المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الخرافة الإيمان في عصر العلم روبرت ل.بارك

غير معروف

صفحة ٢ من ٩

قرب نهاية كتابه،يحكي كولينز خبرة مؤثرة جدا في صيف 1989. فقبل سنة من بلوغه الأربعين، كان قد سافر إلى نيجيريا كمتطوع في مستشفى إرسالية صغير، معطيا لموظفي المستشفى الحرية ليحضروا مؤتمرهم السنوي. خلال معالجته لفلاح أفريقي شاب يعاني من السل المتقدم، مر كولينز بخبرة دينية غامرة. وفسّرها ككشف عن غرض الله. كدكتور في الكيمياء مع درجة في الطب، لا بد أن يكون فرنسيس كولينز على علم بالحد الذي تتأثر فيه عواطفنا بالهرمونات المفرزة كاستجابة لتعليمات من الدماغ. والكيفية التي بها لم يعدّ هذا العالم اللامع خبرته الدينية هذه كرشقة هرمونات هي دليل على القوة المتحكمة لكيمياء دماغنا. في حين نستطيع الإشارة لدور الهرمونات في الآخرين، من الأصعب أن نفعل المثل حين يحصل لنا. يبدو أن الهرمونات تملك القدرة لا على تفعيل عواطفك فحسب، بل وتعطيل قدراتك النقدية في آن واحد. لأعجوبة صغيرة أننا البشر واقعيا بلا حول في وجه هجوم هرموني مباغت. أحس طلابي بالضيق حين أتى موضوع التحكم الكيماوي بالعواطف في الدرس. فقد كانت لديهم مشاكلهم الهرمونية الخاصة. حاولت التأكيد لهم بأن ذلك عادي تماما. فنحن نشترك في العديد من استجاباتنا الهرمونية مع أسلافنا القبل-بشريين وحتى القبل-ثدييين. وذلك عادي تماما وأساسي حتى لبقائنا. إنه مهم لهم أن يعترفوا، على كل، بأن هذه الاستجابات تطورت لتعزز البقاء في برية الپليستوسين. كأعضاء مجتمع متحضر علينا إلزام: أن نفهم دوافعنا ولا نتبعها بشكل أعمى. كمثال، شاركتهم بحقيقة أني لا زلت متزوجا من نفس المرأة لسبع وخمسين سنة. لا شك في أنه عند لقاءنا الأول في مكتبة الكلية، تطابقت فيرموناتنا مع مستقبلات في عضو شم كل منا. الفيرمونات هي قوّادات الطبيعة، ولكنها ليست منحلّة بالكامل. ل تبعدك عن أن تستثار بفيرموناتك، لا تتعلق بمستقبلاتك. ولا تتعلق بمستقبلات الأ شخاص المتقاربين جدا كالأقارب، الذين ينتجون فيرمونات مشابهة. لهذا التكيف تأثير تثبيط الضم -استيلاد inbreeding. لست واعيا لـ"شمّ" الفيرمونات، لأن الإشارة من مستقبلات فيرموناتك تحول رأسا إلىاللوزة amygdalae، متجاوزة القشرة المخية. ترد اللوزة باستدعاء تحت المهاد hypothalamus ليفرز هرمونات الاستثارة، التستوستيرون والأستروجين، إضافة للأدرينالين، إلى مجرى الدم. إذا ابتسم الشخص لك، قد يضم خليط الهرمونات الذي تولده النوراِ پينفرين، الذي يصعب نطقه بحيث يسمى أحيانا نورادرينالين. يقوم النورادرينالين بتركيب الوصلات في الدماغ، مما يمكّنك من تذكر كل ما يحصل، بما في ذلك كثير من التفصيلات غير الهمة. ومن ذلك الحين، مجرد التفكير في ذلك الشخص أو سماع صوته على الهاتف يولد تأثيرا مماثلا لفيرموناتك. تُذكّر اللوزة باللقاء الأول وتأمر تحت المهاد بإطلاق كوكتيل من الهرمونات يقلد ذلك الخليط في اللقاء المستحق التذكر. النورادرنالين مسؤول عن الذكريات الواضحة التي تبقيها عن كل شيء كان حولك حين سمعت الأخبار عن 11/9 أو أن "شيكاغو كابز فازوا بالبطولة، إن كان ذلك مهما لديك. مع تقدم العلاقة، يبدأ خليط الهرمونات بضم الأوكستوسين، جزيئة پيپتيد ضئيلة تؤدي دورا كبيرا في العواطف البشرية المتعلقة بالتكاثر، وخصوصا العواطف عدا الشهوة الساذجة، كالأمومة. كلما كان هناك لقاء مُرضي مع ذاك الشخص، يميل مستوى الأوكستوسين

عدد الصفحات ١٧

للصعود. يستحث الأوكستوسين المشاعر العميقة للحب والو ء المترابطة مع العلاقات الدائمة. عند هذه النقطة بدأ طلابي بالتضايق. لقد قلصت توّا أكثر أجزاء حياتهم معنى إلى كيمياء. "لا مشكلة،" أكدت لهم، "ستكتشفون أن فهم ما يجري بالفعل لن يجعله أقل روعة؛ بل لعله سيغني خبرتكم. ستتعجبون، كما يفعل كل عالم، لما يمكن للانتخاب الطبيعي تنفيذه. فقط استمتعوا بذلك." إنه ذلك التفاعل المعقد بين عوامل عدة تعمل معا —المدخل الحسي، الوصلات الترابطية في الدماغ، خزين الذاكرة، الغدد الصم، والاستجابات المشروطة. كلها معا تجعل الخبرة شخصية وفريدة. هل يطرح هذا أسئلة عن الإرادة الحرة؟ بالتأكيد يفعل. الخداع المقدس رغم أن فرنسيس كولينز يستحيل أن يكون غير مدرك لقدرة رشقة هرمونية على احتثاث خبرة دينية، اختار أن يقسم عالمه لفئات، كما يجب على العلماء المتدينين. فالتفسير العلمي للخبرة الدينية يترك خارج الباب، لئلا يتدخل على التفاسير الروحية. في مقابلة أجرتها معه كاتبة نيويورك تايمز كورنيليا دين، علق وولت رالوف، منتج الفلم الملهم بالخلقية "مطرود Expelled،"أن باحثي الجينوم الذين يعثرون على أدلة تشير للتصميم في بحثهم قد يكونون خائفين من تقديم ذلك لأنه يتعارض مع الرؤية السائدة. وأشار لد. كولينز كمثال. يصعب علينا تصور فرنسيس كولينز خائفا من أي شيء، ولهذا اتصلت دين بكولينز وسألته مباشرة عن عبارة رالوف. لم يكن خائفا من إخبارها أن ملاحظات رالوف كانت "سخيفة." بل كانت أكثر من سخيفة. فرالوف يبدو أنه يشارك في الممارسة الشائعة جدا لـ"الخداع المقدس." ولكن الكذب باسم الله يظل كذبا. "من منظور بيولوجي،" يكتب كولينز في لغة الله، "الأدلة لصالح التطور مخضِعة للغاية. فنظرية داروين للانتخاب الطبيعي توفر إطار عمل أساسيا لفهم علاقات كل الأشياء الحية. وتوقعات التطور أثمرت بطرق أخرى غير ما كان يمكن لداروين تصوره حين اقترح نظريته قبل 150 عاما، وخصوصا في حقل الجينوميات متحدثا إلى جمع وطني من الفيزيائيين المسيحيين، اقترح كولينز أن التطور قد يكون خطة الله البديعة لخلق النوع البشري. وخرج بعض الحاضرين بغضب. في أسئلة حول كيف تعمل الطبيعة، كولنز، مثل تشارلز تاونز وعمليا كل العلماء المؤمنين، يصطف بلا تردد مع العلم. لماذا إذن، في عمر متأخر كالتاسعة والعشرين، أصبح فرنسيس كولينز مسيحيا؟ حجة التحول في الفصل الأخير من كتابه، يلخص كولينز قاعدة تحوله الديني. والتي تتركز في نقطتين:  المبدأ الإنساني: قوانين الطبيعة صممت لتدعم الحياة  القانون الأخلاقي: البشر يعرفون الفرق بين الصواب والخطأ لقد ناقشنا المبدأ الإنساني بالتفصيل سابقا في هذا الفصل. ولا خلاف في أن التغيرات في الثوابت الأساسية كثابت الجذب قد تجعل الحياة كما نعرفها مستحيلة. وكل ما يخبرنا ذلك به هو أننا لا نعرف بعد لماذا قوانين الطبيعة هي على هذا الوجه. تنصحنا الطبيعية بأن نكون صبورين. فحدود فهمنا مرسومة بالطبشور، وستمسح بمرور الزمن مع تقدم العلم. كلما تقدمت جبهات العلم، تظهر غوامض متعذر فهمها كما يبدو وعدت ذات يوم برهانا على

عدد الصفحات ١٨

وجود الله، على أنها نتيجة لا محيص عنها لقوانين أكثر أساسية. هل سنصل أبدا إلى "نظرية نهائية" تفسر كل شيء ويمكن، كما عبر الفائز بجائزة نوبل ليون ليدرمان، "أن تكتب على تي-شيرت"؟ ربما لن نفعل، ولكن أي فتح عظيم هو. حتى إن كنت تتقبل المبدأ الإنساني كدليل على خالق، فهو فقط يطرح أسئلة إضافية. السؤال الأوضح هو "من خلق الخالق؟" ولو حاولتُ الالتفاف على ذلك بالاحتجاج بأن وجود الله أزلي، سأواجه بالسؤال اللاحق: "لماذا الإله المسيحي؟" لماذا لا نصطنع إلها جديدا؟ لقد كانت هناك آلاف الآلهة عبر التاريخ. ما هي البصيرة الخاصة التي تمتع بها مؤلفو الكتاب المقدس بحيث تقود معظم العالم الغربي، بعد آلاف السنين، ليستمروا باتباع إلههم؟ وحتى إن كنت تجد المبدأ الإنساني مقتضيا وجود خالق، فهو لا يخبرني بشيء عن ذاك الخالق إلا أنه ربما أراد أن تكون ثمة حياة. والمتبقي ليس سوى تخمين محض ويخبرنا ببساطة بما أراد أجدادنا إلههم أن يكون عليه. إله الكتاب المقدس المسيحي هو الأكثر ألفة للعالم الغربي. ولسوء الحظ، يأتي ذلك الإله مع حمولة ثقيلة تحتوي على بضعة خرافات مستحيلة. سنتفحص بعض تلك الخرافات في الفصول اللاحقة. نقطة كولينز الثانية، وجود "قانون خُلقي،" تشير إلى سؤال بحثي مهم. فملاحظة أن الناس يملكون حسا فطريا بالصواب والخطأ تعود لآلاف السنين. ومهمة العلم هي فهم السبب. في السنتين اللاحقتين اعتاد كولينز تسمية القانون الخُلقي"أقوى علامة دالة على الله،" وهو تحدي تقبله بعض العلماء باستخدام بعض أحدث أدوات العلم. في الفصل 11 سنعود إلى القانون الخُلقي ونتائجه في العالم الحديث. ولكن قبل أن نتحدث عن كيف على الهومو ساپينس أن يكون، هناك الكثير لنتعلمه عن هيئتنا نحن وكيف أصبحنا كذلك، بدءا بنظرية تشارلز داروين للتطور بالانتخاب الطبيعي.

عدد الصفحات ١٩

ـ الفصـلـالثـانيـ سرّ الحيـــاة وفيه تبقى نظرية داروين في التطور بالانتخاب الطبيعي اعتقدت سارة تيشكوف، إناسية جزيئية شابة في جامعة ماريلاند، بأن هجرة الهومو ساپينس من أفريقيا يمكن أن تتعقب بالبحث عن بصماتهم في دنا البشر الأحياء. كانت فكرة رائعة جدا بحيث بعد جمعها لتمويل من مصادر مختلفة، وجدت نفسها بسرعة ترأس فريقا دوليا من الجيناتيين يجمعون ويحللون عينات دم من جماعات حول العالم. لا بد أنها تملك حس مغامرة. فقد غطت أفريقيا، حيث يفترض أن البشر الحديثين تأصلوا هناك. وهذا يعني قيادة لاند روڤر طوال مئات الأميال من طرق بدائية ضمن مناطق قصية، بصحبتها مترجم ومساعد فقط. كان على عينات الدم أن تخضع للطرد المركزي لإزالة الكريات الحمر سهلة الفناء باستخدام نضيدة اللاند روڤر كمصدر طاقة. وهذا قلص العينات إلى حصيات بيضاء قاسية للتحليل في الولايات المتحدة. وكان شحن بلوح شمسي. قضت ليالي عدة في خيمة مع أصوات حيوانات في الجوار. وكان هناك قلق دائم حول القلاقل السياسية. رغم أنه يعتقد أن الهومو ساپينس قد تأصل في شرق أفريقيا، فمسار المتحجرات ضعيف جدا. فاكتشاف جمجمة واحدة في إثيوپيا عام 2003، تعود لحوالي160,000 كان خبرا كبيرا مكتشفة على يد تيم وايت وفريقه من جامعة كاليفورنيا، بيركلي، كانت هذه أقدم متحجرة معروفة للإنسان الحديث، وأقوى دليل حتى الآن على أن الهومو ساپينس قد خرج بالفعل من أفريقيا. ومع الوقت، هاجر أسلافنا شمالا نحو مصر والشرق الأوسط، حول البحر المتوسط، وفي النهاية إلى شمال أورپا. يقدم الترسيم الحديث للجينوم البشري أداة جديدة لتتبع ذلك المسار القديم. قد يبدو الأفارقة الشرقيون والأورپيون الشماليون مختلفين اليوم، ولكن هذا بعمق الجلد فقط. فهم يشتركون في خاصية غير اعتيادية: يستطيعون هضم الحليب حتى في البلوغ. وهو أمر لا يقدر عليه معظم الناس على كوكبنا. والفتى الذي وجدت جمجمته في إثيوپيا لم يقدر. فهضم البالغين للاّكتوز لم يكن جزءا من التصميم الأصلي للهومو سا پينس. فالجين الذي ينتج اللاكتيز، الإنزيم المطلوب لهضم اللاكتوز، يتوقف عادة قبل عمر الرابعة. وهذا يدفع للفطام، معطيا الأم الحرية لإرضاع أطفال أكثر—والأطفال هم ما يدور حوله بقاء الأنواع. لمعظم تاريخنا ذي الـ 160,000 سنة، كان أسلافناالهومو ساپينس جامعين صائدين. ولم يكن هضم اللاكتوز ليقدم لهم أي نفع. تظهر رسوم الكهوف القديمة ال تي وجدت في جنوب الصحراء الكبرى قطيعا يتم رعيه، ولكن في ذلك الوقت كان الهومو ساپينس موجودين منذ

عدد الصفحات ٢٠

حوالي150,000 سنةربما اكتشفت بعض القبائل أنه برعاية القطيع، يمكنهم تحرير أنفسهم من لايقينية الصيد. غيّر استئناس الماشية كل شيء. فبالإضافة لتوفير اللحم، جعل حليب البقر متوفرا. واللاكتوز، سكّر الحليب، هو مغذي أساسي للأطفال والبالغين الذين يستطيعون هضمه. أدى الانتخاب الطبيعي دوره. فأحيانا، قد يكون لدى الناس طفرة تمنع جين اللاكتيز من التوقف. طفرة كهذه قد لا تقدم نفعا لصياد لاقط، ولكن للراعي قدمت نفعا أساسيا للبقاء هو امتلاك مصدر للپروتين عالي الجودة، خصوصا في السنين العجاف، ضامنة سرعة انتشار الطفرة. ولم تكن صناعة الألبان على بعد من ذلك. كانت تيشكوف مهتمة بالخصوص بجين هضم الحليب. كان الإجراء هو أن تأخذ جينات دم من النساء، تقيس مستويات الجلوكوز بمقياس بسيط كالذي يستخدم مع مرضى السكر، ثم تعطيهن حليبا ليشربنه. بعد ساعة، ستقوم بقياس مستويات الجلوكوز ثانيا. إن ارتفعت مستويات الجلوكوز لديهن، عنى هذا أنهن هضمن اللاكتوز. كانت هناك مفاجآت. فحين عادت إلى مختبرها في ماريلاند وفحصت الدنا في عينات الدم، وجدت أن الأفارقة القادرين على هضم الحليب لم يملكوا الطفرة التي أدت لهضم الحليب في الأورپيين الشماليين. ظهرت هناك أربع طفرات أدت لهضم اللاكتوز في قبائل أفريقية مختلفة. كان هذا تأكيدا باهرا لقدرة التطور على تلبية حاجة مهمة بطفرات عشوائية. فهناك لغات وثقافات عديدة في شرق أفريقيا تختلط بشكل قليل جدا، وهذا ما يقود تيشكوف للاعتقاد بأن هناك طفرات إضافية لم تكتشف بعد قد أدت لهضم اللاكتوز في قبائل أفريقية أخرى. أحيانا يطرح منكرو أدلة التطور تحديا: إن كان التطور حقيقة، لماذا لا نتطور؟ والجواب هو: نحن كذلك. فالتطور ينزع ليكون أسرع ضمن مجموعات معزولة تتكيف لظروف بيئة محلية، وهناك مجموعات قليلة لا تزال معزولة. والتطور يبطؤ باختلاط الجينات ضمن مجموعات تعيش في بيئات مختلفة—وللبشر سمعة سيئة في النوم بأكثر من سرير. على كل، إن تكيفا ينفع الجميع في كل البيئات، كمقاومة ڤيروس الإنفلونزا عام 1918، يمكنه الانتشار بسرعة فائقة بفضل التنقل الحديث. لأنه يوفر تلك الفوائد صحية مهمة، يبدأ هضم اللاكتوز بالظهور حتى في الشرق الأقصى، حيث لم يُرى من قبل. وفي فترة قصيرة من الزمن، بالمعايير التطورية، سيكون العالم بأكمله هاضما للاكتوز. إن كان أحد يبحث عن علامة، فإن محل مثلجات قد فتح كما قيل في پكّين. لا يزال الهومو ساپينس يتطورون، مع بركة جينات هائلة في العالم وتنقل حديث يضمن اختلاط جينات سريع. ستكون التغيرات في الجينوم البشري محددة بتلك التي توفر فائدة واضحة للبشر أجمع، كهضم اللاكتوز ومقاومة سلالات جديدة من ڤيروس الزكام. وفي ضوء الأدلة الهائلة على التطور التي تنامت منذ اكتشاف تركيب الدنا، يجد العلماء من الصعب الاعتقاد بأن أحدا لا يزال ينكر واقعية التطور—ولكن كما سنرى، البعض يفعل.

عدد الصفحات ٢١

أي جدال؟ في مقابلة مع صحفيين من تكساس في 1 أغسطس2005، نادى الرئيس جورج و. بوش بتدريس "التصميم الذكي" في صفوف العلوم إلى جانب التطور كنظريات متنافسية. "أحس بأن كلا الجانبين يجب تدريسهما بشكل جيد،" كما قال، "بحيث يستطيع الناس أن يفهموا علام يدور الجدل." ولكن ما من جدل، على الأقل داخل المجتمع العلمي. هل أعلن الرئيس الأمريكي للتو حربا على العلم؟ حتى جون ماربورغر، رئيس مكتب العلوم والتقنية في البيت الأبيض، أخبر النيويورك تايمز بأن الرئيس "تم فهمه خطئا." كفيزيائي ومدير سابق لمختبرات بروكهاڤن الوطنية، وصف ماربورغر التطور بأنه "حجر زاوية البيولوجيا الحديثة." وفي المقابل قال "التصميم الذكي ليس فكرة علمية." كان ماربورغر محقا بالتأكيد، ولكنه احتاج أن يخبر الرئيس بوش بذلك، وليس النيويورك تايمز. فتدريس التصميم الذكي في صف بيولوجيا سيكون أشبه بتدريس التنجيم لصف في علم الفلك. فكرة التطور في الأحياء لم تتولد مع داروين. ففي الخصوص، اقترح جان-باپتيست لامارك نظرية للتطور قبل نصف قرن من داروين. والفرق في التطور اللاماركي ليس فكرة التغير في أشكال الحياة، ولكن الآلية التي بها يحصل التغير. اقترح لامارك أن الذرية لا بد أن ترث الخصائص المكتسبة في حياة الوالدين، كعضلات الرياضي المدرب. وكان هذا حدسا لامعا سعى لتفسي ر التغيرات التي تحدث في الأنواع لتتكيف مع البيئات الجديدة. كانت الفكرة الصحيحة، إنما الآلية الخطأ. لتنال القبول، على النظريات العلمية أن يتم تأكيدها بالاختبار المستقل، وللتأكد من أن العلماء لا يخدعون باختبارات خاطئة، يجب أن تتم بشكل منفتح. وحتى عندئذ، فالنتائج مشروطة. سيراجع العلماء النظرية كلما توفرت بيانات جديدة، أو طريقة أفضل لتحليل البيانات. والتطور اللاماركي ببساطة لم يتوافق مع الأدلة المتوافرة. حين سمع الأحيائي الشهير توماس هكسلي لأول مرة داروين يشرح نظريته، يقال أنه صفع جبهته وصاح، "ولماذا لم أفكر بذلك؟" فبأثر رجعي بدت الفكرة واضحة. وإضافة لذلك، اكتشف هكسلي مباشرة أن قدرا كبيرا من الأدلة المؤكدة موجود فعلا. حتى أكثر العلماء تشككا أدركوا عاجلا أي فكرة قوية هي. أما اليوم، فالتطور بالانتخاب الطبيعي هو المبدأ المنظِّم الذي يشكل أساس ميدان علم الأحياء بكامله. آلاف فوق آلاف من المقالات بناء على التطور الدارويني قد نشرت في مجلات علمية يراجعها نظراء. والمؤلفون يضمون عديدا من العلماء القياديين في العالم. كعينة واحدة، ثمانية وثلاثون من آخر خمسين جائزة نوبل في الفسلجة والطب ارتبطت مباشرة بالتطور. لقد حررت نظرية داروين العقل البشري من أغلال التقليد. فبالنسبة لقطع المعلومات التي بدت غير مترابطة وقامت هي بربطها، فالتطور بالانتخاب الطبيعي هو أنجح نظرية فكر بها على الإطلاق. وإضافة لذلك، فقد فتحت بابا للتفكير عن الكون يذهب بعيدا وراء البيولوجيا. لقد كانت بداية الطبيعية Naturalism. كانت الكائنات الحية تعد حتى الآن أكثر تعقيدا من أن تكون نتاج عمليات طبيعية بالكامل، وكل اكتشاف حديث يكشف طبقات جديدة من التعقيد. بدت محتاجة لذكاء ماورائي—مصمم

عدد الصفحات ٢٢

ذكي. ثم أتت هذه النظرية الجديدة للتطور بالانتخاب الطبيعي التي بدت تقول أن التعقيد يصعب التخيل للكائنات الحية هو ببساطة نتاج قوى طبيعية عمياء تعمل في وقت طويل جدا. من أين أتى الإيمان بخالق أصلا؟ هل من الممكن، بدأ العلماء بالتساؤل، أن فكرة الخالق بكاملها غير ضرورية؟ أسطورة الخلق اشتاق البشر دوما لمعرفة لماذا يوجد العالم، ولماذا العالم كما هو عليه، ولكن لمعظم التاريخ كانت هذه المعرفة بعيدة جدا عن متناول الإنسان. جلس القصّاصون storytellers حول النار ينسجون قصصا خيالية تتحدث عن العالم والقوى الخفية التي تتحكم بحياتنا. سعت أساطير الخلق لتشرح من أين أتى الإنسان. وأكثر تلك القصص تأثيرا كانت تمرر للأجيال اللاحقة. مع كل حكاية وكل تحسين، لا بد أن تلك الأساطير بدت أكثر طبيعية —وحتى وضوحا. لـ 160,000 سنة، كانت الخرافة تعتقل الهومو ساپينس. أما اليوم، فكل ثقافة لديها أسطورة خلق مركزية. وتسيطر على الثقافة الغربية ثلاثة أديان كبيرة: اليهودية، المسيحية، والإسلام، التي تشترك في أسطورة خلق عامة: قصة التكوين عن آدم وحواء. ترجم سفر التكوين عن نصوص عبرية قديمة كتبت قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وأجزاء منها، كقصة الطوفان العظيم، استعيرت من ملحمة جلجامش، وهي ملحمة سومرية تعد أقدم قصة مكتوبة نعرفها، ألفت قبل خمسة آلاف سنة. ورغم ذلك، يعتقد الأصوليون الدينيون في النصوص الكتابية، وضمنها رواية التكوين عن الخلق، أنها كلمة الرب الموحاة المعصومة ولهذا يجب تفسيرها حرفيا. وبما أنها الحقيقة حرفيا، كما يجادلون، فيجب تعليمها لأطفالهم في صفوف البيولوجيا. نظرية التصميم الذكي التي نادى الرئيس بتدريسها إلى جانب التطور في صفوف العلوم ليست سفر التكوين. ففي محاولة للالتفاف حول قيد التأسيس في التعديل الأول، يتجنب التصميم الذكي أي ذكر "للخلق" أو "الله،" مركزا بدلا من ذلك على التعقيد الشديد للفسلجة البشرية، والذي يدعي أنها لا يمكن أن تحصل بالصدفة. والداعون لهذا يأملون أنه قد يرى كبرهان على أن ذكاء غير معروف كان متدخلا في تصميم الأحياء. لا يتضمن التصميم الذكي أي نتائج علمية جديدة، ولم يستخدم في أي ورقة بحث في مجلة علمية يراجعها نظراء. التصميم الذكي مجرد تخطيط أو تكتيك في حرب مقدسة هدفها إعادة الله إلى الصف— وإخراج داروين. المفارقة الكبرى هي أن الحرب حول نظرية لا يعتقد بها كلا الطرفين—بالتأكيد ليس العلماء، الذين يتقبلون التطور الدارويني بشكل هائل، ولا الأصوليون المسيحيون، الذين قد يفضلون قصة آدم وحواء. وكما في كل الحروب، فالتخطيط هدفه الفوز فحسب. وكما سنرى، بعض المسيحيين المخلصين تطوعوا حتى للخدمة خلف خطوط العدو كعملاء مزدوجين، حاصلين على دكتوراه في الأحياء ليصبحوا أكثر تأثيرا في الحرب ضد الداروينية —وهو مثال متطرف على ما يسمى "الخداع المقدس."

عدد الصفحات ٢٣

الأنماط قابليتنا على فهم العالم تبدأ بالقدرة الباهرة للدماغ البشري على التقاط الأنماط في المعلومات التي تجمعها حواسنا. فالتعرف على أنماط مألوفة في أحوال غير مألوفة هو بداية التفكير بالمماثلة، ومن ثم التفكير المجرد. فأسلافنا المتوحشون، العائشون كصائدين لاقطين في برية الپليستوسين، لا بد أنهم كانوا جيدين جدا في تصور أنماط سلوك الحيوانات التي اصطادوها كغذاء، إضافة للتي اصطادتهم كغذاء. لكي تعثر على يرقات، عليك أن تعرف كيف تقلب الجذع عنها. مما يلفت النظر، أن الدماغ الذي كان جيدا في العثور على اليرقات وتجنب النمور سيفية الأسنان استطاع أيضا التعرف على أنماط مجردة في اللغة والرياضيات. وأكثر منه هو حجم المتعة التي تمدنا بها الأنماط. إن كان في الشعر، الموسيقى أو الفيزياء، فالتعرف على الأنماط يقع في قلب كل استمتاع جمالي. بعد أن أصبحنا أكثر تعقيدا فيما نفعله، تعلمنا أن نتعرف لأنماط أكثر خفية. ولكن هناك خيط رفيع بين التعرف على الأنماط الخفية والأپوفينيا: رؤية الأنماط حيث لا توجد. كشكل من الفصام، تربط الأپوفينيا أحيانا بالعبقرية، كما عند جون ناش، ممثلا في فيلم عقل جميل A Beautiful Mind. يكرم ناش في النهاية بجائزة بنك السويد في العلوم الاقتصادية على شرف ألفريد نوبل لعمله اللامع في نظرية الألعاب، ولكن كما يرينا الفيلم، ميله للأپوفينيا يقوده أحيانا للضياع الخطر. تجدر الإشارة إلى أنه رغم الإشارة معظم الوقت إلى ناش كـ"فائز بنوبل،" لم تكن جائزة بنك السويد متضمنة في وصية ألفريد نوبل. ورغم ذلك، تتعمد جائزة بنك السويد تقليد نمط نوبل ويشار إليها عادة بشكل بسيط، بجائزة نوبل في الاقتصاد. يبدو كل البشر على حافة الأپوفينيا. فالدماغ القادر على ربط المدّ والجزر بأدوار القمر، قد يرى في مرور مذنب نذير نصر في معركة، أو ربما يربط انفجارا نجميا supernova بعيدا بمولد إله. نحتاج خطة لنعرف أي الأنماط مهم، وأيها محض مصادفة. وأخذت منا 160,000 سنة قبل أن توجد خطة كهذه. نسميها العلم.

عدد الصفحات ٢٤

مولد العلم في 28 مايو585 ق.م، كان هناك كسوف solar eclipse .مرت سحابة من الظلام الدامس لفترة قصيرة فوق جزيرة ملطية Mellitus اليونانية. كان الناس دوما يخافون ويرتعبون من الكسوفات، رغم أن قلة منا سيكونون محظوظين ليروا بأنفسهم كسوفا كليا. كانت لكل ثقافة أسطورة كسوف خاصة، ربما تتضمن وحشا شريرا يبتلع السمكة. كان على الرهبان أو الشامانات أن يخترعوا احتفالا أو دعوة قد تبعد الوحش. وكانوا جيدين في عملهم—فالشمس كانت تخرج بسلام. وادعى الرهبان بلا شك الفضل الكامل في إنقاذ العالم من كارثة. ما ميّز كسوف 585 ق.م منكل كسوف سبقه، شمسيا أو قمريا، أنه تم التنبؤ به. فقد حسب ثاليس الملطي، كما يقال، أن القمر سيمر بين الشمس والأرض في ذاك اليوم، حاجبا ضوء الشمس بشكل مؤقت. يشك عديد من مؤرخي العلم في ذلك نظرا لأن محور القمر مائل بحوالي ثماني درجات بالنسبة لمدار الأرض حول الشمس ، وظل القمر عادة ما يفوت الأرض كليا. وإضافة لذلك، فالظل الكلي الدامس للقمر، المسؤول عن الكلية، يمر فوق مسار ضيق من سطح الأرض بعرض مئة ميل تقريبا. وهذا الظلام يمر فوق مكان معين في الأرض مرة كل 375 سنة ربما كان ثاليس قد "توقع" الكسوف في 585 ق.م بعد حصوله، وهو ليس غريبا في سجلات التاريخ القديمة. على أي حال، فهم ثاليس ما حصل واستغل الحدث لينصّ على قانون السبب والنتيجة، الذي قد يكون ألمع بصيرة على مر الزمن: لكل فعل مادي سبب مادي. فالسببية تنهي الخرافية. ولكن العالم لم يكن يبحث عن سبب، إذ لم تكن الكسوفات تعد أحداثا "طبيعية؛" بل كانت تعد ماورائية—وكل شيء تقريبا كان. الله جعل الشمس تشرق، أرسل العواصف، هزّ الأرض، وأحيانا حجب الشمس. من نحن الفانون لكي نسأل الرب عن أفعاله؟ أكثر ما يأمل البشر فعله هو استرضاء الإله الغاضب بالتقدمات والمديح. ولدينا أدلة مباشرة قليلة عما فكر الناس به قبل اختراع الكتابة، قبل خمسة آلاف عام. ولكن، استنادا إلى اللقى ورسوم الكهوف، يستنتج الآثاريون أن البشر الأقدمين ربما مارسوا السحر، كما تفعل القبائل البدائية اليوم. أحيانا نجح، وأحيانا لا. وكانت المشكلة العملية للشامانات، لذلك، هي العبث بالاحتفالات والدعوات لاختراع سحر أكثر اعتمادا. وقاموا أيضا بنصح الناس بتجنب كل ما قد يهين الأرواح—وبالتأكيد، بترك تقدمات وفيرة على المذبح. لم يتغير الكثير؛ فهذا في الأساس ما نحن عليه اليوم. تشير الاستبيانات باتساق إلى أن حوالي 90% من سكان الولايات المتحدة يعتقدون بثقة في إله/خالق كلي القدرة، ومعظمهم يصلي إليه، وبعضهم خمس مرات في اليوم. أحيانا، كاستعادة الشمس خلال الكسوف، ينجح هذا، وأحيانا لا. وصف ريتشارد فاينمان، الذي قد يكون أكثر الفيزيائيين تقديرا في عصرنا، العلم بأنه "ما تعلمناه حول كيفية عدم خداع أنفسنا." كان ثاليس معلما، لا ساحرا. إذ لم يدع أنه يتحكم بالكسوف، بل يشرحه. الغوامض هي شغل الشامانات والمقدسين. والعلماء يكرهون الغوامض. ويتيحون نتائجهم، متضمنة لتفاصيل الحصول عليها، لتدقيق كل شخص. إن أتى شخص ما بقياسات أكثر دقة أو تحليل أفضل للبيانات، تعاد كتابة المراجع. فلا توجد إجابات نهائية. يبدو ذلك وصفة للفوضى، وحين يقوم العلماء بإعلان شرح جديد، يكون ذلك

عدد الصفحات ٢٥

محبطا لغير العلماء، الذين يسألون لماذا لا يستطيع العلماء تحديد موقفهم. ولكن البديل هو الدوغما. الانفتاح يبعد العلم عن كل الطرق الأخرى للتفكير. وكل ما سواه خرافة. رمى العلم كتاب الطبيعة مفتوحا. وعلى صفحاته نرى، ليس عالما بسيطا، ولكن على الأقل منظما: عالما فيه كل شيء من مولد النجوم حتى الوقوع في الحب محكوم بذات القوانين الطبيعية. أكثر كتاب الطبيعة يبقى منتظرا القراءة، ولكن الهومو ساپينس قام بالفعل بفك الشفرة الجينية، وأرسل روبوتات لاستكشاف كواكب بعيدة، وجعل كل معرفة العالم عند أنامل الناس العاديين. تضاعفت توقعات الحياة، وتقلص الجوع إلى مشكلة سياسية، وتولت الماكنات الجهد المخدر للعقل الذي كان على كاهل عموم الناس، وكثير من الأمراض الكريهة التي هددت نوعنا ذات يوم يمكن علاجها أو حتى استئصالها من الأرض. خلال القرنين السابع والثامن عشر، في فترة تدعى عصر التنوير، اعتقد الناس المتعلمون بأن أهم منافع العلم هي تحرير العالم من الخرافة. لسوء الحظ، لم يحصل هذا. فمع أن الناس يتقبلون هدايا العلم، يتعلقون بخرافات قديمة تعلموها في أحضان أمهاتهم. كلما كان الاعتقاد غير معقول، كان الدوام عليه يعد أكثر فضيلة. كيف لنا أن نتحدث عن استدامة الخرافة في عصر العلم هذا؟ فتح الضوء حين كنت صبيا في العاشرة، كان لدي كلب من أصل غير معروف يدعى باستر. لأنه كان كبيرا، نام باستر في الحظيرة، وكنت ممنوعا من إدخاله إلى البيت. ولكن في ليلة باردة، قمت بتهريب باستر إلى غرفتي. حين ضغطت على الضوء في غرفتي، تأملت فيما قد يفكر به باستر. فكرت أنه لا بد وأنه يراني قويا جدا، فالتحكم بالضوء هو مما يفعله الآلهة. ولكن إن أثير إعجاب باستر، فقد استطاع إخفاءه. فالكلاب، كما فهمت لاحقا، لا تتحير في كيفية عمل الأشياء. ولكن كما يبدو، كذلك بعض الأشخاص. يبدي الناس الذين يسارعون للاستفادة من نظام المواقع العالمي GPS، أو البلاكبيري، أو حاجبات بيتا، أو أي من سائر عجائب التقنية الحديثة، أحيانا اهتماما في كيفية عمل أشياء كهذه لا يزيد عما فعل باستر في تحكمي بالضوء. إن أصر عالم يدعي الإحاطة على محاولة شرح هذه الأشياء، يفقد الناس صبرهم بشكل مفهوم. فهذه الشروح، بعد كل شيء، تقع أحيانا خارج مدى المكان والزمان الذي يعيش فيه الناس حياتهم: كمسافة رحلاتهم اليومية، أو الفترة القصيرة لحياة الإنسان. أخذ مجهر ڤان ليڤنهوك ومرقب غاليليو العلماء إلى عوالم الصغير جدا والبعيد جدا. بمعداتنا نحصل على صور المجرات البعيدة ونسبر نوى الذرات، ونقيس ما بين النجوم وحجم الذرة. ولكننا لا نستطيع الذهاب إلى هناك. يمكننا أن نتعلم عن الماضي من الآثار والمتحجرات، ولكن ليس لنا الذهاب هناك أيضا. أما للمستقبل، فسنصل إلى هناك قريبا جدا. والشيء المؤكد هو أننا سنتمنى وقتا أكثر لاكتشاف تلك العوالم من الذي لدينا. الهومو ساپينس هو إضافة جديدة نسبيا إلى العائلة الحيوانية. فقد كشف الإناسيون عن بقايا لنوعنا تعود لـ 160,000 سنة، ومع ذلك كل تاريخنا المكتوب يعود فقط لـ5000 سنة. ما هو القدر الذي تغير به الهومو ساپينس في 160,000 سنة؟

عدد الصفحات ٢٦

مستعيرا من فيلم الحديقة الجوراسية، افترض أن بعوضة شفطت من دم أحد أسلافناالهومو ساپينس قبل 160,000 سنة، ثم أضحت حبيسة الكهرمان، موفرة للعلماء الحديثين دنا بشريا قديما. وافترض أبعد أن هذا الدنا القديم قد استخدم لاستنساخ إنسان، يتربى بعدها منذ طفولته في مجتمع اليوم. ماذا لو حصل هذا فعلا وسجل نسيخ clone پليستوسيني في صفي الفيزيائي؟ هل أقدر على تمييز النسيخ الپليستوسيني من بين سائر الصف؟ لا يحتمل— فالفروق الفردية كبيرة جدا. فطلابي لا يبدون أو يفكرون متشابهين. والله يعلم أن هناك مجالا للتحسين، ولكني معجب بهم جميعا. يفهم من بعض الأدلة الجديدة أنه ربما كانت هناك تغيرات خفية قليلة في دماغ الهومو ساپينس على مر عشرات آلاف السنين، قد تكون مرتبطة باللغة، وكما رأينا، فهضم اللاكتوز ينتشر ضمن الجماعات. القوة الدافعة للتطور هو التغير في البيئة. فلماذا لم يتطور البشر للتكيف مع عالم لا يشبه عالم أسلافنا الپليستوسيني إلا قليلا؟ يكون التغير على أشده حين ينعزل نوع ما في بيئة معينة، كطيور الحسون finches التي لاقاها داروين في أرخبيل غالاپاغوس. لأنها غير قادرة على الطيران من جزيرة لأخرى، بقيت مجموعات من حسون غالاپاغوس على كل جزيرة معزولة إلا حين تحملها رياح العواصف. وبمرور الزمن طوّرت طيور الحسون مناقير مميزة وفقا لأنواع البذور الأوفر. أما البشر فلديهم سمعة سيئة، للأحسن أو الأسوأ، في نشر جيناتهم خارج قبيلتهم. وخلط الجينات البشرية ضمن المجموعات التي تتكيف مع بيئات مختلفة جدا يملك تأثيرا يكبح التطور. يناضل الهومو ساپينس اليوم ليتكيف مع عالم من التنقل النفاث والاتصال اللاسلكي مع أنه مرهق بجينات شبه راكدة اختيرت للبقاء كصائدة لاقطة في برية الپليستوسين. ليس هذا كئيبا كما يبدو. فنحن نصنع بيئاتنا، ونجعلها تتوافق والجينات التي لدينا. هناك مجال للتحسين. التطور في غرفة الدرس نعيش في حقبة انتقالية من رؤية العالم التقليدية في الأديان الكبرى إلى رؤية العالم الحديثة القائمة على الطبيعية. وقد سرّع هذا الانتقال على يد تشارلز داروين. لحماية أطفالهم من هذه الفكرة الزنديقة، يسعى الخلقيون لمنع تدريس التطور في المدارس العامة. فمعظم الناس، وضمنهم بعض العلماء، يتدبرون أن يقفوا بين رؤيتي العالم الدينية والعلمية، مختارين أشياء من كلا القائمتين. ففي حين قد يتقبل الناس المتعلمون حقيقة أن قوانين الطبيعة تحكم سلوك الأجسام المادية، يترددون أحيانا في الاعتقاد بأن الأحلام والعواطف التي تحرك العواطف داخلهم يمكن اختزالها إلى قوانين الفيزياء. استغل اليمين الديني هذا التضارب لتمرير قوانين تقلص من تدريس التطور في عدد من الولايات، رغم أن التعديل الأول للدستور الأمريكي يمنع تمرير أي قانون يخدم لتأسيس دين للدولة. كان أول اختبار لقانون كهذا هو محاكمة سكوپس الشهيرة عام 1925 في دايتون، تينسي، وتسمى أيضا "محاكمة القرد." أدين جون سكوپس بانتهاك قانون باتلر، الذي مرره المجلس العام لتينسي قبل أشهر قليلة، والذي منع تدريس التطور. كمدرس علوم شاب للثانوية، كان

عدد الصفحات ٢٧

قد وضع في هذا الموقف على يد مجموعة من المواطنين المحليين اعتقدوا أنه سيدان، ولكنهم اعتقدوا أن القضية قد تستأنف في المحاكم الفيدرالية، حيث سيجدونها غير دستورية. كانوا نصف محقين فقط. فقد كانت عرضا صحيا لجدلية التطور، مع شخصيات عمومية رفيعة تقف على جانبي المسألة، مما اجتذب تغطية إعلامية كثيفة. كالمتوقع، وجد سكوپس مذنبا ودفع غرامة 100 دولار، معدا الموقف لاستئناف في المحكمة الفيدرالية. ومع ذلك، تم عكس إدانة سكوپس بسبب خلل تقني لاحقا تلك السنة، دون اختبار دستورية قانون بتلر في أي محكمة عليا. بعد ثلاثين سنة، قدمت محاكمة سكوپس دراميا في مسرحية برودواي لترثوا الريح، التي عدت إحدى أروع المسرحيات الأمريكية في القرن العشرين، وعام 1960 أصبحت نسخة هوليوود أول فيلم يعرض في الطيارة حين قدمتها TWA لإغراء ركاب الدرجة الأولى ربما أعطت محاكمة سكوپس أمة متعددة الثقافات بازدياد، أول نظرة قاسية لها إلى الصراع بين العلم والدين، ولكن من نقطة قانونية كان فشل قضية سكوپس في الترافع في محكمة فيدرالية نكسة شديدة للعلم. ستمر ثلاث وأربعون سنة بعد "محاكمة القرد" سكوپس قبل أن تختبر دستورية القوانين التي تمنع تدريس التطور في المدارس العام أخيرا في المحكمة العليا الأمريكية. وهذا ترى المجال للأصوليين في آركنساس لتمرير قانونهم عام 1928 المانع لأي مدرسة عامة أو جامعة من تدريس "النظرية أو المعتقد الناص بأن نوع البشر ارتقى أو تسافل من رتبة أدنى من الحيوانات"واستخدام أي كتاب يدرس المثل. بقي هذا القانون مؤثرا لأربعة عقود ولكن لم يعاقب أحد على انتهاكه. تطوعت مدرسة ثانوية في ليتل روك، سوزان إپرسون، لتؤدي دور سكوپس في آركنساس. بدلا من جعلها تنتهك القانون عمدا كما فعل جون سكو پس، طلب منها محامو جمعية آركنساس التربوية التماس حكم تصريحي على القانون. وكالمتوقع، أيدت المحكمة القانون، واستؤنفت القضية في المحكمة العليا الأمريكية. عام 1968، حكمت المحكمة العليا الأمريكية في إ پرسون × آركنساس ببطلان قانون آركنساس، باعتباره ينتهك قيد التأسيس في التعديل الأول. وللمفارقة، قام المجلس العام في تينسي، متوقعين النتيجة، بإبطال قانون بتلر قبل شهور قليلة. كانت الخلقية في تراجع كامل منذئذ، حيث يدافع الخلقيون عن موقع احتياطي بعد آخر. وكما يعرف كل مدرس، هناك دروس عديدة لا تتعلم إلا بالتكرار. فبعد سنوات قليلة من هزيمة قانون آركنساس، مررت لويزيانا قانون المعاملة المتكافئة، قانون الخلقية عام 1987، والذي منع من تدريس التطور في مدارس لويزيانا إن لم تصاحبه الإشارة إلى "العلم الخلقي." وأنت الآن تعرف النمط. فلاحقا تلك السنة، في إدواردز × أغيلارد، وجدت المحكمة العليا الأمريكية، أنه بترويج اعتقاد أن كائنا ماورائيا خلق النوع البشري، فقد دعم قانون الخلقية في لويزيانا الدين بشكل غير مسموح. وبدا للخلقيين أنهم يحتاجون لخطة جديدة.

عدد الصفحات ٢٨

تصميم خطة جديدة بينما كان كل هذا يحصل في المحاكم، كان فيليپ جونسون، أستاذ قانون مرموق في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، في خضم أزمة شخصية. ككاتب قانوني لدى رئيس المحكمة إيرل وارن ذي الميل الليبرالي، كان جونسون معارضا في البدء لحرب ڤيتنام. ولكن، شاعرا بالإهانة من المشاكسة المتزايدة لحركة الضد-حرب، بدأ جونسون بالتحول لليمين، حتى حين أصبحت زوجته الفنانة نسوية متشددة وتحولت لليسار. محطما بسبب تهدم زواجه، تحول فيلي پ جونسون ليسوع المسيح. من منظور مسيحي، شعر جونسون بأنه قد بدد قدراته الفكرية على أمور قليلة الأهمية. وفي بحثه عن هدف، سافر إلى لندن عام 1987 في إجازة سبتية. في مقابلة مع مايكلپاوِل من الواشنطن پوست، استذكر جونسون أنه عثر على نسخة من صانع الساعات الأعمى في متجر كتب بلندن. من أفضل مبيعات عام 1986 بقلم الأستاذ في أكسفورد ريتشارد دوكينز، يسخر العنوان بلطف من المجاز الجميل الذي افتتح به وليام پايلي كتابه اللاهوت الطبيعي، عام 1802. عند العثور على ساعة وصخرة في حقل، سيدرك الشخص العاقل أن الساعة، خلافا للصخرة، قد بنيت لهدف محدد. يلاحظ پايلي أن كل إشارة للاختراع، وكل مظهر للتصميم، يوجد في الساعة، يوجد أيضا بدرجة أكبر في بدائع الطبيعة. لا بد للساعة من صانع، يفكر پايلي—ولا بد للأشياء الحية من مصمم. يكتب دوكينز في الصفحات الأولى من صانع الساعات الأعمى أن "حجة پايلي قد كتبت بإخلاص ووفقا لأحدث المعارف البيولوجية في أيامه، ولكنها خطأ، خطأ كلي المجد." يتكون باقي الكتاب من وصف دوكينز البليغ الفتان لكيف قام الانتخاب الطبيعي، بعمله في أجيال بلا عدد، بتشكيل كل الكائنات الحية. وأضاف العنوان الثانوي: لماذا تكشف أدلة التطور كونا بلا تصميم. وها قد وجد جونسون هدفه. سوف يهزم المادية العلمية لدوكينز ويبدلها بتصور إلهي عن كون الطبيعة والبشر جميعا خلق الله. وحين غادر جونسون لندن، كان قد كتب مسودة رده على صانع الساعات الأعمى.

عدد الصفحات ٢٩

إله الفراغات كان كتاب جونسون المنشور عام 1991،داروين يحاكَم، أشبه بمذكرة ادعاء منه ببحث علمي. دون تقديم أدلة للخلق الإلهي عدا التعقيد الظاهر للحياة، ركّز جونسون على "الفراغات" في سلسلة أدلة التطور. وهذا يقترب بخطر من حجة أن مجال الله يتكون من الأشياء التي لا يستطيع العلم شرحها. يشار إلى هذا الإله بـ"إله الفراغات." ولا بد أن مجاله يتقلص لا محالة مع توسع المعرفة العلمية. تشير الفراغات أحيانا إلى سجل المتحجرات. ففي 1859، حين كتب داروين عنأصل الأنواع، كانت جميعا فراغات. فجمع المتحجرات لم يكن أزيد من هواية بين المترفّهين. وكان داروين نفسه جامع متحجرات توّاقا. تحول جمع المتحجرات لعلم الإحاثة فقط بعد أن نوهت به نظرية التطور. بالنظر إلى الفترة الزمنية غير المتصورة التي يغطيها، يرى الإحاثيون أمرا جديرا بالملاحظة أن سجل المتحجرات كامل كما هو. والنكتة الشائعة بينهم هي أنه كلما تكتشف "وصلة مفقودة،" تضيف فراغا آخر—فحيث كان هناك فراغ واحد أصبح الآن اثنان، واحد لكل جانب من الوصلة الجديدة. رغم أن دعاة التصميم الذكي يرون كل فجوة في المتحجرات لا يمكن ردمها، تستمر متحجرات جديدة بالظهور. حتى وأنا أكتب هذه الكلمات، وجدت متحجرة سمكة تعود لـ 375 مليون سنة في القطب الشمالي الكندي، 600 ميل عن القطب الشماليكانت سمكة ذات رأس يدور، ومعصم، ومرفق. تبدو مرشحا ممتازا لنوع وسيط بين حيوانات البحر واليابسة. وقد جمعت إثارة اكتشافها في كتاب نيل شوبين، السمكة في داخلك. ولكن كانت هناك فجوة أكثر جدية بكثير في نظرية داروين. فالتطور بالانتخاب الطبيعي يحتاج لآلية ما لتمرير الصفات من الوالدين للذرية. وأدرك داروين رأسا أنه لا يمكن أن تكون مزجا لخصائص الوالدين. ففي هذه الحالة، سيتخفف التغيير الإيجابي مع كل جيل قادم. فحزر داروين أنه لا بد من وجود وحدات مجردة للتوارث تأتي من كلا الوالدين. لقد كان عبقريا من داروين أن يقيم نظريته الأساسية على وجود هذه الوحدات الوراثية المجهولة، واثقا من أنها ستوجد. وما لم يعرفه داروين أنه في موراڤيا في ذات الوقت، كان راهب أوغسطيني يدعى غريغور مندل يقيم تجارب على توارث الصفات النباتية. سيؤسس عمله فيما بعد قاعدة ميدان الجينات الحديث، وستسمى وحدات التوارث "الجينات." ولكن عمل مندل لم يتلقى التقدير اللازم إلا بعد وفاته وداروين بوقت طويل. ملء الفراغات مر حوالي قرن بعد كتابة داروين أصلَ الأنواع، حين ترك جيمس واطسون وفرنسيس كريك مختبر كاڤنديش في كمبردج يوم السبت 28 فبراير1953، وهما يعلمان أنهما قد اكتشفا تركيب جزيئة الدنا، التي كان يعرف وقتها أنها مستودع المعلومات الجينية. وتوقفا عند ذا إيغل، وهي حانة ترددا عليها قرب المختبر. رفع كريك كأسه وأعلن بصوتٍ عالي، "لقد اكتشفنا سرّ الحياة." وقد فعلا. فقد كشفا تركيب الجزيئة التي تحدد الوراثة، البصمة الزرقاء لكل كائن حي على الأرض. تغير العالم للأبد. لم يؤكدا فقط حدس تشارلز داروين عن وحدات التوارث المسؤولة

عدد الصفحات ٣٠

عن التطور،بل أمدا العلم بالطريقة لتكميم العلاقة التطورية بين كل الأحياء. إن كانت أدلة التطور من قبل إقناعية، فاليوم لا يمكن رفضها. سيتشارك واطسون وكريك في جائزة نوبل عام 1962 لتحديد تركيب الحلزون المزدوج للدنا. وسيشير واطسون لاحقا للقصة في كتابه الأفضل مبيعا عام 1968،الحلزون المزدوج. سيستمر ليصبح مدير مختبر كولد سپرينغ هاربور في لونغ آيلاند، ويحيله إلى إحدى أكبر معاهد البحث العالمية في البيولوجيا الجزيئية. ولكن، لكي تحصد البشرية المنافع الكاملة لكشف غموض الدنا، يتطلب ذلك ترسيم الجينوم البشري الكامل متكونا من 24 كروموسوم، مع حوالي3 مليارات أزواج قواعد دنا تحتوي ربما على 25,000 جين. كان هذا هدفا رهيبا، مستحيلا عام1968، ولكن عند1988 أصبح يبدو ممكنا. فالتقدمات الجديدة في الحاسبات وتقنيات سَلسَلة الجينات gene sequencing جعلت ترسيم الجينوم البشري ممكنا، ولكنه سيكون مشروعا ضخما. من سيقوده أفضل من جيمس واطسون؟ ولكن، بعد قليل من بداية مشروع الجينوم البشري، أعلن ج. كريغ ڤينتر، الذي كان حينها جيناتيا مغمورا، بصلف أن مشروع الحكومة سيغلق أيضا لأن شركته الخاصة ستنهي العمل أولا. أسس ڤينتر معهد البحث الجينوم وأعلن أنه باستخدام الأجهزة المتقدمة سيؤدي العمل عام 2001—قبل ثلاث سنوات مما توقعه واطسون لإكمال العمل الجيناتي العاري كان كريغ ڤينتر ابنا لأب كحولي طرد من كنيسة المورمون. ونشأ في منطقة للطبقة العاملة قرب هاف مون باي، كاليفورنيا، دون تقدم ظاهر في أي شيء عدا ركوب الموج. تجند في البحرية خلال حرب ڤيتنام، مجبرا على ذلك لإمكاناته المحدودة. ولكن البحرية رأوا أمرا آخر فيه، فدربوه ليصبح مجندا طبيا، وأرسلوه إلى مستشفى دا نانغ في ڤيتنام. رعب التجربة جعله يقرر أن يتعرف أكثر على العلوم الطبية. وبعد جولته في البحرية، أبحر ڤينتر في جامعة كاليفورنيا، سان دييغو، ليحصل على الدكتوراه في الفسلجة. بعد أن جندته NIH حين كان مشروع الجينوم البشري في البدء، أتى ڤينتر بطريقة أسرع للسَلسَلة وترك NIH ليؤسس سيليرا، وهي شركة سعت لتبرئةpatent معلوماتها الجينومية كان واطسون، مغضبا بالسماح لڤينتر بتحويل مشروع الجينوم البشري إلى سباق تفحيط drag race، يعارض بشدة تبرئة المعلومات الجينية. ولكن برنادين هيلي، مديرة NIH، اصطفت مع ڤينتر في موضوع تبرئة الجينومات، دافعة واطسون للاستقالة من رئاسة مشروع الجينوم البشري عام 2002. وعاد إلى مختبر كولد سپرينغ هاربور، حيث أصبح رئيسه. في فصل نهائي حزين لمساره المميز، نقل عن واطسون، الذي امتلك عادة التفكير بصوت عالي، في صحيفة لندنية أنه اقترح أن الأفارقة السود قد يقلون ذكاء عن الأورپيين. لا يعتقد أحد يعرف جيمس واطسون بأنه عنى هذا الكلام فعلا، ولكن لا يمكن إرجاع الكلمات. رشح فرنسيس كولينز، جيناتي NIH الذي التقيناه في الفصل الأول، كبديل لواطسون كرئيس للمجمع الأكاديمي الذي أقام مشروع الجينوم البشري. وبعد سنة أعلن مشروع الجينوم البشري أنه قد فسّر decoded الجينوم الكامل بنجاح. ولكن بقيت هناك ثغرات قليلة، ووحده الجينوم الذكري المنفرد تم تفسيره. وإضافة لذلك، كان قد جمّع من قطع من أشخاص ذوي

عدد الصفحات ٣١

خلفيات عرقية وإثنية مختلفة. فكر الخبراء أنه سيكون أفضل لو تم الحصول على الجينوم المزدوج لشخص واحد. أما المتسابق الآخر فقد استمر بالركض. فقد شخر كريغ ڤينتر لأن المجلس قد توقف في منتصف الطريق. وفي 2007، أعلنڤينتر الجينوم المزدوج الكامل لشخص واحد—هو. يبدو الخبراء متفقين على أن جينوم ڤينتر أفضل. لا يقال أن لديه جينات أفضل. يقف كريغ ڤينتر اليوم عاريا أمام العالم، وجيناته مكشوفة لنظر العموم. فلديه جينات ترتبط بألزهايمر، الكحولية، السمنة، السلوك الضد-اجتماعي، إدمان التدخين والمخدرات، وشمع الأذن السائل. إن كان هناك جين للغرور، فلعله لديه. لا يعني امتلاكه لهذه الجينات أن لديه هذه الأمراض. فهي تحتاج أكثر من جين واحد لتظهر. ومن السهل رؤية أسباب تحفظات أنصار الخصوصية على هذه التقنية الجديدة. ولكن باستخدام جينومه الخاص، تجنب ڤينتر كل ورطة ممكنة—وأشبع غروره الشخصي. المقصود من كل هذا أن العلم تقدم أبعد من أي سؤال حول حقيقة التطور. فالجدال ضد الداروينية اليوم يشبه الادعاء بأن العالم الجديد لا يوجد فقط لأنه لا يظهر على خرائط رسمت قبل رحلة كولومبوس. لقد أصبح لازما على العالم أن يتقدم، ولكنه لم يفعل. تصميم التصميم الذكي لا يفهم ذلك الجميع. ففي مقابلة مع مايكل پاول من الواشنطن پوست عام 2005، وصف فيليپ جونسون، المحامي المتحول لخلقي، رد فعله على التطور الدارويني: "أدركت أنه لو كان الوصف الدارويني الصرف دقيقا والحياة تدور حول عملية مادية غير موجهة، فستكون العقائد المسيحية والإيمان الديني أوهاما. وهنا كانت الفرصة لصنع مساهمة كبيرة." بدت أشبه بصنع زوبعة كبيرة. ففيليپ جونسون لم يختار خصما سهلا. فكتاب دوكينز المنشور عام 1976،الجين الأناني، كان مساهمة هائلة في فهم التطور لدى العلماء. وأعلى من شأنه إلى مرتبة القادة في مجال التحدي، البيولوجيا التطورية. ومما يثير الاهتمام، أنه أصبح في ذات الوقت، ككتاب واطسون الحلزون المزدوج، من أفضل المبيعات ضمن العموم. كان أصل الأنواع الكتاب الذي قد يكتبه داروين لو أن واطسون وكريك قد اكتشفا تركيب الدنا قبل قرن. فيليپ جونسون وريتشارد دوكينز أشبه بالمادة ومضادها. فهما ينظران لنفس الأدلة، ولكن دماغيهما يسجلان صورا متعاكسة. لو أنهما التقيا يوما، لن يفاجئني أنهما ك پوزيترون وإلكترون، سيختفيان في تفجّر من الطاقة. رغم كونه غير عالم، يعد جونسون أب التصميم الذكي. فقد وجد أن الالتفاف على قيد التأسيس من التعديل الأول يدعو إلى حجة علمية—أو على الأقل شبه-علمية. بعد أن أغرق نفسه في الأدبيات العلمية عن التطور، بدأ يتصور أنه فهم العلم أوضح بكثير مما فعل العلماء. لم يكن منطق التطور ما أهم جونسون، بل كان السلوك الإشباعي الذي نسبه للأشخاص الذين لا يعتقدون أنهم مسؤولون للرب عن أفعالهم. لا يوجد، كما سنشرح بالتفصيل في فصل لاحق، أي دليل إطلاقا على أن المؤمنين يعيشون حياة أكثر التزاما خلقيا من الشكاكين. والقناعة الزائفة بخلاف ذلك هي التبرير التاريخي لفرض الدولة للدين—وهو بالتحديد ما قُصد بقيد التأسيس من التعديل الأول أن يمنعه.

عدد الصفحات ٣٢