للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 35 ما يسقطونَّا، ولا يصرِّحون بها اعتماداً على فهم المتفقه » 44. أن يكون المرجح تتلمذ على أستاذ ماهر يُمكنه من فهم الفقه وضبطه والقدرة على تطبيقه، وبدونه سيكون شذوذ وتقورل على دين الله : إنّ تكوين الملكة الفقهية والفهم الصَّحيح والقدرة على التَّطبيق له لا تكون بدون أستاذ، قال ابن عابدين(1)« :لا بُدّ له من معرفةِ عُرْف زمانِهِ وأحوالِ أهلِه، والتَّخرُّج في ذلك على أُستاذٍ ماهر. ولذا قال في آخر «منية المفتي»« :لو أنَّ الرَّجلَ حفظ جميع كتب أصحابنا لا بُدّ أن يَتَّلَمِذَ للفتوى حتى يهتدي إليه؛ لأنَّ كثيراً من المسائل يجُاب عنه على عادات أهل الزمان فيما لا يخُالف الشريعة »» 45.أن يكون المرجح له معرفةٌ بأحوال النراس، ومطلعٌ على مجال إفتائه فلا يُفتي في الشرَّكات مَن لا يفهمها، ولا يُفتي بمعام لات البنوك مَن لم يطلع عليها، ولا يُفتي بسؤال فيما سوى العبادات في غيره بلده ومجتمعه ما لم يكن له معرفةٌ تامّة به؛ لأنّ الفتوى تحتاج إلى فهم الحادثة جيداً. قال ابنُ عابدين (2)« :فهذا كلُّه صريحٌ فيما قلنا من العملِ بالعرف ما لم يخُالف الشريعة: كالمَكْس والرِّ با ونحو ذلك، فلا بُدّ للمفتي والقاضي بل والمجتهد من معرفةِ أَحوال النّاس، وقد قالوا: وَمَن جَهِلَ بأهل زمانه فهو جاهل. (1) في شرح العقود ص485ـ487. (2) في شرح العقود ص491.
عدد الصفحات ٣٣36 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية وقَدَّمنا أنََّّم قالوا: يُفتى بقول أبي يوسف فيما يَتَعلَّقُ بالقضاء؛ لكونِهِ جَرَّبَ الوقائع وعَرَفَ أَحوال النّاس » 46. أن لا يرجح القول الضرعيف في المذهب إلا لضرورة، والمرجع في تقديره إلى العلماء الضابطين المتمكنين: إنَّ ما يوجد في كتب الفقه من أقوال وروايات ضعيفة صرّح أصحاب الترّ جيح بضعفها أو علم ضعفها بعباراتُم ضمناً والتزاماً، فلا يجوز العمل عليها والإفتاء بها. قال ابنُ عابدين (1)« :أمّا لو عمل بالضعيف في بعضِ الأوقات؛ لضَّورة اقتضت ذلك، فلا يُمنع منه، بدليل أنََّّم أجازوا للمسافر والضيف الذي خاف الرِّيبةَ أن يأخذ بقولِ أبي يوسف بعدم وجوبِ الغُسل على المحتلمِ الذي أَمسك ذكرَه عندما أَحَسَّ بالاحتلام إلى أن فَترََت شهوتُه ثُمّ أَرسلَه مع أَنَّ قولَه هذا خلافُ الرّاجحِ في المذهب، لكن أَجازوا الأخذ به للضَّورة » ويقدر جواز العمل بالضَّعيف مَن كان فقيهاً مجتهداً، وهو أهلٌ للترّجيح ب الأقوال في المذهب، فيرجح القول الضَّعيف؛ لما اتفق له من مصلحةٍ أو عرفٍ أو حاجةٍ أو تيسيرٍ أو ضرورةٍ. 47. أن يرجح مذهبٍا آخر من المذاهب الأربعة إن حصلت ضرورة لذلك يُقدِّرها صاحب الملكة الفقهية: يجوز العمل بقول المذهب المخالف إن حصلت حاجة وضرورة لذلك، (1) في شرح العقود ص500ـ502.
عدد الصفحات ٣٤للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 37 وقد نصَّ علماء المذهب على ذلك في بعض المسائل (1)، فصرَّح جمعٌ من الحنفية كالقُهُستاني (2) والحَصكفيّ(3) وابنُ عابدين وغيرهم: «بأنّه لو أفتى حنفيٌّ في هذه المسألة بقول مالك عند الضَّورة لا بأس به» 48. أن لا يُرجح القاضي القول الضرعيف، إلا إذا نصّ القانون على جواز العمل بقول من الأقوال وإن كان ضعيفا : يجب على القاضي أن يلتزم العمل بالرَّاجح من أقوال المذهب، ولا يُ عمل بشيء ضعيف منها، إلا إذا اختاروا في القانون قولاً من الأقوال وإن كان ضعيفاً أو مذهباً للغير، فإنه يعمل به. ففي المعروضات: «سنة951هـ): القضاة مأمورون بأن لا يقبلوا النكاح إلا بإذن الولي»(4)، علماً أن المشهور من قول أبي حنيفة أنه يجوز نكاح المرأة بلا ولي، لكن لما فسد الزمان أخذوا بقول الصاحبين بعدم جواز النكاح إلا بوليّ. وما لم ينصّ عليه السلطان يبقى العمل به على القول الراجح عند الحنفية، وهذا ما أمر به السلطان ونصّ عليه القانون: «القضاة يجرون الأحكام الشرعية ، ويعملون بعد التتبع بالأصحّ من أقوال الأئمة الحنفية في المسائل المختلف فيها»(5). (1) ينظر: أصول الإفتاء ص52. (2) فيجامعِ الرّموز 2 :217. (3) في الدرِّ المنتقى شرح الملتقى 1 :713-714. (4) ينظرالمصدر السابق ص168. (5) ينظرالمصدر السابق ص111.
عدد الصفحات ٣٥38 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية 49. أن يكون التررجيح بالمصلحة فإنّه إن وجد في المسألة قولان فأكثر، فيُعمل بما تشهد له المصلحة من الأقوال، فمثلاً: «لو غاب الزَّوجُ حال كونه قادراً على أداء النفقة، ولكن لا يو حقّها، فأظهر الوجهين أنّه لا فسخ فيها، ولكن يبعث الحاكم إلى حاكم بلده ليطالبه إن كان موضعه معلوماً، والثاني ثبوت الفسخ، وإليه مال جمع من أصحابنا، وأفتوا بذلك للمصلحة»(1). * * * (1) ينظردرر الحكام1 :414.
عدد الصفحات ٣٦للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 39 الفصل الثّاني التررجيح بأصول الترطبيق «رسم المفتي» تمهيد يُعَدُّ علم رسم المفتي هو الأصولُ التي يعتمدُ عليها المجتهدُ في المذهبِ في الترَّجيح والتفريع والتطبيق والإفتاء، كما يعتمد المجتهدُ المستقلّ على أصولِ الفقه لاستخراج الأحكام من الكتاب والسنة والآثار والترجيح بينها، فكما لا غنى للمجتهد المطلق عن أصول الفقه ـ فهي القواعد التي تمَُكّنه من ا لقيامِ بعلمه واستفراغ جهده في استنباط الأحكام، وهي آلته في ذلك ـ فكذلك العالم في المذهب، فإنَّ رسمَ المفتي هو الأداة التي يتمكَّن بها من القيام بعمله، وبذل جهده في إنزال الفقه على الواقع، والخروج من دائرة الخلاف، وتلبية حاجات مجتمعه، فهي الوسيلة لذلك. وكما أنَّ أُصولَ المجتهد المطلق تدور في محاور رئيسيّة فيها العديد من القواعد الأصوليّة وهي: الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس، فكذلك فإنَّ أصولَ المجتهد في المذهب لها محاور رئيسيةٌ مليئةٌ بقواعدِ للإفتاء، وهذه المحاور: هي
عدد الصفحات ٣٧40 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية الضَّورة، والتيسير، ورفع الحرج، والعرف، والمصلحة، وتغيرّ الزمان ، فهذه هي الأُصول الكبرى في رسم المفتي التي يرتكز عليها المفتي في فهمه وضبطِهِ وتطبيقِهِ للفقه. ولذلك كان عدم مراعاة المفتي لقواعد الررسم في الإفتاء يُعَدُّ خروجا عن المذهب؛ لمخالفته قواعده في تطبيق الأحكام. فإن قواعد المذهب تقضي أن لا نُفتي بمسألة فيما عدا العبادات إجمالاً، إلا بعد إمرارها على قواعد رسم المفتي من الضََّّورة والعرف، فإن أفتى بدون مراعاة هذا، كان خارجاً في فتواه عن المذهب؛ لأنّه ليس من المذهب أن يُفتي بمسائل مبنية على العرف، في زمن اختلف فيه العرف عن زمن أبي حنيفة، أو في مسائل تغيرت الفتوى بها للضََّّورة عما كان في زمن أبي حنيفة بما كان من فتوى في زمن أبي حنيفة. قال ابنُ عابدين (1)« :للمفتي اتّباعُ عرفه الحادث في الألفاظ العرفية، وكذا الأحكام التي بناها المجتهد على ما كان في عُرْف زَمانِه، وتغيرّ عُرْفه إلى عُرْفٍ آخر اقتداءً بهم، لكن بعد أن يكون المفتي ممَّن له رأيٌ ونظرٌ صحيحٌ ومعرفةٌ بقواعدِ الشرع، حتى يميزَ بين العُرْف الذي يجوز بناء الأحكام عليه وبين غيره... و جمود المفتي أو القاضي على ظاهرِ المنقول مع تركِ العرفِ والقرائنِ الواضحةِ والجهلِ بأحوال النّاس، يلزم منه تضييع حقوق كثيرة وظلم خلق كثيرين» (1) في شرح العقود ص485.
عدد الصفحات ٣٨للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 41 وهذا الكلام من ابن عابدين في غاية الدّقة والروعة؛ لأنَّ هذا الجمود ع النُّصوص الفقهيّة بدون فهم عللها ومراعاة الواقع أقصت الفقه عن حياة المسلمين في كثير من مناحي الحياة. قال ابنُ عابدين (1)« :إنَّ المتأَخرين الذين خا لفوا المنصوص في المسائل المارّة لم يخالفوه إلا لحدوث عُرْفٍ بعد زمن الإمام، فللمفتي اتّباعُ عرفه الحادث في الألفاظ العرفية. وكذا في الأحكام التي بناها المجتهد على ما كان في عُرْف زَمانِه، وتغيرّ عُرْفه إلى عُرْفٍ آخر اقتداءً بهم، لكن بعد أن يكون المفتي ممَّ ن له رأيٌ ونظرٌ صحيحٌ ومعرفةٌ بقواعدِ الشرَّع، حتى يميزَ بين العُرْف الذي يجوز بناء الأحكام عليه وبين غيره» وترجع قواعد رسم المفتي إلى قاعدتين رئيسيتين: الضرورة والعرف، وتندرج القواعد الأخرى تحتهما: فإنّ الاستقراءَ في الفروع الفقهية التي اختلف حكمها ترجع للضََّّورة والعرف، ولو حصلت هذه الضََّّورة أو العرف في زمن المجتهد لأفتى بمراعاتُا. قال ابنُ عابدين (2)« :إنَّ كثيراً من الأَحكام التي نصّ عليها المجتهدُ صاحبُ المذهب بناء على ما كان في عرفه وزمانه قد تغيرَّت بتغير الأزمان بسبب فساد أهل الزَّمان أو عموم الضََّّ ورة... (1) شرح العقود ص485ـ486. (2) في شرح عقود رسم المفتي ص477 .
عدد الصفحات ٣٩42 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية وكلُّ ذلك غيرُ خارج عن المذهب؛ لأنَّ صاحبَ المذهب لو كان في هذا الزَّمان لقال بها، ولو حدث هذا التُّغيرُّ في زمانه لم ينصّ على خلافها. وهذا الذي جَرّأ المجتهدين في المذهب وأهل النَّظر الصَّحيح من المتأخرين على مخالفةِ المنصوصِ عليه من صاحب المذهب في كتب ظاهر الرِّواية، بناءً على ما كان في زمنه...» ونعرض قاعدتي العرف والضَّّورة في مبحثين على النحو الآتي:
عدد الصفحات ٤٠للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 43 المبحث الأورل قاعدة العرف إنّ التّ لاعب بالشريعة بحجّ ة تغير العرف بدون التفات لمسائل العرف وحقيقته غير مقبول، مع أن العرف من أكبر قواعد الرسم التي تُراعى في الفتوى والتَّطبيق، فيجب العمل بها عند الفتوى؛ لاختلاف بعض الأحكام من مكانٍ إلى مكانٍ، ومن زمانٍ إلى زمانٍ على ما حسب ما يقتضيه عرف النّاس. قال الجوينيّ (1) :«ومَن لم يمزج العرف في المعاملات بفقهها، لم يكن على حظ كاملٍ فيها » وقال(2)« :والتّعويل في التّفاصيل على العرف، وأعرف النّاس به أعرفهم بفقه المعاملات»؛ لأنالعرف يُعَدُّ من الجانب التَّطبيقيّ للفقه، وليس من الجانب الاستنباطيّ للحكم كما يظنّه عامّة المعاصرين. ونعرض ما يتعلق بالعرف في المطلبين الآتين: (1) في نَّاية المطلب في دراية المذهب11 :382. (2) في نَّاية المطلب للجويني11 :416.
عدد الصفحات ٤١44 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية المطلب الأول: ضوابط العرف: أورلا : أنّ العرف لا يُغيرّ الأحكام، وإنّما يُساعدنا في معرفة الحكم بناء على علته ولفظ المتكلم؛ لذلك كان مَرَدّ العرف إلى أمرين: 1.فهمُ مراد المتكلِّم من كلامِه، فنحن نستخدم ألفاظ ونريد بها معاني معيّنة تعارفنا في إطلاقها عليها، وإن كان اللّفظ عامّاً يشمل غيرها، مثل: اللحم يشمل لحم سائر الحيوانات من الطّيور والبقر والغنم وغيرها، ولكن تعارفنا عند إطلاقها على إرادة لحم البقر والغنم لا الطيور مثلاً، فإذا قال شخص: والله لا آكل لحماً، ثمّ أكل دجاجاً لا يحنث؛ لأنَّه لا يعتبر لحماً عرفاً، فاستفدنا من العرف معرف ة مقصود المتكلّم من كلامه، وقس عليه. 2.معرفة صلاحية المحل لعلة الحكم؛ فالحكم في نفسه ثابت من الشّارع الحكيم، والعرف لا يغيرّ الحكم، لكن الحكم مبنيّ على علّة، وهذه العلّة تحتاج إلى محلّ في تطبيقها، فالعرف يساعدنا على تطبيق ذلك، مثاله: أنَّ الحكم عدم قبول إلا شهادة العدل، كما شهد القرآن: {ممَِّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء } [282.] والعرف يُساعدنا في معرفةِ العدل، ففي زمن أبي حنيفة لم يحَتج للتّزكية العدالة؛ لأنَّ النّاس عدول، وفي زمن الصَّاحبين تغيرّت أحوال النّاس، فنحتاج لتحقُّق علّة الحكم من العد الة بالتَّزكية، فمَن لم يكن عدلاً لا تُقبل شهادته، هذا هو الحكم، ولكن كيف نتعرَّف على العدالة، حيث أمكن ذلك بالعرف. وبالتالي لا يخرج العرف عن هذين المعنيين البتّة، فلا يكون مغيرّاً للحكم الشرعيّ أبداً، ولا تستنبط به الأحكام أيضاً، وإنَّما هو معرّ ف للحكم ببيان
عدد الصفحات ٤٢للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 45 مقصود المتكلّم من كلامه، ومعرفة صلاحيّة المحلّ لعلّة الحكم وتَبينُّ أنَّ المحلّ صالح للحكم أمر مهم جداً؛ إذ نحتاج قبل تطبيق كلِّ حكم أن نتعرّف على علّته أوَّلاً ثمّ ننظر هل المحلّ مناسب لها أم لا؟ فإن لم يكن مناسباً لها فإنَّ الحكم لا يط بق هنا. ثانيا : مدار الأحكام فيما عدا العبادات على العرف؛ لأنّ ه مُ ظهرٌ ومُ عرفٌ ومُ رشدٌ لعلل الأحكام الشررعية التي مدارها على الواقع. قال السرََّخسيُّ (1) والعَيني(2)« : إن الثَّابتَ بالعرف ثابتٌ بدليل شرعيّ » إن الشرَّيعة اعتبر العرف في غير العبادات مر اعاة الواقع؛ لأنَّا بنت الأحكام على علل، فلا بُدّ من مراعاة وجود هذه العلل قبل إعطاء الحكم الشرَّعيّ، وهذه العلّةُ مرتبطةٌ بالواقع من حيث وجودها وعدمها، فإن وُجِدت وُجد الحكم، وإن عُدِمت عُدِم الحكم. فكان معنى قوله الثابت بالعرف هو اعتبار الشارع لمراعاة الو اقع، فيكون هذا الواقع مرشداً لوجود علة الحكم وعدمها، فيكون الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي من حيث اعتبار الشّ ارع للواقع، ومن حيث إن العرف يدلُّ على وجود العلة، لا من حيث أنّ العرف مشرع ابتداءً؛ لأنّ العرف مظهر ومرشد لا غير. (1) في المبسوط13 :14. (2) في البناية8 :183.
عدد الصفحات ٤٣46 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية ثالثا : الفروع تخرج على القواعد، و القواعد تستنبط من القرآن والسُّ نة، والقواعد تتكون من علل وأحكام، فلا يكون الحكم إن لم توجد العلّة، ووجود العلل وانعدامها يرجع لفهم الواقع، وبالترالي لا تنفك الأحكام عن عللها المرتبطة بالعرف. إنّ هذه القواعد التي تستمد منها الفروع هي عبارة عن علل وأحكام، بحيث إن توفرت العلة في قاعدة هذه الفرع المستجد أخذ حكم هذه القاعدة، والعلّة يراعى في وجودها الواقع، فلا يُمكن النظر إليها بدون الالتفات للعرف؛ لأنّ ه هو المخبر عن وجود العلة في الفرع الجديد، فالأحكام عندنا معلّلة لا تعبديّة، فلا بُدّ من مراعاة الواقع في عامّ ة الأحكام. رابعا : النُّصوص معلرلة وغيرُ معلرلة في نظر المجتهد، فالمعلرلة منها يُراعى فيه العرف الدال على العلرة، وغير المعللة لا يُلتفت فيه للعرف؛ لأن النصّ مقصود بذاته، وهو حاكم على العرف في نظر المجتهد القائل بذلك: إنّ النُّصوصَ في نظر المجتهد على ن وعين: معلَّلة وغير معلَّلة: أي مقصودة بذاتُا، وتحديدها راجع لنظر المجتهد، ففي نص الأصناف الستة الربوية اختلفت الأنظار عند أصحابنا، فأبو حنيفة ومحمد جعلا النصّ في هذه الأصناف الستة مقصود بذاته وغير معلل وفي غيرها من الأصناف معلل، وأما أبو يوسف فجعل النصّ مع للاً في الأصناف الستة وغيرها. فيكون معنى قول صاحب «الهداية« :»لأنّ النصَّ أقوى من العرف »، خاص بالمسائل التي بنيت على نصّ غير معلل، وبالتالي لا يلتفت فيها إلى العرف،
عدد الصفحات ٤٤للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 47 والنصّ هو الحاكم فيها، وهو أقوى من العرف؛ لأنَّا لم تبن على العرف حتى يلتفت فيها. وهذا كله راجع لنظر المجتهد، بخلاف غيره من المجتهدين الذي نظروا في نفس المسألة ورأوا أنَّا معللة فإنَّم يراعون العرف فيها، ويجعلونه مفسرّاً وموضحاً للعلة الموجودة في النصّ، كما ذكر صاحب «الهداية»في تعليل قول أ يوسف: «أنه يعتبر العرف على خلاف المنصوص عليه أيضاً؛ لأنّ النصّ على ذلك لمكان العادة، فكانت هي المنظور إليها، وقد تبدلت»، فجعل نظر أبي يوسف إ النص معللاً، وقد تبدلت العلة كما أخبرنا العرف. خامسا : العرف يُرجع إليه بين أهله عامّا أو خاصّا ، فالعرفُ العام يُتكم إليه في جميع البلاد المنتشر فيها، والعرف الخاصّ يُُ تكم في مكان وجوده: إنّ التَّفريق بين العرف الخاص والعامّ بأنّ العامّ حجّة، والخاص ليس بحجة محلُّ نظر عموماً، فمن أين اكتسب العرف العام قوّة لم يكتسبها العرف الخاصّ، ومعلوم أنّ العرف غير معتبر في التَّشريع ابتداءً، وإنّما يُستفاد منه في تفسير التَّشريع، ومعرفة المحلّ لعلّة الشَّارع الحكيم. وهذا لا يفترق به العرف العام عن العرف الخاصّ، فكلُّ واحدٍ منها صالحٌ للقيام بهذه الوظيفة، إلا أنّ العرف العام سيكون تأثيره في بيئةٍ أكثر لشموله إياها، والعرفُ الخاصُّ يتعلَّقُ ببيئة أقلّ لاقتصاره عليها، ولا يعتبر في غيره ا، إلا أن يقال: المقصود بالعرف الخاص أفراداً محصورين، فتعارفهم أمثالهم لا يلتفت إليه، ولا يُعدّ عرفاً صالحاً لتفسير محل علل الأحكام.
عدد الصفحات ٤٥48 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية ولما كانت الأبوابُ مبينةً على قواعد حتى تنتظم الأحكام وتفرَّع عليها، وعبروا عن هذه القواعد بالقياس، وكانت هذه القواعد سبيلاً لتطبيق الإسلام وعيشه، فإن تسببت هذه القواعد في عكس ما وُضعت له، بحيث عَسرُ علينا تطبيق الأحكام، فإننا نستحسن ونتركها ونعمل بالعرف المتوافق مع قدرة النَّاس على تطبيق الإسلام، فكان التعامل حجّة يترك به القياس . وإن كان هذه القاعدة مبنية على أثر ظاهر، فإنّه يكون لهذا الأثر علّة بُني عليها حكمه، والعرفُ يكون لتفسير محلّ العلّة، فتبينّ بهذا العرف الحادث عدم توفر علّة الأثر، فلن نطبق عليه حكم الأثر، فكان هذا العرف مخصصاً للأثر. سادسا : كلّ ما يرجع للألفاظ من أيمان وطلاق ووصية وعقود وغيرها يُُكم فيه عرف أهله: بسبب أنّ الألفاظَ وسائلٌ للوصول إلى معاني معيَّنة، وكلُّ أُناس يتكلمون بهذه الألفاظ ويقصدون ما تعارفوه من معنى لها، فيكون العرف هو المبين لمقصودهم، فيحتكم إليه. وقال ابن قُطلوبُغا: «التَّحقيقُ أنَّ لفظَ الواقف والموصي والحالف والنَّاذر وكلّ عاقدٍ يحُْمَلُ على عادتِهِ في خطابِهِ ولغتِهِ التي يَتَكَلَّم بها، وافقت لغة العرب ولغة الشارع أو لا»(1). (1) ينظر: شرح العقود ص497.
عدد الصفحات ٤٦للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 49 المطلب الثّاني: تطبيقات للعرف: إنر الأصول التي تندرج تحت العرف كثيرة، نقتصَّ على ذكر أصلين منها: * الأصل الأول: مخالفة المروءة: ونعرض ما يتعلق بالمروءة في النقاط الآتية: أولا : معنى المرءوة لغة واصطلاحا : المروءة لغةً:كمال الرُّجولة، والمرأة مؤنث والمرء هو الرَّجل، ويطلقان على البالغ منهما (1)، وهي الإنسانية (2)، فيجتنب عمل شيء يوجب تنزل قدر الإنسانية عند أهل الفضل والكمال(3). واعتبرت المروءة كمال الرُّجولة؛ لجمع صاحبها أ فضل الصفات التي يتحلَّها به الرِّجال، وكانت بمعنى الإنسانية؛ لتوفر أكمل صفات الإنسان فيها، فكان صاحبها محققاً معنى الرُّجولة والإنسانية على الكمال. واصطلاحاً لها تعاريف متقاربة منها: آداب نفسانية تحمل مراعاتُا الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات(4). (1) ينظر: المغرب2 :262، ولسان العرب1 :154، والمحيط في اللغة2 :443. (2) ينظر: مختار الصحاح ص292، ولسان العرب1 :154. (3) ينظر: درر الحكام4 :407. (4) ينظر: المصباح2 :569، وقرة عين الأخيار7 :492.
عدد الصفحات ٤٧50 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية أو هي قوة للنفس مبدأ لصدور الأفعال الجميلة عنها المستتبعة للمدح شرعاً وعقلاًوعرفاً (1). أو أن لا يأتي ما يعتذر منه مما يبخسه من مرتبته عند العقلاء أو صيانة النفس عن الأدناس وما يشينها عند الناس(2). أو السَّمتُ الحسن وحفظ اللِّسان والاجتناب من الس خف: أي الارتفاع عن كلِّ خُلُق دنيء (3) . أو هي المحافظة على فعل ما تركه من مباح يوجب الذَّم عرفاً: كترك الانتعال في بلد يستقبح فيه مشي مثله حافياً، وعلى ترك ما فعله من مباح يوجب ذمه عرفاً: كالأكل عندنا في السوق(4). فتحصرل من هذه الترعاريف أنر المروءةَ م تعلِّقةٌ بالأخلاق الحسنة والسُّلوكيات السروية والترصَُّّفات الفاضلة على حسب العرف في ذلك الزرمان والمكان، فكلُّ ما يُنقص من مرتبة فاعله في مجتمعه يخُِلُّ بمروءته. ثانيا : مكانة المروءة: يدور معنى المروءة في القرآن والحديث والآثار وكلام السَّلف على ما سَبَ ق إيراده في التعاريف اللغوية والاصطلاحية للمروءة. (1) ينظر: التعريفات1 :210. (2) ينظر: البحر الرائق7 :92. (3) ينظر: تيسير التحرير3 :44. (4) ينظر: شرح حدود ابن عرفة ص44، وقواعد الفقه ص479.
عدد الصفحات ٤٨