للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 67 فهذه الأمثلة توضح وجود علامات فارقة بين الرَّجل والمرأة، مثل التزين فهو خاص بالمرأة، فإن فعله الرَّجل كان متشبهاً، وكذلك التخنيث؛ لأنَّه مشابهة المرأة في سلوكها، فهو من التشبه فيمنع منه، وكل هذا يندرج تحت أصل التشبه الممنوع بين الجنسين. ـ مسألة: قص المرأة شعر رأسها: إن قصَّ المرأة لشعر رأسها من المباحات ما لم يشبه شعر الرِّجال؛ لما فيه من صلاح العباد من تزيّن المرأة لزوجها، وقد ورد بعض العبارات في كتب الحنفية تمنع المرأة من حلق شعرها، فاستُنِد في تحريم تقصير المرأة شعرها لها، ولما فيه من التَّشبُّه بغير المسلمين، ومن هذه العبارات: ذكر في «النَّوازل»في كتاب النكاح: سُئِل أبو بكر الفضلي عن امرأة قطعت شعرها قال: عليها أن تستغفر الله تعالى وتتوب ولا تعود إلى مثله، قيل: فإن فعلت ذلك بإذن زوجها، قال: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، قيل له: لم لا يجوز ذلك لها: قال: لأ نََّّا شبهت نفسها بالرجال، وقد قال النّبيّ « :لعن اللهُ تعا المتشبهين من الرِّجال بالنِّساء، والمتشبهات من النِّساء بالرِّجال »(1)، ولأنَّ الشَّعر للمرأة بمنزلةِ اللحية للرَّجل، فكما لا يحلّ للرَّجل أن يقطع لحيته لا يحلُّ للمرأة أن تقطع شعرها، قيل له: وإ ذا وصلت المرأة شعرها بشعر غيرها قال: لا يحلُّ لها ذلك»(2). محمودية4 :174،4 :83. (1) في صحيح البخاري7 :159، وسنن أبي داود4 :60. (2) ينظر: نصاب الاحتساب ص143.
عدد الصفحات ٦٥68 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية قال الحَصْكَفيُّ (1)« :و«المجتبى« :»قطعت شعر رأسها أثمت ولعنت، زاد في «البزازية»وإن بإذن الزوج؛ لأنَّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولذا يحرم على الرَّجل قطع لحيته، والمعنى المؤثر التَّشبُّ ه بالرِّجال » ويُمكن مناقشة هذه النُّصوص بما ي أ.إنَّ هذه النصوص في منع المرأة من الحلق في الحجّ كما هو السُّنَّة للرَّجل، قال تعالى: (محَُلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصرِِّينَ ) [27] : «إنَّ رسول ا قال: اللهم ارحم المحلقين، قا لوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: والمقصرين»(2)، كما ورد عن عليّ قال«نَّى رسول ا أن تحلق المرأة رأسها»(3)، فليس ع المرأة للتَّحلُّل أن تحلقَ شعر رأسها، كما هو الحال للرَّجل؛ لأنَّ شعرَ رأسها زينة لها، ولم تؤمر بإزالة زينتها للتَّحلل، كما أنَّ اللحية للرَّجل زينة له فلم يؤمر عند التَّحلل بحلقها، فكان حلق شعر رأسها من المثلة لها،قال المَرغينانيُّ (4)« :ولأنَّ حلق الشَّعر في حقِّها مثلة، كحلق اللحية في حق الرِّجال » (1) في الدر المختار6 :407. (2) في صحيح مسلم2 :945، وصحيح البخاري2 :616. (3) في سنن الترمذي3 :248، وسنن النسائي الكبرى8 :312، ومسند البزار2 :92، وقال وهذا الحديث لا نعلم أحداً تابع معلى بن عبد الرحمن على روايته وقد حَدَّثَ عَنْ عَبْدِ الحَْمِيدِ بِأَحَادِيثَ لمَْ يُتَابَعْ عليها. (4) في الهداية4 :274، مع البناية
عدد الصفحات ٦٦للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 69 ب.إنَّ الحلقَ ممنوعٌ للمرأة ا فيه الشناعة والبشاعة للمرأة، فيذهب جمالها وزينتها، قال السرََّخْسيّ (1)« :ولأنَّ الحلق في حقها مثلة، والمثلة حرام، وشعر الرأس زينة لها كاللحية للرَّجل فكما لا يحلق الرَّجل لحيته عند الخروج من الإحرام لا تحلق هي رأسها »، وقال القاري (2)« :وذلك لأنَّ الذوائب للنساء كاللحى للرِّجال في الهيئة والجمال » وهذا يبينّ لنا أنَّ المنع من الحلق كيلا يؤدي إلى إزالة زينة المرأة، ويعتبر من التَّمثيل بها: كحلق الرأس تماماً مثلاً، أو التقصير بما يشبه الرِّجال، وأمَّا ما يعدُّ من التقصير من باب زيادة جمال المرأة ويُرغب الرَّج ل فيهافلا شكّ أنَّه مستحنٌ لا سيما إذا طلب منها زوجها ذلك. ج.إن مصطلح الحلق يستخدم ويُراد به إزالة الشَّعر تماماً، وهذا ممنوعٌ، وليس المقصود به تقصير المرأة للتزيُّن لزوجها، فيكون المقصود بقطعت شعرها: أي حلقته، والتَّقصير بقصِّ بعض الشَّعر حاصلٌ في كلّ زما ن ومكان للمرأة؛ لأنَّ المرأة لا بُدّ لها في كلِّ مدّة من الزَّمن أن تزيلَ الزَّائدَ من شعر رأسها، ويرجع مقداره للعرف في ذلك بما لا يؤدّي إلى إزالة زينتها، فعُلِم أنَّ التَّقصير غير مقصود من المنع عند الفقهاء. د.إن استدلال الفقهاء: لا طاعة لمخلوق... ولعن الله تعالى المتشبهين.... يدلُّ على أنََّّا شابهت الرَّجل بأن حلقت تماماً أو قصرّت مثل الرَّجل وأزالت (1) في المبسوط4 :33. (2) في مرقاة المفاتيح7 :2845.
عدد الصفحات ٦٧70 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية جمالها، فكان ما تفعله معصية، بخلاف ما لو قصرّت شعرها بما يزيد جمالها في نظر زوجها، فلن تكون واقعة تحت هذا النهي. هـ.صرَّح الفقهاء أنَّ العلة المؤثرة في تحقيق الإثم هو تشبه المرأة بالرَّجل، وهذا يكون بالحلق والتَّقصير بما يشبه الرِّجال، قال ابن عابدين (1)« :العلة المؤثرة إثمها التَّشبُّه بالرِّجال، فإنَّه لا يجوز كالتَّشبه بالنَّساء »، وانتفاء التشبه في تقصيرها ينفي الإثم. و.إن الكتب التي ذكرت هذا سواء «النوازل»أو«البزازية»فإنََّّا من كتب الفتاوى، ومعلوم أنَّه لا يؤخذ بكلِّ ما فيها ما لم نجد لها أصلاً فقهياً نبني الحكم عليه، قال ابن عابدين: «ولهذا صرَّح علماؤنا بأنَّه لا يُفتى بما في كتب الفتاوى إذا خالف ما في المتون والشروح، وقد ذكر الإمام قاضي القضاة شمس الدّ ين الحريريّ أحد شرّاح «الهداية»في كتابه«إيضاح الاستدلال على إبطال الاستبدال» نقلاً عن الإمام صدر الدين سليمان: أنَّ هذه الفتاوى اختيارات المشايخ، ف تُعارض كتب المذهب، قال: وكذا كان يقول غيره من مشايخنا، وبه أقول أيضاً »(2).وقال اللكنويّ«ينبغي للمفتيأن يجتهد في الرجوع إلى الكتب المعتمدة، ولا يعتمد على كلِّ كتاب، لا سيما الفتاوى التي هي كالصحاري ما لم يعلم حال مؤلفه وجلالة قدره»3). (1 ) فيرد المحتار6 :407. (2) ينظرتنبيه الولاة و الحكام ص 366. (3) ينظرالنافع الكبير ص26.
عدد الصفحات ٦٨للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 71 س.إنَّ هذا المسألة نقلت في الكتب غير المحققة والمنقحة مسائلها مثل:«المجتبى»و«الدر المختار »للحصكفي، قال اللكنوي «طالعت«القنية» و«المجتبى»فوجدتُما على المسائل الغريبة حاويين، ولتفصيل الفوائد كافيين، إ أنَّه صرَّح ابن وهبان وغيره: أنَّه معتزلي الاعتقاد، حنفي الفروع، وتصانيفه غير معتبرة ما لم يوجد مطابقتها لغيرها؛ لكونَّا جامعة للرطب واليابس»(1).وقال ابن عابدين: ««الدر ا ختار»، و «الأشباه والنظائر »ونحوها فإنََّّا لشدة الاختصار والإيجاز كادت تلحق بالألغاز مع ما اشتملت عليه من السقط في النقل في مواضع كثيرة وترجيح ما هو خلاف الرَّاجح، بل ترجيح ما هو مذهب الغير مما لم يقل به أحد من أهل المذهب»(2)، والله أعلم وعلمه أحكم ـ مسألة: حلق الرجل لحيته وتقصيرها: فإن كان في العرف أنَّ حالق لحيته متشبهاً بالنِّساء في نظر المجتمع فيلحق بالتَّشبه بالنساء، ويكون عليه حكم التشبه من الكراهة التنزيهة في مشابهة الفعل أو الكراهة التحريمة إن وجد القصد منه، ما لم يصل التشبه بالنساء في حلق اللحية إلى كونه خارم للمروءة، فحينئذ يكون مكروهاً تحريماً. ولا شك أنَّ تطبيق مثل هذا الأصل يتفاوت من مجتمع لآخر، والظاهر أنَّ عامة المجتمعات في هذا العصر لم يَعد الحلق للحية تشبهاً بالنساء فيها، وبالتالي لا يتأثر بأحكام التَّشبُّه بالنساء، وإن وجدنا مجتمعاً يعدّ الحلق من التشبه بالنساء فينطبق عليه حكمه السابق، والله أعلم. (1) الفوائد البهية ص349. (2)شرح عقود رسم المفتي1 :13.
عدد الصفحات ٦٩72 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية وقد تعارضت بعض النصوص من كتب متأخري الحنفية فيما يتعلق بحلق أو تقصير اللحية، فمرّ في المسألة السابقة حرمة ذلك عن «البزازية»و«النوازل» وظهر لنا في مسألة تقصير المرأة شعرها أنَّ مبنى المسألة ع المثلة؛ لما فيها من التَّقبيح للمرأة وإزالة جمالها، فيكون هذا المعنى موجوداً في اللحية كذلك، وقضية القبح والجمال مردها للعرف إجمالاً، فإن كان تقصير الرَّجل لحيته أو حلقها لا يعد مثلة في العرف، لم تعد هذا الحرمة قائمة، وهذا ما أجاب به ابن العماد عندما «سئل في شهادة محلوق اللحية هل تقبل أم لا؟ فقال: لم أجد نقلاً صريحاً في المسألة مع ضيق الوقت وكثرة الأشغال، فإن كان حلق اللحية يخُِلُّ بالمروءة يُمنع القبول، وإلا فلا، قال في «المنح»ما يخُِلُّ بالمروءة يمنع قبولها، والمروءة أن لا يأتي الإنسان بما يعتذر منه مما يبخسه عن مرتبته عند أهل الفضل اهـ، ومثله في «البحر»، قال«غاية البيان»قال محمد: وعندي المروءة الدِّين والصلاح»(1)، ومعلوم أنَّ المروءة مرجعها للعرف وما ورد في بعض روايات أحاديث اللحية يبين أنَّ السبب في إعفاء اللحية، هو مخالفة المشركين، فعن ابن عمر قال « :خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى»(2)، وعن أبي هريرة، قال« :جزوا الشوارب وأرخوا اللحى (1) ينظر: تنقيح الفتاوى الحامدية 1 :429، ولم يوافق ابن عابدين ابن العماد على التأصيل للحية، والفقه في المسألة مع ابن العماد، والله أعلم. (2) في صحيح مسلم1 :222.
عدد الصفحات ٧٠للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 73 خالفوا المجوس »(1)، قال ابن الهمام (2)« :فهذه الجملة واقعة موقع التعليل »أي جملة: «خالفوا المشرك»، أو«خالفوا المجوس» وهذا صريحٌ في النَّصّ بأنَّ علَّةَ الإعفاء هي المخالفةُ لغير المسلمين على اختلاف أصنافهم من مشركين أو مجوس أو أهل كتاب، وهذه العلَّة في المخالفة تفيد الإثم إن كان حلق اللحية شعاراً لهم ويقصد التشبه بهم ويفعله ابتداءً وليس عرفاً عاماً في المجتمع، ولم يبق شيءٌ من هذه الضوابط عم وماً، فلم يعد الحلق شعاراً لغير المسلمين، بل إنَّ رجال الدِّين عندهم مشهورون بإطالة اللحى فأصبحت المخالفة تقضتي عدم الإطالة، ولا يُقصد التشبه بغير المسلمين في الحلق، وصار الحلق والتقصير عرفاً عاماً في المجتمع، فلم يبق الحكم لهذه العلة كما كان، والله أعلم. * * * (1) في صحيح مسلم1 :222. (2) في فتح القدير2 :348.
عدد الصفحات ٧١74 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية
عدد الصفحات ٧٢للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 75 المبحث الثر اني قاعدة الضرر ورة تُعَدُّ الضَّورة من الأصل الكبير في قواعد علم رسم المفتي، ومعلومٌ أنَّ الضََّّ ورة مغيرةٌ للأحكام بخلاف العرف فإنَّه معرف للأحكام. وتغيير الضََّّورة للأحكام كما في قوله تعالى: {إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ } [119]، فعندما حصلت ضرورة تغير الحكم، فجاز أكل الميتة والخنزير وشرب الخمر. ويندرج تحت الضَّورة أصول عديدة، ونقتصرهاهنا على عرض تطبيقين من أصول الضََّّورة، وهما: * الأصل الأوّل: عموم البلوى: إنّ الكلامَ عن عموم البلوى متشعبٌ و طويلٌ؛ لما له من أهميةٍ كبيرةٍ في تطبيق الأحكام الشرَّعية، فأحد قواعد علم رسم المفتي هو عموم البلوى، وهو متفرِّعٌ عن الضَّورة. وعموم البلوى يظهر فيها معنى الضََّّورة فتأخذ حكمها، كما هو الحال في الهرة فبسبب عموم البلوى فيها، وأنَّا تكثر في البيوت وتشرب من مائ ها، تغيرّ
عدد الصفحات ٧٣76 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية حكمها من نجسة لطاهرة؛ رفعاً للحرج، فعن أبي قتادة قال« :إنَّا ليست بنجس إنَّا من الطوافين عليكم أو الطوافات»(1). والأمرُ الذي تعمّ به البلوى: هو ما يحتاج إليه الخاصّ والعامّ، أو ما تمسّ به الحاجة في الأحوال الأكثرية، أو ما لا يُمكن الاحتراز عنه، أو ما عسر الاجتناب عنه(2) . والأَولى في تعريفهتأثير شيوع ما هو مخالفٌ لأصل شرعيّ إن أُلحق بأصل شرعيّ آخر يجوِّزه. ومن أمثلة ذلك: ـ مسألة: الهرة بسبب انتشارها في البيوت انتقلت من النَّجاسة؛ لأنَّا غير مأكولة اللحم إلى الطهارة؛ لوجود الضَّورة. ـ مسألة: الأرواث في الطُّرقات انتقلت من النَّجاسة إلى العفو فيها؛ لتعذُّر صيانة الخفاف والنعال عنها، فتحقَّقت فيها الضََّّورة لعموم البلوى بها، بخلاف خرء الدّ جاج والعذرة؛ لأن ذلك قلما يكون في الطرق، فلا تعم البلوى بإصابته، وبخلاف بول ما يؤكل لحمه؛ لأن ذلك تنشفه الأرض ويجف بها فلا تكثر إصابته الخفاف والنعال(3)، فعن محمد: أنه لما دخل الري ورأى البلوى أفتى بأن الكث (1) في صحيح ابن خزيمة1 :55، وصحيح ابن حبان4 :115، وسنن الترمذي1 :151، وصححه. (2) ينظر: ترويح الجنان ص31. (3) ينظر: بدائع الصنائع1 :81.
عدد الصفحات ٧٤للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 77 الفاحش لا يمنع أيضاً، وقاسوا عليه طين بخارى، وعند ذلك رجوعه في الخف يروى(1). ـ مسألة طهارة الماء رغم مروره على نجاسة، كماء الثلج إذا جرى على طريق فيه سرقين و نجاسة إن تغيبت النجاسة واختلطت حتى لا يرى أثرها يتوضأ منه ولو كان جميع بطن النهر نجساً، فإن كان الماء كثيراً لا يرى ما تحته فهو طاهر، وإن كان يرى فهو نجس، وفي «الملتقط»قال بعض المشايخ: الماء طاهر، وإن قلّ إذا كان جارياً، قال العمادي: وهذه المسائل يستأنس به ا لما عمت به البلوى في بلادنا من اعتيادهم إجراء الماء بسرقين الدواب(2). واتفاق الأئمة الثلاثة أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد على أنَّ عموم البلوى سبب للتخفيف في الأحكام الشرعية، فيقع الاتفاق على صدق القضية المشهورة، وهي أنَّ ما عمت بليته خفت قضيته (3). ـ مسألة: لبس الحرير فالمعتمد حرمة لبسها للرَّجل سواء كانت ملتصقةً على الجسم أو يوجد حائل بينها وبين الجسم، وعن أبي حنيفة: إنَّما يحرم إذا مست الجلد. قال في «القنية»وهي رخصةٌ عظيمةٌ في موضع عَمَّت به البلوى (4)، ف (1) ينظر: الهداية1 :206. (2) منحة الخالق1 :89. (3) ينظرالبحر1 :241، والدر المختار1 :316. (4) ينظر: رد المحتار1 :351.
عدد الصفحات ٧٥78 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية يكره لبس الحرير إذا لم يتصل بجلده حتى لو لبسه فوق قميص من غزل أو نحوه لا يكره(1). ـ مسألة النجاسة الرطبة التي تصيب الخفّ فلا تطهر إلا بالغسل، وعند أبي يوسف إذا مسحه بالأرض حتى لم يبق أثر النجاسة يطهر؛ لعموم البلوى(2). ـ مسألة بيع الثمر على الشجر بشرط الترك فإن لم يكن تناهى عظمه فالبيع فاسد عند الكلّ، وإن كان قد تناهى عظمه فهو فاسد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو القياس، ويجوز عند محمد استحساناً، واختاره الطحاوي؛ لعموم البلوى(3). ـ مسألة النذر بشرط ووجد الشرط وفّّ بالمنذور وإن علَّقه بشرط لا يريد كونه: كإن شربت الخمر فعليّ ألف دينار، وعن أبي حنيفة: أنّه مخيرّ بين الوفاء أو الكفّارة؛ لأنَّ فيه معنى اليمين، وهو المنع، وهو بظاهره نذرٌ، فيتخيرّ ويميل إلى أي الجهتين شاء بخلاف ما إذا كان شرطاً يريد كونه كقوله إن شفى الله مريضي لانعدام معنى اليمين فيه، قال في «الهداية»وهذا التفصيل هو الصحيح وبه كان يفتي إسماعيل الزاهد كما في «الظهيرية»، وقال الولوالجي: مشايخ بلخ وبخارى يفتون بهذا، وهو اختيار شمس الأئمة؛ لكثرة البلوى في هذا الزمان(4). (1) ينظر: لسان الحكام1 :378. (2) ينظر: الهداية1 :36. (3) ينظر: فتح القدير6 :287. (4) ينظر: البحر الرائق4 :320، ومن قواعد المتقدمين: أنَّ المعتبر عدم الفساد عند عدم تغيرّ المعنى كثيراً وجود المثل في القرآن عند أبي يوسف، والموافقة في المعنى عندهما.
عدد الصفحات ٧٦للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 79 ـ مسألة زلة القارئ: توسع المتأخرون: كابن مقاتل وابن سلام وإسماعيل الزاهد وأبي بكر البلخي والهندواني وابن الفضل والحلواني، بخلاف المتقدمين: كأبي حنيفة وأبو يوسف ومحمد، فقالوا: إنَّ الخطأ في الإعراب لا يفسد مطلقاً ولو كان اعتقاده كفراً؛ لأنَّ أكثر النَّاس لا يميزون بين وجوه الإعراب. قال قاضي خان: وما قال المتأخرون أوسع، وما قاله المتقدمون أحوط؛ وإن كان الخطأ بإبدال حرف بحرف، فإن أم كن الفصل بينهما بلا كلفة كالصاد مع الطاء بأن قرأ الطالحات مكان الصالحات فاتفقوا على أنَّه مفسد، وإن لم يمكن إلا بمشقة كالظاء مع الضاد والصاد مع السِّين فأكثرهم على عدم الفساد؛ لعموم البلوى (1) . ـ مسألة إجارة القناة مع الماء يفتى بالجواز؛ لعموم البلوى، والأصلُ عدم الجواز؛ لوقوع الإجارة على استهلاك العين مقصوداً إلا إذا آجر الأرض، فحينئذٍ يدخل الماء تبعاً فيجوز(2). ـ مسألة المزارعة والمساقاة يفتى بقول أبي يوسف ومحمد؛ لمكان الضَّورة والبلوى(3). ففي هذه المسائل على اختلافها كانت المسألة من وجه أو قول لا تجوز،ومن وجه آخر أو قول آخر تجوز، فأثر عموم البلوى في اختيار الجواز وتقديمه على غيره، سواء كانت إحداهما قياس والأخرى استحسان، أو إحداهما قول لمجتهدٍ والأخرى قول لمجتهد آخر. (1) ينظر: رد المحتار1 :631. (2) ينظر: الدر المختار6 :36. (3) ينظر: التبي5 :125.
عدد الصفحات ٧٧80 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية وأما قصر تأثير البلوى على أبواب الطهارة والنجاسة؛ لأنََّّا من الأعمال المتكررة في حياة المسلم ويحتاج إليها يومياً مع تكرارها في اليوم الواحد، كما قال اللكنوي(1)« :إنَّ عموم البلوى، إنَّما يؤثر في باب الطهارة والنجاسة، لا في باب الحرمة والإباحة، صرَّح به الجماعة ..... ، ولو فرض صحة ذلك للزم إباحة المنكرات التي عمّت به البلوى: كالغيبة، وأكل الربا ، واستماع الملاهي، وغير ذلك من الأمور المنهية» وهذا محلُّ نظر؛ لأنَّ ما سبق ذكره لشمول عموم البلوى لعامة أبواب الفقه من اليمين والبيوع والإجارة والمزارعة والمساقاة والصَّلاة واللباس ينفي هذا التخصيص بأبواب الطَّهارة والنَّجاسة، ولا تحصل بذلك إباحة جميع الم نكرات؛ لأنَّ شرط الجواز بعموم البلوى وجود قول مجتهد فيها أو أصل فقهيّ معتبر يبنى عليه الحكم بالجواز لعموم البلوى، والغيبة والربا والملاهي لا وجه لاعتبارها؛ لكثرة فسادها وضررها، وقوة أدلة حرمتها. * * * (1) في ترويح الجنان ص31.
عدد الصفحات ٧٨للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 81 * الأصل الثّاني: تأثير المشقّة في الطر هارة(1): ونعرض ما يتعلق بالمشقّة في النقاط الآتية أولا : معنى المشقّة لغة واصطلاحا : لغة: الجهد والعناء، والتعب، والشدة، والأمر الصعب، والشدة، والجهد، والعناء(2)، وهي تدل على معاني متقاربة واصطلاحاً: الصعوبة والعَنَاء الخارجان عن الحدّ المحتمل في العادة، وأي ضاً يعرفونَّا: بالصعوبة التي تصادف الشيء(3)، فالمشقة المعتبرة في التعريف ما كانت خارجة عن العمل، فلا تدخل المشقة الملازمة للعبادة والتي لا تنفك عنها. ثانيا : أدلة اعتبار المشقة المغيرة للأحكام: لا يخفى على النَّاظر في نصوص الكتاب والسُّنة كثرة مراعاة النُّص وص لجانب التَّيسير والتَّخفيف في الأحكام، وأنّ الأصلَ في التَّشريع هو التَّيسير والتَّسهيل، وأن المشقة غير مرادة في التشريعات؛ فإن وجدت في بعضها كان تبعاً لا قصداً. أمّا النَّصوص الواردة في التَّيسير وترك المشقة والتعسير فكثيرة جداً، (1) كل بحث المشقة في الطهارة مستخلص من بحث الدكتور محمد النجار: ضابط المشقة المغير للأحكام عند الحنفية، وتطبيقاتُا في باب الطهارة. )2( ينظر: القاموس المحيط7 :534. )3( ينظر: درر الحكام في شرح مجلة الأحكام1 :35.
عدد الصفحات ٧٩82 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية ويُمكن ذك ر بعضها كقوله تعالى: {يُرِيدُ اللهُّ بِكُمُ الْيُسرَْ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسرَْ } [185]، وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فيِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [78]، وقوله :{يُرِيدُ اللهُّ أَن يخَُفِّفَ عَنكُمْ } [28]،وقوله سبحانه: {مَا يُرِيدُ اللهُّ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ }[6]. أما ما جاء في السنة من أحاديث التَّيسير ورفع الحرج فكثيرة، منها قوله : «بعثت بالحنيفية السمحة »(1)، وقوله « :أحب الدين إلى الله تعالى الحنيفي ة السمحة»(2)، وقد خرّج الفقهاء على هذه القاعدة جميع الرخص الشرعية وتخفيفاتُا(3). وعن عائشة رضي الله عنها قالت«ما خُير رسول ا بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً »(4). ثالثا : ضابط المشقة المغيرة المعتبرة حتى تعتبر المشقة مغيرة ومؤثرة على الحكم بالتخفيف أو الإلغاء لا بد من توفر عدة شروط فيها، ويتناول هذا المطلب أهم هذه الشروط وهي: 1.أن لا تصادم نصا شرعيا ، وأن لا يعود اعتبارها لإلغاء النص الشرعي لا تخلو تكاليف الشارع الحكيم من مشقةٍ لا تنفك عنها العبادة، فإذا جاء (1) فيمسند أحمد35 :623. (2) فيالمعجم الأوسط7 :229. (3) ينظر: الأشباه والنظائر ص64. (4)في صحيح البخاري4 :189.
عدد الصفحات ٨٠