للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 83 النص الشرعي بتكليف عبادةٍ، وهذه العبادة يترتب على أدائها الوقوع في المشقة، وهذه المشقة مما لا تنفك عنه العبادة، ولا يمكن أداء العبادة إلا بوجودها، فلا يمكن أن نقول بإلغاء هذه المشقة وسقوطها لأنّ تركها هو تركٌ للنص الشرعي، فإذا تُركت المشقة تُركت العبادة فأدى إلى ترك النص لا محالة. قال ابنُ نُجيم (1) :«المشقّة والحرج، إنما يُعت ان في موضع لا نصّ فيه ». وقال علي حيدر(2)«: يجب أن يُعلم أنّ المشقة تجلب التيسير إذا لم يوجد نص، وأما إذا وجد النص، فلا يجوز العمل خلاف ذلك النص بداعي جلب التيسير وإزالة المشقة». بناءً على هذا إذا كانت المشقة غير منصوص عليها، بأن لم يرد في الشرع الأمر به ا، وكانت خارجة عن العبادة، بأن أمكن تأدية العبادة بدون هذه المشقة وكانت منفكة عن العبادة، كالصلاة في الحرِّ والبرد، والمشقة الواقعة في السفر لأداء مناسك الحج، والوضوء والغسل بالماء البارد، حينئذٍ جاز لنا أن نعتبر هذه المشقة سبباً في تخفيف الحكم؛ لأن هذه المشقة غير مقصودة ولا منصوص عليها. 2. أن تكون المشقّة خارجة عن العبادة، بحيث يمكن أن تنفك عنها العبادة حتى تعتبر المشقة مؤثرة على الحكم لا بد أن تكون خارجة عن العبادة، ويمكن أداء العبادة بدونَّا، أما المشاق الداخلة في حقيقة العبادة بحيث لا يمكن (1 في )الأشباه والنظائر ص72. (2) درر الحكام في شرح مجلة الأحكام1 :36.
عدد الصفحات ٨١84 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية أداء العبادة إلا بها فهذه المشقة لا تعتبر أبداً في تغيير الحكم أو إسقاطه، لأن سقوط المشقة يعني سقوط العبادة. فالمشاق بحسب انفكاكها عن العبادة على نوعين: النّ وع الأوّ ل: إما أن لا تنفك عنها العبادة أبدا ، بحيث لا يمكن تأدية العبادة إلا مع وجود المشقة، فهذه المشقة لا أثر لها ولا تأثير في إسقاط العبادة أبداً، قال ابن نجيم: «المشاق على قسم: مشقة لا تنفك عنها العبادة غالبا ، كمشقة البرد في الوضوء والغُسل ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، ومشقة السفر التي لا انفكاك للحج والجهاد عنها، ومشقة ألم الحد ورجم الزناة، وقتل الجن اة وقتال البغاة، فلا أثر لها في إسقاط العبادات في كل الأوقات»(1). والنوع الثاني: أن تكون المشقّة خارجة عن العبادة ، بحيث يمكن انفكاكها عن العبادة غالباً، هذا النوع يمكن للمشقة أن تؤثر فيه على الحكم وتغيره؛ لأن المشقة جاءت بسبب خارج عن العبادة. 3.أن تكون اشقة كبيرة غير محتملة أو يمكن احتمالها ولكن مع لحوق ضرر: وهذه المشقة الخارجة عن العبادة والطارئة عليها تنقسم بحسب قوتُا وضعفها على ثلاث مراتب وهي: أ.مشقة عظيمة فادحة ، يظهر أثرها في هلاك النفس أو فوات الأطراف ومنافع الأعضاء، فهذه المشقة معتبرة وموجبة للتخفيف، ويسقط بسببها وجوب (1) ينظرالأشباه والنظائر ص70- 71.
عدد الصفحات ٨٢للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 85 العبادة، مثاله إذا لم يتسير الحج إلا من طريق البحر، وغلب على الطريق عدم السلامة، فعندها لا يجب الحج لعدم أمن الطريق. ب.مشقة خفيفة، كالوجع البسيط الحاصل بتأدية العبادة أو تعكر المزاج، فهذه المشقة لا التفات لها ولا اعتبار بها في اسقاط شي ء من العبادات، كالوجع البسيط في الأصبع أو الصداع في الرأس أو تعكير مزاج خفيف، فلا تؤثر هذه في الحكم ولا يلتفت إليها؛ لأن تحصيل مصالح العبادات أولى من دفع مثل هذه المفاسد التي لا أثر لها. ج.مشقة متوسطة، وتكون بين هاتين المشقتين، وضابطها يظهر في حصول مرضٍ أ و زيادة مرض أو خشية وقوع مرض، فهذه المشقة معتبرة ومؤثرة في الحكم ومبيحة لترك العبادة، كالمريض في رمضان يخاف إن صام زيادة في مرضه أو تأخر في الشفاء فجاز الفطر له، ومثله في المرض الذي يبيح التيمم(1). ومن تطبيقات المشقة في الطرهارة: ـ مسألة: طهارة مياه الآبار إذا وقع فيها روث الحيوان: الأصل في المذهب أنّه إذا وقع بعرُ مأكول اللحم في ماء قليل فإنه يُنجّسه بمجرّد الوقوع، ولكنهم استثنوا مياه الآبار استحساناً للضَّورة ورفعاً للحرج فحكموا بطهارة مائها(2). (1) ينظر: الأشباه والنظائر ص70- 71. (2) ينظرالاختيار في تعليل المختار 1 :24.
عدد الصفحات ٨٣86 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية وجه الاستثناء أنّ ماء البئر يُعتبر قليلاً، فإذا وقع فيه بعرٌ ولو قلّ فالأصل هو الحكم بنجاسة ماء البئر وهو القياس في المذهب، إلا أنَّم تركوا العمل بالقياس للمشقة، وحكموا بطهارة ماء البئر إذا كان البعر الواقع قليلاً. قال الزّ يلعي(1)« :لا يُنزح ماء البئر بوقوع بعرتي إبل وغنم فيها، وهذا استحسان والقياس أن يتنجس الماء مط لقاً لوقوع النجاسة في الماء القليل كالإناء» وتعليلهم جاء للضَّورة، لذلك لم يُفرّقوا في معتمد المذهب بين البعر المتكسرّ والصحيح، والرطب واليابس، والروث والبعر والخثي (2). حتى أنَّّم أطلقوا الحكم في جميع الآبار، فلم يُفرّقوا في الصحيح من المذهب بين آبار الفلوات والآبار التي في المصر لاشتراكهما بعلة الضَّورة(3). ـ مسألة طهارة الخفّ المتنجّس بالدلك سواء كانت النجاسة يابسة أو رطبة: إذا أصاب الخفَّ نجاسةٌ جافة أو رطبةٌ ثم جفت، فدلكه بالتراب طهر، وهذا هو القياس وما عليه أصل المذهب(4). أما إذا كانت النجاسة على الخف رطبة له ا جِرمٌ ففركها بالتراب، فإنه لا يطهر بناءً على أصل المذهب؛ إذ لابد من غسلها لتطهر، وهذه رواية «الأصل»(5)، (1) ينظر: تبيين الحقائق1 :118. (2) ينظر: بدائع الصنائع1 :76. (3) ينظر: تبيين الحقائق1 :118. (4) ينظر: الاختيار1 :45. (5) ينظر: المحيط البرها1 :203 .
عدد الصفحات ٨٤للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 87 وهو ما جرت عليه عامة المتون والشروح في المذهب (1)، وهذا هو القياس المذهب، إذ لا يطهر الخف من النجاسة الرطبة إلا بالغسل بالماء فقط. إلا أنه ل لمشقة الحاصلة وكثرة الابتلاء بما يصيب خِفاف الناس من النجاسات الجامدة والرطبة، وقع التيسر في تطهير النعل الذي أصابته النجاسة الرطبة التي لها جِرمٌ، فلو مسحه بالأرض بحيث لا يبقى للنجاسة أثرُ حينئذٍ يحكم بطهارته لعموم البلوى، وهذه رواية عن أبي يوسف رحمه الله، إذ لم يشترط جفاف النجاسة لتطهيرها(2). قال الموص (3)« :من غير فصلٍ بين اليابس والرطب والمستجد وغيره للضَّورة العامة، وعليه أكثر المشايخ»، وتابعه الشرُُّنب (4) وذكر أنّ أكثر مشايخ المذهب عليها وهي المختارة للفتوى. ـ مسألة: اعتبار بول الهرة والفأرة عفوٌ في الثياب: بول الهرة والفأرة نجسان لحرمة أكل لحمها، والأصل في حكم نجاسة بولهما أن يعم جميع ما يقع عليه فيُحكم بتنجسه، إلا أنّ بعض فقهاء المذهب استثنوا ما إذا وقع بول الهرة والفأرة على الثياب وما شابهها فحكموا بأنه عفوٌ، وذلك للمشقة في التحرز عن إصابته الثي اب ولعموم البلوى كونَّما من الطوافين في البيوت. (1) ينظر: العناية1 :196. (2) ينظر: العناية1 :196. (3) في الاختيار1 :45. (4) في مراقي الفلاح ص 68.
عدد الصفحات ٨٥88 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية أما حكم بول الهرة والفأرة في أواني الماء فهو نجس على أصل الحكم؛ لأن عادة الناس أنَّم يحتاطون في أواني الماء بتغطيتها فبقي الحكم على أصله وهو نجاسة بول الهرة والفأرة لانتفاء المشقة وعدم عموم البلوى في أواني الماء. والحكم بعدم نجاسة الثياب ببول الهرة والفأرة، وأن بولهما عفوٌ في غير أواني الماء هو قول الفقيه أبي جعفر الطحاوي، وأقره عليه ابن الهمام في الفتح، قال ابنُ نُجيم(1) :«وفي الخلاصة: إذا بالت الهرة في الإناء أو على الثوب تنجس وكذا بول الفأرة، وقال الفقيه أبو جعفر: ينجس الإناء دون الثوب اهـ» وصحَّح ابنُ الهُمام هذه الرِّواية، وعللها بقوله «وهو حسن لعادة تخم الأواني»، وبعد أن ذكر اختلاف المذهب في حكم بول الهرة على الثياب، جزم بصحة هذه الرواية فقال: «والحق صحتها»(2). بل جعل الحصكفي الفتوى على هذه الرواية وأيده ابن عابدين(3). واستثناء بول الفأرة في الثياب رواية عن الإمام محمّد، قال البرُها (4)« :وعن محمد أنه قال: ولا أرى ببول الفأرة بأساً، وذهب في ذلك إلى أن البلوى في بولها ظاهر، وإن وجد رائحته في الثوب، ولا يستيقن فالتنزه أولى، وإن صلى فيه لم أقل بأنّ ه لا يجزئه» (1) في البحر الرائق1 :241، وينظر: رد المحتار1 :319. (2) ينظر: فتح القدير1 :208. (3) في رد المحتار 1 :319. (4) في المحيط البرها1 :188.
عدد الصفحات ٨٦للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 89 وأما وجه التّ فريق بين نجاسة بول الفأرة في الأواني دون الثياب هو الضَّّ ورة والمشقة في صعوبة التّ حرز عن بولها في الثوب؛ لأن صيانة الثوب وحفظه يكون بثوب آخر يُلف حوله، فإذا حفظ بهذه الطريقة وأصابه البول، فإنه يصل إلى الثوب الأسفل ويتنجس، فصار حفظ الثياب عن بول الفأرة غير ممكن، فحكم بالعفو في بول الفأرة على الثياب للضَّورة(1). ـ مسألةسقوط وجوب إيصال الماء إلى ضفيرة المرأة عند الغسل: يجوز أن تقتصر المرأةُ في الغُسل الواجب على إيصال الماء إلى أصل شعرها فقط، من غير أن توصله لجميع الشعر إذا كان ضفائر. ومع أ نّ الأصل والقياس وجوب وصول الماء لجميع الشعر، إلاّ أنّ هذا الاستثناء جاء من باب التخفيف رفعاً للحرج والمشقة المترتب على نقض ضفيرتُا عند كلّ غسل. قال الزيلعي (2)« :ولا تنقض ضفيرة إنْ بُلَّ أصلها؛ لأنّ ضفيرتُا إذا كانت مشدودة فتكليفُها نقضها يؤدي إلى الحرج؛ لأنّه مضفّر فيلحقه الحرج» وهذا فيما إذا كانت الضفيرة مضمومة إلى بعضها، أما إذا كانت منقوضة فعندها يجب أن يصل البلل إلى جميع الشعر، كما في اللّ حية الخفيفة لزوال المشقة والحرج(3). (1) في المحيط البرها1 :188. (2) في تبيين الحقائق1 :14-15. (3) ينظر: شرح الوقاية2 :40.
عدد الصفحات ٨٧90 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية وهذا هو المصحّح في المذهب (1)، وينصون عليه احترزاً به عن رواية وجوب بلِّ الشعر والعصر ثلاثاً، وهي رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة(2)، قال صدر الشريعة: «وقوله: ولا بلها، قال بعض مشايخنا: تبل ذوائبها وتعصرها، لكنّ الأصح عدم وجوبه»(3) . ـ مسألة: جواز التيمم للصحيح إذا خاف من استعمال الماء البارد داخل المصَّ: من الأسباب المبيحة للتيمم الخوف من الأذى بسبب استعمال الماء البارد(4)، ولكن هل هناك فرقٌ في الحكم بين خارج المصر فيرخص له التيمم لانعدام آلة التسخين عادةً، أم أنّ الحكم يدخل فيه من هو داخل المصر إذا انعدمت آلة التسخين عنده؟ اتفق أصحابنا على جواز التيمم خارج المصر بسبب برد الماء، وأما في داخل المصر فذهب الإمام أبو حنيفة لجوازه لأن عجزه عن استعمال الماء البارد ثابتٌ داخل المصر كما هو خارج المصر، إذ العبرة بوجود العجز والمشقة(5)، وبهذا علّل صاحب «البناية» قول أبي حنيفة: «إذ الغرض خوف الهلاك مع وجود الماء (1) ينظر: البناية شرح الهداية1 :323. (2) ينظر: تبيين الحقائق1 :15. (3) ينظر: شرح الوقاية1 :39-40. (4) ينظر: الجوهرةالنيرة 1 :22. (5) ينظر: الاختيار1 :28.
عدد الصفحات ٨٨للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 91 ومشروعية التيمم لدفع الحرج وهو شامل لهما»(1). أما الصاحبان فذهبا إلى أنّ العجز والمشقة داخل المصر نادرٌ ولا عبرة بالقليل النادر. قال المرغيناني: «ولو كان في المصر فكذلك عند أبي حنيفة رحمه الله تعا خلافاً لهما، هما يقولان إن تحقق هذه الحالة نادر في المصر فلا يعتبر، وله أنّ العجز ثابت حقيقة فلا بد من اعتباره»(2). وليس الهلاك فقط هو العذر المبيح للتيمم في المذهب، بل جاز له التيمم إن خاف على نفسه المرض أو زيادة المرض أو تأخر الشفاء (3). واستدلالجصاص؛ لقول أبي حنيفة بالتيمم في المصر للبرد بحديث المشجوج الذي أجنب فأفتاه أصحابه بالاغتسال، فعن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النّبيّ أُخبر بذلك فقال «قتلوه قتلهم الله أ سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العِيِّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو » يعصب، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده«(4)، فقال: «وهذا الحديث يدل (1) ينظر: البناية1 :519. (2) في الهداية1 :27. (3) ينظر: المحيط البرها1 :146، والمبسوط1 :112. (4) فيسنن أبي داود1 :93، وقال في الخلاصة: رواه أبو داود والدارقطني بإسناد كل رجاله
عدد الصفحات ٨٩92 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية أيضاً على صحة قول أبي حنيفة في جواز التيمم للصحيح في المصر إذا خشي ضرر الماء لأجل البرد؛ لأن المعنى الذي من أجله أجاز النبي التيمم للمشجوج السفر مع وجود الماء، كان خوف الضَّّ ر»(1). ـ مسألة التيمم بسبب البرد هل هو مقيّدٌ في حالة الغُسل فقط دون الوضوء، أم أنه مطلق وجائزٌ حتى في الوضوء؟ لا خلاف في المذهب على جواز التيمم لمن وجب عليه الغُسل، ولكن إذا خاف المُحدث ولو كان داخل المصر على نفسه الهلاك إذا استعمل الماء البارد، هل يجوز له التيمم؟ اختلفت عبارات فقهاء المذهب في التخريج على قول الإمام في هذه المسألة، بسبب عدم وجود النقل عن الإمام بخصوص هذه الحالة، وعبارات المتون تُصرِّح بحالة الغُسل ولا تذكر ما لو كان محدثاً، فقد اتفقت عبارات أكثر المتون ـ كـ«الهداية»و«القدوري»ـ على ذكر حال إذا خاف الجنب من البرد أن يقتله جاز التيمم له (2)،فأطلقت المتون حال الغسل ولم تذكر حالة المحدث، فكان هذا الإطلاق في العبارة سبباً في اختلاف التَّخريج على حالة المحدث. ثقات، وقال في المقاصد: وأخرجه اب ن حبان وابن خزيمة في صحيحهما. ينظر: الحسن الصنعاني، فتح الغفار الجامع لأحكام سنة نبينا المختار1 :163. (1) في شرح مختصر الطحاوي1 :445. (2) ينظر: اللباب1 :31، والبناية1 :518.
عدد الصفحات ٩٠للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 93 وقد ذكر قاضي خان الخلاف فقال: «وأما المُحدث في المصر فاختلفوا فيه على قول أبي حنيفة في المحدث، اختلاف الرواية، يجُوّزه شيخ الإسلام ـ أي خُواهَر زاده ـ، ولم يجوزه الحَلْوانيّ »(1). وأكثر المخرِّجين جزم بعدم جواز التيمم للمحدث في المصر، بل نقل الإجماع في المذهب عليها؛ إذ لاحرج معتبر في التوضؤ بالماء البارد، ولكن الحرج في الغسل بالماء البارد(2)، ونقل صاحب«الجوهرة النيرة»الإجماع على ذلك(3) . إلاّ أنّ بعض شرّاح «الهداية»نظر إلى اعتبار تحقق المشقة، فلو وقعت المشقة فلا فرق في جواز التيمم بين الغسل والحدث لاستوائهما في حالة المشقة، وذهب إلى هذا التعميم صاحب «البناية»فقال عند شرحه لعبارة«الهداية»الآنفة الذكر «ذَكَر الجنب ولم يذكر المحدث، قال «الأسرار»إنَّما سواء على قول أ حنيفة»(4). والتحقيق أنّ المعتمد في المذهب والمفتى به هو رأي الأكثر من المحققين، وهو عدم جواز التيمم للمحدث داخل المصر في حالة البرد، كما حقَّقها ابن نجيم(5). (1) ينظرالبناية 1 :518. (2) وممن جزم بعدم الجواز ابن نجيم في البحر الرائق1 :148. (3) ينظرالجوهرة 1 :22، وتابعه الميدا في اللباب 1 :31. (4) ينظرالبناية شرح الهداية 1 :518. (5) ينظرالأشباه والنظائر ص 70- 71.
عدد الصفحات ٩١94 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية إلا أنّ هذا الاختلاف على التخريج على قول الإمام بين مَن يجوّز التيمم ولا يجوّزه داخل المصر للمحدث كانت علّته اعتبار المشقّة، فمَن اعتبر الغالب العام حَكَم بعدم الجواز، وذلك لندرة تح قّق المشقّة داخل المصر باستعمال الماء البارد وعدم القدرة على التَّسخين، ولا حكم للنادر. ومَن التفت إلى وقوع المشقّة ولو مع ندرتُا حكم بجواز التيمم؛ لأن المشقّة واقعة، فالحكم واحد داخل المصر كما هو خارجه لاشتراكهما في وجود المشقّة. ومما سبق تبين يُسر المذهب؛ لمراعاتُم جانب التَّيسير ورفع المشقّة، ولا بُدّ أن تتوافر ضوابط للمشقّة حتى تؤثر في الحكم الشرَّعي، وهي أن لا تصادم نصّاً شرعيّاً، وأن لا يعود اعتبارها لإلغاء النَّصّ الشرَّعي، وأن تكون المشقّة خارجةً عن العبادة، بحيث يُمكن أن تنفك عنها العبادة، وأن تكو ن المشقّة كبيرة غير محتملة أو يُمكن احتمالها ولكن مع لحوق ضرر، وهذا يجعل المشقّة مغيرّة للحكم الشرعيّ. * * *
عدد الصفحات ٩٢للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 95 الفصل الثّالث التررجيح بالطّ بقات والوظائف إنّ طبقات المسائل وطبقات الكتب و طبقات الفقهاء ووظائف المجتهدين مباحث متعلقة بأصول التطبيق «رسم المفتي»؛ لأنَّّا تمثّ ل الجانب العمليّ التّ طبيقيّ للفقه، فلا سبيل لنا للترجيح بين الأقوال الفقهية إلا به، ولا فهم الخلاف الحاصل بين علماء المذهب إلا من خلاله، ولا إعمال للفقه في الواقع بدونه، فهو أقربُ ما يكون بالروح للفقه؛ إذ بدونه لا حياة له. ونعرض في هذا الفصل هذه الطربقات في المباحث الآتية:
عدد الصفحات ٩٣96 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية
عدد الصفحات ٩٤للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 97 المبحثالأور ل طبقات المسائل شاع التّمييز بين مسائل المذهب، فمنها مسائل ظاهر الرِّواية، ومنها مسائل غير ظاهر الرِّواية، ومنها مسائل النَّوادر، ومنها مسائل النَّوازل، وهي متفاوتةٌ في درجتها واعتبارِها، فما كان من مسائل ظاهر الرِّواية، فهي راجحةٌ بترجيح محمّدِ بن الحسن لها؛ لأنّ ما ذكره من المسائل في كتب ظاهر الرِّواية كان ترجيحاً له، وما كان في غير ظاهر الرِّواية كان مرجوحاً يُعمل فيه لضَّورةٍ أو عرف. وأمّا مسائلُ الواقعات والنَّوازل، ف هي تخريجاتٌ وفتاوى المشايخ بعد أصحاب أبي حنيفة إلى يومنا، ودرجتُها أقلّ مما نُقِل عن الإمام أبي حنيفة وأصحابه سواء في ظاهر الرِّواية أو في غير ظاهر الرِّواية؛ لأن المشايخ أقل درجة في الاجتهاد من أبي حنيفة وأصحابه، فكان مسائلهم أقلّ رتبةً منه، ويُستفاد منها فيما لم يُنصّ عليه من أئمة المذهب، وفيما كان فيه ضرورة وعرف. ونعرض ما يتعلرق بطبقات المسائل في المطالب الآتية:
عدد الصفحات ٩٥98 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية المطلب الأوّل: طبقةُ مسائل ظاهر الرِّ واية: ويُطلق عليها أيضاً: رواية الأصول، وظاهر المذهب: وهي مسائل رُويت عن أصحاب المذهب، وهم: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد، وقد يُلحق بهم زُفرُ والحسنُ وغيرُهما ممَّن أخذ الفقه عن أبي حنيفة، لكنَّ الغالب الشَّائع في ظاهر الرِّواية أن يكون قول الثَّلاثة أو قول بعضهم، وسُمّيت بظاهر الرَّواية؛ لأنََّّا رُويت عن محمّد برواية الثِّقات، فهي ثابتةٌ عنه إمّا متواترةٌ أو مشهورةٌ (1) . وكلام محقِّق «الأصل»يشير إلى عدم ذكر الحسن في ظاهر الرواية، حيث قال(2)« :يذكر الإمام محمّد في الكتاب آراء أستاذيه أبي حنيفة وأبي يوسف ورأيه مواضع كثيرة جداً مِنَ الكتاب، ويذكر نادراً آراء غيرهم مثل: زفر وابن أبي ليلى وسفيان، ويذكر نادراً قول أهل المدينة» والرّاجح أن كتب ظاهر خمسة كتب، فلم يعدّ «السير الصغ»منها، واختار ابن مازه(3)، وطاشكبرى زاده(4)، وحاجي خليفة(5)، والحموي(6)، ولأننا عند مقابلة كتاب «الس الصّ غير» المطبوع(7) مع «كتاب السير» من كتاب (1 ) فيشرح رسم المفتي ص16. (2) محمد بوينوكالن، مقدمة الأصل1 :113. (3 ) فيالمحيط البرها1 :29. (4 ) فيمفتاح السعادة2 :237. (5 ) فيكشف الظنون2 :1283. (6 ) فيغمز عيون البصائر4 :322. (7) ينظر:طبعة السير الصغ،ت:مجيد خدوري،الدار المتحدة للنشر،بيروت، 1975م، ط1.
عدد الصفحات ٩٦