للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 243 وقال السرََّخْسيُّ (1): إن كانت النَّجاسة في موضعِ الكفين أو الرُّكبتين جازت صلاتُه عندنا، وقال زُفر: لا تجزئه، ومثله في «كشف الأسرار»(2)، وغيرها من المعتبرات النعمانية. والسر بب: لعلّ الشرُُّنبلاليّ استند إلى كلام ابن الهُمام والحلبي، قال اب نُ الهمام(3)« :والمعتبر في طهارة المكان موضع القدم رواية واحدة، وموضع السجود في أصحّ الروايتين عن أبي حنيفة، وهو قولهما، ولا يجب طهارة موضع الركبتين واليدين؛ لأنَّ وضعها ليس فرضاً عندهم. لكن في «الخانية»وكذا لو كانت النجاسة في موضع السجود أو موضع الركبتين أو اليدين: يعني تجمع وتمنع، فإنَّه قدم هذين اللفظين حكماً لما إذا كانت النجاسة تحت كل قدم أقل من درهم، ولو جمعت صارت أكثر من درهم، قال: ولا يجعل كأنَّه لم يضع العضو على النجاسة، وهذا كما لو صلى رافعاً إحدى قدميه جازت صلاته، ولو وضع القدم على النجاسة لا يجوز، ولا يجعل كأنَّه لم يضع» انتهى لفظه وهو يفيد أنَّ عدم اشتراط طهارة مكان اليدين والركبتين هو إذا لم يضعهما، أما إن وضعهما اشترطت، فليحفظ هذا. (1) في المبسوط1 :204. (2) كشف الأسرار2 :489. (3) في فتح القدير1 :191.
عدد الصفحات ٢٤١244 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية وقال الحلبيّ: فعُلِم أنَّه لا فرق بين الركبتين واليدين وبين موضع السجود والقدمين في أنَّ النجاسةَ المانعةُ في مواضعها مفسدةٌ للصلاة وهو الصحيح؛ لأنَّ اتصالَ العضو بالنجاسة بمنزلة حملها وإن كان وضع ذلك العضو ليس بفرض (1). والذي يظهر لي بعد استناد الشرُّنبلاليّ لهؤلاء العلماء وعلى رأسهم أبي الليث السَّ مرقنديّ، اعتمد على حديث السجود على سبعة أعظم، وبالتَّالي اشترط الطَّهارة لليدين والرُّكبتين، بخلاف أهل الترَّجيح بنوا المسألة على أصلِ الإمام من اعتبارِ الخاصِّ لا يلحقه البيان، والسُّجود خاصٌّ لا يحتاج للبيان من السنة أو غيرها، وهو متحقق في اللغة بوضع السجدة، وما زاد عليها يكون أقل مرتبة منها بأن يعتبر فيه الوجوب والسن ية، وطالما أنَّ السجود يتحقق بالجبهة فهو الذي يشترط له الطهارة لا غير؛ لأنَّ وضع غير الجبهة مسنون. وما يؤخذ على الإمام الشرنبلالي هو ترجيحه لقولٍ شاذٍ ضعيفٍ، وعدُّه للقول المعتمد المشهور شاذّاً، والله أعلم. * * * (1) ينظر: حاشية الطحطاوي1 :292.
عدد الصفحات ٢٤٢للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 245 المسألة13) اختياره سنيّة البسملة في كل ركعة: قال الشرّ نبلالي: «(و)تسنُّ (التسميةُ أوّل كلِّ ركعة) قبل الفاتحة؛ لأنَّه «كان يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم »(1)، والقول بوجوبها ضعيف وإن صحّ؛ لعدم ثبوت المواظبة عليها (2 ).» والمعتمد قال اللكنويّ (3)« :روى الحسن عن أبي حنيفة: أن المصليّ يأتي بها في أوّل الصَّ لاة ثم لا يعيد. وروى المعلي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنَّه يأتي بها في كلّ ركعة وهو قول أبي يوسف، وروى ابن حازم نحوه عن محمد أيضاً، وهو الأحوط؛ لأنَّ العلماءَ اختلفوا في أنَّ التسميةَ من الفاتحة أم لا، وعليه إعادة الفاتحة في كلّ ركعة، فكان عليه إعادة التسمية أيضاً، كذا في «الذخيرة» » (1) في سنن الترمذي ر228، وسندُه ضعيف كما في إحكام القنطرة، لكنَّها ثابتة ٌفي أحاديث أخرى صحيحة منها: عن نعيم، قال: (صليت خلف أبي هريرة فقرأ بسم الله، ثم قرأ بأم القرآن، فلما سَلَّم، قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ) في شرح معا الآثار1 :199، وصحيح ابن خزيمة1 :251، والمستدرك1 :357، وصحيح ابن حبان5 : 100، وتمام أحاديث البسملة في إحكام القنطرة بأحكام البسملة للكنوي بتحقيقي (2) رد اللكنوي في إحكام القنطرة ص167-168 على المصنف هاهنا، فقالوفيه ما فيه، فإنَّ المواظبة عليها معلومة من ضمّ بعض الأحاديث الواردة فيها إلى بعض... (3) في إحكام القنطرة ص172.
عدد الصفحات ٢٤٣246 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية والسبب: مساواته بين أوَّل ركعةٍ وغيرها في حقِّ التَّسمية؛ لعموم الأحاديث الواردة في بداية الفاتحة، وتفريق أئمة المذهب أنَّ تكرر الفاتحة في الصلاة يجعل البسملة فيما بعد الركعة الأولى أقل رتبة فتنزل إلى الاستحباب، والله أعلم. * * *
عدد الصفحات ٢٤٤للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 247 المسألة(14) اختياره سنية الإشارة في التشهّد قال الشرنبلالي: «(و)تُسَنُّ (الإشارةُ في الصَّحيح)؛ لأنَّه «رفع أصبعه السّ بابة، وقد أحناها شيئاً »، ومَن قال: إنَّه لا يشير أص لاً فهو خلافُ الرواية والدراية» والمعتمد اختلفوا فيها على أقوال منها: الأول: الإشارة مع البسط بدون العقد، صححه الطرابلسي (1) والرازي(2) الحصكفي(3)؛ فعن ابن الزب« :أنَّه ذكر أنَّ النبي كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحركها»(4). الثاني: وضع يديه على فخذيه حالة التشهد موجهاً أصابعه نحو القبلة بدون إشارة، هذا اختيار برهان الأئمة(5)، والطحاوي(6)، والقدوري(7)، والمرغينا(8)، (1) في المواهب ق26/أ (2) في تحفة الملوك ص75. (3) في الدر المختار1 :341-342، والدر المنتقى1 :100. (4) في مسند أبي عوانة 1 :539،وسنن أبي داود1 :260، وسنن النسائي الكبرى1 :376، والمجتبى 3 :37. (5) في الوقاية ص149. (6) في مختصره ص27. (7) في مختصره ص10. (8) في الهداية ص51.
عدد الصفحات ٢٤٥248 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية والنسفي(1)، والحلبي(2)، والموصلي(3)، والبزازيّ (4)، وملا خسرو (5)، وقال التُّمرتاشيّ (6)« :وعليه الفتوى» والسّبب: هو ما علل به من ذِ كر حديث فيه الإشارة، والقول الثاني مبني على العمل المتوارث في مدرسة الكوفة، ولأنَّ فيه تأييد لمبنى الصلاة من الخشوع وعدم الانشغال بما يضيعه من حركات. وعلى كل ما اختاره الشرنبلالي قول معتبر مصحّح، ولكنَّ الغريب هو نفيه للقول المعتمد الذي عليه جماهير أئمة ا لمذهب من عدم الإشارة، وعدّه خلاف الرواية والدراية، مع أنَّ روايته أقوى رواية، ودراية كذلك، والله أعلم. * * * (1) في الكنز ص11-12. (2) في الملتقى ص14. (3) في المختار1 :70. (4) في الفتاوى البزازية1 :26. (5) في غرر الأحكام1 :74. (6) في التنوير1 :341.
عدد الصفحات ٢٤٦للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 249 المسألة15) اختياره اشتراط التحريمة بالعربية قال الشرّ نبلالي: «التحريمة: كونَّا بلفظ العربية للقادر عليها في الصحيح» وقال «(و)يصحُّ الشروعُ أيضاً: (بالفارسية) وغيرِها من الألسن (إن عجز عن العربية وإن قدرَ لا يصحّ شروعه بالفارسية) ونحوها، (ولا قراءته بها في الأصحّ) من قولي الإمامِ الأعظم موافقة لهما؛ لأنَّ القرآنَ اسمٌ للنظم والمعنى جميعاً » والمعتمد قال اللكنوي (1)« :ما ذكرَ أنَّه لا يجوزُ أن يأتيَ بها إلا العاجزُ عن العربيَّةِ ليس مذهباً لأبي حنيفة، بل هو مذهبُ صاحبيه، وأمَّا عندهُ فالقادرُ والعاجزُ سواء، على ما حكاهُ جماعةٌ من أصحابنا الحَنَفيَّة، نعم؛ ذكرَ بعضُهُم أنَّهُ رجعَ إلى قولهِما كمسألةِ القراءة، لكنَّهُ محلُّ المنازعة... وخلاصةُ المرامِ في المقامِ أنَّه لم يقمْ دليلٌ قاطعٌ على اشتراطِ اللُّغةِ العربيَّةِ في التَّكبيرِ ليصحَّ بهِ النَّكير، بل ظاهرُ الآيةِ والأحاديثِ مطلق لا يفيدُ إلاَّ اشتراطَ الذِّكرِ المطلق، والأحاديثُ الواردةُ في هذا البابِ القوليَّةُ والفعليَّةُ لا تد لُّ على اختصاصِ التَّكبيرِ بالعربيّ، بحيثُ لا يجُْزِئ غيرُ العربيّ، بل غايةُ ما يثبتُ منها أنَّ النَّبيَّ اكتفى عليه، ورَغَّبَ غيرَهُ إليه، وهو إنَّما يثبتُ الوجوبَ أو السُنيَّة، لا أنَّه لا يجُْزِئ التَّكبيرُ بالفارسيَّة. وإن كانت الأحاديثُ دالَّةً على اختصاصِهِ بالعربيِّ اختصاصاً بالغاً إلى حدِّ (1 )في آكام النفائس ص35-44.
عدد الصفحات ٢٤٧250 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية الاشتراط، فالآيةُ معرَّاةٌ عن هذا الاشتراط، ولا تصلحُ أخبار الآحادِ ناسخةً لحكمِ الكتاب، ولا مُقيِّدةً لإطلاقِ ما في الباب ... والحقُّ أنَّهُ لم يروَ رجوع الإمام في مسألةِ الشرُّوع، بل هي على الخلاف، فإنَّ أجلَّةَ الفقهاءِ منهم: «الهداية»(1)، وشرَُّاحُها: العَيْنِيّ «البناية»(2)، والسِّغْنَاقِيّ، والبَابَرْتيّ (3)، والمَحْبُوبيِّ، وصاحبُ المجمع، وشرّاحه، وصاحبُ «البَزَّازيَّة »، و«المحيط»(4)، و«الذَّخيرة »وغيرهم ذكروا الرُّجوعَ في مسألةِ القراءةِ فقط، واكتف وا في مسألة الشروعِ بحكاية الخلاف» وذكر الحصكفي(5) أنَّه حرَّر المسألة «الخزائن»بعدم رجوع الإمام لقو وقال(6): وجعلَ العَيْنِيُّ الشرُّوعَ كالقراءة، ولا سلفَ لهُ فيه، ولا سندَ له يقوِّيه، بل جعلَهُ في «التَّاتارخانيَّة»كالتَّلبية، يجوزُ اتِّفاقاً ، فظاهرُهُ كـالمتن، رجوعُهُما إليه لا رجوعُهُ إليهما، فاحفظْهُ فقد اشتبَهَ على كثيرٍ من القاصرينَ حتى الشرُُّنْبُلاليّ في كلِّ كتبِه. لكن نبَّه ابنُ عابدين (7) على أنَّ ما أورده الحصكفي على العينيّ دعوى رجوعه إلى قولهما يرد عليه دعواه رجوعهما إلى قوله، و أنَّ عبارة «التاتارخانية»لا تدلّ على ذلك (1) في الهداية1 :47. (2) في البناية2 :124-125. (3) في العناية1 :247. (4) في المحيط ص119. (5) في الدر المنتقى1 :93. (6) في الدر1 :325. (7) في رد المحتار1 :326.
عدد الصفحات ٢٤٨للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 251 وقال الطّ حطاوي(1)« :الصحيحُ أنَّه يصحّ الشروع عنده بغير العربية ولو كان قادراً عليها مع الكراهة التحريمية للقادر؛ لأنَّ الشروعَ يتعلّق بالذكر الخالص، وهو يحصل بكلِّ لسان » ثالثا : السّ بب: ظاهرُ الأحاديث في كونَّا ب العربية، لكنَّ كلام اللَّكنويّ في غاية الدِّقة في تنقيح المسألة من جهة الاستدلال والتَّحقيق. * * * (1) حاشيته على اراقي1 :381.
عدد الصفحات ٢٤٩252 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية المسألة (16) اختياره الجمع بين التّسميع والتّ حميد للإمام: قال الشرُّنبلالي : «فيجمع بين التسميع والتحميد (لو) كان (إماماً) هذا قولهُما ، وهو روايةٌ عن الإمامِ اختارَها في «الحاوي القد »، وكان الفض والطحاويُّ وجماعةٌ من المتأخرين يَميلون إلى الجمع، وهو قول أهل المدينة » والمعتمد قال ابن عابدين (1)« :لكنَّ المتون على قول الإمام »، وهو عدم الجمع. والسبب: لعله لكثرة ما اشتمل عليه من الذكر في حق الإمام، فلم يرغب في تفويته عليه، وهو قول لعلماء من مذهبنا، وقول لأهل المدينة، لكن الحديث صريح(2) في القسمة، وهو الموافق لقول الإمام، فكان أو * * * (1 )في رد المحتار1 :497. (2) فعن أبي هريرة، قال: (وإذا قال: سمع الله لمن حمد، فقولوا: ربنا لك الحمد صحيح مسلم 1 :303، وصحيح البخاري1 :253، فقسم بين ما يقول الإمام والمأموم، والقسمة تنافي الشركة، ويجمع بينهما المنفرد؛ لأنَّه إمام نفسه فيسمع، وليس معه أحد يأتم به، فيحمد. ينظر: فتح باب العناية 1 :255، وحاشية الطحطاوي ص262 .
عدد الصفحات ٢٥٠للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 253 المسألة17) اختياره بطلان صلاة المقتدي خلف الألثغ قال الشرّ نبلالي: قال: «والفأفأةِ) بتكرار الفاء، (والتمتمةِ) بتكرار التاء، فلا يتكلّم إلاّ به، (واللَّثَغ) ـ بالثاء المثلثة والتحريك ـ وهو واللُّثْغة ـ بضمُّ اللام وسكون الثاء ـ تحرّك اللسان من السين إلى الثاء، ومن الرّاء إلى الغين ونحوه، لا يكون إماماً لغيره» والمعتمد صحّح الحَصْكَفي (1) ما قاله الشرنبلالي، لكن قال ابن عابدين (2) : «أي خلافاً لما«الخلاصة»عن الفضلي من أنََّّا جائزة؛ لأنَّ ما يقوله صار لغةً له، ومثله في «التتارخانية»، و «الظهيرية»وإمامة الألثغ لغيره تجوز، وقيل: لا، ونحوه في «الخانية»عن الفضلي، وظاهرُه اعتمادُهم الصحّ ة، وكذا اعتمدها صاحبُ «الحَلْبة»، قال: لمِا أطلقه غير واحد من المشايخ من أنَّه ينبغي له أن لا يؤم غيره، ولمِا في «خزانة الأكمل»وتُكره إمامة الفأفاء» والسّبب: عدم نظره للضَّورة في هذا الباب التي راعاها أئمة الترجيح في عدم إبطال صلاة المقتدي به. * * * (1 في )الدر المختار1 :851. (2 )في رَدّ المحتار 1 :582.
عدد الصفحات ٢٥١254 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية المسألة (18) اختياره عدم صحّة بناء مَن سبقه الحدث إن كشف عورته للضرّ ورة: قال الشرنبلالي: «(و)يفسدها: (ظهور عورة مَن سبقه الحدث) في ظاهر الرواية، (ولو اضطر إليه) للطهارة: (ككشف المرأة ذراعها للوضوء)، أو عورته بعد سبق الحدث على الصحيح» والمعتمد قال ملا خسرو(1)« :ويمنعُ البناء: ظهورُ العورة في الاستنجاء إلاّ أن يضطر، وكذا ظهور عورة المرأة في الاستنجاء يمنع البناء إلا أن تضطر أيضاً » وعلَّقَ عليه الشرنب (2)« :هذا الاستثناء قول أبي عليّ النسفيّ، وقال قاضي خان هو الصحيح، وفرَّق بينه وبين ما لو كشفت العورة في الصلاة ابتداءً. ويخالفه ما نقله في «البحر»لو كشف عورته للاستنجاء بطلت صلاته ظاهر المذهب، وكذا إذا كشفت المرأةُ ذراعيها للوضوء وهو الصحيح، وفي «الظهيرية» :عن أبي علي النسفي : أنَّه إذا لم يجد منه بُدّاً لم تفسد، وكذا المرأة إذا احتاجت إلى البناء لها أن تكشف عورتُا وأعضاءها في الوضوء وتغسل إذا لم تجد بُدّاً من ذلك، اهـ، ومثله في الفتح من غير ذكر تصحيح لقول أبي علي، وعلمت تصحيح قاضي خان له» والسربب هذا الاختيار مبناه على الضَّورة في «الشرنبلالية»، ولا بد منها، وإلا لم يصحّ حكم البناء أصلاً، فكيف تتوضأ المرأة بدون أن تكشف شيئاً من عورتُا، ولم يراع الضَّورة في «المراقي» (1 )في درر الحكام1 :97. (2 )في الشرنبلالية1 :97.
عدد الصفحات ٢٥٢للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 255 المسألة19) اختياره صحّة الصلاة مع قتل حية بضربات وانحراف عن القبلة قال الشرنبلالي: «(و)لا يُكره (قتلُ حَيَّةٍ وعقربٍ خاف) المُصليّ (أذاهما (1) : أي الحَيّة والعقرب، (ولو) قتلهما (بضَّباتٍ وانحرافٍ عن القبلةِ في الأظهر)، قَيَّدَ بخوف الأذى؛ لأنَّه مع الأمنِ يُكره العملُ الكثير » والمعتمدقال السرََّخْسيّ (2)« :لأنَّه رُخص للمصليِّ أن يدرأَ عن نفسِه ما يشغله عن صلاته، وهذا من جملةِ ذاك، وقيل: هذا إذا أَمكنه قتلُ الحيةِ بضَّبةٍ واحدةٍ، فأمّا إذا احتاج إلى معالجةٍ وضرباتٍ فليستقبل الصّلاة كما لو قاتل إنساناً في صلاته؛ لأنَّ هذا عمل كثير، والأظهر أن الكلَّ سواء فيه؛ لأنَّ هذا عمل رُخِص فيه للمصليّ فهو كالمشي بعد الحدث والاستقاء من البئر والتوضّؤ » وصحّح الحلبي الفساد، وهو ما عليه عا مة شروح «الجامع الصغير»ورواية «مبسوط شيخ الإسلام »، قال الكمال: الحق الفساد فيما يظهر، لكن لا إثم بمباشرته في الصلاة، «بحر»(3). (1) فعن أبي هريرة، قال: (اقتلوا الأسودين في الصّلاة الحيّ ة والعقرب) في صحيح ابن حبان 6 :116، وسنن أبي داود1 :242، وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (لدغت النبيّ عقرب وهو في الصّلاة، فقال: لعن الله العقرب ما تدع المصليّ وغير المصليِّ، اقتلوها الحّل والحرم) وصححه ابن خزيمة، وحسنه الترمذي، كما في مصباح الزجاجة1 :148 . (2 )في المبسوط1 :194. (3) ينظر: حاشيةالطحطاوي1 :503.
عدد الصفحات ٢٥٣256 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية والسّ بب: ورود الحديث بجواز قتلها في الصلاة، وفيه استحسان فيعمل به، ولأنَّه عمل مضطر له في الصلاة من أجل صحتها فأشبه الحركة في البناء وغيره، فلذلك كان هذا القول أكثر اعتباراً من غيره. * * *
عدد الصفحات ٢٥٤للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 257 المسألة20) اختياره لعدم صحّة أداء سنة الفجر والترّ اويح جالسا : قال الشرّ نبلالي: «(يجوز النفلُ) إنَّما عَبرََّ به؛ ليشمل السننَ المؤكّدةَ وغيرَها فتصحّ إذا صلاها (قاع داً مع القدرة على القيام)، وقد حُكِي فيه إجماعُ العلماء، وعلى غير المعتمد يقال: إلا سنة الفجر؛ لما قيل: بوجوبها وقوَّة تأكّدها، وإلا الترّ اويح على غير الصّ حيح؛ لأنَّ الأصحَّ جوازها قاعداً من غير عذر، فلا يستثنى من جواز النفل جالساً بلا عذر شيءٌ على الصّ حيح؛ لأنَّه «كان يُصليِّ بعد الوتر قاعداً »، و «كان يجلس في عامّة صلاته بالليل تخفيفاً »، وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها: «فلماّ أراد أن يركعَ قام فقرأ آيات، ثمّ ركع وسَجَدَ وعاد إ القعود»(1) .» (1) فعن عائشة رضي الله عنها: (كان يُصليِّ ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر، ثم يُصليِّ ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع) في صحيح مسلم 1 :509، وفي سنن البيهقي الكبير 3 :32 بلفظ: (إن رسول الله ركع ركعتين بعد الوتر قرأ فيهما، وهو جالس، فلَماَّ أرادَ أن يركع قام فركع)، وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (ما رأيت رسول الله يقرأ في شيءٍ من صلاة الليل جالساً حتى إذا كَبرََّ قرأ جالساً حتى إذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية قام فقرأهنّ ثم ركع) في صحيح مسلم 1 :505، وصحيح البخاري 1 :385، لكن عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان يصلي ليلاً طويلاً قائماً، وليلاً طويلاً قاعداً، وكان إذا قرأ قائماً ركع قائماً، وإذا قرأ قاعداً ركع قاعداً) في صحيح مسلم 1 :505.
عدد الصفحات ٢٥٥258 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية والمعتمد: اختلفوا في أداء الترّ اويح قاعداً بغير عذر: قال بعضهم: لا ينوب عن التراويح على قياس ما روى الحسن عن أبي حنيفة في ركعتي الفجر أنَّه لو أدّاهما قاعداً من غير عذر لم يجزه عن السّ نة، وعليه الاعتماد فكذا هذا؛ لأنََّّا مثله، والصحيح أنََّّا تجوز، والفرق ظاهر، فإنَّ ركعتي الفجر آكد وأَشهر، وهذا الفرقُ يُوافق رواية أبي سليمان عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحُمّد، ومع الفرق فإنَّه لا يُستحبُّ؛ لما فيه من مخُالفةِ السنة والسلف (1). قال التُّمُرتا (2)« :وتُكره قاعداً مع القدرة على القيام »أي تنزيهاً؛ لما «الحلبة»وغيرها: من أنََّّم اتفقوا على أنَّه لا يستحب ذلك بلا عذر؛ لأنَّه خلاف المتوارث عن السلف(3). قال الطحطاوي(4)« :يفيد ـ كلام الشرنبلالي ـ أنَّ القول بتحتم القيام في سنة الفجر، وفي التراويح غير مرجَّح وليس كذلك، أفاده السيد »، ونَصَّ على عدم جواز سنة الفجر جالساً إلا بعذر صاحب «تحفة الملوك»(5)، قال العيني(6)« :لأنََّّا قوّة الواجب فلا يجوز قاعداً إلا من عذر »، وصححه الحصكفي(7)، ومشى عليه (1 )المبسوط2 :147. (2في ) التنوير2 :47. (3) ينظررد المحتار2 :47. (4 )في حاشية المراقي1 :548. (5 )في تحفة الملوك ص88. (6 )في منحة السلوك1 :200. (7 )في الدر المختار1 :445.
عدد الصفحات ٢٥٦