للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 179 وأمّا التقرير، فهم يطبقون ما يجتهدون فيه على مجتمعهم، ك الاستحسان، فإنَّ جزءاً كبيراً منه يرجع للعرف والضَّورة والحاجة، حيث يترك المجتهد القياس ويعمل بالمسألة استحساناً بهذه الأمور؛ مراعاة للواقع. المطلب الثر اني: طبقة المجتهدين المنتسبين: وهو الذي مشى على أُصول إمامه وفروعه إلاّ أنَّه يخُالف في أصولٍ وفروع أحياناً عن اجتهادٍ منه، فيستنبط بها من الكتاب والسُّنَّة. وشرطه ضبط أصول مقلده؛ لأنَّ استنباطَه على حسبها(1). وشملت هذه الحقبة عامّة علماء المئة الثّالثة والرّابعة مثل: أبو حفص الكبير، وأبو سليمان الجُوزجانيّ، وعيسى بن أبان، ومحمد بن مقاتل، والخصاف، والطحاويّ، والكرخي، والهندواني، وأبو الليث السّ مرقندي، والجصّ اص، وغيرهم، ويمكن تلخيص عملهم على النحو الآتي: 1.الاستنباط من الكتاب والسنة بالاعتماد على أصول المذهب عموماً وع أصولهم خصوصاً؛ إذ كانوا في هذه الطّبقة يسيرون في عامّة طريقهم على مسلكِ أحد المذاهب الفقهيّة؛ لكفاية حاجتهم فيه وضبطهم له، وعسرة الوصول إلى طبقة الاجتهاد المطلق؛ لبعد الزَّمان وتشعب الأ سانيد وطولها، لكن بقيت عندهم إمكانيةٌ لاستخراج بعض الأحكام من الكتاب والسُّنة والآثار بأصول لهم خاصّة أو بالاعتماد على أصول مذهبهم. (1) ينظر: فصول البدائع2 :475.
عدد الصفحات ١٧٧180 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية فمثلاً انفرد الكَرخيُّ عن أبي حنيفة وغيره: في أنَّ العام بعد التَّخصيص لا يبقى حجّةً أصلاً، وأنَّ خبرَ الواحد الوارد في حادث ة تعمّ بها البلوى، ومتروك المحاجة عند الحاجة ليس بحجّة قط، وانفرد أبو بكر الرازي في أنَّ العام المخصوص حقيقةٌ إن كان الباقي جمعاً وإلا فمجاز (1). وهذه المخالفة للأصول والفروع كانت نادرة بالنسبة للموافقة عماّ ورد عن أئمة المذهب، قال الكرخي(2)« :إن كل خبر يجيء بخلاف قول أصحابنا فإنه يحمل على النسخ أو على أنه معارض بمثله، ثم صار إلى دليل آخر أو ترجيح فيه بما يحتجّ به أصحابنا من وجوه الترجيح أو يحمل على التوفيق، وإنما يفعل ذلك على حسب قيام الدليل، فإن قامت دلالة النسخ يحمل عليه، وإن قامت الدلالة على غيره صرنا إليه» فهو يدلُّ على التأييد الكامل لكل ما ورد عن أئمة المذهب من وجوه الاستدلال، والثقة الكبيرة، وإحسان الظنّ فيهم، إلا أننا في الواقع نجد حصول نوع مخالفة في الأصول والفروع. فالتَّدرج التَّاريخي اقتضى هذه الكيفية من الاجتهاد المنتسب الذي سلك طريق الاستخراج من الكتاب والسنة والآثار، والتخريج على أصول المذهب. وهذه يفسرّ لنا أحوال العلماء في المرحلة كيف كانوا مذهبيين من جهة ولهم اختيارات خاصّة بهم تخالف مذهبهم، ولم يعترف بالاجتهاد المطلق لأحدٍ في (1) نور الأنوار1 :89. (2) في أصول الكرخي ص84.
عدد الصفحات ١٧٨للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 181 هذه المرحلة، قال اللَّكنوي(1)« :ولم يدع الاجتهاد المطلق غير المنتسب بعد الأئمة الأربعة إلا الإمام محمد بن جرير الطبري، ولم يسلم له ذلك». وبالتَّالي بقي الاستنباط من الكتاب والسنة والآثار للمعاني والقواعد والأسس والوجوه التي تُبنى عليها الأحكام لمدّة أربعمئة سنة من كبار فحول الأمّة من الصحابة والتابعين ومن تبعه م من الأكابر، فما أبقوا وجهاً صحيحاً للبناء إلا واستخرجوه لمَن بعدهم من أجل بناء الأحكام عليه، وقال الشِّهاب الرَّمليّ: «ومَن تصوَّرَ مرتبة الاجتهاد المطلق استحيا من ا أن ينسبَها لأحد من أهل هذه الأزمنة... بل نقل ابن الصلاح عن بعض الأصوليين: أنَّه لم يوجد بعد عصر الشّ افعي مجتهد مستقلّ... » (2). وقال ابنُ الحسين المالكيّ (3)« :الجمهورُ على أنَّ شروط الاجتهاد المطلق المذكورة لم تتحقَّق في شخصٍ من علماء القرن الرابع فما بعده، وأنَّ مَن ادّعى بلوغها منهم لا تُسلَّم له دعواه ضرورة أن بلوغها لا يثبت بمجرد الدَّ عوى...» وقال الإمام الزَّرْكَشيّ (4)« :والحقّ أنَّ العصرَ خلا عن المجتهد المطلق، عن مجتهد في مذهب أحد الأئمة الأربعة» (1) في النافع الكبير ص14 عن الميزان (2) ينظرفيض القدير 1 :15-16. (3) في تُذيب الفروق2 :188. (4) في احيط 8 :242.
عدد الصفحات ١٧٩182 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية وقال ابن مفلح المقدسي (1)« :إنَّ الإجماع انعقد على تقليد كلّ من المذاهب الأربعة، وأنَّ الحقّ لا يخرج عنهم » وقال الحطّاب (2)« :الذي عليه الجمهور: أنَّه يجب على مَن ليس فيه أهليّة الاجتهاد أن يقلِّدَ أحدَ الأئمة المجتهدين سواء كان عالماً أو ليس بعالم » 2.اهتموا بالتَّخريج اهتماماً بالغاً على أصول الأبواب التي وردت عن الأئمة؛ لإكمال التفريع المحتاج له في الواقع، وجمعت فتاويهم في «مختارات النوازل»لأبي الليث السمرقندي، وكانت تفاريعهم العمدة لمن جاء بعدهم التفريع في المذهب في كتب «الفتاوى»خاصة، وفي غيرها عامّة قال قاضي خان(3)« :ذكرتُ في هذا الكتاب من المسائل التي يغلب وقوعها وتمس الحاجة إليها وتدور عليها واقعات الأمة ويقتصر عليها رغبا ت الفقهاء والأئمة، وهي أنواع وأقسام فمنها ما هي مروية عن أصحابنا المتقدمين، ومنها ما هي منقولة عن المشايخ المتأخرين»وطبقة المجتهد المنتسب هم المقصود بالمشايخ المتأخرين، حيث اعتنت فتاوى المجتهدين بالمذهب بنقل أقوالهم والاعتماد عليها. قال اللَّكنويُّ (4) :«مسائلَ النَّوازل والواقعات، هي مسائلٌ استنبطها المتأخرون من أصحاب محمّد وأَصحاب أصحابه ونحوهم فمن بعدهم … وأوّل (1) الفروع6 :421. (2) في مواهب الجليل1 :30. (3) في الفتاوى الخانية1 :1. (4) في النافع الكبير ص18-19، وغيره
عدد الصفحات ١٨٠للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 183 كتاب جمع فيه مما علم«النوازل»لأبي الليث السمرقندي (ت375هـ)، وجمع فيه فتاوى المتأخرين من المجتهدين من مشايخه، وشيوخ مشايخه: كمحمد بن مقاتل ومحمد بن سلمة ونصير بن يحيى، وذكر فيها اختياراته أيضاً، ثمّ جمع المشايخ فيه كتباً: كـ «مجموع النوازل »و«الواقعات»للناطفي والصدر الشهيد، ثم جمع من بعدهم من المشايخ الفتاوى لكنهم خلطوا فيها مسائل ظاهر الرواية والنوادر والنوازل مع بعضها كما في «جامع قاضي خان »و«الخلاصة»، وغيرها من الفتاوى» وبلغت هذه الطبقة في التخريج أعلى الدرجات، فهم الركيزة الأساسية هذا لمَن جاء بعدهم، فاجتهادهم معتبر في المذهب إذا اعتمده أهل الاجتهاد والنظر ممَّن جاء بعدهم، وفي بعضِ الأحيان يكون هو المفتى به، ومن أمثلةِ احتجاج أهل النظ ر بأقوال هذه الطبقة الثالثة قولُ الحلوانيّ عن الجصاص: «إنّا نقلّده ونأخذ بقوله»(1). 3. التّمييز بين ظاهر الرِّواية وغيره، ولأصحاب هذه الطبقة مساهمة كبيرة في ذلك، فكانت البدايات في تأليف مختصرات في المذهب تحتوي أمهات مسائله من علماء هذه الطبقة، فألف الحاكم الشهيد (ت 344هـ) مخت «الكا»من كتب ظاهر الرواية لمحمد، وألف الطحاوي «مختصراً»، وألف الكرخي «مختصراً»، إلا أنّ أصحابها؛ لكونَّم من المجتهدين المنتسبين، فإنّ لهم اختيارات تخُالف المذهب، قال عبد العزيز الدِّهلويّ: « «مختصرَ الطّحاويّ »يدلُّ على أنه كان (1) في ناظورة الحق ص205.
عدد الصفحات ١٨١184 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية مجتهداً ولم يكن مقلِّداً للمذهبِ الحنفيّ تقليداً محضاً، فإنّه اختار فيه أَشياء تخالف مذهبَ أبي حنيفةَ لما لاح له من الأدلّةِ القويَّة»(1). واعتنى بعضُهم بشرح هذه المختصرات المؤلَّفة في طبقتهم كما فعل الجصاص (ت 370هـ«شرح مختصر الكَرخيّ »، و «شرح مخت الطَّ حاويّ »(2). 4. التقرير بمراعاة الرسم والأصول، فإنَّه معمول به عندهم على أتم هيئة؛ لرفعة مكانتهم العلمية والاجتهادية، يدلُّ عليه نقل اختياراتُم في الطبقات التي جاءت بعدهم، فكثيراً ما يقولون: اختاره الخصاف أو الجصاص أو الفقيه أبو الليث أو الهندوا ني(3)، وما جمع عنهم من فتاوى يظهر جلياً رسوخ قدمهم بهذه الوظيفة. 5. العناية بشرح كتب ظاهر الرواية، مثال: الطحاويّ (ت 321هـ «شرح الجامع الكب »، و «شرح الجامع الصغ »، والكرخي (ت 340هـ «شرح الجامع الكب»و«شرح الجامع الصغ»(4)، و«شرح الجامع»(5)، وأبو الليث السَّمرقندي (ت 375هـ«شرح الجامع الصّغ »، وغيرهم (1) ينظر: التعليقات السنية ص32 (2) ينظر: الجواهر المضية ص633، والمدخل ص318. (3) ينظر: المحيط البرها1: 463. (4) ينظرالجواهر المضية2 :493-494. (5) ينظرطبقات المفسرين1 :55.
عدد الصفحات ١٨٢للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 185 المطلب الثّالث: طبقة المجتهدين في المذهب: وهم على درجات إجمالاً على حسب التَّسلسل الزَّمانيّ: وشرط المجتهد في المذهب ضبطُ الفروع والأصول والرسم على مذهب إمامه، قال الفناريّ (1)« :فممارسةُ الفقه طر يقٌ إلى تحصيلِ الاجتهادِ في زماننا هذا » وظهرت هذه المرحلة من الاجتهادِ بعد أن أُشبع الاجتهادُ المذهبي باستخراج جميع الوجوه المعتبرة؛ لتَّخريج الأحكام من الكتاب والسُّنّة والآثار، فتوجهت جهود العلماء وهممهم إلى تأييد مذاهب بالأدلة والتفريع والتأصيل والتقعيد، فعظم بناء المذاهب وقوي واتسع. قال قاضي خان (2)« :المفتي في زماننا من أصحابنا إذا استفتي في مسألةٍ، وسئل عن واقعة، إن كانت المسألة مرويةً عن أصحابنا في الرِّوايات الظاهرة، بلا خلاف بينهم، فإنه يميل إليهم ويُفتي بقولهم، ولا يخالفهم برأيه وإن كان مجتهداً متقناً؛ لأنّ الظَّاهر أن يكون الحقّ مع أصحابنا ولا يعدوهم واجتهاده لا يبلغ اجتهادهم، ولا ينظر إلى قول مَن خالفهم ولا يقبل حجته لأنَّم عرفوا الأدلّة، وميزوا بين ما صحّ وثبت وبين ضده »فهذا النصُّ صريح من أكبر أئمة هذه الحقبة يصف فيه هذه المرحلة التي تمّ بها الالتزام بالمذهب تماماً، وعدم قبول الترجيح لغيره من جهة الدَّليل. (1) في فصول البدائع2 :475. (2) في الفتاوى الخانية1 :1.
عدد الصفحات ١٨٣186 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية وبعد أن اكتمل بدر الاستنباط في مرحلة الاجتهاد المطلق والمنتسب، وكثر التخريج ببيان وجوه الأئمة وتفسيرها والتفريع عليها كما سبق، احتجنا في المرحلة التالية إلى متابعة التخريج فيما يحتاج إليه؛ لأنَّه باب لا يغلق إلى يوم القيام؛ لتجدد الحوادث وتغير الزمان. ولا بدّ من الترجيح بين هذه التخاريج المتعدّدة ببيان الصحيح منها من الضَّ عيف بالنسبة لأصول الأبواب، فهي مراجعة وتثبت من صحّة التخريج، وهو أمر ضروري لصحة العمل به، مع مراعاة ما هو الأنسب من هذه التخاريج للواقع بإمرارها على قواعد رسم المفتي من الضَّورة والتيسير والمصلحة والعرف. وهذا الأمر كان محلّ اهتمام الطبقة الأولى من المجتهدين في المذهب لمتابعة أطوار الفقه مع عملهم بالوظائف الأخرى للمجتهدين ما عدا الاستنباط. أولا : طبقة المتقدّ مين من المجتهدين في المذهب: وهي الطّ بقة العليا من أكابر مجتهدي المذهب، وتشمل علماء القرن الخامس والسَّادس والسّابع والثّ امن. وهذه أَوّل طبقات المجتهد في المذهب التي تابعت سير الفقه فيما وصل إليه، ويتلخّص عملهم فيما يلي: 1.التّخريج على فروع وقواعد أئمّة المذهب خاصّة لا على الكتاب والسنة، وقد تميّزوا بذلك إلى حدٍّ كبير لاهتمامهم بضبطِ أُصول المذهب، فبنوا عليه كثيراً من الفروع المستجدّة.
عدد الصفحات ١٨٤للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 187 2.الترّجيحُ والتّصحيحُ بين أَقوالِ أئمّةِ المذهب على حسبِ قواعدِ رسم المفتي كما صرّح بذلك قاضي خان في ديباجة «فتاويه»(1) تحت فصل في ر سم المفتي، ويدخل في ذلك أخذهم واعتمادهم لأقوال بعض المجتهدين المنتسبين في المذهب وترجيحهم لقولهم على مَن سبقهم أو الترَّجيح بين أقوال المنتسبين. وترجيح هذه الطبقة أعلى أنواع الترجيح، قال ابن قُطْلُوبُغا(2)« :ما يصحِّحه قاضي خان مُقدم على تصحيح غيره؛ لأنَّهُ فقيه النَّفس »، فوصف تصحيح أحد رجال هذه الطبقة بأنَّه أقوى تصحيح. ووصف ابنُ عابدين الطبقة التي سبقتهم في الترَّجيح، فقال (3)« :و يخفى أنَّ المتأخرين ... كصاحب «الهداية»وقاضي خان وغيرهما من أهل الترَّجيح هم أعلمُ بالمذهب منّا، فعلينا اتباع ما رجَّ حوه وما صحَّحوه كما لو أَفتونا في حياتُم» وإن كان جُلّ تصحيحهم راجعٌ إلى المدارس الفقهيّة التي نشؤوا فيها كمدرسة سمرقند أو بُخارا مثلاً، كما هو ظاهر في ترجيح بعض المسائل في «الوقاية»(4) مخالفاً لما«الهداية»رغم أنَّه استخلص الكتاب من«الهداية» (1) الفتاوىالخانية1 :1. (2) في تصحيح القُدوريّ ص 134، علمية (3) في رد المحتار1 :192. (4) ينظر: شرح الوقاية4 :56.
عدد الصفحات ١٨٥188 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية 3.حفظ المذهب وتمييز ما هو المعتمد فيه من ظاهر الرواية والنوادر ومسائل النوازل، فألّفوا المتون في إظهار ظاهر الرّواية في المذهب والمعتمد من مسائله، وتُعدُّ متونَّم أدق كتب المذهب في نقله وبيان المعوّل عليه فيه، قال ابن عابدين(1) :«إذا اختلف التصحيح لقولين وكان أح دهما قول الإمام أو في المتون أخذ بما هو قول الإمام؛ لأنَّه صاحب المذهب، وبما في المتون؛ لأنََّّا موضوعة لنقل المذهب». وقال(2)« :المتون ...تمشي غالباً على ظاهر الرواية »،وقال ابن نجيم (3) : «العمل على ما هو في المتون؛ لأنّه إذا تعارض ما في المتون والفتاوى، فاعتمد ما في المتون، وكذا يقدّم ما في الشروح على ما في الفتاوى ». فإذا أُطلقت المتون عند مَن جاء بعدهم، فالمقصود بها متونَّم، وهذا راجع للملكة القويّة لديهم في الاعتناء في حفظِ المذهب وتمييز الراجح فيه، قال اللكنوي(4) :«وإن المتأخرين قد اعتمدوا على المتون ال ثلاثة: «الوقاية»، و «مخت القدوري»، و«الكنز»، ومنهم من اعتمد على الأربعة«الوقاية»، و«الكنز»، و«المختار»، و«مجمع البحرين » .وقالوا: العبرة لما فيها عند تعارض ما فيها وما في غيرها؛ لما عرفوا من جلالة قدر مؤلفيها، والتزامهم إيراد مسائل ظاهر الرواية، والمسائل التي اعتمد عليها المشايخ». (1) فيرد المحتار4 :33. (2) في منحة الخالق7 :76. (3) في البحر6 :310. (4) ينظر: النافع الكبير ص23، وغيره
عدد الصفحات ١٨٦للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 189 4.التَّقريرُ بمراعاة قواعد رسم المفتي وأُصول الأبواب الفقهيّة كما هو ظاهر في كتب الفتاوى في هذا العصر مثل: «النتف في الفتاوى »للسغدي (ت461هـ(1)،و«الفتاوى الخانية »لقاضي خان (ت592هـ(2)، و «مختارات النوازل»للمِرغينانيّ (ت593هـ(3)، و «الفتاوى الكبرى »و«الفتاوى الصُّغرى » لحسام الدِّين ابن مازه(ت 536هـ(4)، و «جامع الفتاوى »، و «خلاصة المفتي »، و«الملتقط في الفتاوى الحنفية»(ت556هـ(5)، و«الواقعات»، و«الفتاوى»لبرهان الشريعة المحبوبي (ت683هـ(6)، و«الفتاوى الصوفية»لفضل الله(ت666هـ(7)، و«الفتاوى الطرسوسية »للطرسوسي (ت 758هـ(8)، و «بغية القنية في الفتاوى » للقونوي (ت 770هـ(9)، و «الفتاوى التَّاتارخانيَّة »لعالم بن علاء صنفها في سنة (777هـ (1) ينظرطبقات ابن الحنائي ص73. (2) ينظرالأعلام2 :238. (3) ينظرمقدِّمة الهداية 3 :2-4. (4) ينظرالنجوم الزاهرة5 :268-269. (5) ينظرالجواهر3 :409. (6) ينظرمعجم المؤلفين3 :818، ودفع الغواية1 :2-6. (7) ينظركشف الظنون2 :1225. (8) ينظرالفوائد البهية ص27-28. (9) ينظرتاج التراجم ص289-290.
عدد الصفحات ١٨٧190 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية 5.التَّقعيدُ والتَّأصيلُ لفروع المذهب بصورةٍ أدقّ وأحكم ممَّن سبقهم بحيث أنََّّم اهتموا بربط الفروع بقض ايا الأصول الكليّة، وألّفوا كتباً في الأصول على طريقة الفق هاء: كـ «أصول البزدويّ »،و«أصول السرََّخْسيّ »، و «الميزان» للسَّمَرقنديّ (ت 539هـ(1).، وغيرها مما بيّنت الأُصول الكليّة التي مشى عليه أئمّة المذهب، وكل مَن جاء بعدهم عالة عليهم في الأصول، كما صرّح بذل ك جمع من العلماء، قال ملاجيون (2)« :وهذا كلُّه من تفننِ فخر الإسلام، والنّاس أتباع له». وفي أواخر هذه الطبقة اعتنوا بالتأليف في الأصول على طريقة الجمع ب أصول المتكلّمين والفقهاء؛ إذ قام جمع من علماء هذا الزمان بمحاكاة أصول المتكلّمين، وعرض أصول فقهاء الحن فيّة على هيئتها وصورتُا كترتيب وتنظيم، وذكر لبعض المباحث التي لم يتعرّض لها في أصول الفقهاء وذكروها في أصول المتكلّمين، ويظهر هذا جليّاً في «بديع النظام »لابن الساعا (ت694هـ، و«التوضيح شرح التنقيح»لصدر الشريعة (ت747هـ 6.الاستدلال لمسائل المذهب بالمعق ول والمنقول، ورد أدلة المخالفين، قال القدوري في «التّجريد»(3) :«قد أفردنا في هذا الكتاب ما خالف فيه الشَّافعيّ بإيجاز الألفاظ، واستيفاء معانيه، وأَوردنا الترَّجيح؛ ليشترك المبتدئ والمتوسط في فهمه (1) ينظرميزان الأصول1 :17 (2) في نور الأنوار ص299. (3) التجريد1 :53.
عدد الصفحات ١٨٨للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 191 والانتفاع به »،فاهتمَّ فيه بذكر قول الحنفية في مقابل قول الشَّ افعي عُمُوماً، وذكر أدلّة الحنفية ورد أدلّة الشّافعية، وأفاض في ردّ ما يرد من وجوه على أدلة الحنفية. ولكثرة المناقشات الحاصلة بين أئمة المذاهب ظهر علم الخلاف، و هوعلم يُعرف به كيفية إيراد الحجج الشرَّعية ودفع الشُّبهة وقوادح الأدلّة الخلافية بإيراد البراهين القطعيّة(1). قال طاشكبرى زاده(2) :«ويمكن جعل علم الجدل والخلاف من فروع علم أصول الفقه »، واعتبروا أنَّ أوّلَ مَن أخرج علم الخلاف في الدنيا هو أبو زيد الدبوسي (ت430هـ(3). 7.العناية الفائقة بكتب ظاهر الرواية شرحاً وتوضيحاً وتفصيلاً، حيث انصرفت هممهم إلى خدمة كتب محمد بهيئة لم تحصل لغيره، وهذا يفسرّ الملكة الفقهية الرفيعة التي وصلوها حيث تربوا على كتب محمّد فأثرت في منهجهم وطريقهم كثيراً، فالتزموا بالمذهب التزاماً كاملاً، ولم يقدموا قولاً على أقوال أئمتهم، كما صرح به قاضي خان فيما سبق. ومن أمثلة ذلك: الدبوسي (ت430هـ في «شرح الجامع الكبير»(4)، (1) ينظر: إتحاف السادة المتق1 :278. (2) في مفتاح السعادة1 :284. (3) مفتاح السعادة1 :284. (4) ينظرهدية العارفين5 :648.
عدد الصفحات ١٨٩192 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية والحَلْوَانيِّ (ت456هـ«المبسوط»(1)، والسُّغْدِيّ (ت 461هـ«شرح الجامع الكبير»(2)، وفخر الإسلام البَزدويّ (ت 482هـ«شرح الجامع الكب »، و«شرح الجامع الصَّغ »(3)، وخواهر زاده (ت 483هـ) في «المبسوط»(4)، والسرََّخْسيّ (ت 483هـ«شرح السِّير الكب »و«شرح الزِّيادات »، و«المبسوط»، والصدر الشهيد (ت 536هـ«شرح الجامع الصغ »(5)، وعبد الغفور الكَرْدَرِي (ت 562هـ«شرح الجامع الصغ »، و «شرح الجامع الكبير»، و «شرح الزيادات »(6)، وعمر النسف ي (ت 537هـ«نظم الجامع الصغير»(7)، والكِرْمَانيِّ (ت 543هـ«شرح الجامع الكب »(8)،والعَتَّابيِ (ت586هـ«شرح الجامع الصغ »و«شرح الجامع الكب »، و «شرح الزيادات»(9)، وقاضي خان (ت592هـ«شرح الجامع الصغ »، و «شرح (1) سير أعلام النبلاء18 :177-178، وتُذيب الكمال في أسماء الرجال3 :111. (2) ينظرالجواهر2 :567. (3) ينظركتائب أعلام الأخيارق156/ب-157/ب (4) ينظرالعبر3 :302. (5) ينظرالنجوم الزاهرة5 :268-269. (6) ينظرطبقات ابن الحنائي ص108. (7) ينظرمرآة الجنان3 :268، ومعجم الأدباء16 :70-71. (8) ينظردفع الغواية ص20. (9) ينظرالفوائد ص66.
عدد الصفحات ١٩٠للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 193 الزيادات»(1)، وعبيد الله المَحْ بُوبيِ (ت 602هـ«شرح الجامع الصغ »(2)، والملك المعظم أبو المظفر عيسى (ت 624هـ«شرح الجامع الكب »(3)، والحصيري (ت 636هـ«التحرير شرح الجامع الكب »، و «شرح الس الكبير»(4)، والخِلاطيّ (ت 652هـ«تلخيص الجامع الكب »(5)، وسبط ابن الجوزي (ت 654هـ) في «شرح الجامع الكب »(6)، والتُّمُرْتَاشيِّ «شرح الجامع الصغير»(7)، والرَّامُشيِّ الضَّير (ت 666هـ«شرح الجامع الكب »، و «شرح الجامع الصغير »(8)، وعثمان الزيلعي (ت 743هـ«شرح الجامع الكب »(9) وغيرهم وبعد هذا الجهد الضخم من أصحاب هذا الدَّور في التَّخريج والترَّجيح والتَّمييز والتَّقرير الذي امتدَّ قرابة ثلاثة قرون، ظهرت الحاجة إلى تقرير أصل المذهب وتمييز ظاهر الرّواية عن غيره بطريقة تمُكن الطّالب من حفظه، فاشتهر (1) ينظرتاج التراجم ص151-152. (2) ينظرالعبر5 :120،والأثمار الجنيةق35/ب (3) ينظروفيات الأعيان3 :494-496. (4) ينظرالنافع الكبير دص56. (5) ينظرالأعلام7 :51. (6) ينظرمرآة الجنان4 :136. (7) ينظرالجواهر1 :147-148. (8) ينظرتاج التراجم ص215. (9) ينظرالفوائد ص194-195.
عدد الصفحات ١٩١194 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية التالي بعناية بهذا التمييز. ثانيا : طبقة المتأخرين من مجتهدي المذهب: وتشمل علماء القرن التاسع وما بعده، ويتلخّص عملهم فيما يلي: 1. التَّخريج على أصول الأئمّة وفروعهم كمَن سبقهم، فهذه الوظيفةُ يستغنى عنها في زمان ومكان، إلا أنََّّا تقلّ كلّما تأخّر الزَّمان لقلّة الفروع المستجدّة، لكن في زماننا هذا بسبب التطوّر المدنيّ الضخم دعت إ ليها الحاجة بدرجة كبيرة؛ لأنََّّا الطريقةُ المعتبرةُ في معرفة ما يجدّ من أحكام، عوضاً عن وظيفة الاستنباط التي كانت في مرحلةِ سابقةٍ من أطوار الفقه، فهي الوظيفةُ التي يحيى بها الفقه في الواقع، والوصول إليها بعد كلّ هذا التّنقيح لعلوم الفقه ممكن ومتيسرّ لمَن وفّقه الله تعالى. وكثيراً ما يُعبر المتأخرون عن هذا التَّخريج: هذا بحث لفلان، قال الطحطاوي(1)« :هذا بحث للمصنِّف »، وقال ابن عابدين (2)« :ورأيت الشرّ نبلالي ذكر بحثاً: أنَّه ينبغي أن يرجع بالزيادة على الراهن، اهـ. وذكر الشرّ نبلالي بحثاً آخر....» 2.التصحيح والترجيح للأقوال على حسب قواعد رسم المفتي، وبمراعاة مباني الأبواب، وهي المعاني التي تَوصل لها المجتهد باستقرائه لما ورد في الباب من (1) في حاشيته2 :204. (2) في رد المحتار6 :506.
عدد الصفحات ١٩٢