للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 51 فمن القرآن قوله تعالى: {إِنَّ اللهَّ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالمُْنكَرِ وَالْبَغْيِ }[90]، تدلُّ هذه الآية على أنَّ المروءةَ لجمعها الصّفات الحسنة التي ينبغي للمسلم أن يتحلىَّ بها، ويترك ما سواها، قال الحسن: «قد فرغ ا لك منها ثم قرأ {إِنَّ اللهَّ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالمُْنكَرِ وَالْبَغْيِ } هذه المروءة»(1). ومن السُّنّة: فعن أبي هريرة، قال « :كرم المرء دينه، ومروءته عقله، وَحَسَبه خُلُقه »(2)، فظاهر المروءة عند الناس حسن الزّي، وجمال الحال، والتوسُّع في الطعام والإطعام، وهذه أحوال مَن اتسع في المال فيمكنه ذلك، فكان النبي أخبر أن المروءة هو العقل، وقد يكون العاقل موسعاً عليه ومقدراً له، فإذا كمل عقل المرء تمَّت مروءته، وذلك أنَّ المروءة اشتقاقها من المرء، والمرء الإنسان، والإنسان إنَّما شرف على سائر الحيوانات(3): أي لأنَّ به يتميّز عن الحيوانات ويعقل نفسه عن كل خلق دنيء، ويكفها عن شهواتُا الرديّة وطباعها الدنية، ويؤدِّي إلى كلِّ ذي حقٍّ حقَّه من الحقِّ والخَلْق (4). (1) ينظر: المروءة ص45. (2) صحيح ابن حبان2 :232، ومسند أحمد14 :381، والمستدرك1 :212، وصححه. (3) ينظر: معاني الأخبار للكلاباذي1 :54. (4) ينظر: شرح الزرقاني على الموطأ3 :59.
عدد الصفحات ٤٩52 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية وعن عليّ بن أبي طالب قال« :مَن عامل النّاس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كَمُلَت مروءته، وظهرت عدالتُه، ووجبت أخوته، وحَرُمَت غيبتُه »(1). وعن عمر قال« :تجافوا عن ع قوبة ذوي المروءة، وهو ذو الصَّ لاح»(2). وعن أبي بكر الصديق قال« :تجافوا عن عقوبة ذوي المروءة ما لم يكن حداً »(3)، أي لا تؤاخذوه بذنب ندر منه لمروءته إلا في حدّ من حدود الله تعالى، فإنَّه إذا بلغ الحاكم وثبت عنده وجبت إقامته(4). وروي عن النَّبي أنَّهقال لرجل من ثقيف: «يا أخا ثقيف، ما المروءة فيكم»؟ قال: إصلاح الدِّين ، وإصلاح المعيشة، وسخاء النَّفس، وصلة الرَّحم. فقال « :كذلك هو فينا»(5). ومن الآثار قال عمر:«كرم المؤمن تقواه، ودينه حَسَبُه، ومروءته خلقه»(6)، حيث (1) في مسند الشهاب1 :322. (2) في شرح مشكل الآثار6 :150. (3) في مسند الشهاب1 :422، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد6 :282: رواه الطبرا الصغير، وفيه محمد بن كثير بن مروان الفهري، وهو ضعيف. (4) ينظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير3 :228. (5) في إصلاح المال ص52، والمروءة ص28، وحلية الأولياء3 :155. (6) في الموطأ 3 :659، وسنن الدارقطني 4 :467، والسنن الكبرى للبيهقي 10 :329، وقال البيهقي: هذا الموقوف إسناده صحيح.
عدد الصفحات ٥٠للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 53 جعل المروءة تتمثَّل بالأخلاق الحسنة. وقال ابنُ مسعود « :ومَن خضع لغني ووضع له نفسه إعظاماً له، وطمعاً فيما قِبله، ذهب ثلثا مروءته وشطر دينه»(1)، حيث علَّق زوال المروءة بتعليق القلب بغير الله تعالى، والطَّمع فيما عند غير الله تعالى. قال معاوية « :المروءة في أربع: العفاف في الإسلام، وا ستصلاح المال، وحفظ الإخوان، وعون الجار »(2)، حيث جعل المروءة متعلِّقةٌ بهذه السُّلوكيات الحسنة والصِّفات الحميدة. (1) في شعب الإيمان10 :503، وقال العجلوني في كشف الخفاء2 :287 « :وللبيهقي أيضًا عن ابن مسعود مرفوعًا: من أصبح محزونًا -وفي لفظ حزينًا - على الدنيا أصبح ساخطًا على ربه، ومن أصبح يشكو مصيبة؛ نزلت به؛ فإنما يشكو ربه، ومن دخل على غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه، ومن قرأ القرآن فدخل النار فهو ممن اتخذ آيات الله هزوًا. وللطبر اني في الصغير عن أنس رفعه: من أصبح حزينًا على الدنيا؛ أصبح ساخطًا على ربه، ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به؛ فإنما يشكو الله تعالى، ومن تضعضع لغني لينال مما في يده؛ أسخط الله - وفي لفظ مما في يديه فقد أسخط الله عز وجل- ومن أعطي القرآن فدخل النار أبعده الله. وفي لفظ: لينال فضل ما عنده؛ أحبط الله عمله. قال في المقاصد: وهما واهيان جدًا؛ حتى إن ابن الجوزي ذكرهما في الموضوعات؛ لكن قال الجلال السيوطي في التعقبات: ولم يصب في ذلك فقد رواه البيهقي عن ابن مسعود وأنس بلفظ: من دخل على غني فتضعضع له؛ ذهب ثلثا دينه. قال في كل منهما إسناده ضعيف» (2) المروءة ص45.
عدد الصفحات ٥١54 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية ومن أقوال السر لف: قال الأحنف: «المروءة أن تصبر على ما غاظك وتصمت عماَّ عندك حتى يُلتمس منك»(1). وقال«الفقه في الدِّين والصَّبر على النَّوائب وبَرّ الوالدين »(2). وقال محمد بن عمران التيمي «ما شيء أشدُّ حملاً من المروءة، قيل: وأي شيء المروءة، قال: أن لا تفعل شيئاً في السرّ تستحي منه في العلانية »(3). وقال إبراهيم النخعي «ليس من المروءة كثرة الالتفات في الطريق، و سرعة المشي»(4). ومن خلال هذا ا لعرض للأحاديث والآثار والأقوال في المروءة نجد أنََّّا متفاوتةٌ من زمن إلى زمن ، ومن مكان إلى مكان؛ لأنَّ مدارها على العرف، فكلُّ واحدٍ عبرَّ عنها على حسب عرفه في أكمل الأخلاق والتَّصرُّفات، والله أعلم. ثالثا : أثر المروءة في الحكم الشرعي: المتتبع لفروع المذه ب الحنفي يظهر له الأثر الواضح للمروءة في بعض الأبواب الفقهية: كقبول الشَّهادة، وهيئة المسلم كاللباس، وتصرّفاته في كيفية التَّعامل مع الآخرين ومراعاة مشاعرهم. (1) في المروءة ص39. (2) في المروءة ص42. (3) في المروءة ص56. (4) في المروءة ص78.
عدد الصفحات ٥٢للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 55 فكثير من التَّصرُّفات تكون حسنةً ومقبولةً في مجتمع ومعيبة ومنكرة مجتمع آخر، ولا سبيل لنا لمعرفة ذلك إلا من خلال النظر في عرف ذلك المجتمع، فالحال في اللباس والتَّصرُّفات لا يختلف عن الحال في الكلام، فعادة نرجع لتفسير مراد المتكلم من كلامه على حسب عرفه، فهم يطلقون هذا اللفظ ويقصدون به معنى معين. فالمروءةُ هي الميزانُ للعرف الممدوح من المذموم في التَّ صرُّفات الصَّادرة من المسلم، فما كان من التَّصرُّفات ممدوحاً عُدَّ من المروءة، وما كان منها مذموماً عُدَّ من خوارم المروءة. وطالما أنَّ المروءةَ جزءٌ من العرف، فتأخذ المروءة حكم العرف في التأثير على الأحكام الشرعية، والعرف من الجانب التطبيقي للحكم الشرعي؛ لأنَّ الحكم الشرعيّ له طرفان: طرف في كيفيّة استنباطه، ويكون بأصول الفقه، وطرف في كيفيّة تطبيقه ويكون برسم المفتي. وهذا الترَّتيب يعطي للأحكام الفقهيّة ميزةً عظيمةً جداً بمراعاة قواعد رسم المفتي عند تطبيقها، فيتحقَّق العدل المطلوب، والمطابقة المرجوة. وإنَّ أكثر قاعدة من الرسم تُراعى في الفتوى والتَّطبيق هي النَّظرُ إلى عرف المجتمع، فيختلف الحكم من مكانٍ إلى مكانٍ وزمانٍ إلى زمانٍ على ما حسب ما يقتضيه عرف النّاس، والعرف عن معنيين البتّة، فلا يكون مُغيرّاً للحكم الشرَّعيّ أبداً، ولا تستنبط به الأحكام أيضاً، وإنَّما هو معرّف للحكم ببيان مقصود المتكلّم من كلامه، ومعرفة صلاحيّة المحلّ لعلّة الحكم.
عدد الصفحات ٥٣56 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية وتبينّ أنَّ المحلّ صالح للحكم أمر مهمٌ جداً؛ إذ نحتاج قبل تطبيق كلِّ حكم أن نتعرّف على علّته أوَّلاً ثمّ ننظر هل المحلّ مناسب لها أم لا؟ فإن لم يكن مناسباً لها فإنَّ الح كم لا يطبق هنا. وبالتالي تندرج المروءة تحت نوعي العرف؛ لأنَّ المروءةَ إذا كانت متعلِّقة بالكلام فهي داخلة في فهم مراد المتكلِّم من كلامه، حيث تساعدنا المروءة للوصول إلى ما تكلَّم به المتكلِّم هل هو شيء حسنٌ وممدوحٌ أم أنَّه شيء مذمومٌ. وإن كانت المروءة متع لِّقة بالتَّصرُّفات والهيئات فهي داخلة في معرفة صلاحيّة المحلّ لعلّة الحكم، حيث تساعدنا المروءة في معرفة أنَّ مثل هذا التّصرُّف والهيئة حسنة في المجتمع فتكون مستحبة، أو هي مذمومة فتكون مكروهة ديانة ومانعة من قبول الشَّهادة قضاءً؛ لأنَّ مَن يفعلها لا يمتنع ع ن الكذب ولا يُبالي بكلام النَّاس عليه، فيكون متهماً في شهادته. ومن أمثلة ما يكون خارماً للمروءة ـ فلا تقبل شهادة مَن يفعل شيئاً من الأفعال المستخفّة؛ لأنَّه يسقط المروءة فلا يتحاشى عن الكذب(1)، فما يخل بالمروءة يمنع قبول الشهادة وإن لم يكن محرماً (2) ـ ـ م سألة: كشف رأسه في موضع يُعَدُّ فعله خفّة وسوء أدب وقلّة مروءة وحياء، قال عبد الحليم اللكنوي في تغطية الرَّأس في الصَّلاة حيث أرجعها للعرف والمروءة، فقال: «تُكره الصلاة بدون العمامة في البلاد التي عادة سكانَّا (1) ينظر: الاختيار2 :148. (2) ينظر: البحر7 :92.
عدد الصفحات ٥٤للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 57 أنََّّم لا يذهبون إلى الكبراء بدون العمامة، بل و يخرجون من بيوتُم إلا متعممين، وأما في البلاد التي لا يعتادون فيها ذلك فلا، وقد اشتهر بين العوامّ أنّ الإمامَ إن كان غير متعمم والمقتدون متعممين فصلاتُُم مكروهة، وهذا أيضاً خرق من القول لا دليل عليه، فاحفظ»(1). ـ مسألة حلق اللحية، أجاب بهذا مفتي دمشق الع مادي (ت 1171هـ عندما سئل: في شهادة محلوق اللحية هل تقبل أم لا ؟ فقال:«لم أجد نقلاً صريحاً في المسألة مع ضيق الوقت وكثرة الأشغال، فإن كان حلق اللحية يخل بالمروءة يمنع القبول وإلا فلا»(2). ـ مسألةالبول على الطريق بحيث يراه الناس. ـ مسألة: الأكل على الطريق. ـ مسألة: المشي في السوق بالسروال وحده. ـ مسألة: مد رجله عند الناس. ـ مسألة: مصارعة الشيخ الأحداث في الجامع. ـ مسألة: سرقة لقمة. ـ مسألة: الإفراط في المزح المفضي إلى الاستخفاف. ـ مسألة: صحبة الأراذل. (1) ينظر: نفع المفتي والسائل ص38. (2) ينظر: العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية1 :329.
عدد الصفحات ٥٥58 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية ـ مسألة: الاستخفاف بالناس. ـ مسألة: لبس الفقيه قَبَاء. ـ مسألة: لعب الحمام(1). ونبَّه ابن نجيم (2) على اشتراط الإدمان في خوارم المروءة حتى لا تقبل شهادته. * الأصل الثّ اني: التّشبه بالنّساء: يعدّ بحث التشبه بالنساء من الأبحاث المتعلقة بالعرف، وذكر فيه المقصود بالتَّشبه، والمنع من التَّشبه في السنة، وحكم التشبه بالنساء عند الحنفية في النقاط الآتية: أوّلا : المقصود بالترشبه بالنِّساء: المقصود بالتَّشبه بالنِّساء: هو تشبه الرِّجال بالنِّساء في اللِّباس والزِّينة والأفعال والكلام لا التَّشبه في أمور الخير. ففي اللباس والزِّينة:بأن يلبس الرَّجل الملابس التي تختصّ بالن ساء مثل لبس المقانع والقلائد والأسورة والخلاخل والقرط ونحو ذلك مما ليس للرجال لبسه، وكذلك تتشبه النساء بالرجال بأن تلبس ما يلبس الرجال كلبس النعال الرقاق والمشي بها في محافل الرِّجال ولبس الأردية والطيالسة والعمائم ونحو ذلك (1) ينظر: البحر7 :92، ومجمع الأنَّر2 :200. (2) ينظر: البحر7 :92.
عدد الصفحات ٥٦للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 59 مما ليس لهن استعماله(1). وتعي أنَّ هذا اللباس مختصٌّ بالرجال أو النِّساء راجعٌ لعرف كلِّ قوم، فمن جهة الشرَّع يشترط ستر العورة للرجل ما بين السرّة والركبة وما جاوزه فالحكم فيه للمروءة، وللمرأة يشترط ستر العورة وهي جميع جسمها إلا الوجه والكفين بلباس لا يصف الأعضاء وما جاوزه فالحكم للعرف، فتبينَّ أنَّ ما تجاوز ستر العورة لكلِّ من الرَّجل والمرأة نحتكم فيه للعرف، والعرف يحُدِّد لباس كلٍّ منهما. قال العَينيّ (2)« :وهيئة اللباس قد تختلف باختلاف عادة كلِّ بلد، فربَّما قوم يفترق زيُّ نسائهم من رجالهم، لكن تمتاز النِّساء بالاحتجاب والاستتار »، وهذا صريح من العيني بأنَّ هيئات اللباس المختلفة مسألة عرفية، فيلزمنا أن لا نشدِّد فيها طالما تحقَّقت الشروط السابقة. وفي الأفعال والكلام: بأن يفعل الرَّجل الأفعال التي هي مخصوصة بالنِّساء كالانخناث في الأجسام والتَّأنيث في الكلام والمشي(3). والانخناث: وه و التّثني والتَّكسرُّ، والاسم الخُنث بالضمّ، ومنه سمي المخنَّث، وتركيب الخنث يَدلُّ على لين وتكسرُّ، وتخنَّث في كلامه أي: تَكلَّم بكلام هو ا لذي يُشبه النِّساء في أقواله وأفعاله وتارةً يكون هذا خلقياً وتارةً تكلُّفاً، وهذا (1) ينظر: عمدة القاري22 :41. (2) في عمدة القاري22 :41. (3) ينظر: عمدة القاري22 :41.
عدد الصفحات ٥٧60 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية هو المذموم الملعون لا الأوَّل، و يطلق المخنث على الذي يؤتى ويلاط به(1). أمّا مَن كان ذلك في أصل خلقته، فإنَّه يؤمر بتكلُّف تركه والإدمان ع ذلك بالتَّدريج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذَّم، ولا سيما إذا بدا منه ما يدلُّ على الرِّضا. وأسوأ الأفعال من الرِّجال والنِّساء التي يستحقان عليها ال ذّمّ والعقوبة، هو الرَّجل الذي يؤتي من دبره، والمرأة التي تتعاطى السحق بغيرها من النساء (2). ثانيا : المنع من الترشبه بالنِّساء في السُّنة وردت أحاديث عديدة تنهى كلاً من الجنسين عن التَّشبُّه بالآخر، وتريد من كلِّ واحدٍ منهما أن يبقى على الهيئة التي خلقه الله عليها؛ ليؤدي الوظيفة المناطة به، ومن هذه الأحاديث: 1.عن ابن عباس ، قال «لعن رسول ا المتشبهين من الرِّجال بالنساء، والمتشبهات من النِّساء بالرِّجال »(3). قال القاري (4)«:المتشبهين بالنساء من الرِّجال في الزي واللباس والخضاب والصّ وت والصّ ورة والتكل م وسائر الحركات والسكنات...، والمتشبهات بالرِّجال من النساء: زياً وهيئةً ومشيةً ورفع صوت ونحوها لا رأياً وعلماً، فإنَّ التشبه بهم محمود» (1) ينظر: عمدة الرِّعاية 22 :42. (2) ينظر: عمدة القاري22 :41. (3) في صحيح البخاري7 :159. (4) في مرقاة المفاتيح7 :2818.
عدد الصفحات ٥٨للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 61 2.عن ابن عبَّاس ، قال «لعن النَّبي المخنثين من الرِّجال، والمترجلات من النِّساء، وقال: أخرجوهم من بيوتكم»(1). قال العيني (2)« :والمترجلات أي: النساء الشبيهات بالرِّجال المتكلفات الرُّجولة وهو بالحقيقة ضد المخنثين؛ لأنََّّم المتشبهون بالنساء »(3). ومعنى أخرجوهم من بيوتكم: أي من مساكنكم ومن بلدكم، فعن أ هريرة « :أنَّ النبي أتي بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، فقال النبي : ما بال هذا؟ فقيل: يا رسول الله، يتشبه بالنساء، فأمر به فنفي إلى النقيع، فقالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟ فقال: إني نَّيت عن قتل المصلين»(4) . 3.عن ابن أبي مليكة، قال: قيل لعائشة رضي الله عنها «إنَّ امرأةً تلبس النعل، فقالت: لعن رسول الله الرجُلة من النساء »(5). والرجُلة من النساء المتشبهة في الكلام واللباس بالرجال، ويقال: كانت عائشة رجُلة الرأي أي رأيها رأي الرّ جال، فالتشبه بالرأي والعلم غير مذموم(6). (1) في صحيح البخاري7 :159. (2) في عمدة القاري24 :14. (3) ينظر: عمدة الرِّعاية 22 :42. (4) في سنن أبي داود4 :282، وسنن الدارقطني2 :399، والنقيع ناحية عن المدينة وليس بالبقيع. (5) في سنن أبي داود4 :60، ومسند البزار17 :40، وشعب الإيمان10 :225، وقال القاري في مرقاة المفاتيح7 :2836: إسناده حسن (6) ينظر: مرقاة المفاتيح7 :2836.
عدد الصفحات ٥٩62 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية 4.عن أبي هريرة، قال«لعن رسول ا الرَّجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرَّجل »(1). 5.عن عبد الله بن عمرو قال« :ليس منّا مَن تشبّه بالرِّجال من النِّساء، ولا من تشبّه بالنِّساء من الرِّجال »(2): أي لا يفعل ذلك من هو من أشياعنا المقتفين لآثارنا(3). ثالثا : حكم الترشبُّه بالنِّساء إنَّ حال التَّشبُّه بالنِّساء لا يختلف كثيراً عن حال المروءة في كونَّما يندرجان تحت العرف، فهي أحد مفردات العرف الذي نحتكم إليه. ومن المعاني المقصودة في الشريعة المطهرة هو تقرير اختلاف الرِّجال عن النِّساء، والسعي لتحقيق ذلك، كما هو مذكور في الأحاديث السالفة. وهذا المعنى بني عليه العديد من الفروع، والقصد هو التميز بين الرَّجل والمرأة؛ ليحصل التجانس بينهم بعد الزواج وتقوى رغبة كلّ واحد منهما في الآخر، فالسالب والموجب يتجاذبان، والموجب والموجب يتنافران، ولتحقيق (1) في سنن أبي داود4 :60، والسنن الكبرى للنسائي8 :297، وصحيح ابن حبان13 : 62، ومسند أحمد14 :61، والمستدرك4 :214، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم (2) في مسند أحمد11 :461، والمعجمالكبير13 :461، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد8 : 103« :رواه أحمد. والهذلي لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. ورواه الطبراني باختصار، وأسقط الهذلي المبهم، فعلى هذا رجال الطبراني كلهم ثقات» (3) ينظر: التيسير بشرح الجامع الصغ2 :329.
عدد الصفحات ٦٠للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 63 التجاذب المستمر بين الرَّجل والمرأة اهتمت الشريعة بأن يتميز كلُّ واحد منهما عن الآخر بمظهره وكلامه وحركاته. ومن الملاحظ أنَّ علّة الكراهة التحريمية أو التزيهية على حسب الحال للعديد من الأحكام في مشابهة كلِّ واحدٍ منهما للآخر، أو يقولون: «للتخنُّث»، أو «للتزيُّن»؛ لأنََّّامن الهيئات الخاصّة بالنِّساء، كما فعلوا ذلك في منع الرَّجل من العلك ولبس الأصفر وخضاب اليد والرِّجل والتَّزيُّن بدهن الشَّارب والحاجب وأخذ الشَّعر من الحاجب والخدين. ويتفاوت الحكم بالتَّشبُّه بالنِّساء بحسب تحقّق صورة الفعل ووجود القصد بالتَّشبُّه، فمَن شابه صورة فعل النِّساء كره له تنزيهاً: أي كان فعله مباحاً، ولكنَّه خلاف الأولى، ومَن قصد التَّشبُّه بالنِّساء كان فعلُه مكروهاً تحريماً، ويُمكن لمشابهة الرَّجل للمرأة في صورة الفعل أن تكره تحريماً وإن لم يقصد التشبه إن دخلت في خوارم المروءة. ومن أمثلة ذلك: مسألة: التشبه بالمرأة في استعمال العلك: فإنَّه مختصٌّ بالمرأة ؛ لكونه يقوم مقام السِّواك في حقِّها لرقّة لثتها، قال المرغيناني(1)« :يكره للرِّجال على ما قيل إذا لم يكن من علّة، وقيل: لا يستحبُّ لما فيه من التشبه بالنِّساء»، قال ابن الهمام(2)« :أي ولا يكره، فهو مباح بخلاف النِّساء، (1) في الهداية1 :123. (2) في فتحالقدير1 :207.
عدد الصفحات ٦١64 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية فإنَّه يستحب لهن؛ لأنَّه سواكهن» فظاهر الكلام يدلّ على أنَّ العلك في حقّ الرَّجل مباحٌ وخلافُ الأولى وليس مستحباً كما هو في حقّ المرأة؛ لئلا تكون مشابهة بينهم. قال ابن عابدين(1)« :وكره للمفطرين؛ لأنَّ الدليل ـ أعني التشبه بالنساء ـ، يقتضي الكراهة في حقهم خالياً عن المعارض،«فتح»، وظاهره أنََّّا تحريمية «ط»، وقيل: يباح، هو قول فخر الإسلام حيث قال: وفي كلام محمد إشارة إلى أنَّه لا يكره لغير الصائم، ولكن يُستحبُّ للرِّجال تركه إلا لعذر مثل أن يكون في فمه بخر» ـ مسألةلون اللباس كالحمرة والصفرة والمعصفر: وفي «المحيط»ويُكره لبس الثَّوب الأحمر والمعصفر...؛ لأنََّّا كسوة النساء، ويكره التشبه بهنّ (2)، فعن علي ، قال «نَّاني النبيّ عن القراءة وأنا راكع، وعن لبس الذهب والمعصفر»(3): أي الثوب المصبوغ بالعصفر. وكذلك المصبوغ بالزعفران وأيضاً المصبوغ بالورس، وهو الأصفر، وهذا النهي خاص بالرِّجال (4). ـ مسألةالتَّزين بالخضاب لليد والرِّجل: (1) في رد المحتار2 :417. (2) ينظر: العقود الدرية2 :323. (3) في صحيح مسلم3 :1648، وسنن الترمذي4 :226. (4) ينظرالتبيين 6 :230، والبحر الرائق8 :216.
عدد الصفحات ٦٢للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 65 فهو مباح للمرأة مكروه للرَّجل ؛ لأنََّّم ممنوعون عن مثل هذه الزينة، إلا لأجل التداوي، ولأنَّ ذلك تزيّن، وهو مباح للنساء دون الرِّجال، ولأنَّه تشبه بالنِّساء(1). ـ مسألة التَّزين بدهن الشارب والحاجب بقصد الزينة: لأنَّ التَّزين خاصٌّ بالنِّساء، فهي مهما بالغت بالاهتمام بنفسها لزوجها فهو حسن ما لم تظهر به أمام الأجانب، بخلاف الرِّجال فيكون في حقّه التَّجمل، وهو العناية بنفسه ما لم يصل إلى درجة التزين كالنساء ويبقى محافظاً على مروءته، فعنايته بمظهره الذي لا يعدّ خارماً للمروءة يعتبر من التجمّل لا التزين وهو حسن. قال المَرغينانيُّ (2)« :ولا بأس بالاكتحال للرِّجال إذا قصد به التداوي دون الزينة، ويستحسن دهن الشارب إذا لم يكن من قصده الزينة؛ لأنَّه يعمل عمل الخضاب» وقال ابن الهمام(3)« : في«الكا»يستحب دهن شعر الوجه إذا لم يكن من قصده الزينة، به وردت السنة، فقيد بانتفاء هذا القصد فكأنَّه والله أعلم؛ لأنَّه تبرج بالزينة، فعن ابن مسعود « :كان النبي يكره عشر خصال وذكر منها التبرج بالزينة لغير محلها»(4). (1) ينظرمنحة السلوك 3 :19، والبحر الرائق8 :208، ورد المحتار6 :422. (2) في الهداية2 :347. (3) في فتح القدير2 :347. (4) في سنن أبي داود 2 :489، والمجتبى 8 :141، ومسند أحمد 1 :380، وصحيح ابن حبان 12 :496.
عدد الصفحات ٦٣66 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية وعن يحيى بن سعيد أنَّ أبا قتادة الأنصاري قال لرسول ا« :إن جمََّةً أفأرجِّ لُها؟ فقال رسول الله : نعم وأكرمها، فكان أبو قتادة ربّما دهنها اليوم مرَّتين لما قال له رسول الله : وأكرمها»(1). فإنَّما هو مبالغة من أبي قتادة في قصد الامتثال لأمر رسول ا لا لحظ النفس الطالبة للزينة الظاهرة، وذلك لأنَّ الجمال والإكرام المطلوب يتحقق مع دون هذا المقدار...، هذا ولا تلازم بين قصد الجمال وقصد الزينة، فالقصدُ الأوّل لدفع الشين وإقامة ما به من الوقار وإظهار النعمة شكراً لا فخراً، وهو أثر أدب النفس وشهامتها، والثاني أثر ضعفها، وقالوا: بالخضاب وردت السُّنة، ولم يكن لقصد الزينة ثم بعد ذلك إن حصلت زينة فقد حصلت في ضمن قصده المطلوب، فلا يضَُّّه إذا لم يكن ملتفتاً إليه » ـ مسألةأخذ الرَّجل لشعر خديه أو حاجبيه: فيكره منه ما يكون تشبهاً بالمخنثين، وما لم يصل إلى هذا الحدّ فهو مباح، ولا يوجد فرق بين النتف والحلق في الحكم، ففي «المضمرات»وبأس بأخذ الحاجبين وشعر وجهه ما لم يشبه المخنث. اهـ، ومثله في «المجتبى»، وقال الطحطاوي: «ولا بأس بأن يأخذ شعر الحاجبين وشعر وجهه ما لم يتشبه بالمخنثين، ومثله في «الينابيع»و«المضمرات»، والمراد ما يكون مشوهاً؛«لعن الله النامصة والمنتمصة»(2) »(3). (1) في الموطأ2 :949. (2) سبق تخريجه في الصفحة السابقة (3) في حاشية الطحطاوي على المراقي 2 :512. وينظر: الفتاوى الهندية 5 :359، وبريقة
عدد الصفحات ٦٤