المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية ويليه نشر العرف

غير معروف

صفحة ٧ من ٣٧

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 99 «اصل»(1) لمحمد بن الحسن الشَّيبانيّ، نجد أنََّّما لا يختلفان عن بعضهما أبداً، فلعلَّه سمي بالصَّغير؛ تمييزاً له عن «السِّير الكب »الذي ألفه محمّد بن الحَسَن مستقلاً، وشرحه السرََّخْسيّ وغيره. وجمع الحاكمُ الشَّهيد (ت 344هـ) كتب ظاهر الرِّواية مع إسقاط المت كرِّر منها في كتابه «الكا»، فكان التعويل عليه في المذهب وشرحه جمع من العلماء كالإسبيجابي (ت480هـ) وإسماعيل بن يعقوب الأنباريّ (ت 331هـ(2)، وأبرز شراحه وأشهرهم شمس الأئمة السرََّخْسيّ (ت نحو 500هـ قال محقّق «الأصل»(3)« :والذي لاحظنا مِنَ الإطلاع على كتا ب «الكا» للحاكم أنَّه يختصر لفظ كتاب الأصل، ويتخذه أساساً ثم يضيف إليه ما يراه مناسباً من كتب الإمام محمد الأخرى وأحياناً من كتب أبي يوسف، لكن الأساس هو كتاب «الأصل»، والعبارة هي كتاب«الأصل»في معظمها... والحاكم قد قام بعمل مهم جداً في هذا الكتاب، وهو أنَّه قد قارن بين نسخ كتاب الأصل، وأثبت الفروق بينها في مواضع كثيرة من «الكا»، وأكثر ما اعتمد عليه نسخة أ سليمان وأبي حفص، ولكن توجد فيه إشارات إلى بعض النسخ الأخرى في مواضع قليلة...» * * * (1 ) فيالأصل1 :421 ـ538، طبعة قطر (2) ينظر: كشف الظنون2 :1378. (3) أي الدكتور محمد بوينوكالن في مقدمة الأصل ص119-120.

عدد الصفحات ٩٧

100 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية المطلب الثّ اني: طبقة مسائل غير ظاهر الرِّ واية: وهي ا لمسائل التي رُويت عن الأئمّة، لكن في غير الكتب المذكورة، وهي على أقسام: 1. كتب لم تشتهر عن محُمّد ، ولم تروَ عنه بطرق كطرق الكتب الأُول، وهي: أ.«الكيانيات»وهي مسائل جمعها محمّد لرجل يُسمى كيان، وقد يوجد بعض الكتب «الكيسانيات»، وقالوا: جمعها كيسان، وهي بلدة، قال طاشكبرى(1)« :لكن هذا غير صحيح، والصحيح الأول»،وقال الكوثريّ (2)« :هي مسائل رواها سليمانُ بن شعيب عن أبيه عن محمد، ويقال لها الأمالي » ب«الرقيَّات»وهي مسائل جمعها محمّد حين كان قاضياً بالرقّة، قال الكوثريّ (3)« :رواها عنه محمد سماعة وكان معه طول بقاء محمد بن الحسن بها» ج«الجُرجانيّات»وهي مسائل جمعها محمد بجرجان، قال الكوثري (4) : «ويرويها علي بن صالح الجرجا» د«الهارونيّات»وهي مسائل جمعها محمد لرجل مسمَّى بهارون (1) فيمفتاح السعادة2 :237. (2) فيبلوغ الأماني ص66. (3) فيبلوغ الأماني ص66 (4) فيبلوغ الأماني ص66.

عدد الصفحات ٩٨

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 101 هـ«الكسب»يقال: إنَّه مات قبل أن يتمه، وكان سألوه أن يؤلف كتاباً الورع، فجاوبهم بأني ألفت كتاباً في البيوع، يريد أنَّ المرء إذا طاب مكسبه حسن عمله، فلما أصروا على الطلب بدأ في تأليف هذا الكتاب... 2. كتب محمد التي يغلب فيها الحديث، فبين أيدينا أ. «موطأ محمد »بروايته عن مالك، وفيه ما يزيد ألف حديث وأثر من مرفوع وموقوف مما ر واه عن مالك، وفيه نحو مئة وخمسة وسبعون حديثاً عن نحو أربعين شيخاً سوى مالك...، وعليه شروح عديدة، منها: «شرح القاري»، و«شرح البيري »، و «شرح عثمان الكماخي »، وشرح اللكنوي المسمى «التعليق الممجد» ب«الحجة»، المعروفة بالحجج في الاحتجاج على أهل المدينة ج.«اثار»، يروي فيه عن أبي حنيفة أحاديث مرفوعة وموقوفة ومرسلة، ويكثر جداً عن إبراهيم النخعي شيخ الطريقة العراقية، ويروي فيه قليلاً عن نحو عشرين شيخاً سوى أبي حنيفة، وهو كتاب نافع للغاية، وللمشايخ عناية خاصة بروايته في أثباتُم، وقد ألف ابن حجر «الإيثار بمعرفة رو اة الآثار »في رجاله باقتراح صاحبه العلامة قاسم الحافظ، ثم ألَّف هو أيضاً كتاباً آخر في رجاله(1) . قال العثمانيّ(2)« :والظاهر أنََّّا وإن كانت بمثابة كتب ظاهر الرواية في صحة (1) فيبلوغ الأماني ص65-66. (2) فيأصول الإفتاء ص139.

عدد الصفحات ٩٩

102 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية نسبتها إلى الإمام محمد، واشتهارها فيما بين أهل العلم، ولكنَّها ليست موضوعة لبيان المذهب وفروعه،... وكتب ظاهر الرواية فإنََّّا وضعت لبيان المذهب أصلاً، فصارت هي المعتمدة لمعرفة المذهب الحنفي، ولعلّ من أجل هذا لم يذكر الفقهاء الحنفيّة هذه الكتب لا في ظاهر الرواية ولا في النّوادر؛ لأنََّّا ليست من النّوادر لشهرتُا عن الإمام محمّد، وليست من ظاهر الرواية؛ لأنََّّا لم توضع لبيان المذهب، ولكنَّ الظَّاهر أنَّ رُتبتها فوق النَّوادر ويؤخذ بما جاء فيها إلا ما عارض الكتب الستّة» 3.الرِّوايات المُتفرّقة وهي المشهورة بالنوادر: وهي عن محمد بن الحسن من غير ظاهر الرواية، وهي ثمان: «نوادر هشام »، و «نوادر ا بن سماعه »، و «نوادر ابن رستم »، و «نوادر داود ابن رشيد»، و«نوادر المع»، و«نوادر ب»، و«نوادر ابن شجاع البلخي أبى نصر»، و«نوادر أبى سليمان»(1). 4.كتب غير محمّد كـ«المجرَّد »للحسن بن زياد، ومنها: كتب «الأما»، ويُقال: أنَّ الأمالي في ثلاثمئة جزء (2). والإمء: أن يقعد العالم وحوله تلامذة بالمحابر والقراطيس، فيتكلّم العالم بما فتح الله عليه من العلم، وتكتب التلامذة ما تكلّم مجلساً مجلساً، ثم يجمعون ما كتبوا، فيصير كتاباً، ويُسمّى بـ «الأما»، وكان هذا عادةُ المتقدِّم (3). (1) ينظرمقدمة منتهى النقاية على شرح الوقاية ص56-58. (2) فيبلوغ الأماني ص47. (3 ) فيشرحعقود رسم المفتي ص321.

عدد الصفحات ١٠٠

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 103 المطلب الثرالث: مسائل النّ وازل والواقعات: وهي مسائل استنبطها المتأخرون من أصحاب محمد وأصحاب أصحابه ونحوهم فمَن بعدهم ، وأوّل كتاب جمع فيه ممَّا علم «النوازل»لأبي الليث السَّمَرقنديّ (ت 375هـ)، وجمع فيه فتاوى المتأخرين من المجتهدين من مشايخه، وشيوخ مشايخه: كمحمد بن مقاتل ومحمد بن سلمة ونصير بن يحيى، وذكر فيها اختياراته أيضاً. ثمّ جمع المشايخ فيه كتب: كـ «مجموع النوازل »و«الواقعات»للنَّاطفي والصَّدر الشَّهيد، ثمّ جمع مَن بعدهم من المشايخ الفتاوى، لكنَّهم خلطوا فيها مسائل ظاهر الرِّواية والنَّوادر والنَّوازل مع بعضها: كما في «جامع قاضي خان » و«الخلاصة»، وغيرها من الفتاوى، ومنهم مَن ميّز بينها: ك«محيط رضي الدين السرََّخْسيّ »، فإنَّه ذكر أوّلاً مسائل الأُصول، ثمّ النَّوادر، ثمّ الفتاوى (1). * * * (1) ينظرالنافع الكبير ص18-19، وغيره

عدد الصفحات ١٠١

104 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية

عدد الصفحات ١٠٢

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 105 المبحث الثّاني طبقات الكتب طبقاتُ الكتب لها تعلّق واضحٌ بطبقا ت المسائل؛ لأنّ الكتب تحتوي على مسائل، لكن هذه الكتب كان لها درجاتٌ بقدر ما حوت من كل نوع من أنواع المسائل: سواء من ظاهر رواية أو غير ظاهر الرواية أو نوازل، فما كان مقتصراً على ظاهر الرواية كالمتون، فهي في أعلى درجات الاعتماد، وكلّما كثر فيها مسائل غير ظاهر الرِّواية والنَّوازل نزلت رتبة الاعتماد لها، وهذا ما نبيِّنه في المطالب الآتية: المطلب الأول: في أسباب تفاوت الكُتُب في الطربقات: إنَّ معرفة طبقات الكتب من أهم القضايا التي تواجه الباحثين والمفتين والمدرسين، فإن رأى مسألة في كتاب، فهل هي معتمدة في المذه ب أم لا؟ وإن تعارضت مسألة في كتاب مع كتاب آخر فأيهما المعتمد منهما؟ وإن اضطربت العبارات في مسألة في بيانَّا وتحريرها، فأي الكتب نعتبر في تحقيقها؟ وهذه القضيةُ شائكةٌ جداً، ولا سبيل لحلّها إلا معرفة طبقات الكتب، حتى نقدم ما يستحقّ التقديم ونؤخر ما يستحق التأ خير، قال اللكنويّ (1)« :ينبغي (1) فيالنافع الكبير ص26.

عدد الصفحات ١٠٣

106 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية للمفتي أن يجتهد في الرّجوع إلى الكتب المعتمدة، ولا يُعتمد على كلِّ كتاب، لا سيما الفتاوى التي هي كالصَّحاري ما لم يعلم حال مؤلفه وجلالة قدره » وقال العثمانيّ(1)« :إنَّ من أهم ما يشترط للمفتي أن يعرف الكتب المعتمدة من غيرها، فال كتب المعتمدة في المذهب هي التي عوَّل عليها المتبحّرون من أصحاب المذهب وتناولوها بالثقة والاعتماد وأفتوا بها، وقد ذكر غير واحد من الفقهاء كتباً لا يجوز الإفتاء بمسائلها ما لم يعرف مأخذها أو دليلها» وتمييز طبقات الكتب عن بعضها فيه شذرات متفرّقة في طيّات ك م علمائنا السَّ ابقين، سعيت لجمعها؛ لتكون الأساس في بناء البحث، وأضفت لها ما رزقني الله من خبرة ودراية في معرفة الكتب ومسائلها في المذهب الحنفي. فهذا البحث أوَّل محاولة لجمع ما كتب متفرّقاً في الطبقات مع الاجتهاد في التمييز بين الكتب وجعلها في أقسام بيّنة، وبيان لأسباب كلِّ طبقة، وكيفية الاستفادة منها. مع اعترافي أنَّ هذا يُساعد ويُسهِّل على الباحث الطَّريق في التَّعامل مع الكتب وفهمها، وأنَّ الطريق الأكمل لمعرفة الاعتماد هو الخبرة والبحث في الكتب، فمَن يُكثر القراءة في الكتب يتعرَّف على مناهج أصحابها ودرجةَ اعتماد مسائلهم ومنزلة كتبهم بالنسبة لغيرها ومدى اعتماد الفقهاء عليها واعتبارهم لها بكثرة نقلهم عنها على سبيل التقرير لا الرد والنّكير. (1) فيأصول الإفتاء ص29.

عدد الصفحات ١٠٤

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 107 وأكثر ما يُمكِّن الباحث من إدراكِ طبقات الكتب هو البحثُ والتّنقيب، وذلك بمراجعة المسألة الفقهية في عامّة الكتب، بحيث يلاحظ تعامل الفقهاء معها وكيفية عرضهم لها وترجيحهم فيها، فيقدِّر المقام لكلِّ كتاب منها. ومن الأسباب في تفاوت الكتب على درجات وطبقات: 1.اختلاف مناهج المؤلفين في التأليف ، فالمصنفون في العادة حين ألَّفوا كتبهم سَلَكوا منهجاً وطريقةً في تأليفهم لها من اقتص ارهم على المسائل المعتمدة مثلاً، أو جمع المسائل الغريبة والنادرة، أو التمييز بين الغثّ والسَّمين في الفتاوى، أو الجمع والاستقصاء بدون تمييز. فمثلاً: من منهج أصحاب المتون التزام أن لا يذكروا في متونَّم إلا القول الذي صحَّت نسبتُه للمجتهد المطلق، فكانت بهذا ا لوصف مقدمةً على غيرها من الكتب؛ لالتزام أصحابها بهذا، قال ابنُ عابدين (1)« :صرَّحوا بأنَّ ما في المتون مقدم على ما في الشرّ وح، وما في الشروح مقدم على ما في الفتاوى، لكنَّ هذا عند التّ صريح بتصحيح كل من القولين أو عدم التصريح أصلاً، أمّا لو ذكرت مسألة المتون ولم يصرّحوا بتصحيحها بل صرحوا بتصحيح مقابلها، فقد أفاد العلامة قاسم ترجيح الثاني؛ لأنَّه تصحيح صريح، وما في المتون تصحيح التزامي ، والتصحيح الصرّ يح مقدم على التصحيح الالتزامي: أي التزام المتون ذكر ما هو الصّ حيح في المذهب» (1) فيرد المحتار1 :72.

عدد الصفحات ١٠٥

108 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية 2.تفاوت العلماء في العلم وضبطه وإد راكه والتمكن منه ، فيظهر هذا التّ فاوت في تصانيفهم، فتختلف طبقات كتبهم في الاعتماد، قال اللكنوي (1) : «واعلم أنَّه ليس تفاوت المصنفات في الدّ رجات إلا بحسب تفاوت درجات مؤلفيها، أو تفاوت ما فيها، لا بحسب التأخر الزّ ماني والتقدم الزماني، فليس أنَّ تصنيف كل متأخر أدنى من تصنيف المتقدم، بل قد يكون تصنيف المتأخر أعلى درجة من تصنيف المتقدم بحسب تفوقه عليه في الصفات الجليلة» 3.تفاوتُ قدرات العلماء في التّعبير عن مقصدهم بعباراتٍ واضحة ، فمثلاً: يتكلَّم بعبارة موجزةٍ مختصرةٍ لا توصل الفكرة المطلوبة، بل تفيد خلافها، مما يجعل القارئ له على حذر شديدٍ في الاستفادة منه، إلا بعد نظر وفكر ومراجعة للحواشي والشرُّوح، وقد نبَّه اللكنوي إلى هذا فقال (2)« :أما الكتب المختصرة بالاختصارِ المُخل، فلا يُفتى منها إِلا بعد نظر غائر، وفكر دائر، وليس ذلك لعدم اعتبارها، بل لأنَّ اختصارها يوقع المفتي في الغلط كثيراً » وقال(3)« :وكذا لا يجَترأ على الإفتاء من الكتبِ المختصرةِ، وإن كانت مُعتمدةٍ، ما لم يَستعن بالحواشي والشرَّح، فلعلّ اختصاره يوصله إلى الورطة الظَّلماء» (1) فيالنافع الكبير ص30. (2 ) فيالنافع الكبيرص30. (3 ) فيالنافع الكبير ص26.

عدد الصفحات ١٠٦

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 109 4.انقسام الكتب في الفقه إجمالا إلى كتب ألفت من أجل التأصيل والتقعيد؛ للتدريس وضبط المذهب وأمهات مسائله، كما يظهر في كتب المتون وشروحها مثلاً، وكتب للتّ طبيق والتّ فريع والتّ خريج؛ للإفتاء بما يتناسب مع أحوال الناس وزمانَّم، كما يظهر في كتب الفتاوى مثلاً. وهذا يُفسرّ لنا ظاهرةً واضحةً جداً، وهي تأليف كبار العلماء متوناً وشروحاً معتمدة، وفتاوى خالفتها في كثير من المسائل، وذكر فيها مسائل غير معتمدة، وصحّح فيها خلاف ما صحَّح في متنه أو شرحه. وتبدأ هذه الظاهرة بكتب محمد بن الحسن كيف وجدت عنده كتب ظاهر الرواية تمثل التأصيل والتقعيد للمذهب، وكتب غير ظاهر الرواية خالف في كثيرٍ من مسائلها ما في كتب ظاهر الرواية فلم تكن معتبرة، ولعلّ أبرز أسباب المخالفة بينهما راجع للتطبيق. وكذلك نرى هذا واضحاً مع المَرغيناني في «الهداية»حيث يعتبر أبرز كتب المذهب في معرفة المعتمد، خالف فيه ما ذكره في «التجنيس والمزيد»أو«مختارات النوازل»، فلا تعتبر في مرتبة«اداية»في الاعتماد، فيصحح«الهداية»خلاف ما يصحح فيهما، كما في مسألة سقوط الصلاة أو تأخرها لمَن تعذَّر عليه الإيماء وهو مفيقٌ، فصحَّح في «الهداية»تأخيرها، وصحَّح «التجنيس»سقوطها(1). (1 ) فيمراقي الفلاح ص167.

عدد الصفحات ١٠٧

110 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية ومثلُه فعل قاضي خان في «شرح الزيادات »و«الجامع الصغ »حيث يؤصل وي قعد للمعتمد في المذهب بخلاف «فتاواه المشهورة »، حيث يهتم بذكر الوجوه المختلفة وتطبيقات المشايخ للمسائل. وكذلك فعل الصدر الشهيد ابن مازه في «شرح الجامع الصغ »في بيان المعتمد من المذهب بخلاف «الفتاوى الكبرى »و«الفتاوى الصغرى »، حيث يعتني بالجانب التطبيقي للمسائل من فتاوى الفقهاء. وهذا لأنر للفقه جانبان: أ.تأصيليّ: نحتاج إليه في الدراسة والضبط لأمهات مسائل المذهب والقواعد التي بني عليها، ونتعرف فيه على تأصيلات المسائل عند المجتهد المطلق، وكيفية البناء فيها، واعتنت به كتب ظاهر الرواية والمتون والشروح المعتمدة. وكتب هذا الجانب هي الكتب التي يتربّى عليها الطّالب في ضبط العلم، وتكون هي الأصل في معرفة المعتمد مِنَ المذهب، وهي المرجع في ضبط الأصول المعتبرة في بناء المذهب؛ لذلك عندما زيدت بعض مسائل الفتاوى في متون المتأخرين: كـ«نور الإيضاح»و«غررالحكام»و«تنوير ابصار»أثرت سلبياً ع الدَّارسين في تكوين الملكة الفقهية وضبط مسائله وأصوله، فكان الاعتماد على المتون المتقدمة أولى منها.

عدد الصفحات ١٠٨

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 111 ب.تطبيقيّنحتاج إليه في معرفة تطبيقات الفقهاء للمسائل الفقهية في أزمانَّم المختلفة وأماكنهم المتعددة، ونطلع فيها على تخريجاتُم العديدة في المسائل المستجدة، ونرى فيها تفريعهم على أصول المسائل المتنوعة. فهذا الجانبُ يُبينّ لنا كيف نعيش الفقه من خلال تطبيق قواعد رسم المفتي: من ضرورة وتيسير وعرف ومصلحة وتغير زمان، فهو جانب مُكَمِّل ومتمم للجانب التأصيلي، فلا يقدّم عليه في بيان المعتمد من الم ذهب؛ لأنََّّا أُلِّفَت للتطبيق على الواقع، وهو متفاوت، بخلاف المتون والشروح أُلِّفَت؛ لبيان المعتمد من المذهب. قال ابن عابدين(1)« :ولهذا صرَّح علماؤنا بأنَّه لا يُفتى بما في كتب الفتاوى إذا خالف ما في المتون والشروح، وقد ذكر الإمام قاضي القضاة شمس الدّين الحريريّ أحد شرّاح «الهداية»في كتابه«إيضاح الاستدلال على إبطال الاستبدال» نقلاً عن الإمام صدر الدين سليمان: أنَّ هذه الفتاوى اختيارات المشايخ، ف تُعارض كتب المذهب، قال: وكذا كان يقول غيره من مشايخنا، وبه أقول أيضاً » المطلبُ الّ ثاني: طبقاتُ الكتب المعتم دة والمقبولة والمرودة: والكلامُ في اعتبارِ الكتبِ وتقسيمها أمرٌ نسبيٌّ، والمقصود منه خَطّ خطوط عريضة؛ للتّ مييز لدى الباحثين في الفقه الحنفي في درجات اعتبار الكتب، وكيفيّة التَّعامل معها والاستفادة منها، ورأيت أن جَعلها في قسمين من معتبرة وغير معتبرة كما هو شائع غير دقيق، وفيه تشويشٌ كبيرٌ، حيث يجعل كتباً غيرَ معتبرة، (1 ) فيتنبيه الولاة1 :366.

عدد الصفحات ١٠٩

112 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية ويُنزلها إلى درجةٍ كتب غيرِ معتمدة، مع أنَّ بينهما فرق كبير؛ لذلك كان الأفضل أن يكون التَّقسيم ثلاثيّاً، وفي الحقيقة كلُّ قسم منها عبارةٌ عن درجاتٍ متفاوتةٍ أيضاً. وأبين هذا الترقسيم الثُّ لاثيّ في النقاط الآتية: * الطّ بقة الأولى: الكتب المعتمدة: وهي التي تحتوي المسائل المعتمدة في المذهب، ويندر وجود غير المعتبر فيها. أولا : أمثلتها: وتمثل أُمهات كتب المذهب، ومنها: كتب ظاهر الرواية: «الأصل»و«الجامع الصغ »، و «الجامع الكب »، و«السيرالكب»، و«الزيادات»، وشروحها المشهورة وكتب المتون المشهورة: «الكا»للحاكم، و «مختصر الكرخيّ »، و «مخت الطحاوي»، و «مختصر القدوري »، و «بداية المبتدي »، و «الوقاية»، و «الكنز»، و«المختار»، و «المجمع»، و «النقاية»، و «الملتقى»، و «تحفة الفقهاء »، و «غرر الحكام» وغيرها والمبسوطات: «المبسوط»للسرخسيّ، و «المبسوط»للبزدويّ، و «المبسوط» لخُواهَر زادَه، و «المبسوط»لصدر الإسلام، وغيرها والشرُّوح المتينة: «شرح الطّحاويّ »للإسبيجابيّ، و «شرح الطحاويّ » للجصاص، و «شرح الكَرْخيّ »للقُدُوريّ، و «شرح القُدُوريّ »للأقطع، و«الهداية»، و«بدائع الصنائع»، و«الكافي شرح الوا»للنَّسَفيّ، و «شرح الوقاية»

عدد الصفحات ١١٠

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 113 لصدر الشريعة، و«تبيين الحقائق»، و«العناية شرح الهداية»، و«الاختيار»، و«درر الحكام شرح غرر الأحكام»، و«رد المحتار»، وغيرها ثانيا : أسباب اعتبار الكتب: من خلال التجربة والاستقراء والتتبع لعبارات الفقهاء الآتية، يتضح أنَّ من أسباب الاعتبار ما يلي: 1.التزامُ ذكر القول المعتمد فيها إلا نادراً 2.خلوها من الرِّوايات الضّعفية والمردودة والشّاذّة في المذهب 3.عدمُ مخالفتها لظاهر الرِّواية وأُصول المذهب 4.دلالة عباراتُا على المقصود بدون إيهام وخلل إلا نادراً 5.رفعة مكانة مؤلفيها وعلوّ درجتهم في الاجتهاد والفقه 6.قَبول العلماء لها، وكثرة الاعتماد عليها، والاهتمام بها إفتاءً وتدريساً وشرحاً وتعليقاً. ثالثا : تطبيقات للفقهاء عليها: ذكر الباحث هاهنا نماذج لما سبق تقريره في أسماء الكتب وأسباب اعتمادها من عبارات الفقهاء، وهي على النحو الآتي:

عدد الصفحات ١١١

114 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية 1«.المبسوط»لشمس الأئمة محمد بن أحمد السرَّخسي (ت نحو 500هـ)، قال الطرسوسي: ««مبسوط السرََّخْسيّ »لا يعمل بما يخالفه، ولا يركن إلا إليه، ولا يفتى ولا يعوّل إلا عليه »(1). 2«.المبسوط»لصدر الإسلام طاهر بن محمود البخاري، (ت504هـ)،عدّه ابن عابدين(2) من الكتب المعتمدة 3«.تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق »لعثمان بن علي بن محجن الزيلعي، (ت743هـ)، قال اللكنوي (3)« :وهو شرح مُعتمد مقبول »، وعدّه ابن عابدين (4) من الكتب المعتمدة 4«.أصول البَزْدَويّ »لعلي بن محمد البَزْدويّ (ت 482هـ)، قال اللكنوي(5) : «وهو كتاب نفيس معتمد عند الأجلة» 5«.كشف الأسرار شرح أصول البَزْدَويّ »، و«غاية التَّحقيق شرح المنتخب الحُسامي»لعبد العزيز بن أحمد البُخاري، (ت 730هـ)، قال اللكنوي (6)« :هما كتابان معتبران عند الأصوليين، وعليهما اعتماد أكثر المتأخرين» (1) ينظر: شرح عقود رسم المفتي1 :20، وغيره (2 ) فيرد المحتار3 :38. (3 ) فيالفوائد البهية194-195. (4 ) فيالعقود الدرية2 :144. (5 ) فيالفوائد البهية ص124. (6 ) فيالفوائد البهية ص161-162.

عدد الصفحات ١١٢