المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الخرافة الإيمان في عصر العلم روبرت ل.بارك

غير معروف

صفحة ١ من ٩

الخرافة الإيمان في عصر العلم تأليف روبرت ل. پارك ترجمة حيدر السعدي نيسان/أپريل 2011

عدد الصفحات ١

تقـديم المـترجم لم يعد دور العلم، في عصر المعلومات دائم التسارع هذا، مقتصرا على الإنجازات التقنية والتقدم في مجالات الحياة الشاسعة، بل إنه أصبح محورا مهما لمسائل كثيرة في السياسة والاقتصاد المعاصرين، ولطالما يتصادم فيها مع الاعتقادات الدينية والخرافية التي لا تملك دليلا سوى التسليم المجرد والانقياد للسلطة الرسمية، أو حتى غير الرسمية. ولهذا، وجد العلماء والأدباء ذوي الرؤية العلمية الرصينة، أن من واجبهم تسليط الضوء على هذه الاعتقادات التي لا تفتأ تجر بالمجتمع للوراء، وتفرغ معظم المجادلات السياسية من محتواها بحرفها إلى خلافات عقائدية لا قيمة لها على الصعيد العملي، وبدلا من ذلك: تقديم المو ضوعات ذات الأهمية الفعلية والدور المصيري في الحياة المعاصرة، وتفنيد الصور المشوهة وغير المكتملة عنها في عقول العموم، مستبدلين بها صورا واضحة متناسقة تتحد فيها كل أشتات الفكر دون تضارب. وهذا الكتاب، >الخرافة: الإيمان في عصر العلم<، واحد منها بالتأكيد. يمتاز هذا الكتاب عن غيره: بسهولة أسلوبه، وتقديمه لمسائل شائكة في صيغة قصص يسيرة شائقة، تمتزج أحيانا بنقاط من حياة الكاتب وعلاقاته بالآخرين، وتنوّع أبوابه بين مجالات العلم دون انحصارها بالفيزياء، اختصاص المؤلف. وهذا ما يعطيه ميزة مثلا على الكتب الرائعة التي خطتها أنامل العلاّمة التطوري القدير >ريتشارد دوكينز<، الذي نأمل أن نقدم بعض كتبه غير المترجمة لأول مرة باللغة العربية لاحقا. فهو في البداية يتوجه لقلب السؤال الأساس: >هل للعلم والإيمان أن يجتمعا ويتفاعلا في عقل واحد؟< ويناقشه من خلال أمثلة واقعية لعلماء مرموقين لا يخفون اعتقادهم الديني وانفصاله الجزئي عن منهج البحث العلمي الذي يلتزمونه بصدق، مقابل علماء آخرين مستعدين لتقديم >شهادات زائفة< عن واقع العلم في سبيل الفوز بجوائز وامتيازات داخل المؤسسة الدينية. ثم يذهب بنا إلى الموضوع الأكثر حساسية وتكرارا في كل حوار ديني-طبيعي: الخلق × التطور. يشرح لنا في البدء أن فهمنا الحالي لعملية التطور ليس سوى صفحة جديدة تكشفت تدريجيا من كتاب الطبيعة المرموز، وكل المفاهيم والنتائج التي نحصل عليها من هذا الفهم لا تقل قيمتها عن دور قوانين نيوتن في إنشاء الأبنية وتصميم السيارات، بل إن قيمتها الكامنة بدأت بوادرها تتفتق من خلال إطلالات الثورة الجينية القادمة. وكذلك يوضح أن كل هجوم موجه لها لا يستند على قاعدة علمية فعلية، بقدر ما ينطلق من مخاوف دينية مردّها الخشية من تحطّم منظومة الأخلاق اليهو-مسيحية على سندان العلم، وبالتالي تهشيم >مجمع الآلهة< المعاصر، متمثلا بالزعماء الدينيين ومن يحيا في ظلهم، على من فيه.(1) ثم يبدأ بتوجيه أول هزّة نظرية تجاه مفهوم الإله وعلاقته بالبشر ومدى نجاح علاقة كهذه، من خلال انتقاد مفهوم >الصلاة<، سلاح المؤمن وشرفه، من خلال البحث في الدراسات 1. لم يفته بالتأكيد، كما لم يفت دوكينز وغيره من شرّاح التطور الأشهر، وجود حركة تدعم الخلقية في صفوف المسلمين، ولكن من الواضح أن القاعدة الشبه-علمية التي تدعي الاستناد لها تفتقر لذلك التدبير المحكم والنسيج المخادع الذي تقوم على أساسه الحركة الخلقية المسيحية، إضافة إلى الجهل الشديد والشخصية الغامضة التي يتسم بها أهم دعاتها: مثل >هارون يحيى< والمافيا تبعه مثلا!

عدد الصفحات ٢

التي حاولت الخروج بنتائج >إيجابية< ذات >قيمة إحصائية< حول دور الصلاة في الشفاء أو حتى التحسن الطفيف، وبيان التزوير الذي حصل فيها على نطاق واسع. ثم ما دام يتحدث عن صلاة الشفاعة لغرض الشفاء، أي حفظ الحياة واسترداد الصحة، فلماذا لا يناقش >الحياة< وتعريفها، وهل من >شرارة إلهية< أو >روح حية< تقف خلفها، وتعطي قيمة استثنائية حتى للخلية الواحدة، كما يعتقد معظم المسيحيين اليوم؟ وإذا كان التساؤل عن ماهية >الروح< وحيثياتها ممكنا ومعقولا، فماذا عن >الحياة بعد الموت< و >الدار الآخرة/الجنة/السماء<؟ هل من الممكن واقعا أن يتم إثباتها، بمعزل عن الاعتقاد المجرد بالمصداقية الكاملة لكتاب مقدس كتبته أيادي لم تضغط يوما على مفتاح إضاءة؟ وإذا غضضنا النظر عن هذا الادعاء العاطفي، كيف يفسّر الدين معاناة الأبرياء، لاسيما في الكوارث الطبيعية؟ هل يستطيع المؤمن بدين ما أن يجمع في عقله بين الاعتقاد بعدالة مطلقة لدى الإله الذي يعبده، وبين سقوط مئات الآلاف من الضحايا كـ>كفّارة< عن خطايا مجموعة ضئيلة؟ ثم ماذا عن دعوات >العصر الجديد< التي تنال قدرا كبيرا من الشعبية لدى وسائط الإعلام الغربي، خصوصا في أمريكا؟ لماذا يبدو الناس ضعفاء تجاهها بل ومسارعين لتقبلها في بعض الأحيان، وكأنهم لم يخرجوا بعدُ من الكهوف؟ وهل يمكن فعلا التأكد من مصداقيتها بشكل علمي وموضوعي، لا يعتمد فقط على ادعاءات الدعاة والأتباع؟ وبعد كل ذلك: هل يمكن أن تنشأ عن بعض فروع العلم، حتى الأكثر إغراقا في التجريبية والحياد كفيزياء الكمّ، خرافاتها المعاصرة الخاصة؟ هل ذلك م ن السهولة بمكان بحيث يصادرها عشاق شهرة وأدعياء معرفة ليخدعوا بها الملايين ويربحوا بها ملايين أكثر؟ وهل يحصل ذلك في مجالات على أمسّ الصلة بحياة البشر وموتهم؟ لماذا لا تزال علاجات لا تمتلك أصغر دليل تجريبي أو سريري يؤيدها، تدرّ على منتجيها بالمال بل والزبائن الجدد؟ ثم ما السرّ في وجود دعم سياسي قوي للمؤسسات التي تنظّر لهذه الممارسات الطبية الخرافية، ينتج أحيانا في تحصيل دعم حكومي >للبحوث< المبنية على أساسها؟ أي دور إذن يلعبه جهازنا المناعي، وهل للدماغ دور في تقبّل العلاج نفسيا يوازي ما للأعضاء المتأثرة من دور في تمثّل العلاج كيماويا؟ وما علاقة >الوخز بالإبر< بكل ذلك؟ بعد كل هذه الانتقادات الموجهة لأولئك الخصوم المحتملين للمنظور الطبيعي، وجد المؤلف أن من المنصف أن يتساءل: ما هو المنطلق الذي يعتمد عليه الطبيعيون في انتقاد المنظور الديني؟ لا بد وأن يكون شيئا أكثر أساسية وجذرية من مجموعة مفاهيم لم توجد إلا لوهلة بالنسبة لعمر البشرية التطوري. وفي نهاية المطاف يلقي نظرة عامة على مستقبل نوعنا البشري على هذه الأرض، متأملا في احتمالات السفر إلى الفضاء بعين عقلانية جادة، ثم يلخّص نظرته هذه بعبارة موفقة: >العلم سبيلنا الوحيد للمعرفة—وكل ما سواه محض خرافة.< (2) 2. لنا أن نتوقّع وجود جملة كهذه، في كتاب أ.ك. غر يلينغ >الكتاب الطيب: إنجيل علماني<. والذي سنترجمه إلى العربية لاحقا ما أن تتوفر لدينا نسخة إلكترونية منه.

عدد الصفحات ٣

قبل أن أترككم، أعزائي القراء، في رحلة ممتعة ومثيرة للتفكير مع هذا الكتاب، لا بدّ لي من بعض ملاحظات: 1. سعيتُ دوما لاستخدام الألفاظ العربية بدلا من المعربة، ليس تشددا قواعديا مني، بل كي يصبح أسلوب الكتاب أبعد عن التصنّع ما أمكن. 2. تركت المختصرات الإنجليزية كما هي بل واستخدمتها مرارا ككلمات بحد ذاتها، لأنه من غير المعتاد استخدام مختصرات عربية في سياق الكتابة. 3. لم أنحاز للأسلوب العربي في أكثر الأحيان، لاسيما إن كان أكثر تعقيدا أو بهرجة من مثيله الإنجليزي، وهو أميل للبساطة والمباشرة دوما. 4. مع قلة النصوص المقتبسة التي لزمت ترجمتها من الأصل، توخّيت اختيار الترجمة الأبلغ والأقرب للأصل: كترجمة أحمد الصافي للرباعيات (وهي رائعة، أنصحكم بقراءتها)، وترجمة سعديا الفيومي لأسفار التوراة الخمسة. (3) لا يسعني في ختام المقدمة إلا أن أطلب منكمطلبا صغيرا: هو أن ترسلوا الرابط الذي ستحمّلون منه هذا الكتاب إلى أصدقائكم، كلهم أو بعضهم. فليس في هذا الكتاب إلا معرفة مقدّمة بأسلوب نقدي شيّق، ومن حق المعرفة أن تنتشر، بل بالنشر تزهو ويظهر نورها ونفعها. لا تترددوا في إرسال تعقيباتكم وأسئلتكم واقتراحاتكم على بريدي الإلكتروني: inlightl@yahoo.com. مع خالص تحياتي حيـدرـالسعديـ 3. ما دفعني لاستخدام هذه الترجمة هو اعتمادها على النصّ العبري التقليدي، وكون مؤلفها متضلعا في العبرية كما العربية، خلافا لترجمة ڤاندايك والبستاني المعتمدة على النص اليوناني والإنجليزي، وهي ركيكة الأسلوب فجة الصياغات باعتراف أدباء مسيحيين، على رأسهم فارس الشدياق في >الساق على الساق،< الذي ألّفه قبل تحوله إلى الإسلام وتأسيسه لمطبعة الجوائب التاريخية في إسطنبول.

عدد الصفحات ٤

مقـدمـة دروس من شجـرة مضت حوالي سنة منـذ أن سقطت شجرة، ولكن العثور عليها لم يكن صعبا. شجرة بلوط حمراء ضخمة، يبلغ قطرها ثلاثة أقدام، انقلعت جذورها من الأرض اللينة على المنحدر الشاهق للوادي الضيق بعد أسبوع من المطر الشديد. سقطت على الأرض بعنف بحيث انقصم جذعها الثقيل لنصفين. لا يزال القسم المكسور من الجذع يشير لأسفل المنحدر، واصلا لحافة الطريق تقريبا. والباقي كان قد قطع وسحب بعيدا لإخلاء الطريق. كنت أتخيل أن رؤية الشجرة كانت لتستدعي ذكرى ما عن ذلك اليوم، ولكن لم يكن ثمة شيء. كانت شجرة ساقطة فقط، ككل الأشجار الساقطة الأخرى التي تتعفن ببطء على أرض الغابة. كان الأطباء قد أعطوني الضوء الأخضر لممارسة الهرولة، ولكنها بدت أصعب هنا من آلة جري في مركز الرد-تأهيل الوطني. كنت لا أزال ألهث حين مشى رجلان مسنان بخفة أسفل الطريق. حين رأياني أنظر للشجرة الساقطة، توقفا. "كما تعرف،" قال أحدهما، "حين سقطت تلك الشجرة، سقطت على رجل." "أجل،" قلت لهما، "أعرف. كنت ذاك الرجل." بديا مبهورين. "لم نعرف أبدا ما الذي حصل لك،" قال الآخر، بصوت متكسر وعينين تملأهما الدموع، "كنت أصلي لك كل ليلة منذئذ." كان ذلك هو اللقاء الأول مع أي أحد كان شاهدا على ما حصل ذلك اليوم. ديڤيد أوكونَر وشون مكّارتي هما قسيسان كاثوليكيان. كمدرسَين سابقَين في معهد لاهوت قريب، كانا يلتقيان كل يوم تقريبا ليقطعا هذا الطريق الهادئ قرب الفرع الجنوب-غربي، الذي كان يوما جدول طاحون، لغرض التمرن وصحبة كل منهما. قبل سنتين، عصر يوم أحد، كانا في طريقهما حين سقطت الشجرة. لم يكونا أول من وجدني؛ كان مهاجر سلڤادوري غير مسجل قد اتصل بـ 911 على نقاله غير عارفِين بقدر إصاباتي، كان ثلاثتهم خائفين من محاولة إخراجي. مرّ آخرون بي وتوقفوا، ولكنهم أسرعوا، خائفين من التورط. اتصل الرجل صاحب النقال بـ 911 ثانية ليسأل عما كان يوقفهم. سيارة الإسعاف، كما يبدو، كانت تستطيع الوصول لحد طاحونة أدلفي الأثرية فقط. وكانت الشجرة الساقطة أبعد بنصف ميل أسفلَ الطريق. حين لم يروا أي علامة لوجود شخص عند الطاحونة، تصور فريق الإنقاذ أنه ربما كان اتصالا زائفا وعادوا إلى محطة الإطفاء. حين أتاهم الاتصال الثاني، أسرعوا إلى هناك ليبحثوا في الطريق أبعد على أقدامهم. لدي ذكرى مجتزأة وحيدة عن شخص ما يكتب في دفتر، مارا بجانب الحمالة حيث حملوني إلى الطاحونة وسيارة الإسعاف المنتظرة. أعطيته اسمي ورقم هاتف منزلي، ثم غرقت من جديد في إغماءة. قبل أن يصل فريق الإنقاذ، ديڤيد أوكونَر وشون مكّارتي فعلا ما يمكن للقسيسين فعله—قاما بالشعائر الكنسية الأخيرة. قبل سنوات قليلة فقط، كانت الصلاة هي ما يمكن لأي أحد أن يفعله. حتى الهاتف النقال الذي استخدمه المهاجر السلڤادوري للاتصال بـ 911 كان تقنية حديثة جدا في ذاك الوقت. التهاب شديد من بكتريا التربة التي دخلت تجويف جسدي عن

عدد الصفحات ٥

طريق كسور مركبة عديدة كان التهديد الأكبرالذي استجاب فقط إلى جرع كبيرة من مضاد حيوي مطور حديثا تحقن يوميا إلى الوريد الأجوف لقلبي عن طريق قسطرة أدخلت في وريد من ذراعي. واستخدم مركز واشنطن الطبي الوطني جهاز تصوير طبي حديث لتسليك القسطرة طول الطريق إلى قلبي. لم أكن لأقص هذه القصة دون التقدُّمات الجديدة في الطب والتقنية. واقفين هناك عند البلوطة الساقطة، تشاركنا ما عرفناه عن ذلك اليوم. دعاني الراهبان لمشاركتهما فيما تبقى من تمشّيهما. في الأشهر والسنوات اللاحقة كنت ألتقي مع ديڤيد وشون مرات قلائل كل أسبوع لأمشي معهما قرب ذلك الجدول في الغابة. أنا عالم وأستاذ فيزياء في جامعة عامة كبيرة. وأنا أيضا زوج، جد، ومن محاربي الحرب الكورية، وملحد. وأنا الآن في أواخر سبعيناتي ممتنا لبقائي حيا، أجد نفسي أنمّي صداقة مع قسيسين كاثوليكيين أيرلنديين-أمريكيين. عدا التعاطف مع الشأن الإنساني، بدا أن لدينا أمورا قليلة مشتركة. لقد اتبعنا طرقا مختلفة جدا، وانتهينا باعتقادات مختلفة جدا. ومنحتنا تلك الاعتقادات كثيرا مما نتحدث حوله. ابتدأت محادثاتي مع رجلي الإيمان اللطيفين الحكيمين هذين، عملية التفكير التي قادت في النهاية إلى هذا الكتاب. تمشّى معنا خلال ذلك الممر المشجّر قرب جدول الطاحون ولنتحدث حول الإيمان.

عدد الصفحات ٦

ـ الفصـلـالأولـ جائــزة كــبرى حيث نكتشف فيه علماء مؤمنين خارجا من الليموزين، كان تشارلز تاونز ليتوقف للحظة لو أن عيناه، لا تزالان حادتين في التاسعة والثمانين، قد لمحتا الرفرفة الخاصة لجناحي فراشة. سنوات من تجميع الفراشات تدرب العين والدماغ على التقاط الحركة المميزة ضمن ركام الصور التي يحملها العصب البصري—وتاونز كان يجمع الفراشات منذ كان في المدرسة في كارولينا الجنوبية. كان ذلك الربيع الباكر في لندن، ولم يك ن مفاجئا لو أن "حسناء كامبرويل" (نيمفالس أنتيو پا Nymphalis antiopa) قد بحثت عن مجثم في الوجه الغربي لقصر بكنغهام، حيث يمكنها التشمّس في شمس الظهيرة. تولد الفراشات حرارة داخلية ضئيلة جدا كي تطير. فهي تقضي وقتها بالتشمس بأجنحة مفرودة لتجمع الحرارة المطلوبة للطيران. بما أنها أول فراشة كبيرة تُرى في الربيع، تحرك نيمفالس أنتيو پا قلب كل فَراشاتيّ lepidopterist. فهي إشارة لإخراج الشبكة وجعلها قريبة من اليد لو أن عينة جيدة قد لُحظت. مع أنها تسمى "عباءة حِداد" في أمريكا الشمالية لتشابهها مع العباءة التي تلبس تقليديا في الجنائز، فالأجنحة الداكنة لـ نيمفالس أنتيوپا لها حواشي عاجية. تصنفها الأدلة الميدانية ضمن الفراشات "السوداء"، ولكن الأجنحة الداكنة، في ضوء الشمس القريب، تبدو بنية-محمرة غامقة مع سطر من النقاط الزرقاء الصغيرة إلى جانب الحواشي العاجية. في طفولته، تخيل تشارلز أن يصبح حشراتيا entomologist ويجمع كل فراشة على الأرض. كان أبوه محاميا، ولكن ال عائلة عاشت في مزرعة قريبة على حدود غرينڤيل، كارولينا الجنوبية، وحين كان يتم واجباته، كان يتجول أحيانا في الغابات والحقول مع شبكة فراشات على كتفه. مع ذلك، حين قارب سن الجامعة، كما يتذكر تشارلز، قرر أن "أخي الأكبر هنري كان أفضل في ذلك مني بحيث فكرت أن علي فعل شيء آخر." استمر هنري بالفعل حتى أصبح حشراتيا معروفا، في حين اتجه تشارلز للفيزياء، واخترع المَيزر، الذي قاد بدوره إلى الليزر. رغم أنه لا يزال يجمع الفراشات للمتعة، فالأستاذ تاونز، وهو بالفعل أحد أكثر العلماء تقديرا في العالم، لم يكن في قصر بكنغهام ليجمع الفراشات، بل ليتلقى رسميا جائزة تمپلتون على يد دوق إدنبرة. "جائزة تمپلتون للتقدم في البحوث أو الاكتشافات حول الحقائق الروحية" هي أكبر جائزة مالية سنوية تقدم لشخص عن إنجاز فكري. الحقائق الروحية القيمة المالية للجائزة، وهي الآن حوالي 1.5 مليون دولار، تعدّل سنويا للتأكد من أنها أكبر دائما من جائزة نوبل. وفقا لمؤسسة جون تمپلتون، فهذا يعكس قناعة السير جون تمپلتون

عدد الصفحات ٧

بأن البحث الهادف إلى الحقائق الروحية يمكن أن يأتي بمنافع أكبر للبشرية من البحث الهادف للتقنية. وهو أيضا يعكس قناعته بأن المال يجعل الأشياء تحصل. وهذا ينطبق فعلا على تمپلتون. موصوفا بتكرار أنه رجل متواضع رغم ثروته الفاحشة، فهو يتحمل أن يكون متواضعا. فقد أصبح بليونيرا بريادته في استخدام الاعتمادات التعاونية الموزعة في أرجاء الأرض. ولد في عائلة متوسطة في بلدة حزام-إنجيلية تسمى وينشستر، كنتاكي. والداه، وهما مشيخيّان تقيان، عززا فيه فضائل الازدهار والتعاطف. لقد تعلم كلا الدرسين جيدا بحيث، عامَ 1968، تخلى عن جنسيته الأمريكية وانتقل إلى الباهاما، ليصبح مواطنا بريطانيا ويتجنب ضريبة الدخل الأمريكية. أعطته الملكة لقب "فارس" عام 1987 لأعماله الخيريةلا يزال السير جون تمپلتون يقيم في الباهاما، وبالتأكيد لا يدفع أي ضرائب أمريكية. تقرير الأقلية ربما يكون أكثر العلماء تقديرا في عصرنا، تشارَ ك تاونز في جائزة نوبل 1964 للاكتشافات الرئيسة في إلكترونيات الكم، متوّجة في تطوير المَيزر والليزر —اختراعات كان لها تأثير ضخم على العلم والمجتمع. تسلم الجائزة الوطنية للعلوم من الرئيس رونالد ريغان عام 1982 وجمع جوائز عديدة أخرى حيث ولد ونشأ في أسرة معمدانية تقية في بلدة حزام-إنجيلية لا تختلف عن مسقط رأس تمپلتون، بقي تاونز، مثل تمپلتون، تقيا طوال حياته ولا يزال يبدأ كل يوم وينهيه بصلاة. خريجا من فورمان، كلية معمدانية محلية، كان تاونز من البداية منجذبا للعلم. ولكن كمية ونوعية العلم المقدمة في فورمان كانت محدودة، لذا فقد نال درجة في اللغات الحديثة وذهب إلى ديوك لماجستير في الفيزياء. في ديوك، انتُبه إلى قابليته المتميزة في ا لفيزياء، وتم تشجيعه على الذهاب إلى كالتيك ليكمل الدكتوراه. في كالتيك تحمل قدرا معينا من المضايقة لاعتقاداته الدينية، ليس من زملائه الطلاب فقط بل من وليام سمايث، مشرف أطروحته. في مقابلة مع تيم رادفورد من الغارديان بعد خمس وستين سنة، تذكر كيف كان سمايث يعنّفه، "تشارلي، لا تستطيع معرفة أن يسوع هو ابن الرب." امتعض تاونز من ذلك—ولا يزال. بعد سنوات قليلة، وهو الآن يقوم بالتدريس في كولومبيا، انضم تاونز إلى مجموعة الرجال في كنيسة ريڤرسايد الشهيرة في نيويورك. بما أن علماء قلة كانوا يحضرون الكنيسة، فقد طلب منه أن يتحدث للمجموعة عن آرائه. عنون خطاب "تقارب العلم والدين." ومحرر مجلة Think، التي تصدرهاIBM، سمع الخطاب وأعجبه جدا بحيث نشره في عدد أبريل 1966. ومحرر جريدة خريجي MIT "MIT Alumni"، غير عالم مثل محرر Think، أعجب به جدا بحيث أعاد طبعه. ولكن في حين ربما أعجب محرري المجلات، عديد من قرائهم العلماء لم يعجبوا به، وانتزع شكاوى من علماء وخريجي MIT مرموقين بعد نصف قرن، في تصريح في مؤتمر جائزة تمپلتون الصحفي، تذكر تاونز تلك الخواطر: "لقد عكست رؤية عامة ضمن عديد من العلماء في ذلك الوقت أن أحدا لا يمكن أن يكون عالما وكذلك متوجها نحو الدين. كانت هناك عدائية تجاه مناقشة الروحانية". لم تتراخى هذه العدائية. وبالفعل، مع تصاعد الإرهاب المثار دينيا والأصولية الدينية الضد- علمية حول العالم، تقوّت العدائية تجاه الدين بين العلماء إلى درجة المواجهة المباشرة. في

عدد الصفحات ٨

2006 كان هناك على الأقل عنوان ضد-ديني بقلم عالم مرموق في عمود نيويورك تايمز لأعلى المبيعات غير الخيالية كل أسبوع. "تقارب العلم والدين" أشار إليه القضاة في منحهم لجائزة تمپلتون. احتوى تقريرهم السطر التالي: "فهم النظام في الكون وفهم الهدف منه ليسا متطابقين، ولكنهما أيضا ليسا على بعد شديد." بل على بعد كون كامل من بعضهما. فالدين والعلم على مسارات متباعدة، تتباعد أكثر فأكثر مع توسع المعرفة. ومعظم العلماء المتدينين يقسمون حياتهم، معتمدين على الدليل العلمي في قسم وعلى الوحي في آخر. يبدو تاونز مقسّما لحياته بنفس الطريقة، ولكن دون أن يكون منتبها جدا لكونه يفعل ذلك. على جانب العلم يطبّق المنطق والرُّشد reason إلى حد كبير ولكن على جانب الدين، بما أن النص المقدس يقدم الأجوبة، فهو ينتهي برد-تعريف الكلمات ليجعل تلك الرؤيتين للكون تبدوان متقاربتين. إن مصطلحه، "الهدف من الكون،" هو مخيف بعض الشيء أيضا. فـ"الهدف" يستحضر صورا من التعصب. فحين يقنع الناس أنفسهم بأنهم وُضعوا على الأرض كأدوات لخطة إلهية ما، فلا يبدو أن هناك حد للأهوال التي هم على استعداد لفعلها لتنفيذ تلك الخطة. في كتابه الجميل "أحلام بنظرية نهائية"، قدم ستيڤن واينبرغ، فيزيائي آخر فائز بنوبل وملحد صريح، رؤية مختلفة تماما: "كلما أصبح الكون أكثر وضوحا، بدا أكثر بلا جدوى." عديد من غير العلماء انتقدوا واينبرغ على عبارته هذه؛ ولكن العلماء عموما يجدون وجودا بلا هدف محررا بشكل رائع—فنحن أحرار في تحقيق أهدافنا والمغامرة عبر أي حدود معرفية دون البحث عن علامات "لا تجاوز". فالبشر أحرار في اختيار أي نوع من العالم نريد العيش فيه، والعلم قد أعطانا الأدوات لنرتب مهمة بناء ذلك العالم. الطبيعية هي فكرة أن القوانين العلمية هي الوسيلة الوحيدة لشرح العالم. ومع دخولنا الألفية الثالثة، فالطبيعية هي الفلسفة السائدة بين العلماء. ولكنها ليست فلسفة تشارلز تاونز.

عدد الصفحات ٩

العالـم المؤمن "عديد من الناس لا يفهمون أن العلم مبدئيا يتضمن الإيمان،" يقول تاونز في مؤتمر جائزة تمپلتون الصحفي. كان تاونز قد أوضح هذه النقطة مرارا من قبل. في أسئلة حول فيزياء الليزر سأشير بسعادة إلى تاونز، ولكنها مسألة حول اللغة الإنجليزية. هناك تجدر بنا الإشارة إلى القواميس. فهو يخلط بين معنيين مختلفين جدا لكلمة "إيمان faith." اختر قاموسك؛ فكلها تسرد على الأقل معنيين مختلفين تماما. في قاموس أوكسفورد الإنجليزي الموجز Concise Oxford English Dictionary الذي أبقيه على مكتبي إيمان (اسم) 1 ثقة أو ائتمان كاملان2 اعتقاد قوي في الدين، قائم على القناعة الروحانية قبل البرهان. قواميس عديدة تفكك ذلك إلى اختلافات أدق، ولكن هذان المعنيان هما كل ما أحتاج لتوضيح فكرتي: فالعلماء يستخدمون كلمة "إيمان" للتعبير عن ثقتهم في أن قوانين الطبيعة ستدوم، بدءا بقانون السبب والنتيجة. أما الاستخدام الديني لـ "إيمان" فيتضمن الاعتقاد بقوة عليا تجعل الأشياء تحصل دون الاعتماد على سبب مادي. وهذا هو تعريف ال خرافة superstition. لذا فهذان المعنيان لـ "إيمان" غير مختلفين فحسب، بل ضدين تماما العلم أمر مشروط: فحين تتوفر أدلة تجريبية أفضل، يراجع العلماء صورتهم عن الكون لتطابق الحقائق. قد تخدعنا حواسنا أحيانا، كرؤيتنا السراب في الصحراء. قد يقول عالم أن الوسيلة التي بها نتجنب الخداع بالسراب هي فهم قوانين البصريات، التي تمكننا من اختراع أدوات تمكّننا من الرؤية بوضوح أكبر، ربما عدسة مستقطبة. كثير من العمل العلمي يتكون من تحسين طرق الملاحظة لتجنب الانخداع، بما في ذلك خداع الذات. فالطبيعة هي الحَكَم الوحيد. الدين، على خلاف ذلك، قد يدعو المؤمنين لإنكار أدلة حواسهم إن تناقضت مع النص المقدس. يصعب تصور أن شخصا حذرا مثل ت اونز قد خلط بين معنيي الإيمان مرارا وتكرارا دون الرجوع لقاموس. رغم كل ذلك، فالعالِم في تاونز واضح بلا شك. فهو يضع نظرية داروين في الانتخاب الطبيعي فوق قصة التكوين كشرح لأصل البشر. وفيما يعد نفسه معمدانيا، يصلي مرتين في اليوم، ويذهب للكنيسة كل يوم أحد، فهو كعالم يقول أن مؤلفي الكتاب المقدس قد لا يكونون فاهمين للنتائج العلمية لكلماتهم. لكي يجعل الكتاب المقدس متوافقا مع استنتاجاته العلمية، يفسر تاونز الكتاب المقدس مجازيا، كما يفعل كل العلماء المتدينين. ومع ذلك، فالمعمدانيون الجنوبيون الذين هم غير علماء، ينساقون لتفسير الكتاب المقدس بحرفية شديدة. لم يكن تاونز الفيزيائي الوحيد الذي تلقى جائزة تمپلتون. فقبل 2001، كان اسم الجائزة ببساطة هو "جائزة تمپلتون للتقدم في الدين،" وكان الفائزون في المعظم مشاهير منتقين من العالم الديني، بدءا بالأم تيريزا عام 1973. وكالمتوقع، كان المبشّر بيلي غراهام فائزا، متلقيا الجائزة عام 1982. حتى تشارلز كولسون، الذي جاءت شهرته نتيجة لإدانته في فضيحة ووترغيت، تلقى الجائزة عام 1993 كمؤسس إرسالية سجنية سميت "صُحبة السجنأما أول فيزيائي حقيقي يربح الجائزة فكان پول ديڤيز عام 1995. وديڤيز الأسترالي معروف بتبسيطاته العلمية التي تضم "عقل الإله: الأساس العلمي لعالم عقلاني" عام 1992. كان تفكير تمپلتون حول الجائزة يبدو في تقدم. فقد ذهبت إلى فيزيائي آخر، إيان باربور، عام 1999، وبعد سنتين تغير اسم الجائزة إلى "جائزة تم پلتون للتقدم في البحوث أو

عدد الصفحات ١٠

الاكتشافات حول الحقائق الروحية". معظم المتلقين منذئذ أصبحوا، كما عبر ريتشارد دوكينز بمرارة في "وهم الإله"، علماء "يقولون أشياء حسنة حول الدين." ومعظمهم كانوا فيزيائيين أو كونياتيين cosmologists. شراء الحوار كانت دكتوراه إيان باربور من جامعة شيكاغو، حيث كان مساعدا تدريسيا لإنريكو فيرمي، الفيزيائي الإيطالي الكبير الذي فر من إيطاليا الفاشية مع زوجته اليهودية مع بدء الحرب العالمية الثانية. نفذ فيرمي أول تفاعل ذري تسلسلي أسفل ملعب جامعة شيكاغو، ضامنا أن الولايات المتحدة لا ألمانيا النازية هي من سيبني القنبلة النووية أولا. أكمل باربور دراسته عام 1949، وبدا هادفا لسيرة كأحد من قادة الفيزياء في أمريكا، إلى جانب علماء آخرين من مشروع مانهاتن. ولكن في السنتين اللاحقين، سجل في كلية لاهوت يَيل، حائزا على درجة في اللاهوت عام 1956. أصبح أستاذا في الفيزياء والدين معا فيكلية كارلتون في منيسوتا، ونال تقديرا عاليا في كلا المجالين. وككل العلماء المتدينين في الواقع، يرفض باربور ببساطة التفسيرَ الحرفي لقصة الخلق التوراتية من قبل الخلقيين، ويراها مجازية بوضوح. وينسب إليه أنه خلق الحوار المعاصر بين العلم والدين. كانت أهمية حوار باربور قد لوحظت من البدء من قبل السير جون تمپلتون. ففي حين يعتقد تمپلتون بإخلاص بالأسطورة المسيحية، يقدّر العلم أيضا. ولمََِ لا؟ فالثورة العلمية، بعد كل هذا، قادت إلى نمو رهيب في الاقتصاد العالمي جعل منه بليونيرا. ربما يعتقد تمپلتون أن الله اختاره ليُري العالم أن اللاهوت، كما قال، والعلم هما نافذتان إلى نفس المنظر. ويلي ذلك أن العلماء إن أقنعوا بالولوج في الدين، فسيعود ذلك بالنفع على العلم والدين معا. كيف إذن يستطيع إقناع العلماء بذلك؟ لماذا لا يشتري الحوار بين الدين والعلم فحسب؟ تقدم تمپلتون ليفعل ذلك تحديدا. فبعد كل ذلك، لا فائدة من كونك فائق الثراء إن لم تكن تستطيع الرمي بوزنك حيث تشاء. كان شراء الحوار أسهل مما يمكنك تصوره. فالماكنة كانت موجودة سلفا. كانت مؤسسة جون تمپلتون قد أسست عام 1987 لتعمل كمحفّز للدراسات العلمية في "الأسئلة الكبرى." وهي أسئلة حول أشياء كطبيعة الوعي وأصل الحياة، بدت بلا إجابة في 1987. ووفرت قاعدة الحوار لدى باربور. تقدم المؤسسة اليوم حوالي 60 مليون دولار كمنح بحثية كل عام. ويشعر المتلقون برغبة في التعبير عن امتنانهم عن طريق ابتداع ضرب من الأرضية المشتركة بين العلم والدين، وبهذا يقوّون أسطورة التقارب. قامت المؤسسة حتى بشراء مجلة، العلم والروح، وكرّستها لتعميم الحوار. كانت الحركة الكبرى هي الذهاب مباشرة إلى هيئة الإدارة في الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم (AAAS) مع عرض مليون دولار لإنشاء "حوار AAAS بينالعلم و الدين". ألم تستطع AAAS المقاومة؟ لا يزال مليون دولار يبدو مالا كثيرا لدى العلماء. وبالفعل، كلما كان هناك صوت للحوار بين العلم والدين، كان مؤكدا أن جماعة تمپلتون هناك يمدون أيديهم بالمال. إن ما قام بشرائه هو مؤثرات صوتية احترافية يقصد بها خلق وهم أن العلم والدين يجدان أرضية مشتركة. ع لى كل، فهو وهم قد تحطم بأصوات الانفجارات المكتومة كلما فجّر متعصبون دينيون أنفسهم وغرباء آخرين بهدف استبدال الحضارة بالحكم الإسلامي.

عدد الصفحات ١١

ربما كان أشد الحوارات طموحا هو ذلك النقاش في مايو1999 عن "الأسئلة الكونية،" الذي عقد في المعهد السميثسوني في واشنطن العاصمة. وقامت AAAS برعايته، ولكن المال قدم من تمپلتون. ومع ذلك، لم يكن إيان باربور هناك. فقد كان في طريقه إلى قصر بكنغهام لتلقي جائزة تمپلتون عام 1999. كان الحدث المحتفى به هو نقاش بين السير جونپولكنغهورن وستيڤن واينبرغ، مقدمَين رؤى متضادة حول السؤال: هل الكون مصمم؟ فكلاهما فيزيائيان ساهما في نظرية الجسيمات، ولكن التشابه يتوقف هنا. إذ واينبرغ، الذي تشارك جائزة نوبل 1979 عن توحيد الكهرومغناطيسية والقوة الضعيفة، هو ملحد صريح. و پولكنغهورن، مثل واينبرغ، هو فيزيائي جسيمات نظري. وقد قدم مساهمات ملحوظة في اكتشاف الكوارك. ورغم ذلك، استقال عام 1981 من أستاذيته في الفيزياء في كامبردج، ليدرس في كنيسة إنجلترا، وأصبح قسيسا أنجليكانيا مكرّ سا عام 1982. هلالكون مصمم؟ "لا،" كان العنوان الفصيح لخطاب واينبرغ. لقد جاء ببساطة كأحد أقصر العناوين المحتملة. فقوانين الطبيعة، قال واينبرغ، هي "باردة ولاشخصية." وملاحظا أن دعوته وصفت المؤتمر كـ "حوار بناء بين العلم والدين،" هدر واينبرغ بأنه "يفضّل حوارا، ولكن غير بناء." رغم أن معظم الفيزيائيين أقروا عموما بأن واينبرغ خرج كرابح أكيد، لم يكن لهم صوت. ولكن كان للسير جون تمپلتون—فجائزة تمپلتون عام 2002 أعطيت للقس جون پولكنغهورن. المبدأ الإنساني ردّ پولكنغهورن على طبيعية واينبرغ بوصف الكون بأنه "مرصّع بعلامات عن عقل ما". فلو أن الثوابت الأساسية التي تظهر في قوانين الفيزياء كانت مختلفة بأقل ما يمكن، كما احتجّ، لما كان الكون الذي نعرفه ليوجد. هذا هو ما يدعى بـ"المبدأ الإنساني،" الذي يعرّف أحيانا بأن الكون قد وُلّف بدقة ليجعل الحياة ممكنة. ولكن إلى أي حد من الدقة؟ إنه كالقول بأن الكون كبير. مقارنة بماذا؟ ستة من سبعة مستلمين لاحقين لجائزة تمپلتون قد يكونون فيزيائيين أو كونياتيين، بدءا بإيان باربور الذي كان، كما قلنا، في طريقه إلى قصر بكنغهام لتسلم جائزة تمپلتون بينما استمر پولكنغهورن وواينبرغ بالحوار. كل الفائزين الثمانية بجائزة تم پلتون يشيرون إلى المبدأ الإنساني كدليل، إن لا برهانا، على أن الكون كان مصمما للحياة. والمصمم يستحق افتراضا أن يكون الرب. وفي النهاية، كانت جائزة تمپلتون ستقدم إلى جون بارو، كونياتي بريطاني قام، مع فرانك تپلر، حرفيا بكتابة الكتاب عام 1986 حولالمبدأ الإنساني، المبدأ الإنساني الكوني. ولكن ما الذي يقوله المبدأ الإنساني فعلا؟ في حواره مع ستي ڤن واينبرغ، استخدم السير جون پولكنغهورن النسخة الأكثر شيوعا، التي يشار إليها أحيانا بالمبدأ الإنساني القوي: المعاملات الأساسية للكون هي هكذا، لكي تسمح بخلق الملاحظين داخله. قد أكون منحازا لأكتبها بشكل أقل تبجحا. فبالاستعارة من الدب يوغي، يمكن أن تكتب: إن كانت الأشياء مختلفة، فالأشياء لن تكون كما هي عليه الآن.

عدد الصفحات ١٢

إن لم يصدمك هذا بعمقه الشديد، فأنت لا تبدولائقا لجائزة تمپلتون. ورغم ذلك، فالمبدأ الإنساني مستغل بشكل واسع كدليل على التصميم الذكي بحيث لا بد لنا من قضاء دقائق قلائل لتفحّص منطقه عن قرب أكثر. الكون اللامأهول في تحليلهم للمبدأ الإنساني، المنشور في 2001، "الاحتمالات وحجة التوليف الدقيق: نظرة شكوكية،" يقوم تيموثي مكغرُو، ليديا مكغرو، وإريك ڤيستروپ، كتّاب مجلة Mind، باستغلال "مبدأ اللامبالاة: ليس من المعقول اقتراح أن أي مدى من قيم الثوابت هو أكثر احتمالا من أي مدى مشابه آخر." إن كان الكون مصمما للحياة، فلا بد من القول أنه تصميم غير كفء حدَّ الصدمة. هناك أرجاء سحيقة في الكون تكون فيها الحياة كما نعرفها مستحيلة بالتأكيد: ستكون قوى الجذب محطِّمة، أو مستويات الإشعاع عالية جدا للجزيئات المركبة كي تتكون، أو درجات الحرارة ستجعل من تكون أواصر كيماوية مستقرة مستحيلا. وحتى في نظامنا الشمسي يبدو راجحا بازدياد أن الأرض هي القاعدة الوحيدة للحياة. إن البحث عن حياة لسنا مرتبطين معها— حياة خارج-أرضية—قد يكون أعظم كشوف العلم، ولكنه لا يزال حتى الآن محبطا. موّلفا بدقة للحياة؟ قد يكون معقولا أكثر أن نتساءل لماذا صمم الله كونا غير مأهول بالحياة البتة. عند هذه النقطة يمكنني سماع صوتَي ديڤيد أوكونَر وشون مكّارتي يذكّرانني بصرامة، في خلال إحدى تمشياتنا التأملية بجانب الفرع الجنوب-غربي، بأن "طرق الله ليست طرقنا. ونحن لا نعرف أسبابه." (ديڤيد وشون، أذكّرك، هما القسيسان الكاثوليكيان اللذان صليا لأجلي حين كنت ممددا بثبات تحت تلك الشجرة.) كان ديڤيد وشون محقّين. فـ"الله" يستخدم أحيانا من قبل الفيزيائيين كوصف جمعي لقوى الطبيعة المفهومة بشكل منقوص. ولكن حجة التوليف الدقيق هي مثال على "مغالطة قنّاص تكساس": يصوّب القناص مسدسه ع لى حائط حظيرة، ثم يمشي إلى هناك ويرسم دائرة حمراء حول ثقب الرصاصة. سنمر بأمثلة أخرى على هذه المغالطة في الفصول اللاحقة. أكان التوليف الدقيق هو ما جعل تلك الشجرة تقع حين مررت قربها؟ هذه ليست طريقة مفيدة للتفكير في العالم. الشيء الوحيد الذي يوضحه المبدأ الإنساني هو أننا لا نملك بعدُ نظرية تشرح لماذا الثوابت الأساسية هي ما هي عليه. هناك، بالتأكيد، أشياء كثيرة لا نستطيع شرحها، ولكن القائمة تقصُر تدريجيا. قد يحسُن أن نذكر أنفسنا أنه لـ 99.8% من الوقت الذي وُجدت فيه الأنواع، لا أحد على الأرض عرف أو اهتم بأن أشياء كالثوابت الأساسية وجدت أصلا. أما الثوابت الأساسية فهي اليوم في لُبّ الفيزياء الحديثة. لا تزال هناك مشاكل كبيرة للفيزيائيين كي يحلوها. في وقت قادم ما أتوقع أن يجدوا أن الثوابت الأساسية ليست أساسية جدا—أنها تتولد طبيعيا من قوانين أكثر أساسية. ولديها تلك القيم لأنها لا تستطيع امتلاك أي قيم أخرى. وهذا مثير إن كنت فيزيائيا شابا يسعى لترك علامته. وباعث على اليأس إن كنت فيزيائيا مسنا يفوته الوقت ليعرف كيف تنتهي القصة. الاستشهاد بمصمم لا يحل شيئا، بل يرفع فقط السؤال الإضافي: من أين أتى المصمم؟ الانشقاق

عدد الصفحات ١٣

لم يكن أي أحد سعيدا لبيعالجمعية الأمريكية لتقدم العلوم (AAAS) روحها لتمپلتون. لماذا سمحت أهم منظمة علمية في أمريكا، وربما في العالم، لصوت اللاعلم بارتداء زي الحوار بين العلم والدين؟ تحتل AAAS مكانا وحيدا بين الجمعيات العلمية في أنها تحتضن الطيف الكامل للبحث العلمي. فالصحيفة الأسبوعية لـ AAAS،Science، تغطي مزيجا انتقائيا من الأوراق العلمية التقنية في كل مجال واقعيا، إضافة للأخبار والآراء التي تغطي تفاعل العلم والمجتمع. لأن Science هي مصدر شعبي لأخبار العلم، ولأن المشتركين فيها يصبحون تلقائيا أعضاء في AAAS،فمساحة العضويات واسعة، وتضم عديدا من العامة المهتمين إضافة للعلماء المنقطعين. وإضافة للأعضاء الأفراد، لدى AAAS عديد من المنظمات القوية كأعضاء، كالجمعية الأمريكية الكيماوية، والجمعية الأمريكية الفيزياوية، والجمعية الأمريكية لعلماء الخلية. إضافة للقاءات الخاصة كمؤتمر الأسئلة الكونية، تعقد AAAS اجتماعا سنويا هائلا، يرتب ببراعة ليتصادف مع المؤتمر السنوي لمنظمة كتاب العلوم، لضمان تغطية وسائطية شديدة. بسبب عضوياتها الكبيرة، وحقيقة أن Science هي مصدر هام للقصص الخبرية بالنسبة للوسائط، تملك AAAS قبضة سياسية مؤثرة تعد AAAS ثمينة جدا للمجتمع العلمي. وحقيقة أن فردا واحدا استطاع شراء برنامج كبير في AAAS لأهدافه الخاصة كانت مزعجة لعديد من الأعضاء لأي سبب ثقافي كان، كان الفيزيائيون في مجلس AAAS، وكنت أحدهم، هم من شعروا بأن الدين كان يلعب دورا أكبر من اللازم في شؤون AAAS .وكان الرئيس الودود لـAAAS وقتها هو الراحل ستيڤن جاي غولد، الإحاثي المحترم، بل والمحبوب، الذي يمكن وصف موقفه من رابطة العلم/الدين بأفضل ما يمكن كـ"منفصلين ولكن متساويين." مناظر مختلفة اعترف غولد بالطبيعة الروحية للهومو ساپينس Homo sapiens، واحتج بأنه رغم أن الدين والعلم ضروريان معا لحياة كاملة، لا يمكن المصالحة بينهما بطبيعتهما. وقام بإحياء المصطلح العتيق "magisteria، اختصاصات" ليصف تلك المجالات غير المتداخلة للوجود البشري. إن اختصاصات العلم والدين ترى العالم من خلال نوافذ مختلفة، ولكن خلافا لمثال تمپلتون عن النوافذ التي تعطيك رؤى مختلفة لنفس المنظر، تطلّ نوافذ غولد على مناظر مختلفة تماما. التجربة هي نافذة العلم؛ أما نافذة الدين فهي الوحي. فهما ينظران إلى كونين مختلفين تماما. كلاهما، يجادل غولد، يستحق التقدير ولكن مؤسساتنا يجب أن تبنى بحيث يبقيان منفصلين؛ وهذا بالتأكيد هو ما يسعى التعديل الأول للدستور أيضا لفعله. إن مبدأ الاختصاصات غير المتداخلة هو خلاف اعتقاد تاونز بأن العلم والدين إلى تقارب، وإنكار لحلم تمپلتون بأن العلم سيؤكد اعتقاداته الدينية المسيحية. بدا حوار AAAS بين العلم والدين مقدرا ليكون عقيما ومقسّما—وهكذا كان. لسوء الحظ، كان على ستيڤن جاي غولد، الذي حاز المنزلة والجاذبية ليتعامل مع الجانبين، أن يتعامل مع السرطان أيضا. ومات في ربيع 2002. في الصراع اللامنتهي ضد أولئك الذين ينحازون للخرافات الدينية بدلا من العلم لشرح لماذا الأشياء كما هي، خسر العلم أحد

عدد الصفحات ١٤

أفصح وأحبّ أبطاله. إن ألم السرطان الذي حاز في الختام حياته لم يذهب أبدا بحس دعابته ، أو يقلل من عزمه الصلب على حكاية قصة التطور بكل وضوح ومنطقية بحيث ليس للناس إلا أن يفهموه. لسنين عدة خاض غولد غمارَ حوار حاد أحيانا مع ريتشارد دوكينز، الشارح الأكبر الآخر للتطور في أيامنا هذه، على دور ما كان غولد يسميه "التوازن المؤكد،" أو ملاحظة أن التطور يحدث أحيانا في دفقات تفصل بينها فترات من الركود النسبي. كان الجدال تقنيا تماما وكان فقط عن الحد الذي يحصل عنده التطور خلال التوازن المؤكد في مقابل التدريجية. رغم أن كلا من دوكينز وغولد دافعا عن التطور، سعى منكرو التطور لاستخدام هذا الجدال للاحتجاج بأن التطوريين لا يمكنهم الاتفاق حتى فيما بينهم. في الواقع، كان الجدال المفتوح بين هذين المدافعين المرموقين عن التطور مثالا كلاسيا عن كيف يصل العلم إلى أوصاف أكثر قربا من الحقيقة. فالعلم هو ميدان رمي مفتوح والأسلحة هي البيانات العلمية. الجانب ذو البيانات الأفضل يفوز. لا شيء مقدس—والإيمان محتقر. استخف دوكينز بمقترح غولد لاعتبار العلم والدين كاختصاصات غير متداخلة (تختصر أحيانا بـ: ا.غ.م). ففي نظر دوكينز، أي اتفاق على أن العلم والدين يمتنعان من التعليق على عالم الآخر يوفر ببساطة الغطاء لادعاءات دينية بلا دفاع. لسوء الحظ، لم تتعامل AAAS بشكل مرضي مع الموضوعات التي طرحها الحوار بين العلم والدين. عقد تنازل تقوم وفقه مؤسسة جون تمپلتون بتمويل أقل من نصف ميزانية البرنامج. ربما يكون هذا قد قيّد قدرة تمپلتون على إملاء الأجندة، ولكنه لم يفعل شيئا تجاه سؤال المبدأ: هل على الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم أن تلتمس أو تتقبل هدايا كبيرة تقصد بها أهداف عدا تقدم العلوم؟ عديد من العلماء يعتقدون بقوة أنه ليس عليها. أن تخلع جلدك يبدو أن الفائزين بجائزة تمپلتون وتمپلتون نفسه قد تربوا في عوائل متدينة جدا. عموما أجد هذا النمط ضمن زملائي الفيزيائيين الذين بقوا متدينين. كانت قناعاتهم الدينية تزرع فيهم حتى مع تعلمهم الكلام. لا يحتمل فيهم أن يخلعوا دينهم بعد البلوغ كما أن يتوقفوا عن التفكير بلغتهم الأم. وذلك يحصل، إنما ليس كثيرا. تذمر هـ.ل. مينكن ذات مرة من أنه لا يثق أبدا بملحد تربى كاثوليكيا—ففي النهاية ينعكس إلى إيمان طفولته. أشك في أن مينكن كانت لديه أي بيانات أكيدة لتدعم تأكيده هذا، ولكن كل شخص يمكنه تذكر مواقف توضح قوة تربيتهم الدينية المبكرة. لا فرار لنا من ذلك—فنحن سجناء تنشئتنا. ولكن ذلك جزء فقط من القصة: فنحن أيضا سجناء ميراثنا الجيني. تخرج لنا التوافقيات بضع مفاجئات. ففرنسيس كولينز، جيناتي في معاهد الطب الوطنية NIH ومدير المعهد الوطني لدراسات الجينوم، هو مفاجأة بحد ذاته. مع أنه اختير عام2002 كبديل لجيمس واطسون، مكتشف تركيب الدنا DNA، كرئيس للمشروع، لا ينطبق كولينز في النمط المعتاد. فقد نشأ في مزرعة صغيرة في وادي شيناندوا في ڤرجينيا كانت تفتقر للسباكة الداخلية، ولكن والدَيه لم يكونا مزارعين؛ ولكنهما لم يضعا تقديرا كبيرا للممتلكات المادية. حاز والده على دكتوراه في الإنجليزية وكان مدرّس دراما في كلية ماري بالدوين. وكانت أمه كاتبة مسرحية. ومعا كانا ينتجان مسرحيات صيفية على دكة بنيت في المزرعة،

عدد الصفحات ١٥

مولّدين سيلا من زوّار الصيف الممتعين والحيويين. كانت فصول الصيف سعيدة لفرنسيس، ولكنها لم تكن سهلة في الشتاء. إذ كانت هناك مواشي تتم رعايتها وأعمال يومية في الخارج. أما في الداخل فهناك دروس. لأنها لم تكن راضية عن جودة المدارس العمومية، قامت والدة فرنسيس بتدريسه منزليا إلى نهاية الثانوية. وبدا التدريس المنزلي مفيدا جدا لفرنسيس. فقد دخل الكلية في جامعة ڤرجينيا في السادسة عشرة، واستمر حتى نال الدكتوراه في الكيمياء الفيزيائية في يَيل، ثم دخل كلية الطب في جامعة كارولينا الشمالية. يصف كولينز والديه كـ"مسيحيين اسميا،" ولكن الدين بالتأكيد لم يكن جزءا مهما من حياتهما. وفي الواقع، اعتبر كولينز نفسه ملحدا خلال فترة الجامعة. ففي حقل كالكيمياء الفيزيائية، هذا هو المعتاد. وكوالديه، لم يبدو الدين له شيئا مهما، ولم يفكر جديا في الأدلة مع أو ضد الإيمان. في سن السابعة والعشرين، في السنة الثالثة من دراسته الطبية وملاقاته مرضى اعتمدوا بقوة على إيمانهم للتعامل مع معاناتهم، انتهى فرنسيس كولينز بالتفكير في الإيمان. في الفصل الأول من كتابه "لغة الله،" المنشور عام 2006، يذكر كولينز زيارة له إلى جاره الذي كان وكيلا ميثوديا Methodist minister ليسأله "هل الإيمان معقول منطقيا،" ولكن في ذلك الوقت، في أواخر عشريناته، كان فرنسيس كولينز بالتأكيد يبحث عن شيء. هل كان يتوقع أن يُدخل وكيلا ميثوديا في جدال؟ باعتباري سألت أسئلة مماثلة لوكلاء ميثوديين في سن أبكر بكثير، كنت لأحذره من أن هذا لن يحصل. على كل، عامله الوكيل بلطف، واستمع لما لديه ثم أعطاه نسخة من كتاب ك.س. لويس C.S. Lewis "المسيحية مجردة" ليقرأه. ربما يتعلّم كل الوعاظ المسيحيين اليوم في معاهد اللاهوت أن يحيلوا التردد والشك إلى ك.س. لويس. علي أن أخبرك من الآن أني لست معجبا بـ ك.س. لويس، رغم أني أقدر الطريقة التي يستعمل بها اللغة الإنجليزية ليقص قصص أطفال مسلية. حتى إننا أعطينا نسخة من نارنيا لأحفادنا. ومع ذلك، استمتعوا بهاري پوتر دون أن يفسدهم فيؤمنوا بالسحر. إنهم يحبون القصص، ولكنهم عرفوا مبكرا أنها محض قصص. كانت لدينا صديقة مقربة عرفناها منذ أيام الكلية، بقيت عزباء وكرست كل حياتها لتدريس الابتدائية. كانت ذكية جدا، عطوفة جدا، ومتفانية جدا لتفتح أعين الأطفال على العالم. كانوا محظوظين للغاية لينالوها كمدرّسة، ولكن حياة من الحديث لطلاب الصف الأول جعلتها معاقة في الحديث للبالغين. وكانت لدى لويس ذات المشكلة. فمنطقه أنسب للأطفال منه للبالغين. فهو يحب وضع حججه على شكل أسئلة عديدة الأجوبة دون إجابات صحيحة. فلأن حيوانا ما ليس خروفا أو عنزة، لا يعني هذا أنه بقرة. وحتى إن كان كل رجل قش نصبه لويس أحمقا، فهذا ليس دليلا على أن يسوع هو الله. كانت الفكرة المهمة التي أخذها كولينز من كتاب "المسيحية مجردة" هي فكرة "القانون الخُلقي". لم يكن ك.س. لويس أول من لاحظ أن الناس يعرفون بالبديهة الصواب من الخطأ، ولا كان، كما سنرى، الأخير. أن تكون إنسانا

عدد الصفحات ١٦