للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 211 قال ابن عابدين (1)« :محمولٌ على أنَّ فيها خطوطاً حمراً وخضَّا ً كما تأوّل ذلك أهل الحديث»، ويشهد للكراهة، ما ورد عن عبد الله بن عمرو قال«مر على النبي رجل عليه ثوبان أحمران فسلَّمَ عليه فلم يردّ عليه النبي »(2). 4.إنَّ استنباطه لا يقارن باستنباط أبي حنيفة الذي بلغ الدرجة العليا الاجتهاد في عصور السلف والخيرية، قال ابنُ عابدين (3)« :وما نقله الشرُُّنْبُلاليّ عن العينيّ في استنباط الأحكام من جواز لبس الأحمر من الحديث الشريف، فذاك من حيث الاستنباط لا من حيث نقل المذهب» 5.انتهاء مرحلة الاجتهاد بالاستنباط والانتقال بالاجتهاد لمراحل جديدة اقتضاها العلم، وشه د بها الاستقراء، قال قاضي خان (4)« :المفتي في زماننا من أصحابنا إذا استفتي في مسألةٍ وسُئِل عن واقعةٍ، إن كانت المسألة مرويةً عن أصحابنا في الرِّوايات الظّاهرة بلا خلاف بينهم فإنَّه يميلُ إليهم ويُفتي بقولهم ولا يخالفهم برأيه وإن كان مجتهداً متقناً؛ لأنَّ ا لظاهرَ أن يكون الحقّ مع أَصحابنا ولا يعدوهم واجتهاده لا يبلغ اجتهادهم، ولا ينظر إلى قول مَن خالفهم ولا يقبل حجّته؛ لأنََّّم عرفوا الأدلة ومَيَّزوا بَينْ ما صَحّ وثبت وبين ضدّه »حيث اعت (1) في تنقيح الفتاوى الحامدية2 :324. (2) في سنن أبي داود 2 :450، وسنن الترمذي 5 :116، وحسنه، والمستدرك 4 :211، وصححه، والمعجم الأوسط 2 :91. (3) في تنقيح الفتاوى الحامدية2 :324. (4) في فتاواه1 :1.
عدد الصفحات ٢٠٩212 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية قاضي خان أنَّه حصل تحقيقٌ وتحريرٌ للاجتهاد بطريق الاستنباط بما فيه ال كفاية فلا يعتبر الاجتهاد بهذه الطريقة، وهو يحكي حال أهل تلك الطبقة، ويخبر عن تلك المرحلة من الاجتهاد. وبالتالي لم يُعتبر هذا الاستنباط من الإمام الشرنبلالي، حيث قال ابنُ عابدين(1)« :على أنَّ الذي يجب على المقلِّد اتباعُ مذهب إمامه »لا اتباع مثل هذه الاجتهادات لعدم اعتبارها؛ لأنََّّا كما رأيت ليست مبنيّة على أصل متين، وإنَّما اعتمد فيها على ظواهر الأحاديث في ذلك. ويلاحظ أنَّ علماء مدرسة محدّثي الفقهاء من متأخري الحنفية: كإمامنا الشرنبلاليّ، وافقوا سير طبقة المجتهد المنتسب في اعتمادِهم أُصولاً للترَّجيح مشوا عليها، ولكن هناك تفاوت ظاهر بينهم وبين هذه الطبقة في التمكّن من الأصول والفروع، يظهر فيها ضعف ترجيحاتُم بخلاف طبقة المنتسب، فإنَّ ترجيحَها من أقوى الترَّجيحات، وكذلك تخريجها وأصولهُا التي اعتمدوها قويّةٌ بالمقارنة مع أصولِ الأئمة. وأمّا هذه المدرسة المتأخرة فمدار أصولهم على أصول المحدّثين مع ضعفٍ ظاهر منهم لما يوردون من أحاديث في استدلالاتُِم يرجِّحون من خلالها. فالأولى في حال الشرنبلاليّ أن يكون من المجتهدين في المذهب المعترف لهم بالوظائف الأُخرى على تفاوتٍ في حالهم فيها، وهذه طبقة أهل زمانه، وعدم (1) في تنقيح الفتاوى الحامدية2 :324.
عدد الصفحات ٢١٠للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 213 مسايرتُم فيما يرجّحون فيه بالحديث، والله أعلم الوظيفةُ الثرانية: الترخريج: على المعنى الأول السَّابق للتخريج وهو بيان مجمل كلام الإمام، وأبرز مَن قام به هم طبقة المجتهد المنتسب، وليست طبقة مترجمنا، إلا أنَّ له عملاً على هذه الوظيفة. ولعلَّ منه: فهمه أنَّ التَّحريمةَ بالعربية، حيث قال: «التحريمة: كونَّا بلفظ العربية للقادر عليها في الصحيح »، وأيضا «التحريمة: أن لا يكون بالبسملة » وأيضاً«التحريمة: أن يأتي بالهاوي، وهو الألفُ في اللام الثانية، فإذا حذفه يصحّ »؛ لذلك لم يسلّم له في بعض المسائل فهمه لقول الإمام، قال اللكنوي(1)« :ما ذكرَ أنَّه لا يجوزُ أن يأتيَ بها إلا العاجزُ عن العربيَّةِ ليس مذهباً لأبي حنيفة ، بل هو مذهبُ صاحبيه، وأمَّا عندهُ فالقادرُ والعاجزُ سواء... » فيمكن أن ندرج تحتها العديد من المسائل التي تصدر عن العالم في فهم كلام الإمام، وحمل كلامه على محمل معينّ، وأشهر طبقة اعتبرت في تفسير كلام المجتهد المطلق هي طبقة المجتهد المنتسب من علماء القرن الثالث والرابع، وإن كان هذا التفسير حاصل في جميع الطبقات، ولم أرغب في التوسع في هذا؛ لأنَّه مبحث واضح، وفيما ذكرته من مسائل إشارة لقيام إمامنا الشرنبلاليّ به، فيمكن أن يُسلَّم له ببعضها ولا يُسلَّم له بأخرى. (1 )في آكام النفائس ص35-44.
عدد الصفحات ٢١١214 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية وأما المعنى الثّ اني للتّ خريج، وهو التّ فريع على أقوال الإمام وأئمّة المذهب، فهي لا غنى عنها في كلّ زمان ومكان، وقام بها إمامنا الشرنبلالي حيث خرّج مسائل عديدة جداً منها: 1.خرَّج النفساء على مسألة الجنب في غسل فمه وأنفه بعد موته، وإن كانت مسألة الجنب ليست بمسلّمة، قال الطحطاوي(1)« :هذا بحث للمصنِّف كما تفيده عبارته في الشرح قياساً لهما على الجنب للاشتراك في افتراض المضمضة والاستنشاق فيما بينهم، وقد علمت ردَّه في الجنب والكلام فيهما كالكلام فيه» 2.خرّج من كانت آلته قصيرة على المجبوب، «بحث فيه الشرنب «شرحه على الوهبانية»فقال: إنَّ هذا دون حال العنّينّ؛ لإمكان زوال عنّته فيصل إليها، وهو مستحيل هنا، فحكمه حكم المجبوب بجامع أنَّه لا يمكنه إدخال آلته القصيرة داخل الفرج، فالضَّر الح اصلُ للمرأة به مساوٍ لضَّر المجبوب، فلها طلب التفريق، وبهذا ظهر أنَّ انتفاء التفريق لا وجه له، وهو من «القنية»ف يُسلَّم»(2). لكنَّ ابن عابدين لم يقبل هذا التخريج، وبينَّ أنَّ المنقول في الكتب المعتمدة خلافه، حيث قال (3)« :وقد علمت نقله هنا عن «المحيط»أيضاً فعدم تسليمه ممنوع» (1) في حاشيته2 :204. (2) ينظر: منحة الخالق4 :133. (3) في منحة الخالق4 :133.
عدد الصفحات ٢١٢للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 215 3.خرَّج وجوب التكبير للتشريق على المقيم المقتدي بمسافر، وتبعه الحصكفي فقال: «ويجب على مقيم اقتدى بمسافر»، قال ابنُ عابدين (1)« :الظاهر أنَّه بحث لصاحب «الشرنبلالية»، حيث قال«...على هذا يجب على من اقتدى به من المقيمين؛ لوجدان الشر ط في حقّهم »اهـ. ... لكن في حاشية أبي السعود عن الحموي ما نصّه: وفي «هداية الناطفي»إذا كان الإمام في مصر من الأمصار فصلىّ بالجماعة وخلفه أهل المصر فلا تكبير على واحدٍ منهم عند أبي حنيفة ، وعندهما عليهم التكبير، اهـ، والمرادُ الإمام المسافر، دلّ عليه سيا ق كلامه» 4.خرَّج رجوع العدل على الراهن إن ضمن المستحقّ أكثر من الثمن مسألة: المستحقُّ إذا ضمَّن العدل القيمة، فقد تكون القيمة أكثر من الثمن الذي أخذه العدل من المرتُن، فمَن يضمن تلك الزيادة؟ قال ابن عابدين (2)« :ورأيت الشرنبلالي ذكر بحثاً: أنَّه ينبغي أن يرجع بالزيادة على الراهن اهـ. وذكر الشرنبلالي بحثاً آخر....» 5.خرَّج لا حدّ بالعِرْقِ المُسْتَقْطَرِ من فضلات الخَمْر بلا سكر، ففي «قرّة عيون الأخيار »(3)« :أنّه مبنيٌّ على خلافِ المفتى به كما أفاده كلام القُهُستاني، تأمل» وأطلت في هذه الوظيفة؛ تأكيداً على صدورها من الشرنبلالي، وأنََّّا هي الطّ ريقة المعتبرة في معرفة ما يجدّ من أحكام، عوضاً عن وظيفة الاستنباط التي (1) في رد المحتار2 :180. (2) في رد المحتار6 :506. (3) قرة عيون الأخبار7 :5.
عدد الصفحات ٢١٣216 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية كانت في مرحلة سابقة من أطوار الفقه، فهي الوظيفة التي يحيى بها الفقه في الواقع، والوصول إليها بعد كل هذا التنقيح لعلوم الفقه ممكن ومتيسر لمَن وفّ قه الله تعالى. والملاحظ من الأمثلة السابقة أنَّ بعض تخريجات الشرنبلالي لم يُسلَّم له بها، مما يدلّ على أنَّه لم يبلغ في هذه الوظيفة كمالها. الوظيفة الثّ الثة: الترّ جيح والتّ صحيح: ومرَّ معنا أنَّ هذه الوظيفة على وجهين، فهي بالوجه الأول الترجيح على مباني الأبواب وتحقّق أصولها، وهي متحقّقة في فقه إمامنا في مسائل عديدة كقوله: «(والعصبُ نجسٌ في الصحيح) من الرواية؛ لأنَّ فيه حياة بدليل التألم بقطعه، وقيل: طاهر؛ لأنَّه عظم غير صلب »، فاعتبر الإمام الشرنب مبنى العلّة فيه وهي عدم الحياة، فاعتبر وجودها لتحقق الألم فيه بخلاف العظم، واعتبر أكثر العلماء عدم وجودها، وأنَّه أقرب للعظم من اللحم. ولم يراعِ أصول الأبواب في مسائل كقوله: «(ويجب التَّأخير) عند أبي حنيفة (بالوعد بالثوب) على العاري (أو السِّقاء): كحبل أو دلو »فلم يلتفت الإمام الشرنبلالي للتفريق ما بين الماء والثوب والدلو، بحيث يجب في الماء، ولا يجب في غيره؛ لأنَّ الأصل في الماء الإباحة فيتعلّق به الوجوب، والأصل في غير الماء الحظر فلا يتعلق به الوجوب. وكذلك في اعتماده لظاهر الرواية في مسألة رؤية الهلال في قوله: «لا فرق ظاهر الرواية بين أهل المصر ومَن وَرَ دَ من خارج المصر»، فعدم القبول لمَن كان في
عدد الصفحات ٢١٤للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 217 المصر مبنيٌّ على التهمة في رؤية الهلال، فرد مع توفر الأسباب حتى يرى الجمع، ولم تبق هذه التهمة موجودة لمَن يأتي من الخارج، فكان العمل على هذا، قال ابن عابدين(1)« :وهذا وإن كان خلاف ظاهر الرواية فينبغي ترجيحُه في زم اننا تبعاً لهؤلاء الأئمة الكبار الذي هم من أهل الترجيح والاختيار» وأيضاً: في مسألة تأمين المقتدي في السرِّية بالجماعة الكثيرة إن سمع من مقتدٍ آخر مثله، بأن كان مقتد مثله قريباً من الإمام يسمع قراءته فأمَّن ذلك المقتدي تأمين مثله القريب من الإمام فيؤمن؛ لأنَّ المناطَ العلم بتأمين الإمام، وليس هذا مقيّد بالجمعة والعيد، قال ابن عابدين (2)« :التقييدُ بالجمعة والعيد كما وقع «الجوهرة»غير قيد، كما بحثه في الشرنبلالية بقوله: ينبغي أن لا يختص بهما بل الحكم في الجماعة الكثيرة كذلك» والوجه الثاني: الترجيح بمراعاة قواعد رسم المفتي، وهو ظاهر فقه كتب إمامنا، ومنه قوله: «(و)يفسدها: (ظهور عورة مَن سبقه الحدث) في ظاهر الرواية، (ولو اضطر إليه) للطهارة: (ككشف المرأة ذراعها للوضوء)، أو عورته بعد سبق الحدث على الصحيح»، فهذا الاختيار مبناه على الضَّورة، ولا بد منها، وإلا لم يصحّ حكم البناء أصلاً، فكيف تتوضأ المرأة بدون أن تكشف شيئاً من عورتُا، والضََّّ ورة أهم قواعد رسم المفتي المعتبرة في الترجيح. (1) في تنبيه الغافل ص79. (2) في رد المحتار1 :493.
عدد الصفحات ٢١٥218 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية ولم يراعِ رسم المفتي في بعض المسائل كما في قوله: قال: «(والفأفأة والتمتمةِ واللَّثَغ)... لا يكون إماماً لغيره »، فَحَكَمَ ببطلان إم امتهم لعدم نظره للضَّورة في هذا الباب التي راعاها أئمة الترّجيح في عدم إبطال صلاة المقتدي به. فالشرنبلاليّ قام بهذه الوظيفة كعامّة مَن يشتغل في الفقه ويبلغ فيه درجة عالية، ولكن كما رأيت لم يقبل ترجيحه مطلقاً؛ لعدم مراعاته قواعد الرسم ومباني الأبواب دائماً، وذلك لانشغال إمامنا بالترجيح بطريقة غير معتبرة عند مدرسة الفقهاء، وهو الترَّجيح بظواهر الأحاديث وإن اعتمدتُا مدرسة محدثي الفقهاء ممَّا تسبب في ضعفِ تصحيحهاتُم وترجيحاتُِم؛ لأنَّ مراعاةَ قواعد رسم المفتي ثابتةٌ بأدلّة قطعيّة، فعدم مراعاتُا تماماً مخالفٌ لهذ ه النُّصوص القطعيّة، وجعل الفقه علماً نظرياً لا واقعياً، فلم يكن عند الفقيه خيار في التزامها. والترّ جيحُ بأصول الأبواب، هي المعاني التي تَوصل لها المجتهد باستقرائه لما ورد في الباب من قرآن وآحاديث وآثار، وبالتالي هي معاني إما قطعيّة أو ظنيّة قويّة صادرة من مجتهد معتبر لا يقول بخلاف القرآن والسنة أبداً، فإن ترك ظاهر حديث فقد وافق ما هو أقوى منه من معاني القرآن والأحاديث الأخرى، فإهمال تأصيله للفقه في الترجيح، والترَّجيح بظواهر الأحاديث بعيد عن الصّواب؛ ولذلك لم يلتفت له أئمتنا في مدرسة الفقهاء لإدراكهم هذا المعنى، وغفلة محدّثي الفقهاء عن هذا جعلتهم يسلكون مسلك الترجيح بظواهر النصوص، وإمامنا الشرّ نبلاليّ كان من مدرسة محدّثي الفقهاء فرجَّح كثيراً بهذه الطريقة، ومن أمثلة ذلك:
عدد الصفحات ٢١٦للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 219 1.قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بقصد القرآنية، قوله«وجاز قراءةُ الفاتحة بقصد الثناء كذا نُصَّ عليه عندنا، وفي البُخاريِّ عن ابنِ عَبَّاس « :أنَّه صَلىَّ ع جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: لتعلموا أنَّه من السنّة»(1)، وصحَّحه الترِّْمِذِيّ، وقد قال أئمتنا: بأنَّ مراعاةَ الخلاف مستحبّة، وهي فرضٌ عند الشافعيِّ ، ف يُمانع من قصد القرآنية بها؛ خروجاً من الخلاف وحقِّ الميت » »، وهذا خلاف المذهب من كراهة قراءتُا؛ لأنَّ مبنى الصلاة على الدعاء، وقد وردت أحاديث تؤيد عدم القراءة في صلاة الجنازة. 2.سنيّة مسح الرقبة في قوله: قال«(و)يُسَنُّ (مسح الرقبة)؛ لأنَّه «توضّأ وأَومأ بيديه من مُقَد مِ رأسه حتى بلغ بهما أَسفل عنقه من قِبَلِ قَفَاه »(2) »، حيث مال للحديث كما علَّل ، وهو ضعيف، فالأحاديث الواردة في المسح ضعيفة لا تقوى لأن يثبت منها السنيّة؛ لذلك مال أئمتنا إلى الاستحباب. 3.جواز السنة القبلية والبعدية للجمعة بتسليمتين إن كان عذرٌ؛ ل قوله : (إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعاً، فإن عَجَّل بك شيءٌ فصل ركعت المسجد وركعتين إذا رجعت) (3)، قال ابن عابدين (4)« :وينبغي تقييدُه بعدمِ العذرِ (1) في صحيح البخاري1 :448، وفي لفظ: (شهدت ابن عبّاس صلىّ على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب فلما انصرف قلت له: أتقرأ بفاتحة الكتاب؟ قال: نعم يا ابن أخي سنّة وحقّ) في صحيح ابن حبان7 :341. (2) في معجم الطبراني الكب19 :180. (3) في صحيح مسلم2 :600. (4) في رد المحتار2 :13.
عدد الصفحات ٢١٧220 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية للحديث المذكور آنفاً، كذا بحثه في «الشرنبلالية» »وقال(1)« :مؤيِّدٌ لما بحثه الشرنبلاليُّ من جوازها ب تسليمتين لعذر» الوظيفة الرّ ابعة: التّ مييز بين ظاهر الرّ واية وغيرها، وبين القوي والأقوى والضّ عيف: وهي بالمعنى الأول في ظاهر الرواية وغيرها واضحٌ في فقه الإمام الشرنبلالي، حيث ألف متناً، والمتون عادة موضوعة لظاهر الرواية، ولكن يؤخذ عليه أنَّه أدرج فيه بعض روايات شاذّة، واعتبر أنَّ ظاهرَ الرِّواية شاذّ، ومنها: 1.اشتراطه طهارة موضع اليدين والرُّكبتين في السُّجود في قوله «(و)منها طهارة موضع (اليدين والرُّكبتين) على الصَّحيح؛ لافتراض السُّجود على سبعةِ أعظم، واختاره الفقيهُ أبو الليث ، وأنكرَ ما قيل من عدمِ افتراضِ طهارةِ موضعِها؛ ولأنَّ روايةَ جواز الصلاة مع نجاسة موضع الكفّين والرُّكبتين شاذّة » فاعتبر ظاهر الرواية في عدم الاشتراط شاذّ 2.اعتباره الشفق الأحمر لانتهاء وقت الغروب، قال «(و)أَوّلُ وقتِ (المغرب منه): أي غروب الشمس (إلى) قبيل (غروب الشفق الأحمر على المفتى به)، وهو رواية عن الإمام، وعليها الفتوى، وبها قالا؛ لقول ابن عمر « :الشفق الحمرة»، وهو مرويٌّ عن أكابر الصحابة ، وعليه إطباق أَهل اللسان، ونُقِل رجوع الإمام إليه»، فعدَّ ظاهر الرواية وهو الشَّفق الأبيض قولاً مردوداً، مع أن عليه عامّة المتون المعتبرة. (1) في رد المحتار2 :16.
عدد الصفحات ٢١٨للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 221 3.اعتباره عدم الإشارة في التشهد لا أصل له في قوله«(و)تُسَنُّ (الإشارةُ في الصَّحيح)؛ لأنَّه « :رفع أصبعه السبابة، وقد أحناها شيئاً»(1)، ومَن قال: إنَّه لا يشير أصلاً فهو خلافُ الرواية والدراية »، مع أنََّّا ظاهر الرواية، وبها أخذ عامّة المتون والكتب المعتمدة. وهذا يؤثر بإنزال مرتبة متنِهِ إلى درجة أقل من المتون المتقدّمة. وأما تمييزه بين القوي والأقوى والضعيف، فهو ظاهر في كتبه، ففي كلِّ صفحة من صفحاتُا يصرَّح بالتصحيح والترجيح بين الأقوال، لكن في بعضِ المسائل لا يصيب في تعيين الأقوى منها، ومنها: 1.جمع الإمام بين التَّسميع والتَّحميد في قوله «فيجمع بين التسميع والتحميد (لو) كان (إماماً) هذا قولهُما، وهو روايةٌ عن الإمامِ اختارَها «الحاوي القد »، وكان الفضليُّ والطحاويُّ وجماعةٌ من المتأخرين يَميلون إ الجمع، وهو قول أهل المدينة »قال ابنُ عابدين(2)« :لكن المتون على قول الإمام »، وهو عدم الجمع 2.اشتراطه نيّة الاستقبال في قوله «والمرادُ منها بقعتَها لا البناء، حتى لو نَوَى بناء الكعبة لا يجوز إلاّ أن يُريدَ به جهةَ الكعبة، وإن نوى المحراب لا يجوز » (1) فعننمير الخزاعي ، قال: (رأيت رسول ا قاعداً في الصلاة واضعاً ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى رافعاً أصبعه السبابة قد أحناها شيئاً وهو يدعو) في المجتبى 3 :39، وسنن النسائي الكبرى 1 :377. (2 )في رد المحتار1 :497.
عدد الصفحات ٢١٩222 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية قال التمرتاشيّ والحصكفيّ (1)« :ونيّةُ اس تقبالِ القبلة ليست بشرط مطلقاً على الرَّاجح، فما قيل: لو نوى بناء أو المقام أو محراب مسجده لم يجز مفرَّع على المرجوح» 3.اعتباره لغسل فم وأنف الميت الجنب في قوله «(ويُمْسَحُ فمُه وأنفُه بخرقة، عليه عمل الناس، (إلا أن يكون جنباً) »قال الطحطاوي(2)« :قد علمت ردَّه في الجنب والكلام فيه» وهذا يجعلنا بحاجة إلى التثبت والاحتياط في مسائل كتبه لا عدم اعتبارها مطلقاً؛ لأن مثل هذا قليل فلا يسقط درجتها إلى أن تكون كتب غير معتبرة، والله أعلم. الوظيفة الخامسة: التّ قريرُ والتّ طبيقُ في العمل والإفتاء والقضاء: فهذه أقلُّ المراتب الاجتهاديّة، فهي بلا شَكٍّ حاصلةٌ لإمامنا، والنَّاظرُ في رسائلِهِ يرى مصداق هذا، فأكثرُها هي عبارةٌ عن أجوبةٍ لأسئلةٍ وردت إليه، مقرِّراً الحكمَ فيها في المذهب بما يتوافق مع فهم المسائل وتصويرها ومراعياً فيها قواعد رسم الإفتاء، ومنها: (1 ) فيالتنوير والدر1 :425. (2) في حاشيته2 :204.
عدد الصفحات ٢٢٠للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 223 1.قوله«وإن خالفَه تصحيح الزَّيلعيّ فقد اتسع الأمر باختلاف التصحيح، فليرجع «للكنز»، فإنَّه واسع »، حيث جعل اختلاف الفقهاء المذهب سبب في التوسعة على الناس، وهذا من أهم قواعد رسم الإفتاء. 2.قوله«العبرةُ في اختلاف الترجيح بما عليه الأكثر، وهم القائلون بالسقوط هنا، كما المراقي»، وهذه قاعدة مهمة في التعرف على الراجح 3.قوله«ولا ننهى كسالى العوام عن صلاة الفجر وقت الطلوع؛ لأنََّّم قد يتركونَّا بالمرّة، والصحّة على قول مجتهدٍ أولى من الترك »، ومراعاة حال الناس بدّ منه للمفتي. بعد هذا العرض المختصر والموجز للوظائف الاجتهادية التي قام بها الإمام الشرنبلالي، فإنَّه يتضح لنا الدرجة الاجتهاديّة التي وصل إليها. فالوظيفةُ الأولى ـ وهي الاستنباط ـ وإن فعلها متأثراً باتجاه مدرسة محدّثي الفقهاء، فإنَّه غير مُسلَّم له لا من حيث تأصيل المذهب ولا أطوار الاجتهاد ولا الأهليّة له ؛ لذلك ذكر ابن عابدين(1) عن هذه الدرجة«لأنَّ أحداً ليس من أهل الاجتهاد في زماننا...»فينبغي الإعراض عن مسائله المستنبطة هكذا؛ لأن تقليد المجتهد الأعظم من عصر السلف والخيرية صاحب الأصول المسطورة المشهورة مقدّم. وأما الوظائف الأخرى فاجتهاده فيها مقبول، وينتبه فيه إلى ما كان ترجيحه بطريق الحديث وليس مراعٍ فيها قواعد الإفتاء وأصل ومبنى الباب، فهذه هي (1) في رد المحتار5 :419.
عدد الصفحات ٢٢١224 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية الطريقة المعتبرة عند أئمتنا الفقهاء؛ لأنَّ معاني الأحاديث والقرآن أصبحت مختصرة في أصول بنيت عليها الأبواب، مقرّةٍّ من قبل المجتهد الأعظم، ووافقه عليها أئمة الاجتهاد في المذهب طوال التاريخ، وهو أولى من ترجيح لظاهر حديث معارض بغيره مما هو أقوى منه. وفيما عدا ذلك نحتاج إلى التحقق من التزامه في ترجيحه وتصحيحه وتمييزه إلى تحقيق قواعد رسم المفتي وأصول الأبواب بملاحظة هل وافقه غيره بما يقرِّره. وعلى كلٍّ فهو إمام كبير جداً، لقي قبولاً عجيباً؛ لشدّة إخلاصه وقوّة علمه، فكانت كتبُه محطَّ أنظار الفقهاء ممّن جاء بعده، فالحصكفيُّ يعتمد عليه كثيراً، وهذا يجعل اجتهاده في التخريج أو الترجيح أو التمييز مذكورٌ في كتب مَن جاء بعده، كما رأينا هذا في الصفحات الماضية، فما يكون من اجتهاده مجانباً للصواب نرى ردّهم عليه وعدم قبولهم له. وبالتالي كتبه معتبرة إلا فيما ذكرنا، والأكمل قراءة ما فيها مع كتب غيره للتثبت أكثر، ومراجعة حاشية ابن عابدين مفيد جداً في ذلك، فهو شديد التتبعّ للإمام الشرنبلاليّ في كتبه. إذن فهو مجتهد في المذهب بلغ مرتبة رفعية وإن لم يصل إلى كمالها، نحتاج إلى التثبت والتأكد من تخريجاته وترجيحاته وتميزاته بحيث يكون مَن جاء بعده وافقه عليها. * * *
عدد الصفحات ٢٢٢للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 225 المبحث الثراني تطبيقات في ترجيحات الشرّ نبلالي نعرض فيه مسائل في ترجيحات للشرّ نبلالي في «نور الإيض اح»و«مراقي الفلاح»على النحو ا المسألة (1) اختياره سنيّة مسح الررقبة قال الشرّ نبلالي: «(و)يُسَنُّ (مسح الرقبة)؛ لأنَّه «توضّأ وأَومأ بيديه من مُقَدَّمِ رأسه حتى بلغ بهما أَسفل عنقه من قِبَلِ قَفَاه »(1) .» والمعتمد استحباب مسح الرّ قبة، قال اللكنوي(2)« :وهو مخالفٌ لما عليه جمهور الحنفية، حيث قالوا: إنَّ مسح الرّ قبة مستحب، ويميل إليه كلام الكاشغري(3) .» (1) في معجم الطبراني الكب19 :180. (2) في تحفة الطلبة في تحقيق مسح الرقبة ص36. (3) في منية المصلي ص6-7.
عدد الصفحات ٢٢٣226 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية والسّ بب: ميله للحديث كما علَّل، وهو ضعيف، فالأحاديث الواردة في المسح ضعيفة لا تقوى لأن يثبت منها السنية؛ لذلك مال أئمتنا إلى الاستحباب لا إلى السُّنية؛ لعضدِ الآثار بعضُها بعضاً في إفادة الاستحباب لا غير، ومنها: 1.ما رواه طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده: (رأيت رسول ا يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القَذَال)، وفي رواية: (أول القفا (1) . 2.قال: (مسح الرقبة أمان من الغُلّ ـ أي الطوق ـ يوم القي امة)(2). * * * (1) في مسند أحمد3 :481، وسنن أبي داود1 :32، وشرح معاني الآثار1 :30، والمعجم الكبير 19 :18، والسنن الكبير للبيهقي 1 :60، وتاريخ بغداد 6 :169، وقد أثبت المجد ابن تيمية بهذا الحديث مسح الرقبة. والقَذَال: هو جماع مؤخِّر الرأس، كما في اللسان 5 : 3561. (2 )قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء 1 :159: سنده ضعيف. وقال القاري الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص434: سنده ضعيف. وتمام الكلام على الأحاديث في مسح الرقبة في تحفة الطلبة في تحقيق مسح الرقبة للكنوي بتحقيقي.
عدد الصفحات ٢٢٤