لم يقم كتاب جونسون عام1991، داروين يحاكَم، بتكوين ثورة، ولكنه وضع علامة لتأسيس حركة التصميم الذكي. للخطوة الثانية سيحتاج منظمة وموارد. وسيحتاج أيضا لشيء من الغطاء العلمي، ولكن لم يكن هناك علماء متعاطفون مع التصميم الذكي—أو على الأقل علماء ذوي شأن. فالبيولوجيون والإحاثيون لم يكونوا مهتمين بآراء أستاذ قانون دون خلفية في العلم ولكنه يحاول تحدي الركيزة الأساسية للبيولوجيا الحديثة. وأفضل ما أتى به كان ستيڤن ماير، طالب دراسات عليا في فلسفة العلم في كمبردج كان قد التقاه في إجازته اللندنية—ليس عالما بالفعل، ولكنه قد يكون قريبا. بعد تخرجه من كمبردج، درّس ماير الفلسفة في عدة كليات مسيحية صغيرة. وفي عام 1990، تعلق بسياسي بلا منصب يدعى بروس تشا پمان ليؤسسا معهد الاستكشاف Discovery Institute في سياتل، واشنطن، وهو معهد تعليمي لاربحي وكتيبة تفكيرthink tank يقوم على الدفاعات المسيحية لـ ك.س. لويس ويواجه "المادية الافتراض الأساس للعلم الحديث، ورؤية العالم السائدة في عصرنا، هي الطبيعية، التي تعتقد أن كل ما يحصل في العالم يمكن تفسيره بقوانين الطبيعة. بقول بسيط، لا يوجد سحر. ولكن معهد الاستكشاف يتجنب أبدا استخدام كلمة "الطبيعية،" مستخدما بدلا منها مصطلح "المادية العلمية." لماذا التغيير؟ تحمل "الطبيعية" إشارة إيجابية. ولكن مع أن "المادية" يمكن أن تعني ما تعنيه "الطبيعية،" يمكن أيضا أن تعني رغبة مهووسة في التملك الدنيوي، مما يجعلها إشارة أكثر سلبية. حتى العنوان "معهد الاستكشاف" اختير ليعكس صورة عن البحث العلمي، في حين أن المنظمة لا تقوم بأي بحث. بدأ كل شيء يقع في محله كما خطط له فيليپ جونسون. فـ"التصميم الذكي،" مدعومة بخطة جونسون لتدريس الجدال، قد حازت اهتمام المانحين شديدي المحافظة وعميقي الجيوب، ومنهم هوارد أهمانسون الابن ومؤسسة مكليلان. وافق معهد الاستكشاف على تأسيس مركز العلم والثقافة، مكرسا فقط لدعم التصميم الذكي. عيّن ستيڤن ماير مديرا و "زميلا أقدم" للمركز، وفيليپ جونسون "مشيرا أقدم" له. وضع جونسون خطة خمسية. وكان هدفه الأساسي هو الفوز في محكمة الرأي العام، وهذا ما حصل—لوقت ما. كانوا يربحون باتباع مجموعة صارمة من القواعد حددها جونسون. لهذه الخطة شكل قد تريد اتباعه، ولكن ليس ما تريد الدعاية له: لا تتورط في التفاصيل أو الجدال حول الحقائق العلمية تناسى الطوفان العظيم وعمر الأرض لا تذكر الكتاب المقدس أو الخلق، بل الله أص ابق مركزا على "ثغرات" التطور الموقع الاحتياطي هو "تدريسالجدال." إنها خطة للخداع، محاولة لصرف الانتباه عن الفراغ العلمي لحجج التصميم الذكي. حقائق غير مريحة قبل وقت طويل، كانت تسع عشرة ولاية تفكر في تشريعات تلزم تعليم التصميم الذكي إضافة للتطور. كان التصميم الذكي يعم الأنباء، ولكنه لم يختبر بعد في المحاكم. كان هناك الكثير مما ينبغي عمله قبل اليوم المحتوم في المحكمة.
عدد الصفحات ٣٣لتنفيذ خطة فيلي پ جونسون، احتاجت حركة التصميم الذكي لواهبين ماليين. والواهبون المحتملون يريدون معرفة أين يصرف مالهم، فيجب أن يكونوا على علم بالخطة، مما يزيد خطر الانكشاف. عيّن مركز العلم والثقافة شركة علاقات عامة لتساعد في حجم البريد المتزايد. كان المركز مليئا بالمسيحيين المحافظين الملتزمين جدا، خلافا لشركة العلاقات. في يناير 1999، أعطي لمستخدم في الشركة مستندا من عشر صفحات معنوناالإسفين ليستنسخه. وكان مختوما بـ"سري للغاية." بفضولية، عمل نسخة إضافية لنفسه. وخلال أيام، كان الإسفين المخادع الساخر على النت ليراه العالم أجمع. بحلول 2004، أصبحالإسفين موضوع كتاب جامعي بقلم أكاديمييَن لامعين. ففي حصان طروادة الخلقية، تتبعت الفيلسوفة باربرا فورست والفسلجي پول غروس، أصول حركة التصميم الذكي إلى دعائمها الخلقية. السرية لا تنتمي إلى ديمقراطية. يبدو أنه في عالم خطر، ليس للديمقراطيات خيار إلا أن تحفظ بعض أنواع المعلومات ضد انكشافها للعلن، كتفاصيل لأنظمة الأسلحة. ولكن كل سر يحمل معه كلفة عالية من الفساد وعدم الكفاءة، إضافة لانمحاء المبادئ الأخلاقية. يحب ذوو السلطة، بالتأكيد، الأسرار الرسمية. فهي تعطيهم تحكما كليا بإطلاق المعلومات. تصنف الحكومات بـ"سري" كل ما قد يكون محرجا لهم، وتسرب المعلومات التي تظهرهم أفضل. شرح سكرتير الصحافة في البيت الأبيض سكوت مكليلان ذات مرة أن الرئيس لا يسرب أي أسرار، لأن كل شيء يختار الإفصاح عنه يفقد السرية تلقائيا. آخر خطوط دفاع الديمقراطية قد يكون العيون ضمن الحكومة، المستعدين للمخاطرة بوظائفهم، وحتى الذهاب للسجن، للكشف عن حقائق محرجة مخفية خلف ستار السرية الرسمية. فتسريب 1971 لأوراق الپنتاغون على يد دانيال إلسبرغ عجل بنهاية حرب ڤيتنام. وتسريب مراجعة الموقف النووي للپنتاغون عام 2002 والسجون السرية التيتديرها CIA في أورپا الشرقية عام 2006 كشف السياسات التي كان العموم ليدينها. الحماية الوحيدة ضد التسريب هي أن يتم العمل كليا في العلن. وهذا الخيار لا يتخذ دوما. تختار منظمات خاصة بأجندات مثيرة للجدل، كمعهد الاستكشاف ومركزه للعلم والثقافة، أيضا أن تعمل في الخفاء؛ ولكنها لا تنجح في ذلك أكثر من الحكومة. كان تسريب الإسفين البداية فقط؛ وكان لحقائق غير مريحة أخرى أن تخرج للعلن. أيقونات الخديعة جنّد مركز العلم والثقافة عشرات من "الزملاء" للدعاية لهدفه. بعضهم من كليات مسيحية صغيرة، ولكن عديدين يحملون دكتوراه من جامعات مرموقة. جوناثان ويلز، وهو زميل أقدم، هو بيولوجي خلية مع دكتوراه من جامعة كاليفورنيا، بيركلي. كتب في عام 2000 أيقونات التطور: علم أم خرافة، أو "لماذا معظم ما ندرّسه عن التطور خطأ." بوّق معهد الاستكشاف لموقفه هذا كالتزام "بالعلم السليم." ولكن أيقونات التطور كان كارثة. ربما كان شعبيا عند مجلس مدارس كانساس، لكن كل عالم أزعج نفسه بقراءته هاجمه. يبدو ويلز مغتاظا بالخصوص من ملاحظة البيولوجي الأمريكي الكبير ثيودوسيوس دوبژانسكي أن "لا شيء في الأحياء معقول إلا في ضوء التطور." وهذا كان في الحقيقة عنوان مقالة كتبها دوبژانسكي لـ مدرّس الأحياء الأمريكي عام 1973، قبل عامين فقط من موته.
عدد الصفحات ٣٤كل بيولوجي أعرفه يتفق تماما مع دوبژانسكي، الذي كان بالتأكيد أكثر أحيائي أمريكي تأثيرا في زمانه. في أيقونات التطور، يتهم ويلز دوبژانسكي بـ"الدوغمائية،" ويبدو غير واعي بشدة للمفارقة الهائلة لتهمة كهذه. لقد كرس دوبژانسكي كل حياته لمقاومة الدوغمائية. في عام 1927، حيث وقعت روسيا تحت سحر البيولوجي المجنون تروفيم ليسنكو، هاجر دوبژانسكي وزوجته إلى الولايات المتحدة لئلا يعيشا وفق أحكام ليسنكو. أصبح ليسنكو مسؤولا عن الزراعة السوڤييتية، وضغط على المسؤولين السوڤييت لمنع تدريس نظرية داروين في التطور بالانتخاب الطبيعي مفضلا آلية جان-باپتيست لامارك المبكرة لوراثة الصفات المكتسبة. اقترح لامارك نظريته ليشرح تطور أشكال الحياة قبل خمسين سنة من نشر داروين أصلَ الأنواع، لكن أنصاره استمروا حتى القرن العشرين. كانت نظرية لامارك افتراضا لامعا، لكنها عانت من ضعف شديد هو عدم التوافق مع الأدلة. لا مشكلة، فالتطور اللاماركي تناغم مع عقيدة ماركس ع ن المادية الجدلية، مما أعطى لليسنكو تأثيرا كبيرا على الزراعة الروسية. وكانت النتيجة مجاعة واسعة النطاق بسبب عجز المحاصيل، وتأخُّ ر البيولوجيا السوڤييتية عن التقدم الانفجاري في سائر العالم الصناعي الذي أطلقته نظرية داروين. لم تتعافى البيولوجيا الروسية بالكامل بعد من ليسنكو، ولا تزال تسير في خطى العالم الصناعي. لم يقم ويلز فقط بمراجعة تاريخ الحياة الأرضية في كتابه، فقد راجع تاريخ حياته الشخصية في المقدمة. يكتب ويلز في المقدمة أنه كطالب دراسات في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، فكر في البدء أن معظم ما درسه عن التطور كان صحيحا في الأساس. وفي النهاية، كما يكتب، بدأ يدرك أن المراجع عن التطور تتضمن "تفسيرات سيئة مفضوحة، تشير إلى أن الداروينية تشجع على تشويه الحقائق." ذكرياته تختلف جدا في السيرة الذاتية التي كتبها لكنيسة التوحيد. فجوناثان ويلز متحول إلى كنيسة التوحيد، التي أسسها الموقر سون ميونغ مون. من 1976 إلى1978 درس ويلز في معهد التوحيد اللاهوتي. وشعر بالإطراء حين اختاره الموقر مون، الذي يسميه ويلز "الأب،" للدخول في برنامج الدكتوراه: "كلمات الأب، دراساتي، وصلواتي أقنعتني بأن علي تكريس حياتي لتدمير الداروينية." لا يبدو ذلك شبيها بطالب الدراسات المتحرر من الوهم الذي وصفه ويلز في مقدمة كتابه. أن يقوم تلميذ مطيع للموقر سون ميونغ مون باتهام ثيودوسيوس دوبژانسكي بالدوغمائية هو أكثر من مفارقة. هذا مثال على الشرور الذي سماه پول تيليش "الخداع المقدس،" وفيه تقلب الحقائق لتدعم نتيجة تعد ذات قيمة. سنمر بأمثلة أخرى على الخداع المقدس، وخصوصا حين يأتي التصميم الذكي ليومه في المحكمة. الفئات بدا لهذه الإحراجات تأثير قليل على المواقف العامة تجاه التطور. فوفقا لاستبيان غالوپ تم في صيف 1999، قال45% من الأمريكان البالغين أنهم يؤمنون بتفسير حرفي في الحكاية الكتابية للتكوين، وواحد فقط من كل عشرة يقر بتفسير علمي كليا للتطور.
عدد الصفحات ٣٥تؤدي استبيانات الرأي وظيفة مهمة في أي ديمقراطية. فنحن نحتاج لمعرفة شيء ما عن الموقف العام في الموضوعات، ولكن الاستبيانات ليست انتخابات. ما يصعب تمييزه في أرقام الاستبيانات هو عمق الاقتناع. حين يقول الناس أنهم يؤمنون بقصة التكوين الكتابية، ما معنى "يؤمنون"؟ كم تتوقع أن يستعد الناس للمراهنة على أن التكوين صحيح بحرفيته؟ فالمجتمع ليس متسامحا جدا مع غير المؤمنين. وحتى في مجهولية الاستبيان، كثير من الناس، إن لم يكن معظمهم، يكيّفون اجتماعيا ليتجنبوا قول شيء قد يثير الحساسيات الدينية. يجب البحث عن طرق لطرح أسئلة استبيان كهذه في سياق غير ديني. والناس أيضا، بعد كل شيء، يكرهون أن يبدوا جهلة. بما أن تفسيرا حرفيا للتكوين يحدد عمر الأرض بحوالي ستة آلاف سنة، سيكون ممتعا أن تسأل الناس إن كانوا يتفقون مع العلماء الذين يقولون أن الديناصورات عاشت قبل ملايين السنين، دون أية إشارة للتكوين. اقترحت تجربة كهذه عام 1999 على مستبيِن فيكانساس سيتي ستار، كان يتتبع الجدال حول الخلقية عن قرب في كانساس. ووافق المستبين على التجربة. بناء على نتائج استبيان غالوپ، ستتوقع أن أقل من نصف السكان سيوافقون العلماء على عمر الديناصورات. وبدلا من ذلك، 81% قالوا أنهم يوافقون على أن الديناصورات عاشت قبل ملايين السنين استفتاءات مثل غالوپ تعد عادة انعكاسات دقيقة جدا لما يفكر فيه الناس، ولكنه واضح من هذا المثال أن مزيدا من التفكير يجب أن يبذل في تشكيل الأسئلة بطريقة تكشف تقسيم أفكار الناس لفئات. والدرس المهم لنا هنا هو أن هناك دافعا مهما للناس لكي يقسموا اعتقاداتهم لفئات. فالاعتقادات الدينية بالخصوص تبدو موضوعة في فئة مستقلة حيث لا تدخلها أكثر قواعد الحس السليم وضوحا التي تقودنا في حياتنا اليوم. فالتقسيم إلى فئات أساسي في فهم كيف يلتزم الناس العقلانيون مع ذلك باعتقادات خرافية سخيفة. مجلس المدرسة بسبب فرصة مهمة كهذه، أن تكون في مجلس مدرسة لا يأتيك بكثير من التقدير. فناخبون قليلون مثلا لا يستطيعون تسمية عضو واحد من مجلس المدرسة المحلي أو الولاية. وهذا يجعل مجالس المدارس هدفا سانحا لمتعصبين منظمين ذوي أجندة. المتعصبون الدينيون ليسوا مثل تشارلز داروين. وحركة التصميم الذكي تستند على ذلك، ولكن يوجد هنا شرك: فالمتعصبون الدينيون يميلون للمضي بعيدا. وحين تقوم مجالس المدارس في النهاية بعمل شيء فاضح، يتنبه الناخبون ويطيحون بهم. في عام 2004، أمر مجلس مدرسة مقاطعة في دوڤر، پنسلڤانيا مدرسي البيولوجيا بقراءة تصريح لطلاب الثالث الثانوي معلمين إياهم بأن: ( 1) هناك ثغرات في نظرية داروين للتطور؛ (2) هناك بديل يدعى "التصميم الذكي"؛ و3) هناك كتاب في مكتبة المدرسة،عن الپاندا والبشر، يشرح التصميم الذكي. لم يكن لعديد من أعضاء مجلس المدرسة والوالدين، أي مصلحة في الادعاءات العلمية التي تقدم لصالح التصميم الذكي، ولا نظروا أبدا إلى الإسفين. فمثل فيليپ جونسون، كل ما أرادوه أن ينشأ التلاميذ بقيم مسيحية، وهذا كان يعني لهم إط لاع الأطفال على الكتاب المقدس. ولكن
عدد الصفحات ٣٦أعضاء مجلس المدارس لم يبالوا بخطة جونسون القانونية المرتبة جيدا. لم يكونوا يريدون أن يتعلم الأطفال شيئا يوم الأحد، ثم يتعلموا شيئا آخر في درس البيولوجيا خلال الأسبوع. أما الوالدون الآخرون، خائفين من أن أبناءهم سيحرمون من تعليم حديث في البيولوجيا، فقد قدموا دعوى فيدرالية لمنع مجلس المدرسة من تنفيذ السياسة. تأخذ كيتزميلر × مجلسمدارس مقاطعة دوڤر، وتختصر عادة إلى كيتزميلر فقط، اسمها من تامي كيتزميلر، إحدى الوالدات المهتمات. تجمع فريق قوي من المحامين من الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، أمريكان متحدون للفصل بين الكنيسة والدولة، والمركز الوطني للتربية العلمية ليمثل الآباء المهتمين. ومثّل مركز توماس مور للقانون المحافظ في آن آربور، ميشيغان، مجلسَ مدارس دوڤر. كان متوقعا أن محامين من معهد الاستكشاف القوي سيمثلون مجلس المدرسة. ورغم ذلك، مع أن مجلس المدرسة تدرع بالتصميم الذكي كآخر سلاح ضد الزندقة، فقد أعطى انتباها قليلا إلى "خطة الإسفين" التي صنعها فيلي پ جونسون بكل دقة. من وجهة نظ ر معهد الاستكشاف، فتصريح مجلس مدارس دوڤر حول التطور هو مثال كلاسي عن هواة مندفعين يذهبون بعيدا. حاول معهد الاستكشاف إبعاد نفسه عن قضية كيتزميلر، ولكن من بين أعضائه، وافق زميلان في المعهد على الشهادة لمجلس المدارس. لن تنفع الخطة اللامعة إن لم يمكن حفظ النظام بين القوات. كان متوقعا أيضا أن القرار في كيتزميلر سيستأنف في محكمة أعلى، وربما حتى في المحكمة العليا الأمريكية، مما يوسع مداها القانوني. خائفين من نجاح كيتزميلر، إنما غير قادرين على إيقاف المحاكمة، حاول معهد الاستكشاف تقليل أهميتها. ولكنهم حصلوا على مساعدة غير مقصودة من الناخبين. فثمانية من تسعة أعضاء مجلس المدارس ترشحوا لإعادة الانتخاب في صيف 2005، وهزم الناخبون ثمانيتهم انتخب أعضاء مجلس المدارس الجدد جميعا لأنهم أرادوا أن تدرس نظرية داروين عن التطور وحدها في صف البيولوجيا. إن حكمت المحكمة لصالح داروين، سيشير هذا للمجلس الجديد كي يفعل ما تعهد الأعضاء بفعله، وبهذا لن يستأنف المجلس الجديد. والجانب الآخر لن يستأنف لأنه سيكون واضحا أنهم لم يصلوا لنتيجة، وإن استأنفوا لمحكمة أعلى، سيطبق القرار على مساحة أوسع. تأثير دوفر كان معهد الاستكشاف ينظر بكآبة من الجوانب يوم الإثنين 26 سپتمبر 2005، حين فتحت الجلسة في كيتزميلر × مدارس مقاطعة دوڤر في محكمة المقاطعة الأمريكية في هاريسبورغ، پنسلڤانيا. رأسها قاضي المقاطعة جون إ. جونز الثالث، الذي عينه جورج و. بوش في المحكمة الفيدرالية عام 2002. بما أنه لم يكن قاضيا ناشطا أبدا، أقر الطرفان على أن جونز يجب أن يحكم في القضية وفقا للقانون في عصر ذاك اليوم شاركت ديڤيد وشون نزهتهما بجانب الفرع الجنوب غربي، وأشرت إلى أن أول شاهد للادعاء في محاكمة دوڤر عن التطور يجب أن يكون كين ميلر، وهو أستاذ بيولوجيا ذو تقدير شديد—وكاثوليكي ملتزم بعمق. في كتابه المنشور عام 1999،البحث عن إله داروين، كتب ميلر، "بالنسبة لأهل الإيمان، ما يقوله التطور هو أن الطبيعة مكتملة. فقد زيّن الله عالما ماديا يمكن فيه لكائنات حرة فعلا، مستقلة فعلا أن تتطور." ليس ميلر ذلك
عدد الصفحات ٣٧اكاديمي اللاأدري النمطي. إذ خلافا لمعظم العلماء المتدينين، لا يُسكن معتقداته في الدين والعلم في فئات مختلفة، بل يسعى بصدق إلى مصالحتها. كنت قلقا من أن محامي الدفاع سيحاولون استخدام معتقدات ميلر الدينية لجعله يبدو غير مقتنع بالتطور. قال ديڤيد وشون لي أن لا أقلق. فالكنيسة الكاثوليكية، كما قالا، قد تعلمت الكثير منذ غاليليو. "لن تجد ترددا عند الكاثوليك في نظرية التطور." أو كما يحب ديڤيد أن يقول، "الحقيقة هي الحقيقة." وكالعادة، كانا محقين. فقد سأل محامي عن مجلس المدارس، باحثا عن أي إشارة للضعف في دعم ميلر لداروين، "هل توافق على أن نظرية داروين لا تمثل الحقيقة المطلقة؟" وأجابه ميلر دون التردد للحظة: "لا نعد أي نظرية علمية حقيقة مطلقة." لم يكن في حاجة للتوسع. فكما ناقشنا في الفصل الأول، يحتاج المنهج العلمي لأن تكون المعرفة مشروطة؛ فلو ظهر شرح أفضل إلى النور، ستعاد كتابة المراجع دون نظرة للخلف. كان بإمكاني تخيل محامي مجلس المدارس يشطب في عقله أي أسئلة لاحقة كان قد أعدها. وبانتهاء شهادة ميلر، لا بد وأن محامي الوالدين كانوا قد عرفوا، باستثناء أي تطورات مفاجئة، بأنهم في الطريق للفوز. لم تكن هناك مفاجئات. فقد كتب ميلر البحث عن إله داروين ردا على صندوق داروين الأسود لمايكل بيهي، وهو بيولوجي مغمور في جامعة ليهاي جذب انتباه الخلقيين والتطوريين معا بكتابه عام 1996. فقد طرح فكرة الأنظمة الجزيئية المعقدة اللامختزلةirreducible، كتخثر الدم والجهاز المناعي. إن كان أحد الأجزاء مفقودا، فالنظام يفشل. يجادل بيهي بأنه يستحيل على الأجزاء أن تتطور منفصلة دون أن يكون هناك مصمم يدير المشروع بهدف في عقله. كان هذا أقرب شيء إلى حجة علمية لصالح التدخل الماورائي استطاع الخلقيون القيام به. لم يربح التعقيد اللامختزل أتباع كثيرين. فريتشارد دوكينز يرفض حجة التعقيد اللامختزل كـ"فشل ذريع،" ويصف بيهي بأنه "أكسل من أن يفهم كيف تعمل الأشياء." وأصبح ضربا من ألعاب الصالونات بين العلماء أن تؤلف سيناريوهات قد ينتج فيها الانتخاب الطبيعي أمثلة بيهي عن التعقيد اللامختزل. هذا هو "العلم" الوحيد الذي كان لدى الدفاع في كيتزميلر، وكان بيهي شاهدهم الرئيس. كانت البيولوجيا عنده مشوشة، ولكن لم يشك أحد في صدقه. ففي استجوابه كشاهد، أقر بأن معقولية التصميم الذكي تعتمد على قدر إيمان الفرد بالله. استمرت المحاكمة نفسها ستة أسابيع. وتضمن الشهود أعضاء من مجلس المدارس، علماء، لاهوتيين، وآخرين. وكانت الأدلة التي قدموها مهمة، ولكن جوهر المحاكمة تمثل بشهادة كين ميلر ومايكل بيهي. فقد تركت شكوكا قليلا حول ما ستكون عليه النتيجة. "استنتاجنا اليوم،" كتب القاضي جونز مستخلصا رأيه ذي الـ 139 صفحة، "هو أنه أمر غير دستوري أن يتم تدريس التصمي م الذكي كبديل عن التطور في صفوف المدارس العمومية." كانت لغته مريرة. من يختلفون مع هذا القرار سيعدونه على الأرجح نتاجا لقاضي ناشط. إن كانوا فقد أخطأوا، لأنها بكل وضوح ليست محكمة نشطاء. بل إن القضية بدت لنا كنتيجة لنشاط مسؤولين بمعلومات سيئة في مجلس المدارس، أيدتهم شركة محاماة للصالح العام الوطني تواقة للعثور على قضية اختبار دستوري للتصميم الذكي، والتي بانضمامها قادت المجلس لتبني سياسة صفيقة وغير
عدد الصفحات ٣٨دستورية للغاية إن التفاهة الرهيبة لقرار المجلس تتضح عندما ترى خلف الستار الواقعي الذي اتضح بالكامل خلال هذه المحاكمة. عند هذه النقطة، لا بد أن الدفاع كان يتململ، ولكن لا تزال لدى القاضي بارقة أخيرة. فلأنهم انتهكوا الحقوق المدنية للادعاء، أدين المجلس بالأضرار الإسمية إضافة للتكاليف القانونية المترتبة على دفاع الادعاء عن حقوقهم الدستورية. بعبارة أخرى، تم تحذير مجالس المدارس في كل مكان من أن فرض التصميم الذكي أو أي شكل آخر للخلقية في المدارس سيكلفهم مالا كثيرا. خفف هذا من حماسة مجالس مدارس أخرى ربما كانت تفكر في القفز في فراش معهد الاستكشاف. وعلى إثر قرار دوڤر، صوت مجلس أوهايو للتربية 11-4 لإلغاء طلب فعّل حديثا لضم "تحليل نقدي للتطور" إلى منهج البيولوجيا. كان معهد الاستكشاف قد وضع كل نفوذه وراء مؤامرة التحليل النقدي في أوهايو، مقدما إياها كنموذج للأمة كاملة. وبدلا من ذلك، ألغيت مبادرات التصميم الذكي في كاليفورنيا، إنديانا، وحتى يوتا. يوم الأحد 12 فبراير2006، بعد شهرين فقط من إصدار القاضي جونز لرأيه في كيتزميلر، احتفلت 450 كنيسة في كل أمريكا بمولد تشارلز داروين قبل197 سنة. تضمنت الاحتفالات مواعظ خاصة وبرامج تعليمية احتفت بالتطور كطريقة الله في خلق الإنسان. ربما كانوا سيحتفلون بالمناسبة بأي شكل، ولكن يحتمل أن التغطية الإعلامية لمحاكمة دوڤر قد حفّزتهم. أعطت النتيجة دفعة شجاعة لمرتادي الكنيسة العقلانيين الذين كانت الأقلية الخلقية تستثيرهم. بالنسبة لكثير، طرحت محاكمة دوڤر سؤالا أكثر إزعاجا: إلى أي حد كان بعض معارضي التطور، في تعصبهم للدفاع عن الإيمان، غير صادقين؟ في ختام رأيه في كيتزميلر، علق القاضي جونز على ضعف تمثيل المواطنين في منطقة دوڤر بأعضاء في مجلس المدارس صوتوا لسياسة التصميم الذكي: "إنها مفارقة أن عديدا من هؤلاء الأفراد، الذين يستعرضون بتعصب وفخار قناعاتهم الدينية في العلن، سيعودون للكذب ليغطوا آثارهم وينكّروا الهدف الحقيقي وراء سياسة التصميم الذكي." هل هناك خرافات أخرى لا تزال صامدة رغم الدليل العلمي الواضع على خلافها؟ للأسف نعم. في الفصول القليلة القادمة، سنلقي نظرة على أكثر الخرافات شيوعا، بدءا بالصلاة.
عدد الصفحات ٣٩ـ الفصـلـالثـالثـ معجزة في كولومبيا وفيه نسأل إن كانت الصلاة أمرا معقولا أعلن الرئيس جورج و. بوش اليومَ الوطني للصلاة والذكران لتكريم ذكرى آلاف ضحايا الهجوم الإرهابي في 11 سپتمبر 2001، ولتعزية من فقدوا أعزا لهم. تضمن إعلانه الوعد اللطيف ليسوع في موعظة الجبل، "طوبى للنائحين، لأنهم سيتعزون." ناح الأمريكان، ولكن كانت التعزية قليلة. حينما حزننا على الضحايا، قدمت صلوات الشكر في أجزاء من العالم يكرّم فيها الإرهابيون كشهداء. كان ذلك أظلم س پتمبر على الإطلاق. يتحدث الناس بثقة عن قوة الصلاة، ولكن في الحرب يصلي الطرفان للنصر. تمت الأحداث الإرهابية في 11/9 على يد رجال عميقي الإيمان دعوا ربهم ذاك النهار أن يفرغ عليهم صبرا ليواجهوا الموت المحقق، بحيث يهدر ون حياة أشخاص غرباء ويدخلون الجنة كشهداء. ربما كانوا يهمهمون بالصلوات حتى أنفاسهم الأخيرة. قياسا بعدد القتلى والجرحى، كانت مهمتهم نجاحا ساحقا. هل كان الرب الذي دعوه من أنجز لهم ذلك؟ صلوات وأدوية زائفة لا يطيب لي التفكير بذلك. ولكن ما الذي يعرفه أي منا عن الصلاة؟ وفقا لمسح تقرير الخبر والكلمة في الولايات المتحدة عام 2004، أكثرية الأمريكان يقولون أنهم يصلون كل يوم، وأحيانا أكثر من مرة. يصلون في المعظم لأجل صحتهم أو صحة أحبائهم. وهذا يجعل الصلاة أوسَع العلاجات الطبية استعمالا. وهو مزروع بعمق في ثقافتنا. ففي معظم التاريخ لم يكن هناك إلا قليل مما يمكن فعله للمرضى، وخلافا للفصد والإسهال التي كانت تستخدم لعلاج الأمراض قبل قرنين، تؤدي الصلوات على الأقل ضررا يسيرا. ولكن ما الدليل على أن الصلاة أكثر تأثيرا من فعل لا شيء؟ نتعافى من معظم الجراح والأمراض التي تصيبنا دون الحاجة للصلوات أو الطب. فمثل كل الحيوانات، لدينا آليات تصليح ذاتية: العظام المكسورة تنسج، خثرات الدم توقف النزيف، الأعصاب المتضررة تتولد من جديد، جهاز ا لمناعة يحتشد ليدمر الميكروبات الغازية، وهكذا. يستطيع الطب الحديث أن يتدخل أحيانا في عملية الشفاء، ربما بإعطاء مضاد حيوي ليكافح العدوى التي تهدد بسحق جهاز المناعة. ولكن حين يتعافى المريض حينها، كيف لنا أن نعرف أن الطب كان المسؤول؟ للحصول على موافقة FDA (وكالة الأغذية والأدوية الأمريكية) على دواء جديد، يجب أن يكون قد أظهِر بشكل مقنع في اختبارات سريرية ضابطة أن الأشخاص الذين أخذوا الدواء يؤدون أفضل في المعدل من الذين لم يأخذوه. إن ثورة العلوم الطبية التي بدأت في النصف
عدد الصفحات ٤٠الثاني من القرن العشرين أصبحت ممكنة بسببتطور الطرق الإحصائية المعقدة لتقييم كفاءة العلاجات. يجب أن يأخذ التحليل بالاعتبار التأثيرَ الشامل للدواء الزائف placebo effect، وفيه يمر المرضى، المتوقعين أن علاجهم سينجح، بتحسن مؤقت حتى لو كان علاجهم محض خدعة. يفكّر في تأثير الدواء الزائف في حدود المواد الخاملة طبيا، كحبوب السكر، التي يصفها طبيب موثوق مؤكدا أنها ستساعد. يستغل الأطباء تأثير الدواء الزائف عن عمد حين يصفون المضادات الحيوية للزكام. إذ ليس للمضادات الحيوية أي تأثير على ڤيروس الزكام، ولكن التحسن يحصل في أيام قلائل مهما حصل، وقد يجعل تأثير الدواء الزيف المريضَ يتحسن خلال ذلك. في الواقع، سيحسّ المرضى بتحسن قبل أن يملأوا الوصفة —أو حتى قبل مغادرة مكتب الطبيب. رغم أن التساؤلات تطرح أحيانا عن أخلاقيات معالجة المرضى بأدوية زائفة، فقد كان ذلك يحصل منذ وجد الأطباء. ولكن ينبغي أخذ توقعات الطبيب بالاعتبار. فالدواء الزائف يحتمل أكثر أن يعمل إن كان الطبيب يعتقد حقا به كشفاء وينقل هذه القناعة للمريض. الأطباء الخادعون الذين يملكون موهبة استغلال تأثير الدواء الزائف يجتذبون أحيانا أتباع كثيرين وينتهون في برنامج أوپرا وينفري. إن تجربة التحكم بالدواء الزائف والعمى الزائف، ربما تكون التقدم الأهم في البحوث الطبية. لا الطبيب ولا المريض يعرف أن العلاج حقيقي أو حبة سكر. وبحذف حتى الانحياز اللاواعي، هذا يجعل تحديد ما يعمل ولا يعمل ممكنا. كان يشار إليه بالتأثير "الغامض" للدواء الزائف، ولكنه أقل غموضا بكثير اليوم، والشكر جزئيا لطرق تصوير الدماغ الحديثة. سنلقي نظرة على هذه الأجهزة الجديدة الرائعة في فصل لاحق. ولكن هل تأخذ التجارب السريرية للأدوية الجديدة الصلاةَ في الاعتبار؟ يعرف قاموس أوكسفورد الإنجليزي الموجز الجالس على مكتبي الصلاة بأنها "طلب مساعدة مقدم إلى الله أو إله آخر". بدلا من تقبل أمراضهم سبيليا passively، يلتمس المؤمنون ربا قديرا محبا لمعونتهم، وأحيانا يشاركهم في هذا الالتماس أصدقاءهم وعائلتهم. وفقا لمسح تقرير الخبر والكلمة الأمريكي عام 2004، الذين يصلون بانتظام مقتنعون بأنها تساعد. هل يخدعون أنفسهم؟ طغيان تحت المهاد ربما ليس بالكامل. فالصلاة تستطيع بالتأكيد تخفيف بعض الضغط الذي يرافق الأذى أو المرض. كلما يمر المرء بالألم أو الخوف، يبتدئ الدماغ إفراز هرمونات إلى مجرى الدم تؤدي بالقلب لينبض أسرع، ضغط الدم ليصعد، والتنفس ليسرع. ينحرف الدم عن القناة الهضمية إلى اليدين والساقين. حتى البؤبؤان يتوسعان لزيادة الانتباه. يتحضر الجسم للقتال، أو على الأقل للهروب بسرعة في الاتجاه المعاكس. ولكن الجسم ليس مستعدا للشفاء. فإن تعرضنا لأذى، أولى أولويات دماغنا هي منع أذى أكبر. يوجه الدم في الأساس إلى العضلات المقاتلة، وليس إلى موضع الأذى. هذه حالة طارئة—سينتظر الشفاء وقتا.
عدد الصفحات ٤١نحن نفهم الآلية البيوكيماوية. فتحت المهاد، المنطقة تحت قاعدة الدماغ والمسؤولة عن التحكم بالعواطف، ستأمر القشرة الكظرية بإفراز الكورتيزول، وهو هرمون يرفع ضغط الدم، ويزيد مستوى السكر في الدم، ويحرف الدم عن القناة الهضمية إلى الدماغ والأطراف. إن استمر تحت المهاد بطلب كورتيزول أكثر، سيقود ذلك إلى إرهاق كظري يشخّص بالتعب الشديد والكآبة. ببساطة لا يمكننا البقاء في حالة عالية من الاستعداد دوما. حتى إن استمر الألم أو القلق، لا بد للدماغ من التحول إلى خطة بعيدة المدى. في برية الپليستوسين، حركة في الحشائش الطويلة القريبة تفضح وجود حيوان قريب، قد تكون نبهت استجابة الكر-أو-الفر fight-or-flight في أحد أسلافناالهومو ساپينس الأولين. في الحقيقة، مجرد تخيلي الحشائش المتماوجة حين ألفت ذاك السطر كان كافيا لزيادة نبضي وانتباهي-وربما كافيا لكم حين قرأتموه. لو أن غزالا صغيرا خرج من الحشائش الطويلة بدلا من اللاحم الذي تخيله سلفنا، كانت هرمونات التوتر لتهبط في نبضة قلب. إن الكر-أو-الفر هو استجابة قديمة جدا في الحيوانات. وقد تطورت بما يكفي حتى قبل خروج الحيوانات من البحر. اللاحمات المختبئة في الحشائش الطويلة ليست شيئا يضطر أكثرنا للقلق من أجله في عالم اليوم، ولكن استجابة الكر-أو-الفر لا تزال جزءا مهما منا. المكافئ لحركة في الحشائش الطويلة قد يكون ظلا يسقطه مصباح شارع عن شخص يمشي خلفك في شارع مظلم في آخر الليل في حارة خطرة. لدى الجسم عدد قليل من الطرق التي يستجيب بها للقلق. قد تمر تقريبا بنفس الاستجابة للقلق قبل امتحان نهائي، أو لرهبة مسرح قبل تقديمك لخطاب، أو للقلق حول أن الحسم الضريبي الذي ادعيته الآن قد يذهب بك للسجن. إنه شعور مريع يضربك رأسا في معدتك المحرومة من الدم. إنه عادي بالكامل، ولكنه غير مريح بالمرة. الصلاة في عالـم البروزاك الخطوة الأولى لتحرير نفسك من طغيان تحت المهاد هي أن تفهم لماذا يجعلك دماغك تعيسا. إن دماغك يتلاعب بك بهرموناتك، ناخسا إياك للقيام بفعل يلغي سبب التوتر. العلاج الواضح قد يكون أن تتجنب الحشائش الطويلة حيث للنمور أن تختبئ. ولكن في عالم اليوم لدينا كثير من النمور لنتعامل معها. ملايين من الناس تلاقي الراحة بالاعتماد على مضادات الكآبة، مثل پروزاك وزولوفت. وهي تعمل بدفع مستويات السيروتونين، وهو كيماوي في الدماغ يضيّق الأوعية الدموية، ويعاكس تأثير هرمونات التوتر ويرفع من حالتك النفسية. رغم أن هذه الأدوية لعدة أشخاص هدية من السماء، فهي لا تعمل مع كل أحد. فالطبيب الد. هربرت بينسون، الذي يرأس مركز العقل-الجسد الطبي ويرتبط أيضا مع معهد هارڤرد الطبي، يوصي بإجراء مقلص للتوتر يراد به تحريض ما يسميه "استجابة الاسترخاء." لقد كتب كتاب ساعد-نفسك فائق المبيعات عام 1975 بهذا العنون. حتى لو لم يكن شيء مادي يحتاج الشفاء، يمكن لاستجابة الاسترخاء على الأقل تقليص الكورتيزول، والذي بدوره يتخلص من شعور الفراشات في البطن. من الواضح أن هناك الكثير منا يعانون من التوتر في المجتمع الحديث. فقد بيع من كتاب د. بينسون أكثر من 3 ملايين نسخة. ولكن إن كنت متوترا جدا لئلا تقضي وقتا في قراءته، يمكنني البوح لك بالسر في سطرين:
عدد الصفحات ٤٢ ركز على ترديد صلاة أومانترا بسيطة. تجاهل كل التشويشات المحتومة التي قد تظهر حين تفعل هذا بعبارة أخرى، تأمل. يصعب عدها فكرة جديدة. فالناس في أرجاء العالم يمارسون التأمل بشكل ما لآلاف السنين، عادة مرتبطا بدينهم. ومعظمهم فعلوا ذلك دون حاجة لقراءة استجابة الاسترخاء. إحدى وسائل التأمل هي الصلاة. يمكنك ترديد السلام المريمي Ave Maria وأنت تعد حبات مسبحةُ ورديتك مثلا. إن لم تكن لديك مسبحة وردية، يمكنك ترديد صلوات بوذية وأنت تدوّر عجلة صلاة، أو ربما تسجد على سجادة صلاة مواجها الشرق وأنت تردد "الله أكبر." سيبطؤ تنفسك، وكذلك أيضك ونبضك. كيفما صليت، سيقلص هذا أعراض الإجهاد ويحضّر جسدك للشفاء. ليس علاجا معجزا، ولكنه يساعد. لا يبدو مهما كيف أو لمن تصلي، ولكنه يعمل بنفس القدر لغير المؤمنين كما للمتقين. ولهذا السبب، استجابة الاسترخاء تعد مهينة لبعض المؤمنين الذين يحسون أنها تصغر من قيمة الصلاة. لا ينظر هؤلاء الناس إلى علاج الذات—بل يريدون الرب الذي يتدخل لجانبهم ويمحق أعداءهم. لكي يصل إلى هذا القسم من سوق الكتب، أتى بينسون بكتاب ثاني، ما بعد استجابة الاسترخاء. وهو يقدم شيئا يسميه بينسون "عامل الإيمان": إن جمعت تقنية الاسترخاء مع "أعمق اعتقاداتك الشخصية،" كما يشرح، فستعمل بشكل أفضل. فهو إذن، باختصار، يصف الإيمان الديني كدواء. بيع هذا الكتاب جيدا كذلك. في كتاب حديث، الإيمان الأعمى: الحلف المدنس للدين والطب، يطرح ريتشارد سلون، أستاذ الطب السلوكي في جامعة كولومبيا، أسئلة أخلاقية وعملية جادة حول توصيف الأطباء الدين للمشاكل الطبية. إن كنت تخطط لممارسة استجابة الاسترخاء، قد تكون فكرة جيدة أن تقرأ كتاب سلون أولا. للارتياح من الألم الشديد، حتى الملحدون يعترفون بضغينة أنهم أحيانا يخضعون أيضا لرغبة في الصلاة. قد يحاولون حتى التفاوض مع الله، فيعرضون تعديل طرقهم في مقابل الراحة. فالألم الشديد المزمن يمكنه دفع أكثرنا عقلانية لتجريب أي شيء على أمل الراحة. والتأمل والصلاة يبدو أنهما يساعدان بعض الناس لتحمل أفضل للألم. يبدو أمرا مريحا أن تفكر بأن صلواتك تساعد على الشفاء، ولكن وفقا لقاموسي، فـ "إيمان ساذج بالماوراء" يسمى "خرافة". و"السذاجة" تعني الإيمان بشيء دون كثير من الأدلة لتدعمه. لننظر الآن إلى الأدلة. صلاة الشفاعة حتى حين صمت الأمريكان في اليوم الوطني للصلاة والذكران، كانت المقالة المبرّزة في عدد سپتمبر 2001 منمجلة الطب التناسلي، وهي مجلة طبية محترمة ويراجعها نظراء peer-reviewed، قد ادعت أنها وجدت منافع صحية كبيرة للصلاة. "هل تؤثر الصلاة على نجاح نقل أجنة الأنابيب المخصبة؟ تقرير لتجربة عشوائية محجوبة،" كانت مقالة من المركز الطبي لجامعة كولومبيا، إحدى أقدم وأكثر الجامعات اعتبارا في الولايات المتحدة. نقلت المقالة أن النساء اللاتي خضعن إلى عملية نقل جنين كن أكثر عرضة بمرتين للحمل إن صلى لأجلهن دون علمهن مجموعة من الغرباء يبعدون عنها نصف العالم.
عدد الصفحات ٤٣كانت هذه "صلاة الشفاعة intercessory prayer،" صلاة تقدم لأجل آخرين، وفي هذه الحالة دون معرفتهم. هذه الحالة من صلاة الشفاعة تحتل مكانا خاصا في دراسات قوة الصلاة. لأن الشخص المصلى له لا يعرف أن ذلك يحصل، فصلاة الشفاعة "عمياء،" ولهذا خالية من تأثير الدواء الزائف. وهكذا فالمرضى لا يخدعون أنفسهم، ولكن ماذا عن الباحثين؟ كما رأينا من قبل، قال ريتشارد فاينمان أن العلم هو "ما تعلمناه حول كيفية عدم خداع أنفسنا." يبدو أن أول عالم تعرف على أهمية الاختبارات العمياء للصلاة هو السير فرانسيس غالتون، والذي عام 1872 في سن الخمسين نشر مقالته الشهيرة "تحقيقات إحصائية حول فعالية الصلاة." باقيا على المرقب يبحث عن طرق تحميه من الضلال، كان غالتون سابقا عصره بأكثر من قرن. ولهذا يستحق منا دقيقة أن ننظر إلى هذا العالم والمستكشف الڤكتوري الرائع. رجل أحب العد "كلما استطعت العدّ، قم بالعدّ" كانت مسلّمة مفضلة لدى فرانسيس غالتون، وكان العدّ دأبه. مدركا على صغر سنه أن القرارات الجيدة لا تصنع دون معلومات جيدة، قام غالتون بممارسة عد الأشياء، حتى قياس عامل الملل في المحاضرات بعدّ عدد التثاؤبات في الجمهور. ولد في عائلة ثرية ومؤثرة عام 1822، ودرس الطب بناء على رغبة والده، ولكنه كان فزعا من انعدام البيانات التي بها يتم الحكم على النجاح الفعلي للممارسات الطبية الشائعة في إنجلترا الڤكتورية، كالإسهال والفصد.4 بعد أن سمح له والده المتساهل، بدّل دراسته من الطب إلى الرياضيات والإحصاء في كمبردج. وكان ما فعله أمرا سعيدا للطب وللعالم. سيستمر حتى ينشئ ميدان الإحصاء الطبي، الذي سيكون جزءا أساسيا من الثورة التي كانت ستحصل في العلوم الطبية. مدركا قابلية البشر على خداع أنفسهم، أدى غالتون دورا مهما فيما قد يعد أهم تقدم في تاريخ البحث الطبي: تجربة العمى المزدوج العشوائية والمضبوطة بالدواء الزائف، وبها نستطيع الآن أن نعرف ما الذي يعمل ولا يعمل. فـ"الإحصاء،" كما كتب غالتون لاحقا، "يملك الأدوات الوحيدة التي نشق بها الأجمة التي تسد طريق ناشدي المعرفة البشرية." كان لدى غالتون اندفاع للمغامرة، ووالده دعم سفراته إلى أراضي بعيدة ليرى كيف يعيش الآخرون. وبعد موت والده، الذي ترك له ثروة كبيرة، ابتدأ رحلة استكشاف خطرة إنما ناجحة جدا لاستكشاف منطقة غير معروفة من قبل من أفريقيا الجنوبية، تعرف اليوم باسم ناميبيا. ومُظهرا خصلة شاركه فيها ابن عمه المغامر أيضا تشارلز داروين، برهن غالتون على أنه ملاحظ دقيق، برسم خرائط مفصلة وتسجيل خصائص المحليين—وعدّ كل شيء إضافة لذلك. تلت مغامرةَ غالتون الأفريقية سلسلة من الأفكار اللامعة: فقد بيّن أن بصمات أصابع الشخص تبقى دون تغيير طوال حياته، وابتكر طريقة عملية للتصنيف جعلت بصمات الأصابع أداة لا غنى عنها في تحديد هوية الأشخاص حتى اليوم. لقد بنى أول خرائط الطقس، التي قادت 4. الفصد: هو خلق جرح في جدار وريد أو شريان لأجل إخراج الدم، مما يخفف الضغط على الدورة الدموية إجمالا. اعتقد اليونانيون أن إخراج الدم سيتسبب في تحريك الأخلاط ويعيدها إلى توازنها.
عدد الصفحات ٤٤إلى التنبؤ اليومي بالطقس. وبتأثير من داروين، نظر أبعد من وراثة الخصائص الجسدية إلى التشابهات في الذكاء والسلوك. قاده اهتمامه بوراثة الذكاء والسلوك إلى تطوير الطرق الإحصائية اللازمة لدراستها. فقد وجد مثلا أن التوائم المتطابقة أكثر احتمالا لتطوير شخصيات واهتمامات متماثلة من غير المتطابقة. يمكن شرح هذا بشكل كامل باستخدام علم الجينات الحديث، بما أن التوائم المتطابقة لا يمكن التمييز بينها جينيا، ولكن فكرة أن السلوك يمكن توارثه إضافة لتعلمه كانت طفرة فكرية هائلة في إنجلترا الڤكتورية، ولا تزال محل جدال الآن. قد تصبح دراسات التوائم يوما ما مساحة مهمة من البحث النفسي، وكان غالتون، كالعادة، سابقا لعصره. كان أحيانا أسبق بكثير. فسمعة غالتون ملطخة اليوم، ربما بغير عدل، بسبب اليوجينيا، مصطلح صاغه لبرنامج لتقليص التكاثر بين هؤلاء الذين وصفهم بـ"البلهاء." في ذاك الوقت، لم يكن هناك مقياس مقبول عموما للذكاء؛ فحاصل الذكاء (IQ) لستانفورد وبينيه، عام 1916، كان لا يزال على بعد عقود. كانت اليوجينيا تمارس بشكل واسع في الولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين، وقوانين تنادي بإعقام المختلين عقليا كانت مقبولة في عدة ولايات. لسوء الحظ، كانت هذه القوانين مفروضة من قبل أشخاص تخيلوا أنفسهم، بقليل من التبرير، على الطرف المقابل من الذكاء. لن يساعد، في مجتمع اليوم الصحيح سياسيا، أن الرجل الذي اخترع اليوجينيا كان بنفسه من قسم ذي امتياز في المجتمع. وجدت المحكمة العليا قوانين اليوجينيا دستورية، ولكن رغم بقاء هذه القوانين في الكتب في عدد من الولايات، فهي لا تستعمل اليوم. إن ما دمر حركة اليوجينيا كان تخريبها في ألمانيا هتلر، حيث استخدمت لتبرر فكرة العِرق السيد. كرّس غالتون العقد الأخير من حياته لحركة اليوجينيا، ولكن لم يحيا ليرى كيف شوّهت لخدمة الشر. لا يحتمل أن تعود اليوجينيا للأفق، ولكن يوما ما على المجتمع أن يتعامل مع الجينات المشوهة. كتب غالتون ورقته الشهيرة "تحقيقات إحصائية حول فعالية الصلاة" عام 1872 كرد على تحدي منشور للعلماء ليخترعوا اختبارا تجريبيا لقوة الصلاة. كان غالتون، كما قد تتوقعون، قد أتم العد بالفعل. ليشبع فضوله الشخصي، قام بحساب معدل أعمار ملوك بريطانيا وأساقفة كنيسة إنجلترا. حيث أن رتبة الصلاة اليومية للكنيسة الأنجليكانية تضم صلوات لإطالة عمر الملك والأسقف، أشار غالتون إلى أنهم بالتأكيد أكثر الأشخاص المصلى لأجلهم في كل إنجلترا. لأن هؤلاء الأشخاص النافذين كانوا قادرين على التوصل لأفضل عناية طبية، لك أن تتوقع عمرا أطول للملوك والأساقفة من الناس الاعتياديين، مع صلوات شفاعة لأجلهم أو بدونها. ومع ذلك، اكتشف غالتون أنهم في المعدل لم يحيوا أطول من الداعين لهم. ربما يعكس ذلك الحالة السيئة للمعرفة الطبية في إنجلترا الڤكتورية. في كل الأحوال، كما أظهر غالتون، لم تطيل صلاة الشفاعة من أعمار ملوك وأساقفة إنجلترا. ولكن العالم، وخصوصا الولايات المتحدة، كان على وشك المرور بصحوة للحماسة الدينية. ولأكثر من قرن، لن يقوم أي عالم آخر بمساءلة صريحة لقوة الصلاة. قناصون وملتقطو كرز
عدد الصفحات ٤٥عام1982،قام الد. راندولف بيرد، طبيب قلب في سان فرانسيسكو، بتسجيل 393 مريض قلب في مستشفى سان فرانسيسكو العام في دراسة عشوائية مزدوجة العمى لتحديد إن كان لصلاة الشفاعة، الموجهة للإله اليهومسيحي، أي تأثير على حالتهم الطبية. وضع المرضى عشوائيا إما في مجموعة صلاة شفاعة، أو مجموعة ضابطة لم تتلقى أي صلوات خاصة. لا المرضى ولا الأطباء كانوا يعرفون في أي مجموعة هم. كان المتطوعون للصلاة جميعا مسيحيين مولودين-ثانية، وفعالين في الكنائس المحلية. وعين عدد منهم لكل مريض، وسئلوا أن يصلوا يوميا لشفاء سريع للمريض دون مضاعفات، أو موت. ولم تتم أي محاولة لضبط صلوات الشفاعة الإضافية التي تقدمها العائلة أو الأصدقاء. صنفت النتائج في 26 مجموعة، تتضمن عداوى بكتيرية، فشل قلب تضخمي، ذات الرئة، أو الحاجة للمدِرّات. في ورقة تصف نتائجه منشورة عام 1988، حدد بيرد ست مجموعات تحسنت فيها المجموعة المصلى لأجلها بشكل هامشي. ووصفت الصحافة هذه المجموعات كدليل على قوة الصلاة، ولكن بالتأكيد يترك هذا عشرين مجموعة لم يتحسن فيها المرضى وربما تنكسوا. يسمي الإحصائيون الإشارة فقط للبيانات التي تدعم فرضيتك "التقاط الكرز." وفي العلم، التقاط الكرز خطيئة. متشجعين بدر اسة بيرد التي قيل أنها إيجابية وانتباه الإعلام الذي نالته، باشرت عدة مجموعات أخرى بدراسات حول الصلاة. نزعت هذه الدراسات إلى الصغر، والقوة الإحصائية الضعيفة والتحليل المعيب المشابه لالتقاط الكرز لدى بيرد. ادعى معظمهم تأثيرا إيجابيا مرتبطا بصلاة الشفاعة. كان الاستثناء هو دراسة كبيرة بعض الشيء في عيادة مايو المرموقة، تتضمن 799 مريضا في وحدة العناية القلبية. في تلك الدراسة القوية الإحصائية، لم يكن للصلاة أي تأثير واضح على النتائج الطبية. عام 1995، وبمنحة600,000 دولار منNIH، قامت النفسانية إليزابيث تارغ بإدخال 20 مريضا بالأيدز المتقدم في جامعة كاليفورنيا، مركز سان فرانسيسكو الطبي، في دراسة رائدة عشوائية مزدوجة العمى حول "الشفاء عن بعد" بصلوات أشخاص غرباء. وكان المختارون للصلاة لأجل ضحايا الأيدز يوصفون كـ"شافين ذوي خبرة" من خلفيات دينية متنوعة. بدأت هذه الدراسة في وقت كان يعد الأيدز فيه حكم إعدام، وكان الهدف هو مقارنة مدد البقاء لدى أولئك المصلى لأجلهم مع الآخرين في المجموعة الضابطة. كان متوقعا أن أكثر مرضى الأيدز المتقدم سيموتون في أشهر قليلة. مع ذلك، وخلال شهر واحد ضمن تجربة الستة أشهر هذه، أصبح خليط جديد من مض ادات الرجع -ڤيروسات anti-retrovirals هو العلاج القياسي للأيدز. وفي نهاية التجربة، واحد فقط من 20 مات. أخبار طيبة لضحايا الأيدز— سيئة للدراسة. مع انتهاء فترة الدراسة رسميا، وانتفاء معنى إجراءات الدراسة، حاول فريق بحث تارغ أن يستنقذوا شيئا ما من الدراسة. قلبوا بسرعة في سجلات المرضى بحثا عن شيء قد يدل على أن الذين صلي لأجلهم صارت حالهم للأفضل. في مجموعة بعد أخرى، أدت المجموعة الضابطة بنفس القدر أو أفضل من المجموعة المصلى لها. وفي النهاية، المجموعة الثالثة والعشرين التي اختبروها، أعطت "أقامات المستشفى وزيارات الأ طباء" هامشا صغيرا
عدد الصفحات ٤٦ولكن مهم إحصائيا للمجموعة المصلى لها. وهذه كانت النتيجة التي نشرتها تارغ. ولم يشار أبدا إلى أنها لم تكن جزءا من الإجراء. هذا مثال فظيع جدا على ما يسميه الإحصائيون "مغالطة قناص تكساس." يصوّب القناص مسدسه على حائط حظيرة، ثم يمشي إلى هناك ويرسم دائرة حمراء حول ثقب الرصاصة. فجوة الإ.ف.ح (الإدراك فوق الحسي) كان "تارغ" اسما معروفا لمفنّدي العلم الخرافي Voodoo Science. ففي عام1972 في معهد ستانفورد للأبحاث، أعلن الفيزيائيان راسل تارغ وهارولد پاتهوف أنهما شهدا شخصيا الوسيط الإسرائيلي أوري غيلر يستخدم عقله لتغيير التركيب الذري لملعقة معدنية؛ إذ تحت قوة الجاذبية فقط، تدلت الملعقة المغيّرة عقليا للأسفل. كما أظهر جيمس راندي (The Amazing Randi)، وهو ساحر مسرحي تحول لكاشف حيل، مرارا منذئذ، فهذا ليس سوى شيء صغير من خفة اليد. فبعد دقائق قليلة من تعليمات راندي، حتى أنا تعلمت ليّ الملاعق بما يكفي لخداع معظم الناس. وبسبب تعاون تارغ وپاتهوف مع معهد ستانفورد للأبحاث المرموق، أخذ عديد من الصحفيين السذج تصريح ليّ الملاعق هذا بشكل جدي، وأصبح غيلر مشهورا دوليا. العلماء الذين عرفوا راسل تارغ سخروا منه؛ فبصر تارغ ضعيف جدا، كما قالوا، بحيث أنه سيكون آخر شخص يمكن الوثوق به لملاحظة أي خفة يد يستخدمها غيلر. ولكن رغم أن تارغ كانت لديه مشكلة في رؤية يده مقابل وجهه، كان مقتنعا بأنه يستطيع إرسال عقله لرؤية أماكن بعيدة. ادعى پاتهوف حتى أنه قد أرسل عقله لاستكشاف كوكب عطارد. من يستطيع إثبات أنه لم يفعل؟ لقد كتب پاتهوف وتارغ عن "الرؤية عن بعد" في كتابهما، مُتناول العقل Mind Reach، واخترع كاتب عمود في الواشنطنپوست "فجوة إ.ف.ح" مع السوڤييت. قام مسؤولو الاستخبارات القاصرون علميا في CIA بابتداء برنامج للرؤية عن بعد لاستغلال القابليات النفسية المدعاة لتارغ وپاتهوف. كانت CIA مسرورة جدا بالنتائج بحيث سمحت لپاتهوف وتارغ بتجنيد وسطاء آخرون. انتهى الأمر بـ CIA بصبمئات ملايين الدولارات في جهود لإغلاق فجوة الإ.ف.ح. لم أظهر يوما أي قابليات نفسية طبيعية، ولكنه مر بخاطري أنه قد يكون هناك رابط بين النفسانية إليزابيث تارغ والفيزيائي المعتوه الرائي -عن-بعد راسل تارغ. ظهر لاحقا أن إليزابيث هي ابنة راسل. في عموده " ملاحظات لمراقب هامشيات " في مجلة الباحث الشكوكي the Skeptical Inquirer، نوّه مارتن غاردنر بأن جد إليزابيث، وليام تارغ، كان ذات مرة رئيس تحرير پاتنام Putnam، وكانت لديه اعتقادات عميقة في الماوراء. لماذا يعتنق معظم الناس اعتقادات والديهم في الماوراء؟ كم من ذلك يتم تناقله في الجينات؟ أم أن دماغ الطفل، مربوطا بلطف كي يتعلم اللغة، تسهل برمجته؟ سنعود لهذا السؤال المهم في فصول لاحقة. إن قصة امرأة شابة ذكية تحمل الدكتوراه، اعتقدت أن الناس العاديين يمكنهم التحكم بقوى ماورائية فقط بقوة عقولهم، لم تأسر خيال الإعلام فحسب، بل والبليونير جون تمپلتون، الذي التقيناه في الفصل الأول. يعتقد تمپلتون بأن البحث العلمي يجب استخدامه للبرهان على أساسيات المسيحية، ولا يتردد في إنفاق المال لإنجاح ذلك. كانت مؤسسة جون تمپلتون قد
عدد الصفحات ٤٧أعطت5000 دولار لدعم بحث إليزابيث تارغ. ولاحقا، في1997، أمدت الد. هربرت بينسون بـ 2.4 مليون دولار ليقوم بأكبر وأفضل الدراسات ضبطا عن صلاة الشفاعة على الإطلاق. كان بينسون خيارا مهما لرئاسة الدراسة. فقد التقيناه من قبل في هذا الفصل في مناقشة تقليص التوتر. فطب العقل-الجسد يميل ليكون على الحافة الخارجية للطب الحديث، ولكن الادعاء المتواضع لمركز العقل-الجسد الطبي لبينسون هو: في الحد الذي تسبب أو تسوء به حالة الشخص الطبية و/أو أعراضه بالتوتر، لنا أن نساعد. يبدو معقولا. تضمنت دراسة بينسون 1800 مريض على المجازة القلبية في ست مستشفيات تطوعت للدراسة. تمت مراقبتهم وفقا لتعليمات طبية دقيقة ووضعوا عشوائيا في المجموعة التي يصلي لها متطوعون مجهولون أو التي لا يصلى لها. كان هذا إجراء بسيطا نسبيا ترك مجالا قليلا لشكل التلاعب الذي ألقى ظلال الشك على نتائج التجارب العديدة السابقة حول الصلاة. كان يتنبأ بشكل واسع أن دراسة بينسون ستحيي أو تميت ممارسة العلاج بصلاة الشفاعة. وكان متوقعا أن الدراسة ستأخذ عدة سنوات. طبيب أحب الحقيقة كانت دراسة بينسون في وسط الطريق وأمريكا لا تزال في حداد على ضحايا هجوم 11/9 حيث وصل عدد سپتمبر 2001 من مجلة الطب التناسلي بالبريد. فتح الد. بروس فلام، أستاذ في طب النساء والولادة السريري في جامعة كاليفورنيا، إرڤاين، نسخته على المقالة المبرزة، "هل تؤثر الصلاة على نجاح نقل أجنة الأنابيب المخصبة؟ تقرير لتجربة عشوائية محجوبة." واندفعت غدده الصم للعمل. "قرأتها وكدت أسقط من مقعدي،" كما يتذكر. كانت جدته، كما يتذكر، تصلي يوميا لخمس وسبعين سنة دون نجاح يذكر. غير مستعدة لمواجهة الواقع المؤلم أن الله لا يستجيب لصلواتها، استمرت بالتأكيد لحفيدها أن "الصلاة يمكنها تغيير العالم." حين كان صبيا، صلى بروس بحماسة. ومرت صلواته للأسف، كصلوات جدته، دون إجابة. وفي المدرسة، من جهة أخرى، اكتشف أن العلم يبدو دائما يعمل. قرر بروس أن يحب العلم ويرفض الصلاة كخرافة محضة. واجهته دراسة الصلاة في كولومبيا في مجلة الطب التناسلي، بالاكتشاف المزعج أن مجلة طبية مهمة في مجاله قد نشرت للتو ورقة كانت بالتأكيد هراء خرافيا. أفادت الرسالة أن عمليات التخصيب بالأنابيب كانت أقرب بضعفين للنجاح حين كان يصلى للنساء من قبل مجموعة من الغرباء يبعدون نصف العالم. والمعنى المتضمن هو أن معجزة كهذه يمكن تدبيرها. عاملت تقارير الأنباء عن هذه الدراسة، مع إشارتها لوجود شكوك، النتائج كعلم أصيل. بأسلوبها الضعيف، وصفت النيويورك تايمز النتائج بـ"المفاجئة،" ولكن إن كانت صحيحة فهي أكثر من مفاجئة، إنها معجزة. إن تدبير المعجزات، كما لك أن تتخيل، يأتيك بمال جيد. ومع ذلك، ففي العلم هناك مفاجئات كثيرة إنما لا معجزات. فالعلم يعتمد على مبدأ أن هناك سببا ماديا لكل شيء يحدث. كطبيب نسائية وتوليد بخبرة ثلاث وعشرين سنة في مساعدة النساء خلال عملية التكاثر الرائعة،
عدد الصفحات ٤٨