السؤال ليرى إن كانت الكنيسة قد أقرت بعلاقة ما بين الدنا والروح. ولكن شون، وهو شاعر درّس الأدب الإنجليزي في المعهد، كان غير مستعد حتى للنظر في فكرة أن روح الإنسان قد تكون محض جزيئة، وإن كانت جزيئة رائعة كالدنا. "فالروح،" قال شون، "روحانية؛ وليست شيئا ماديا." في الحقيقة، كنت مستعجلا. فالناس هم أكثر بكثير من الدنا تبعهم. فهويتنا الذاتية—"روحنا" لو أصررت—تستمر بالتغير خلال حياتنا مع تغيرنا وإضافتنا لما نعتقده عن العالم من حولنا. لا يأتي هذا التغير من الجينات بل الثقافة. في الجين الأناني، سمى ريتشارد دوكينز وحدات التناقل الثقافي "ميمات." وهي شبيهة بالجينات. تخزن الميمات، وهي كل الذكريات في الحقيقة، كتغيرات مادية حقيقية في ترابطات أدمغتنا. وهي إضافات إلى الطبعة الزرقاء للدنا.

عدد الصفحات ٥٥

ولكن الزيجة ليس لها ما تتذكره. فهي لا تملك أجهزة حسية. ولهذا فهي لا تشعر بشيء، ترى أو تسمع شيئا، ولا دماغ لها لتخزن الذكريات لو كان لها شيء ما لتتذكره. الوظيفة الوحيدة للزيجة هي أن تنقسم جسديا mitosis—وهي عملية باهرة أخرى. نتيجة الانقسام الجسدي هي أنه بعد حوالي ساعتين، ستكون هناك خليتان بنفس الدنا. وفي خلال أربعين أسبوعا، إن تم كل شيء، سيؤدي الانقسام الجسدي المتعاقب إلى إنسان حي يتنفس، يتكون من ترليونات الخلايا، تضم كل منها نسختها الخاصة من الطبعة الزرقاء للشخص المكتمل. ولكن هذا احتمال بعيد بعيد—وقد لا يتم جيدا. لا يهم كيف يصمم مهندس بحري سفينة جديدة، إذ لا يمكنك الإبحار بالطبعة الزرقاء. يجب أن تُبنى السفينة أولا، ولكنه يحتاج لأكثر من خيط فريد من الدنا أن تصنع إنسانا. الخلايا الجذعية كالزيجة تماما، فالوظيفة الوحيدة للخلايا الوليدة الناتجة بالانقسام الجسدي هي الانقسام من جديد. ومع تزايد الخلايا، تتكون منهن كرة جوفاء تدعى البلاستولا. تكون خلايا البلاستولا غير متخصصة. فهي غير مبرمجة لتكون عضلات، عظاما، أو أي شيء آخر. فوظيفتها الوحيدة هي إنتاج النسخ. ولكن بعد أسابيع قليلة، تقوم بعض النسخ باستعراض التخصص. وهي أول المتخصصات، التي تهدف لتكون جزءا من عين، طرف، أو عضو. ولكن الخلايا غير المتخصصة في البلاستولا هي ما يحمل أهم وعد للإنسان. فالعلماء يتعلمون اليوم كيف ينغزون تلك الخلايا الجذعية الجنينية غير المتخصصة لتصبح أي نوع من الخلايا المتخصصة المطلوبة للتعافي من أمراض عديدة. تظهر النتائج الأولية وعودا هائلة في معالجة أو حتى شفاء أمراض هددت البشرية طوال التاريخ. إضافة لذلك، فهناك مورد وفير للخلايا الجذعية الجنينية. ومنبع الكنوز هذا هو ناتج جانبي لإجراء الإخصاب بالأنابيب ( IVF)، الذي طوّر عام 1978 على يد طبيبين بريطانيين، پاتريك ستيپتو وروبرت إدواردز، لعلاج العقم. تخصب البويضات المأخوذة من مبايض المرأة خارج الجسم بخلطها مع المني في وسط سائل. ثم تنقل البويضة المخصبة إلى رحم المرأة، حيث تنمو بشكل طبيعي. رغم أن الأصوليين الدينيين يعارضون إجراء IVF كـ"غير طبيعي،" فهو يحل معظم عقبات الخصوبة وقد أصبح شائعا جدا. ففي العالم الصناعي، يعد IVF مسؤولا عن1% من أحداث الحمل في العادة، ينتج إجراء IVF أجنة أكثر بكثير من المطلوب. وتخزن الأجنة المتروكة بالتجميد لأجل استخدامها في حمل لاحق، أو التبرع بها للنساء العواقر. يقدر أن حوالي 500,000 جنين مجمد مخزونة اليوم في الولايات المتحدة. ربما قد أنتج حوالي ستة ملايين. وحين تنتفي الحاجة إلى الأجنة المجمدة، يتم التخلص منها ببساطة. قام قانون عام 1996، مرر بضغط من نشطاء الحق في الحياة الذين يعدون الزيجات بشرا في مرحلة مبكرة جدا من الحياة، بمنع استخدام الخلايا الجذعية الجنينية غير المتخصصة في البحوث الممولة فيدرالية. وفي ذلك الوقت، لم تكن وعود بحوث الخلايا الجذعية تنال تقديرا واسعا من العموم، ولكن البحث كان عقبة شديدة للباحثين الأمريكان في الخلايا الجذعية. حكم هارولد ڤارمَس، المدير الموقر لـ NIH حينئذ والعالم الفائز بنوبل، بأن القانون لا ينطبق على البحث في خلايا جذعية مستزرعة من نسيج جنيني في مختبرات خاصة.

عدد الصفحات ٥٦

وأبقى حكم ڤارمس بحوث الخلايا الجذعية حية في الولايات المتحدة، ولكنه لم يرضي إدارة بوش، فترك ڤارمس NIH إلى القطاع الخاص ومع ابتعاد سياسات إدارة بوش أكثر فأكثر عن الواقع العلمي، أصدرت مجموعة من ستين عالما قياديا، ضمنهم عشرون فائزا بنوبل، بيانا يتهم الإدارة بالتلاعب بعملية الاستشارة العلمية. وادعوا أن المجالس الاستشارية كان يتم غشها، وإن لم يمكن غشها يتم حلها. كانت تقارير المجالس الاستشارية التي لا تدعم موقف الإدارة تحجب، والقرارات المثيرة للسؤال للوكالات الفيدرالية كانت تستر عن المراجعة العلمية. وكان الرد المباشر للبيت الأبيض على هذه الاتهامات هو الاستهانة بالموضوع. فقد وصف جون ماربورغر، أهم علماء البيت الأبيض، نخبةَ المؤسسة العلمية الأمريكية بأنهم "شرذمة منتفشة الريش." وبعد أسبوع أصدر البيت الأبيض ردا أكثر فصاحة: فقد طرد داعمان لبحوث الخلايا الجذعية فجأة من مجلس أخلاقيات الحياة. وعين شخصان محلهما بشهادات ضعيفة ولكن سجل صلب من المعارضة الدينية لبحوث الخلايا الجذعية. كانت الرسالة واضحة: إن لم تتفق مع الرئيس، فسنجد شخصا يفعل. وعند 2006 كان العلاج بالخلايا الجذعية ينقذحيوات بالفعل. وكان هذا محض لمحة عما يمكن للمستقبل تقديمه. وتغير موقف الكونغرس والشعب إلى دعم بحوث الخلايا الجذعية، والتي كانت تتقدم بفعالية أكثر في أقطار أخرى. ورغم ذلك، لا زالت هناك معارضة شديدة من المحافظين الدينيين. وبقي جورج و. بوش، الذي يدين بانتصاره الضئيل في الرد - انتخابات للدعم الصلب لليمين الديني، معارضا بقوة لاستخدام الخلايا الجذعية الجنينية في البحوث. وفي روما، قام الكاردينال تروخيلو، رئيس المجلس الحبري لشؤون العائلة، بالحديث نيابة عن الپاپا بندكت السادس عشر حيث هدد الكاثوليك الذين يشاركون في بحوث الخلايا الجذعية بالحَرم excommunicaition. ولخّص ألمع علماء البحوث الجذعية في إيطاليا، سيزار غاللي، وهو أول عالم يستنسخ حصانا، موقف العلماء حول العالم بقوله: "لا أظن العلماء المهتمين ببحوث الخلايا الجذعية الجنينية سيتهمون إن تم حرمهم أو لا." ورغم تهديد الرئيس بال ڤيتو، مرر الكونغرس قانون تعزيز بحوث الخلايا الجذعية عام 2006. وكما وعد، استخدم الرئيس بوش قوة الڤيتو تبعه للمرة الأولى. "كان الڤيتو ضروريا،" شرح الرئيس في مقابلة تلفازية، "لحماية كرامة الأجنة." فبدلا من استخدامها في البحوث، مع إمكانية حفظ حيوات بشرية، سينتهي الأمر بالأجنة بالرمي في الأزبال— ربما "بكرامة" محفوظة. لم يكن لداعمي بحوث الخلايا الجذعية في الكونغرس أصوات كافية للرد على الڤيتو. وكان أحد أكثر التقدمات وعدا في تاريخ الطب قد أوقف بسبب اعتقاد ديني بأن خلية زيجة واحدة قد منحت روحا. ولكن أي دليل يتوفر للروح—في زيجة أو أي مرحلة من نمو الإنسان؟

عدد الصفحات ٥٧

في البدء وفقا لنكتة شائعة، كان قس كاثوليكي ووكيل پروتستنتي وربّي يهودي يناقشون بداية الحياة. "تبدأ الحياة في لحظة الحمل،" قال القس. فرد عليه الوكيل، "لا تبدأ الحياة حتى يستطيع الجنين البقاء خارج رحم أمه." وهز الربي رأسه مستنكرا وقال، "كل يهودي يعرف أن الحياة لا تبدأ حتى يغادر آخر ولد المنزل ويموت الكلب." في معظم الأديان، تعرّف "الحياة" بوجود الروح، ولكن هناك اتفاقا ضئيلا على وقت حدوث هذا. فيشير اليهود والمسيحيون المتحررون لسفر التكوين لدعم اعتقادهم بأن الروح تمنح حين يأخذ الوليد نفَسه الأول: وخلق الله آدم ترابا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة الحياة؛ فصار آدم نفسا ناطقة. التكوين 2 :7. ولكن آدم يبدو أنه بدأ حياته كرجل، وليس كطفل. وهذا ما يجعل الكتابالمقدس مستندا غنيا جدا. فـ"أعظم قصة رويت على الإطلاق" محكية بالمجازات. ويقرأ الناس في هذه المجازات كل ما يريدونه. يتفق المسيحيون المحافظون عادة مع الروم الكاثوليك على أن الروح تعطى للبيضة المخصبة في لحظة الإخصاب، ولكن معظم المسيحيين المتحررين يتفقون مع اليهود على أن الروح تظهر مع النفَس الأول. وبين الحمل والولادة، كل مرحلة من نمو الجنين نسبت إليها منحة الروح عند فرقة ما: حين تنقسم الزيجة لأول مرة؛ حين يبدأ تخصص الخلية؛ حين يحتوي الجنين دما؛ حين ينبض القلب أول مرة؛ حين ينمو جذع المخ؛ أو حين يمكن للجنين الحياة خارج الرحم. وآيات الكتاب المقدس المستخدمة لدعم كل من هذه البدايات واضحة فقط للمؤمنين بها. إن كان الكتاب المقدس هو كلمة الله الموحاة المعصومة، كما يعتقد الكثير، لماذا اختار الله أن لا يكون دقيقا؟ فحتى حين يقتبس القسوس والربيون والوكلاء نفس الآية الكتابية، يختلفون حد الشقاق على معناها. لا يمكن أن يكون كلهم على حق—ولكن يمكن أن يكونوا على خطأ.

عدد الصفحات ٥٨

أين ذهبت برايدي ميرفي؟ عام 1952، وضع موري بيرنشتين، وهومنوّم هاوي في پويبلو، كولورادو، فتاة تدعى ڤرجينيا تايغ في غشية عميقة. وأثار دهشته أن ڤرجينيا بدأت بالثرثرة بلهجة أيرلندية وسمت نفسها برايدي ميرفي. وقالت أنها كانت امرأة أيرلندية تعيش في كاونتي كورك في القرن التاسع عشر. وفي جلسات عديدة متتالية، قامت ڤرجينيا (أو برايدي) برقص الجيغ jig الأيرلندي، وغنت أغاني أيرلندية، وحكت قصصا أيرلندية عن حياتها المفعمة بالنشاط في كاونتي كورك. وكتب بيرنشتين كتابا من أفضل المبيعات، البحث عن برايدي ميرفي، على أساس محاضر تلك الجلسات. وتحول لاحقا إلى فيلم. أدى الكتاب والفيلم لخلق ظاهرة شعبية. فلم يستطع العموم الاكتفاء من برايدي ميرفي. وبدت القصة تدعم فكرة التناسخ حيث تبقى الروح بعد الموت، ولا تصعد للسماء بل تنتقل في جسد جديد. سيبدو بالعد فقط، أن معظم الناس في العالم يفضلون فكرة التناسخ على السماء. وحتى ضمن المسيحيين بالاسم، فالعديد منهم مبهورون بالتناسخ، ورغم قساوة الحياة، يهتم الناس بالعيش أكثر من لقاء الله. إن كان هناك "جين الله،" اعتقاد غريزي ما في الله، كما اقترح البعض، فلا يمكن مقارنته بغريزة البقاء. أطاف الصحفيون بكاونتي كورك بحثا عن أي ذكر لبرايدي ميرفي، وخرجوا خالي الوفاض. ولكن في كل التغطية الإعلامية، لا يوجد ذكر لأي شخص قام بطرح السؤال البسيط الذي كان لينهي نلك النوبة السخيفة رأسا من البداية: أين تم اختزان ذكريات ڤرجينيا تايغ عن حياة لاحقة؟ وفقا لهدير ڤرجينيا تحت التنويم، عاشت برايدي لا في بلد مختلف فحسب، بل في قرن مختلف أيضا. وكان الغموض الفعلي هو أين استقرت ذاكرة برايدي ميرفي قبل انتقالها إلى الترابطات في دماغ ڤرجينيا—ليس غموضا مثيرا جدا حين تزيل عنه السحر. هذا هو نوع الأسئلة الذي يفصل بين العلم والخرافة. فالمعلومات، بما فيها الذكريات، يجب أن تستقر ماديا في مكان ما وإلا فستختفي: رقميا في قرص صلب لحاسوب، كمثال، أو في تسلسل قواعد في جزيئة دنا، أو علامات على ألواح طين قديمة منذ 5000 سنة من وادي الرافدين، أو كترابطات بين خلايا دماغ بشري. يمكن للذكريات أن تنتقل من وسط خزن معين لآخر، ولكنها لا تبقى عائمة في انتظار أن تُعدي دماغ أحد ما. حل الغموض في النهاية حين عثر صحفيو الشيكاغو أمريكان على برايدي—ليس في أيرلندا ولا في القرن التاسع عشر، بل في ماديسون، وسكونسن، في القرن العشرين. عاشت برايدي ميرفي كوركيل عبر شارع من البيت الذي نشأت فيه ڤرجينيا تايغ. لم تكن ذكريات ڤرجينيا من حياة سابقة، بل من جارة أيرلندية في طفولة ڤرجينيا نفسها. نادرا ما تكون الحقيقة جذابة كالخيال المحكي جيدا، واختار الآلاف الاستمرار بتصديق قصة برايدي ميرفي الأصلية، ولا يزالون. ربما يظنون أن الشيكاغو أمريكان كذبت. وهذا احتمال حقيقي، ولكن ربما لم يكذب أحد. فالشخص في غشية تنويمية يقع تحت سيطرة المنوّم. سيقول كل ما يريده المنوّم أن يقول. وقد يكون المنوّم يقود تابعه دون أن يعرف.

عدد الصفحات ٥٩

ليس الجميع عرضة للتنويم. فببعض المقاييس، لا أزيد من10% يمكن وضعهم في غشية تنويمية. وهم في العادة الأشخاص الذين يقصون خبرات دينية عظيمة. ومشاهير هوليوود بالخصوص يبدون عرضة لاستذكار الحياة السابقة تحت التنويم، أو للاعتقاد بالتناسخ—ولم لا؟ قد يجدون في الشهرة إدمانا. بمساعدة معالجيهم، يقوم المشاهير دون اختلاف باكتشاف أنهم كانوا مشاهير في حيواتهم السابقة—ربما كليوپاترا أو الاسكندر الأكبر، وليس إسكافيا أو عامل اسطبل. سألني صحفي كيف أني متأكد هكذا من أن استذكار الحياة السابقة هراء. فأجبته، "لأنه لا توجد أدلة متحققة لتدعمه." وكانت هذه بالتأكيد عبارة صحيحة، ولكنه رد بهز كتفيه والقول، "ربما هناك دليل لا تعرف أنت عنه. فالعلم لا يعرف كل شيء." حسنا، ذلك صحيح أيضا. ربما كان علي القول أنه لا يوجد احتمال على وجود أدلة صحيحة لتدعمه. فلا يمكن وجود ثغرة في سلسلة الذكريات. نميل للقلق على نسيان الأشياء، ولكن ذكريات واضحة عن أشياء لم تحصل أبدا قد تكون مقلقة أيضا، ولدينا جميعا بعض ذكريات كهذه. فالدليل القصصي ببساطة لا يمكن الثقة به، حتى حين تكون القصص لنا. يجب علينا أن نختبر ونتحقق. أوقات صعبة في الرحم قلة منا لديهم ذكريات عن أحداث قبل عمر الثالثة، فضلا عن قبل الولادة. ولكنه واضح أن الأطفال يجمعون المعلومات بمعدل رهيب: استذكار الوجوه، واكتشاف كيفية جذب الانتباه، وتلقف أولى أسس اللغة. كل شيء جديد وكله يذهب للدماغ، مكونا ترابطات أسلاك قد تستمر طول الحياة. قد توفر هذه الذكريات الباكرة بصائر لسلوكنا لاحقا في الحياة—لو استطيع الوصول إليها. لن تتفاجأ بمعرفة أن الاستذكار التنويمي استغله المعالجون للبحث عن علامات طفولة مبكرة للعصاب. ونجحوا في ذلك بالتأكيد. وبدأ البالغون، بمساعدة معالجيهم، باستذكار ألم التسنين والإحباط التالي لإبعادهم عن ثدي أمهم. ولكن لمَ التوقف هنا؟ مستعينين بأيدي العون لـ"معالجي الذاكرة المسترجعة،" بدأ الناس باستذكار الدفء والأمان الذي شعروا به في الرحم. ولمعارضي الإجهاض، كانت ذكريات الرحم برهانا كافيا لدعم قضية أن الجنين إنسان، كامل المشاعر والأحاسيس. أصبحت لذكريات الرحم المسترجعة شهرة فائقة في خريف 1992 حين نشرتسان دييغو يونيون-تربيون القصة الصادمة لامرأة استذكرت ذكريات مؤلمة ومخيفة لمحاولة أمها غير الناجحة لإجهاضها. لا سبيل للتأكد من أن ذكرياتها كانت من الرحم، أو أنها كانت ذكريات أصلا. إن لم يكن هناك سبيل لتأكيد أو رفض ادعاء ما، فلا سبب لنسبة أي أهمية له.

عدد الصفحات ٦٠

التخلي عن الشبح قبل قرنين كانت هناك قصص عديدة عن أشكال شفافة ترتفع من أجساد الأشخاص عند اللحظة الدقيقة لموتهم وتصعد للمساء. توقفت الأرواح عن فعل هذا منذ وقت طويل، ولكن قبل قرن بنى الد. دنكان مكدوغل من هاڤرهيل، ماساشوستس، فراشا غريبا في مكتبه، موضوعا على منصة موازنة. يسمح هذا الفراش برصد تغير في وزن المريض بقدر عشر الأونصة (حوالي 3 غرامات). وضع مريض على شفا الموت على هذا الفراش، وسجّل الد مكدوغل هبوطا قدره 21 غراما في لحظة مفارقته، ونسبه إلى مغادرة الروح للجسد. وأظهرت تجارب مع مرضى محتضرين آخرين نتائج مماثلة. أعلن الد. مكدوغل أن على تجربته أن تعاد مرارا على يد آخرين ليكون متأكدا من النتيجة. أعاد القياسات لاحقا مرارا على الكلاب، التي سممت كما يبدو بدلا من انتظار المحتوم. وبالنسبة للكلاب لم يجد مكدوغل أي فقدان مفاجئ للوزن عند الموت، وهي نتيجة أكدت قناعته الدينية بأن للبشر وحدهم روحا. للبحث المضلل طريقته في موافقة قناعات الباحث. كان مكدوغل يخطط أيضا لتصوير مفارقة الروح للجسد باستخدام كاميرا أشعة X. وعلل ذلك بأن صورة أشعة X هي صورة ظلية، ولهذا فستصوّر الروح. ولكن قبل أن يستطيع الحصول على الصور، كان الد. دنكان مكدوغل نفسه من قام بالتخلي عن الشبح. رغم أن تجارب مكدوغل لا تعد اليوم حاوية لأي قيمة علمية ولم تعاد أبدا، لا يزال للرقم 21 غراما مكان في التراث الشائع كوزن الروح البشرية. وحصل فيلم درامي مرشح لجائزة الأكاديمية عام 2003،21 غراما، على عنوانه من نتيجة مكدوغل. ولكن البحث عن الروح تخطى القياس الوزني إلى "الإسقاط النجمي." الإسقاط النجمي كانت خبرات الخروج من الجسد تتناقل لآلاف السنين، ولا يوجد سبب للشك في كونها حقيقة، أو على الأقل تبدو حقيقة للشخص المار بها. وهي تنسب أحيانا إلى أدوية مهلوسة أو حالات عصبية كالشقيقة والصرع. وتتضمن نوبة كهذه شعورا قويا بكونك خارج جسدك، وأحيانا تعوم فوقه. وهذا بالتحديد أقوى لو حصل كجزء من خبرة القرب من الموت. للمتدينين الذين يعتقدون بوجود روح تفارق الجسد، من السهل أن يتخيلوا أن روحهم قد فارقت جسدهم المحتضر وهي تحوم فوق فراش الموت، ناظرة للأسفل. وللمعتقدين بالعصر الجديد New Age، تؤكد الحكايات عن خبرات الخروج من الجسد قناعتهم بأن الوعي هو شيء مختلف عن الجسد ويستطيع جمع معلومات من أماكن بعيدة، كما في الرؤية عن بعد، وتعود بها إلى الجسد. يشيرون لهذا بـ"الإسقاط النجمي." لدى الصحف المصغرة إعجاب خاص بخبرات الخروج من الجسد، وحتى CIA اقتنعت بها في أوج الحرب الباردة، صارفة ملايين الدولارات لتجمع مجموعة من الوسطاء الرائين عن بعد في مقر CIA في لانغلي، ڤرجينيا. ادعى هؤلاء أنهم قادرون على إسقاط أنفسهم على أي مكان. وكما يقال، كانوا قادرين على إسقاط أنفسهم على الكرملين، ولكنهم لم يستطيعوا أن يصلوا للقرب الكافي كي يقرأوا الوثائق. سهولة خداع CIA هذه تثير الخوف أما للعلماء، فليس أي من هذا معقولا. يميلون إلى اعتبار خبرات الخروج من الجسد مجرد سوء إدراك آخر لدماغ يجب عليه الموافقة بين عدد من المدخلات الحسية. وبالخصوص،

عدد الصفحات ٦١

يرفض العلماء تلقائيا أي تفسير باطني كالروح. فقناعتهم هي أننا حين نفهم أفضل كيف يعالج الدماغ المعلومات الحسية، لن تصبح خبرات الخروج من الجسد غريبة. وفي الواقع، هذا يحصل الآن. ففي 2006، كانت مريضتان تخضعان لتقييم لأجل جراحة صرع في مستشفى الجامعة في جنيڤ. وزرع الأطباء عشرات الأقطاب في دماغيهما لتحديد أي نسيج شاذ كان يسبب نوباتهما. أشار الد. أولاف بلانكه، عالم أعصاب سويسري، في مجلة نيتشر Nature أنتحفيزا كهربائيا متوسطا لمنطقة في الدماغ تدعى التلفيف الزاوي angular gyrus أحدثت خبرات خروج من الجسد في كلا المريضتين. ووجدتا، مع تاريخهما النفساني العادي، أن الخبرة مزعجة وغير مريحة. شعرت الأولى بأنها كانت معلقة من السقف؛ أما الثانية فأحست بأن هناك شخصا غامضا خلفها كان يتدخل في أفعالها. يقع التلفيف الزاوي في الفص القفَوي، وهو منطقة عديدة الحواس في الدماغ ترتبط بعدد من العمليات المتعلقة بالإدراك. فهو يعالج المعلومات من الحواس الرئيسة ليخبر الدماغ بموقع الجسم في الفضاء. هناك حواس أكثر بكثير من الخمس التي تعلمنا عنها في المدرسة. فلدينا أعضاء للتوازن في آذاننا لتبقينا واقفين، وملايي ن المتحسسات في جلدنا ترصد الحرارة والبرد باستمرار على كل سطح جسمنا. وتُشعِر الأعصاب في مفاصلنا وأوتارنا دماغنا بالتوتر. لا بد أن يستخلص الدماغ شيئا من خليط الإشارات هذا، ولكن الدماغ يسهل خداعه. بعد عام من تجارب تحفيز الدماغ، وجد الد. بلانكه أن خبرات الخروج من الجسد يمكن احتثاثها دون تحفيز الدماغ أو الأدوية المهلوِسة. كانت تثبت على عيني الموضوع نظارات عرض تظهر صورة ڤيديو للشخص من منظور مختلف. وكان دماغ الموضوع ليتقبل الوهم بسرعة. لم يكن لعمل الد. بلانكه وآخرين أي تأثير على المهتمين بالماوراء، الذين استمروا في الإشارة إلى خبرات الخروج من الجسد كبرهان على أن الوعي موجود خارج الجسد. تؤدي الروح، أو النسمة، تأثيرا مهما في كل دين تقريبا على الأرض. ولكن الروح تقسم أكثر مما توحد. فالمجادلات حول الروح تبقى دون حل لعدم وجود حقائق، فقط حقائق غير مدعومة. ولكن هناك واحد لم ننظر إليه بعد—السماء. لو وجدنا برهانا على السماء، فلا بد من وجود أرواح لتملأه. وهذا هو موضوع الفصل اللاحق.

عدد الصفحات ٦٢

ـ الفصـلـالـخامـسـ الجـيش الصامـت وفيه نبحث عن حياة ما بعد الموت تبدو التماثيل الرمادية بالحجم الطبيعي لمحاربين من الطين المفخور terra-cotta وكأنها تمتص الضوء الصناعي، تحت القبة العملاقة التي تغطي موقع التنقيب. هناك يقفون في العتمة، عمودا بعد عمود في ترتيب معركة، بأسلحة في أيديهم. حين تراهم للمرة الأولى، ستجد نفسك تتكلم بصوت خافت وكأنك في جنازة، ولكن الجنازة كانت قبل 2,200 سنة كان هذا الجيش مجموعا لحراسة أول إمبراطور لكامل الصين في حياته اللاحقة. للصينيين تاريخ حزين في منح قوة كبيرة جدا لقادتهم، وكانت قوة تشن شي هوانغ مطلقة. وسر الحفاظ على القوة المطلقة هو إبقاء الناس جاهلين بالعالم الخارجي. سيتقبل الناس الخضوع التام ما داموا يعتقدون أنه الوضع الطبيعي. وكان سور الصين العظيم، الذي أكمله تشن، رمزا للهوس بالانعزالية في الصين الإمبراطورية. ولكن في عالم اليوم، فالأسوار التي لا تخترقها الجيوش تتغلغل فيها موجات الراديو بسهولة. يتطلب الانعزال في العالم الحديث التحكم بالإعلام، وهو ما يدفع بالدكتاتوريات لتتقيأ الدعاية باستمرار. عام 1955، أطلق البطل الثوري ماو تسي تونغ، الذي خسر الكثير من تأثيره نتيجة لفشل خطته غير العملية جدا "الطفرة الكبرى للأمام"، الثورة الثقافية الپروليتارية الكبرى المرعبة في محاولة يائسة لاستعادة القوة. فقام بتجنيد مليشيا من المتطرفين الصينيين الشباب سماهم الحرس الأحمر، وشرّبهم بالحماس الوطني، وأطلقهم على أعدائه السياسيين.

عدد الصفحات ٦٣

تفويض السماء في تاريخ الحكم، كان مؤكدا أن توريث السلطة لذرية الحاكم هو أكثر الطرق ممارسة وأقلها عقلانية لاختيار قائد. كانت حسنته الوحيدة هي تقليص النزاع على الخلافة، ولكن حتى هذا أدى مرارا إلى أحداث فشل ذريعة. ودون مفاجئات، اكتشف الملوك والأباطرة أن شرعيتهم أعطيت في الحقيقة من قوة عليا. وكانت فكرة الحق الإلهي للملوك في أورپا قد قدمت بشكل لطيف في العهد الجديد: لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة هي مُرتّبة من الله. حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة. فإن الحكام ليسوا خوفا للأعمال الصالحة بل الشريرة ... ولكن إن فعلت الشر فخف، لأنه لا يحمل السيف عبثا، إذ هو خادم الله، منتقم للغضب من الذي يفعل الشر. رومية 13 :1-4. كيفما اختير الملك، وحتى إن ثبت أنه مجرم مخبول، فلا يزال صاحب السلطة وفقا لهذه الآيات. ولا بد أن الملوك أحبوا فقرة "المنتقم" حيث يقوم الملك بتنفيذ "الغضب." إن حجم المعاناة البشرية الذي شرعته هذه الآيات طوال القرون يصعب تخيله. وباستثناء العالم الإسلامي، سُلب الملوك منذ زمن طويل من أي سلطة حقيقية. وإنه محرج للاعتبارات العقلانية أن عدة أمم حديثة لا تزال متعلقة مع ذلك بعائلاتها المالكة لأغراض طقوسية. إن الفكرة الصينية التقليدية عن حكم الملوك، والتي تعرف باسم تفويض السماء، مشابهة للحق الإلهي للملوك، ولكنها على الأقل تضيف قيد هروب يسمح بخلع الأباطرة الظالمين. فالسماء تبارك سلطة الحاكم العادل، ولكنها لن ترضى بحاكم غير حكيم وتعطي التفويض بالحكم لشخص آخر. وبشكل محير، في حين عدت الثورة خطئا، كانت الانتفاضات الناجحة تتقبل كدليل على تفويض السماء. كانت الانتفاضات يقودها أحيانا قادة فطريون من أصول متواضعة، يصبحون بعد ذلك أباطرة، مؤسيين سلالات جديدة. قد يكون الإمبراطور الجديد وذريته المباشرة مستنيرين نسبيا. ولكن التأثير المفسد للسلطة المطلقة سينتج، في أجيال قليلة، مستبدين شديدي القسوة. وخلعهم سيضع علامة بداية سلالة أخرى. ورغم إعلان ماو نهاية للثورة الثقافية عام 1969، فقد استمرت مستقلة: فالعنف، الاتهامات، الإهانات العلنية والإعدامات الجماعية استمرت حتى 1976، سنة موت ماو. ومع ماو، بدا أن التعاقب الوراثي في الصين قد وصل لنهايته. ويبدو الآن غير متصور أنه سيعود يوما. في يوم ما، بعد أن تضعف الذكريات عن الرعب الذي أحدثه الحرس الأحمر، قد يستذكر ماو كبطل أنهى الحكم الوراثي في الصين. حصل كل هذا عمليا بعيدا عن نظرنا. فربع العالم تقريبا كان معزولا خلف ستارة خيزران. قامت الزيارة التاريخية للرئيس نيكسون إلى پكين عام 1973، حيث قابل ماو، برفع زاوية من ستارة الخيزران بما يكفي لإعطاء العالم لمحته التلفازية الأولى عن جمهورية الصين الشعبية في سبع سنوات. وكانت صادمة. أصبحت الصين أغرب دولة على العالم—وأكثرها تخلفا.

عدد الصفحات ٦٤