المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية ويليه نشر العرف

غير معروف

صفحة ٢ من ٣٧

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 19 وقواعد رسم المفتي فحسب؛ لأنَّ اجتهادَ المتقدّمين في عصور السَّلف لا يعلوه اجتهاد، وهذا ما شهدت به الأمّة قاطبة، فكيف يُقدَّم عليه اجتهادٌ لمتأخرٍ لم تكتمل فيه الآلات ولم ينل اجتهاده القبول. وهذا ما قَرَّره كافةُ الفقهاء جيلاً بعد جيلٍ بعملهم، وصرّح به قاضي خان في مقدمة الفتاوى، ومما قال (1)« :لأنَّ الظاهر أن يكون الحقّ مع أصحابنا و يعدوهم، واجتهاده لا يبلغ اجتهادهم، ولا ينظر إلى قول مَن خالفهم ولا تقبل حجته؛ لأنََّّم عرفوا الأدلة وميزوا بين ما صحّ وثبت وبين ضده » علماً أنه لا يوجد بعد القرن الرابع مَن بلغ رتبة الاجتهاد حتى يكون أهلاً للنظر في الدليل مع أقوال أئمة المذهب، ويُمكنه الترّجيح بالاعتماد على هذا الدّليل، ولكن هذا الترّجيح غير قوي في المذهب، وإنَّما هو مسلك مدرسة محدثي الفقهاء، والترَّجيح المعتبر هو المعتمد على الأصول ورسم المفتي. وعلى كلٍّ فهذا مح لّ نظر لمثل ابن الهمام وغيره؛ لأنََّّم لم يقفوا على دليل الإمام أصلاً، ولم يعرفوا مدركه. قال تلميذه ابنُ قُطلوبُغا: إنَّه لا يتلفت لأبحاث شيخنا المخالفة للمذهب(2). 9.أن لا يرجح غير ظاهر الرواية إلا بقواعد رسم المفتي الترَّجيح بقواعد رسم المفتي هو المعتبر، ولا شَكَّ في صحّتِهِ فهو الطريقُ (1 )في فتاوى قاضي خان1 :1. (2) ينظر: رد المحتار3 :74.

عدد الصفحات ١٧

20 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية المعتبرُ عبر التَّاريخ عند الفقهاء، ومرجعُه إلى الضََّّورة والعرف والتّيسير والمصلحة، حتى رجّحوا أقوالاً للشّافعي ومالك بهذا الطَّريق، وأمَّا الترَّجيحُ بالحديث، فهو غيرُ معتبرٍ في مدرسةِ الفقهاء بعد استقرارِ المذاهب . قال ابنُ عابدين (1)« :لكن رُبّما عدلوا عماّ اتفق عليه أئمتُنا؛ لضَّورةٍ ونحوِها » وقال الطَّرسو«أنَّ القاضي المُقلِّدَ لا يجوز له أن يحَْكُمَ إلاّ بما هو ظاهر المذهب لا بالرواية الشاذّة، إلاّ أنّ ينصُّوا على أنَّ الفتوى عليها »(2). 10. أن يرجح قول أ حنيفة مطلقا وإن خالفه أصحابه: لما كان مبنى الترَّجيح على قوّة الاجتهاد، وأبو حنيفة أعلى المجتهدين درجةً في الاجتهاد لما تحصل لديه من أسبابه وشروطه، فإن قول أبي حنيفة يُقدَّم على قوله غيره من المجتهدين كأبي يوسف ومحمّد وإن اتفقا، لكن اتفاقهم على قول مخالف لقول أبي حنيفة منحه قوَّة في الاجتهاد كقول أبي حنيفة؛ لذلك وجدنا القول: بأن المفتي في هذا الحالة مخير؛ لأنَّا الاجتهاد المخالف قوي، وإن كان المشهور في الكتب العمل بالأول، وهو قول أبي حنيفة. قال الأُوشي(3)« :ثم الفتوى على الإطلاق على قول أبي حنيفة» (1) في شرح العقود ص382ـ383. (2) ينظر: شرح العقود ص428. (3) في الفتاوى السراجية ق 258/ ب

عدد الصفحات ١٨

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 21 11.أنيرجِّح القول الأقوى اجتهادا من أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ثم محمّد: قال القابسي(1)« :ومتى لم يوجد في المسألة عن أبي حنيفة روايةٌ، يؤخذُ بظاهر قول أبي يوسف، ثمّ بظاهرِ قول محُمّد، ثم بظاهر قول زفر والحسن وغيرهم، الأكبر فالأكبر إلى آخر مَن كان من كبار الأصحاب» 12.أن يرجح بالترفصيل من قول أبي حنيفة ثمّ أبي يوسف وهكذا إ بقواعد رسم المفتي من ضرورةٍ وغيرها: قال القابسي (2)« :ومتى كان قولُ أبي يوسف ومحُمّد يوافق قوله لا يَتَعَدَّى عنه إلا فيما مَسَّت إليه الضََّّورة، وعُلِم أنَّه لو كان أبو حنيفة رأى ما رأوا لأف تى به» 13. أن يترجّح القول بانضمام اجتهادٍ مجتهدٍ آخر له لما كان مبنى الترَّجيح على قوّة الاجتهاد، فكلّما توافق الاجتهاد من الفقهاء في المذهب الواحد؛ لتقارب أصولهم إجمالاً وضبط مذهبهم عموماً، فإنّه يتقوَّى ويترجَّح، قال ابن عابدين (3)« :وكذا إذا وافقه أحدُهما ـ يعمل بقوله ـ» (1) في الحاوي القدسي ق180/ أ (2) في الحاوي القدسي ق180/ أ (3) في شرح العقود ص390.

عدد الصفحات ١٩

22 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية 14.أن يرجح المفتي قول المجتهدين في المذهب إنّ المعتبر في حَقّ المفتي هو قولُ المجتهد في المذهب فيما يرجِّحُ، سواءٌ كان قولاً لأبي حنيفة أم لأبي يوسف أم لمحمّد، والمجتهدُ في ترجيحِهِ يُراعي الأصول ورسم المفتي، فإن لم يظهر له هذا، يتبع قول أبي حنيفة ثمّ أبي يوسف، ثمّ محمّد، وهكذا، ويُراعي وجود أحد صاحبي أبي حنيفة معه أو لا. قال ابن نُجيم (1) :«عن«التتارخانيّة« :»إذا كان الإمامُ في جانب وهما جانب خيرِّ المفتي، وإن كان أحدُهما مع الإمام أُخذ بقولهما، إلا إذا اصطلح المشايخ على قول الآ خر، فيتبعهم: كما اختار الفقيه أبو الليث قول زُفر في مسائل» وقال ابن عابدين(2)« :نتبع ما قالوا كما لو كانوا أَحياءً وأَفتونا بذلك ـ ك علمته آنفاً من كلام العلامة قاسم ـ؛ لأنََّّم أَعلم وأَدرى بالمذهب، وعلى هذا عملهم، فإننا رأيناهم قد يرجِّحون قول صاح بيه تارةً، وقولَ أَحدِهما تارةً، وتارةً قول زفر» 15.أن لا يكون الترجيح لضعف دليل المجتهد المطلق معلومٌ أنّ الاجتهادَ مرده لأصول الاستنباط بعد إعمالها في الأدلّة الشرَّعيّة المتوافرة بين الأيدي، وبالتَّالي كلّما ارتفعت درجة المجتهد المطلق كانت أصوله (1) في البحر الرائق6 :292. (2) في شرح العقود ص397.

عدد الصفحات ٢٠

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 23 أدق وأحكم، وكان اجتهاده أقوى وأرفع، فكلُّ مجتهد مطلق يظنُّ بناء على أصوله أن اجتهاده أقوى من غيره من وجهة نظره، وعلى أصول غيره يكون اجتهاد غيره أقوى. فمَن لهم الحقّ بالاجتهاد المطلق من المجتهدين المطلقين المنتسبين كأبي يوسف ومحمّد، أو المجتهدين المنتسبين كالكَر خي والطَّحاوي يُمكن لهم بناء المسائل على أصولهم التي التزموا فيها أن يُقدِّموا قوله أئمتنا على قول غيرهم؛ لأنّ ه الأصول التي سلكوها في الاجتهاد اقتضت ذلك، وليس الأمر أن دليل قول الإمام ضعيف مطلقاً، وإنما هذا من وجهة نظر المجتهد على الآخر بناء على أصوله، وإن كان في حقيقة الأمر دليل أبي حنيفة أقوى من دليله؛ لأنّ أصول أبي حنيفة أدق واجتهاده أقوى. وهذا ما يُقدِّره المجتهدون في المذهب، فإنّ المجتهدين في المذهب يلتزمون ترجيح قول أبي حنيفة مطلقاً، إلا ما ترجَّح من قول أصحابه بقواعد الرَّسم، وهذا يدلّ على أنَّ اجتها د الإمام هو الأقوى والمقدَّمُ دائماً. قال ابنُ قُطْلوبُغا (1)« :على أنَّ المجتهدين لم يُفقدوا حتى نظروا المختلِف ورجَّحوا وصحَّحوا، فشهدت مصنَّفاتُم بترجيح قول أبي حنيفةِ والأخذِ بقوله إلاّ في مسائل يسيرة اختاروا الفتوى فيها على قولهما أو قول أحدِهما » (1) في التصحيح والترجيح1 :5 باختصار يس

عدد الصفحات ٢١

24 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية 16.أن يُرجح بقول الأكثر من الفقهاء المجتهدين من طبقة المجتهد المنتسب والمجتهد في المذهب: إن لم يوجد حكمٌ في المسألة عن المجتهدين المستقلين: أبي حنيفة وتلامذته، فيؤخذ بالحكم بطبقة المجتهد المنتسب، فإن اختلفوا يُرجَّح ما يختاره الأكثر منهم، قال القابسي(1)« :إذا لم يوجد في الحادثة عن واحدٍ منهم جوابٌ ظاهر، وتَكَلَّم فيه المشايخُ المتأخرون قولاً واحداً يؤخذ به، فإن اختلفوا، يؤخذ بقولِ الأكثرين ممّا اعتمد عليه الكبار المعروفون: كأبي حفص، وأبي جعفر، وأبي الليث، والطحاوي وغيرهم، فيعتمد عليه» 17.أن يرجح قول أبي يوسف في أبواب القضاء على غيره؛ لزيادة تجربته: الرّاجح قول أبي يوسف في أبواب القضاء المختلفة؛ لتجربته الطويلة فيه، وهذا يؤكد أنّ الترّجيح بين المجتهدين برسم المفتي، فلماّ كانت تجربة أبي يوسف في القضاء كانت أقواله متوافقة مع الواقع وملائمة له، فجعلوا الفتوى على قوله؛ لما فيه منَ التيسير ورفع الحرج عن المكلفين، ولأنَّ الفقه وسيلةٌ لتنظيم الحياة وليس غايةً في نفسِه، وإنَّما الغاية مرضاة الله بالتّقوى، فما كان من أقوال الأئمة أنسب للحياة فهو أولى بالفتوى والعمل، كما رأينا من تطبيقهم. قال ابنُ عاب دين(2)« :الفتوى على قول أبي يوسف فيما يتعلَّق بالقضاء، كما في «القُنية »و«البَزَّازيّة »أي لحصول زيادة العلم له به بالتجربة؛ ولذا رجع أبو (1) في الحاوي القدسي ق180/ أ (2 )في رد المحتار1 :71.

عدد الصفحات ٢٢

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 25 حنيفة عن القول بأنَّ الصدقة أفضل من حج التطوع لما حج وعرف مشقته، و «شرح البيري»أنَّ الفتوى على قول أ يوسف أيضاً في الشهادات» 18.أن يرجح قول محمّد في مسائل الأرحام من الفرائض قال النَّسَفيُّ (1)« :وقولُ محُمّد أشهر الرِّوايتين عن أبي حنيفة في جميع ذوي الأرحام، وعليه الفتوى» 19.أن يرجح المرجوح إن تعلرق به عدم تكفير المسلم ولا يُعمل إلا بالرَّاجح إلا في مسائل الكفر، فيعمل بالمرجوح إن تعلَّق به عدم تكفير المسلم وإن كانت رواية ضعيفة؛ لأنّ الإسلام جاء لدخوله لا للخروج منه، قال ابن مازه: «الكفرُ شيءٌ عظيم فلا أجعل المؤمن كافراً متى وَجَدْتُ روايةً أنَّه لا يكفر »(2). 20.أن يُرجّح القول الذي صرّحوا برجوع المج تهد إليه: إنَّ استخدام مصطلح (رجع عنه أبو حنيفة ) شائعٌ في المذهب في عشرات المسائل، ويُعدُّ أحد ألفاظ الترّجيح، فهو كنايةٌ على أنّ ما رجع عنه صار مرجوحاً لا يُعمل به، وما رجع إليه راجحٌ يُعمل به، ويُصرّح بالرُّجوع عندما يقوى العمل بهذا القول، قال الغزنويُّ: «إنَّ ما رَجَعَ عنه المجتهد لا يجوز الأخذ به»(3). (1 في )الكافي ق420/أ (2) ينظر: البحر5 :134 عن الفتاوى الصغرى (3) ينظر: رد المحتار1 :67 عن التوشيح.

عدد الصفحات ٢٣

26 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية 21. أن يرجح أقوال المتون على غيرها التزم أصحاب المتون بذكر ظاهر الرِّواية عادةً، وهذا من الترَّجيح الالتزامي، فذكر القول في المتن يدلّ على الترَّجيح له. قال الخيرُ الرَّمليُّ (1)« :المذهب الصحيح المفتى به، الذي مشت عليه أصحابُ المتون الموضوعة لنقل الصَّحيح من المذهب ـ الذي هو ظاهر الرِّواية » 22. أن يرجح التصحيح الصَّريح على الترصحيح الالتزامي قال ابن عابدين (2)« :قال ابن قطلوبغا: إنَّ ما في المتون مصحَّح تصحيحاً التزامياً، والتَّصحيحُ الصرَّ يح مُقَدَّمٌ على التَّصحيح الالتزامي. قلت: حاصلُه أنَّ أصحابَ المتون التزموا وضع القول الصَّحيح، فيكون ما في غيرها مقابل الصَّحيح ما لم يُصرَّح بتصحيحه، فيُقدَّمُ عليها؛ لأنَّه تصحيحٌ صريحٌ فيُقَدَّمُ على التَّصحيح الالتزامي » 23.أن يرجح ما في الشروح والف تاوى إن لم يعارض المتون أو كان مصححا : قال اللَّكنوي (3)« :إذا تعارض ما في المتون وما في غيرها من الشرُّوح والفتاوى، فالعبرةُ لما في المتون، ثمّ للشرُّوح المعتبرة، ثمّ للفتاوى؛ إلا إذا وُجد التَّصحيح ونحو ذلك فيما في الشرُّوح والفتاوى، ولم يوجد ذلك في المتو ن، فحينئذٍ (1) في الفتاوى الخيرية ق173/ أ (2 )في شرح العقود ص444ـ445. (3) في النافع الكبير ص25ـ26.

عدد الصفحات ٢٤

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 27 يُقدَّم ما في الطَّبقة الأدنى على ما في الطبقة الأع » 24. أن يُرجح القول المقدرم في الكتب التي التزمت بتقديم الرّاجح قد التزم بعضُ المؤلِّفين بأنََّّم يُقدِّمون القولَ الرَّاجح عندهم في الذِّكر على الأقوال المرجوحة: كقاضي خان (ت592هـ«فتاواه»، والحلبي (ت961هـ في «ملتقى الأبحر» 25. أن يُرجِّح القول الذي تأخر دليله في الكتب التي التزمت ذلك إنّ عامة الكتب التي التزمت ذكر الدَّلائل كـ «الهداية»و«المبسوط» وغيرهما، فعادتُم المعروفة أنَّّم يذكرون دليل القول الرّاجح في الأخير، ويجيبون عن دلائل أقوال أخر، فالدَّليل المذكور في الأخير يدلّ على رجحان مدلوله عند المؤلّف. قال ابنُ عابدين: «وما عداهما ـ أي«الخانية»و«الملتقى»ـ من الكتب التي تُذْكَرُ فيها الأقوال بأدلّتها: كـ «الهداية»وشروحها، وشروح «الكنز»، و «كا النَّسفيّ »، و«البدائع»(1)، وغها من الكتب المبسوطة، فقد جرت العادة فيها عند حكاية الأقوال: أنََّّم يؤخرون قول الإمام، ثمّ يذكرون دليل كلّ قول، ثمّ يذكرون دليل الإمام متضمناً للجواب عماّ اسْتَدلّ به غيرُه، وهذا ترجيحٌ له، إلاّ أن ينصّوا على ترجيح غيره » (1) لكنقال العثماني في أصول الإفتاء ص35« :ويظهر من صنيع صاحب البدائع أنَّه يفعل ذلك ـ أي تقديم القول الراجح ـ أيضاً في الغالب»

عدد الصفحات ٢٥

28 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية 26.أن يُرجِّح القول الذي ذكر دليل ه في الكتب التي اعتمدت ذلك: وهذا إذا ذكر دليل قول واحد فقط وأهمل دليل الآخر، فالراجح ما ذكر دليله. قال ابنُ الشَّلبيّ: «الأصلُ أنَّ العملَ على قول أبي حنيفة؛ ولذا تُرجِّح المشايخُ دليلَه في الأغلب على دليل مَن خالفه من أصحابه، ويجيبون عَماّ استدلّ به مخالفه، وهذا أمارة العمل بقوله، وإن لم يُصرّحوا بالفتوى عليه؛ إذ الترجيح كصريح التَّصحيح»(1). 27.أن يرجح القول المرجح بأي لفظ من ألفاظ الترجيح إن وجد المفتي في مسألةٍ أقوالاً، وصُحِّح أحدُهما بأي لفظ من ألفاظ الترجيح فإنّه يعمل به؛ لأنَّه ترجيحٌ صريح. قال الرَّ مليُّ (2)« :وفي أَوّل «المضمرات»أمّا العلامات للإفتاء فقوله: وعليه الفتوى، وبه يفتى، وبه نأخذ، وعليه الاعتماد، وعليه عمل اليوم، وعليه عمل الأمّة، وهو الصحيح، وهو الأصحّ، وهو الأظهر، وهو المختار في زماننا، وفتوى مشايخنا، وهو الأشبه، وهو الأوجه» 28.أن يرج ح بالأصح إن اختلف الترصحيح بلفظ الصحيح والأصح من واحدٍ، وإن كان الاختلاف من اثنين فأكثر يعتبر التررجيح بعلوِّ اجتهاد القائل (1) ينظر: شرح العقود ص451، عن فتاوى ابن الشلبي (2) في الفتاوى الخيرية ق319/ أ

عدد الصفحات ٢٦

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 29 وباعتماد الكتاب الذي صحِّح فيه قال ابنُ عابدين (1)« :إن كان كلٌّ منهما بلفظ الأصحّ أو الصحيح، فلا شبهة في أنَّه يتخيرّ ب ينهما إذا كان الإمامان المصحِّحان في رتبةٍ واحدة. أمّا لو كان أحدُهما أعلم، فإنَّه يخَتار تصحيحه: كما لو كان أحدُهما في «الخانيّة»والآخر«البَزّازيّة »مثلاً، فإنَّ تصحيح قاضي خان أقوى، فقد قال العلامةُ قاسم: «إنَّ قاضي خان من أحقِّ مَن يُعْتَمَدُ على ت صحيحه»(2). 29. أنّ الترّجيح بقوة اجتهاد القائل ومقدار اعتماد الكتاب إن اختلف الترّ جيح، ولا التفات للفظ الترّ جيح من جهة التطبيق العملي: ينبغي عدم الترَّجيح بالألفاظ، وإنَّما يُرجَّح بالقائل والكتاب المذكور فيه لفظ الترّجيح، فكلّما ارتفعت درجة القائل في الاج تهاد كان قوله أقوى من غيره، وكذلك كلّما كان الكتاب أكثر اعتماداً كان ما فيه من الترّجيح مُقدَّمٌ على ترجيح غيره، قال ابن قُطْلُوبُغا(3)« :ما يصحِّحه قاضي خان مُقدم على تصحيح غيره؛ لأنَّهُ فقيه النَّفس» وهذا هو الظاهر من استخدام ألفاظ الترجيح في الكتب، حيث تجد أنَّ المفتي لو اهتم باللفظ ولم ينتبه للقائل والكتاب لن يستطيع التَّوصل للرَّاجح؛ لوجود التَّساهل في إطلاق ألفاظ الترَّجيح المتنوعة على ما يُرجحون، وأنََّّم لا (1) في شرح العقود ص458. (2) انتهى من التصحيح والترجيح1 :5 بتصرف يس (3) في تصحيح القُدوريّ ص 134.

عدد الصفحات ٢٧

30 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية يقصدون التَّفضيل بين الألفاظ، وإنَّما يُعبرِّ كلٌّ منهم برجحان ما اختار من قول بأي بلفظ من ألفاظ الترَّجيح. وما يُعرض من نقاش في الكتب في الترَّجيح بالألفاظ هو نقاشٌ نظري، يرجع للاستخدام اللغوي، لا إلى التطبيق العملي الشائع في كتب المذهب. 30. أن يخيرّ بين القولين المصححين إن استويا في قوّةِ الترصحيح من جهةِ القائل له والكتاب الذي صحح فيه مثلا : قال ابنُ عابدين (1)« :إذا كان في المسألة قولان مصحَّحان، فالمفتي بالخيار، ليس على إطلاقه، بل ذاك إذا لم يكن لأحدِهما مرجِّح قبل التصحيح أو بعده » 31. أن يُرجِّح القول المتأخر إن صدر التررجيحان من رجل واحدٍ إذا كان الترَّجيحان من رجل واحدٍ، عُمِل بالمتأ خر منهما إن عُرف التَّاريخ، وإن لم يُعرف التَّاريخ، رَجَّح المفتي أحدهما بمرجحات. ويُعرف المتأخر بأن يكون تأليف أحد الكتابين متأخراً عن الآخر، فيعمل بما فيه. 32.أن يرجح القول المصحرح إن كان في المتون على غيره من الكتب إذا كان أحد التَّصحيحين مذكوراً في المتون والآخر مذكوراً في غيرها، فالرَّاجح ما في المتون؛ لأنّ أعلى مراتب التَّصحيح أن يكون تصحيحاً صريحاً في المتون؛ لأنّ المتونَ التزمت أن تذكر الصَّحيح، فإن صرَّحوا بالتصحيح قُدِّم على (1) في شرح العقود ص459.

عدد الصفحات ٢٨

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 31 غيره، ولأنَّه عند عدم التَّصحيح لأحدِ القولين يُقَدّمُ ما في المتون؛ لأنََّّا الموضوعةُ لنقل المذهب، فكذا إذا تعارض التَّصحيحان، قال (1)« :فقد اختلف التَّصحيح، والفتوى والعمل بما وافق المتون أولى» 33.أن يرجح القول المصحرح إن كان قول أبي حنيفة على غيره من أصحابه إذا كان أحد القولين المصححين قول الإمام الأعظم والآخرُ قول بع ض أصحابه كأبي يوسف ومحمّد، فإنّه يُقدَّم قول أبي حنيفة؛ لأنَّه عند عدم الترَّجيح لأحدهما يُقَدَّمُ قولُ الإمام فكذا بعده (2). 34.أن يرجح أحدُ القول ين المصحرحين إن كان ظاهر الرواية على غيره: إذا كان أحدُهما ظاهر الرِّواية والآخر غيره، فالرَّاجح ما هو ظاهر ا لرِّواية، قال ابنُ نُجيم (3)« :إذا اختلف التَّصحيح وَجَبَ الفحص عن ظاهر الرِّواية والرُّجوع إليه » 35.أن يُرجِّح أحد القولين المصحّحين إن كان مختار أكثر المشايخ والآخر مختار قليل منهم، فالرراجح ما اختاره الأكثر: قال ابن عابدين (4)« :إذا كان أحد القولين المص حّحين قال به جلّ المشايخ العظام» (1) في البحر الرائق2 :92. (2) ينظر: شرح عقود رسم المفتي ص460. (3) في البحر2 :269 بتصرف يس (4) في شرح العقود ص461.

عدد الصفحات ٢٩

32 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية 36.أن يُرجِّح أحد القولين المصحرحين إن كان قياسا والآخر استحسانا ، فالراجح الاستحسان: قال ابن عابدين(1)« :إذا كان أحدُهما الاستحسان والآخر القياس؛ لما قدَّمناه من أنَّ الأرجح الاستحسان إلاّ في مسائل » 37. أن يرجح أحد القولين المصحرحين إن كان أوفق بالزّمان على غيره. قال ابن عابدين (2): إذا كان أحدُهما أَوْفق لأهل الزَّمان، فإنَّ ما كان أوفق لعرفهم أو أَسهل عليهم فهو أولى بالاعتماد عليه؛ ولذا أفتوا بقول الإمامين في مسألةِ تزكية الشُّهود وعدم القضاء بظاهر العدالة؛ لتغيرّ أحو الِ الزَّمان، فإنَّ الإمامَ كان في القرن الذي شهد له رسول الله  بالخيريّة بخلاف عصرهما، فإنَّه قد فشى فيه الكذب فلا بُدّ فيه من التزكية » 38. أن يُرجّح أحد القولين المصححين إن كان أقوى في الدرليل عند مفتٍ أهل للنرظر في الدليل من طبقة مجتهد منتسب، فهو أولى من غيره: قال ابنُ عابدين (3)« :إذا كان أحدُهما دليله أوضح وأظهر، فحيث وُجِد تصحيحان ورأى مَن كان له أَهليّة النظر في الدليل أنَّ دليلَ أحدهما أَقْوَى، فالعمل به أولى »، ولكنه مقيدٌ بطبقة مجتهد منتسب فحسب؛ لأن أصحاب هذه الطبقة مع بعدهم يرجحون بأصول البناء والتطبيق. (1) في شرح العقود ص461. (2) في شرح العقود ص461. (3) في شرح العقود ص461.

عدد الصفحات ٣٠

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 33 39.أن يُرجح أحد القولين المصحّحين إن كان أنفع للفقراء فيما يتعلّق بالزّكاة: إن كان أحدُ القولين أنفع للفقراء، فهو أولى من غيره في باب الزكاة؛ لموافقته لأصل الباب في فرضية الزَّكاة بنفع الفقير، فما يكون من الأقوال يحُقِّق هذا المعنى يُقدّم على غير ه، فيُفتى بقول أبي حنيفة في باب الزُّروع؛ لأنه يوجبها في كلِّ ما يخرج من الأرض بلا شرط نصابٍ ولا بلوغٍ ولا عقلٍ ولا حولٍ؛ لكثرة النَّفع للفقراء به. 40. أن يُرجِّح أحد القولين المصحّحين إن كان أنفع للوقف فيما يتعلرق بالوقف: لما كان الوقفُ مشروعاً لتحقيق ال نَّفع لمصارف الوقف بإيصال الخير لهم وزيادة البر بهم، والواقف وقف ماله لتحقيق هذا المعنى، فإنّه يُرجَّح القول الذي يحقِّق مصلحته ويزيده ويحافظ عليه. قال ابنُ عابدين (1)« :إذا كان أحدُهما أَنفع للوقف لما صرَّحوا به «الحاوي القدسي»وغيره: من أنَّه يُفتى ب هو أَنفع للوقف فيما اختلف العلماء فيه» 41. أن يرجح أحد القولين المصحرحين إن كان أدرأ للحدّ في باب الحدود إن ما يكون من الأقوال المصحّحة فيما يتعلَّق بالحدود، وهو أدرأ لإيقاع الحدّ، فإنه أولى من غيره؛ لأنّ مبنى الحدود على الدَّرء، فالقول الموافق لقاعدة الباب يُقدَّمُ على غيره. (1) في شرح العقود ص461.

عدد الصفحات ٣١

34 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية 42.أن يرجح القول الأبعد عن الحرمة من القول الآخر إذا كان التَّعارض بين الحلِّ والحرمة، فالرَّاجحُ هو المحرَّم (1)؛ لأنّ تركَ المباح لا حرج فيه، بخلاف الوقوع في الحرام ففيه حرجٌ. 43.أن يرجح بناء على المعاني لا الألفاظ حتى يتثبت من ب ناء المسألة وقاعدتها: لا بُدّ عند قراءة المسألة من الالتفات إلى ما وراءها من قاعدة بُنيت عليها، وفهم أنَّ المذكور هو مثال لا غير عادةً، فالتمسّكُ بالمثال بحرفيته والغفلة عن القاعدة لهو الجمود بعينه في الفقه، بحيث يصبح علماً نظرياً لا يصلح تطبيقه في الواقع، فما قاله الإمام في زمانه بُنِي على هذه القواعد، وكان واقع الإمام مثالاً عليها إجمالاً، فتطبيق أمثلة زمان الإمام على واقعنا غيرُ ممكن، كمَن يريد أن يطبق كثيراً من أحاديث النَّبيِّ  على واقعنا إن كانت ممّا بُنيت على عرف وزمان، و يَلتفت إلى العلّة الموجودة فيها. والغفلة عن هذا الأمر من الأسباب التي جَعَلَت الفقه في هذا الزمان أقرب إلى النظرية من التطبيق، بسبب التمسّك بالأمثلة دون روحها والقاعدةِ المبنيّة عليها. قال ابنُ عابدين (2)« :إنَّ المتقدِّمينَ شرََطوا في المفتي الاجتهاد، وهذا مفقودٌ زماننا، فلا أقلّ من أن يشترطَ فيه معرفة المسائل بشروطها وقيودها التي كثيراً (1) ينظر: أصول افتاء ص36-37، وغيرهما (2) في شرح العقود ص485ـ487.

عدد الصفحات ٣٢