للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 163 ومثال هذه التفريعات من «فتاوى قاضي خان »(1)« :الهرّةُ إذا أَكلت طعاماً فسقط من فمها شيءٌ يُكره أكله. وكذا لو لحست عضواً، لا يُصليّ قبل أن يغسل ذلك العضو. وإن أكلت فأرة فشربت من إناء في فوره يفسده، وإن شربت بعد ساعة لا يفسده. ولو وقعت الهرة في جب ماء، فأخرجت حية من ساعتها، فتوضأ إنسان من ذلك الماء، جاز. بئران وقعت في كلِّ واحدٍ منها هرّة وماتت، فأُخرجت من البئر ونُزح من إحداهما دلوٌ وصُبّ في الأُخرى، يُنزح من الثَّانية جميع الماء، كما لو وقع فيها شاةٌ وماتت» قال ابنُ كمال باشا (2)« :طبقةُ... يستنبطون الأحكامَ من المسائل التي نَصَّ فيها عنه على حسبِ أصولٍ قرَّرها ومُقتضى قواعد بسطها » وقال ابنُ عابدين (3)« :هو مَن استخرج الأحكام من مذهب مجتهدٍ تخريجاً على أصولِه، لا نقل عينه ـ إن كان مُطلعاً على مبانيه: أي مأخذ أحكام المجتهد ـ أهلاً للنَّظر فيها، قادراً على التَّفريع على قواعد ه، مُتمكّناً من الفرق والجمع (1) الفتاوى الخانية1 :5. (2) في أصول الإفتاء ص89عن الطبقات (3) في شرح عقود رسم المفتي1 :31.
عدد الصفحات ١٦١164 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية والمناظرة في ذلك، بأن يكون له ملكةُ الاقتدار على استنباطِ أَحكام الفروع المتجدِّدة التي لا نقل فيها عن صاحبِ المذهب من الأصول التي مَهَّدها صاحبُ المذهب» وقال الدِّهلويّ (1)« :قومٌ توجّهوا بعد المسائل المجمع عليها بين المسلم أو بين جمهورهم إلى التَّخريج على أَصل رجلٍ من المتقدِّمين، وكان أكثرُ أمرهم حمل النَّظير على النَّظير، والردُّ إلى أصلٍ من الأُصولِ دون تتبع الأحاديثِ والآثارِ » ثالثا : التررجيح والترصحيح بين أقوالِ علماءِ المذهب، نوعان الأولى: التررجيح بين الأقوال اعتمادا على الأصول والقواعد والمعاني وأسس الأبواب الفقهية: أي من حيث قوّة البناء الفقهي والأُصولي، بحيث يراعى مبنى المسألة ومبنى الباب. ومبنى المسألة: هو الأصل والضابط الذي بنيت عليه هذه المسألة وأمثالها من المسائل التي تشبهها، فالمسألة دائماً هي تطبيق لأ صل، وهذا الأصل عادة يشتمل مجموعة من المسائل المتشابهة. فإنَّ المسائل الفقهيّةَ مبنيّةٌ على ضوابط وقواعد، تُدرس الفروع من أجل تحصيل هذه الضوابط، وعامّة المذكور في كتب الفقه فيما عدا أبواب العبادات، فإنََّّا عبارةٌ عن أمثلةٍ وليست مقصودةً بذاتُا، وإنَّما هي تطبيقٌ في زمن ومكانٍ مُعينّ، بالتالي مَن لا يدرس المسائل الفقهية ملاحظاً لمبانيها وقواعدها وأسسها، (1) في الإنصاف ص93.
عدد الصفحات ١٦٢للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 165 فإنَّه لا يقدر على فهم حقيقةِ الفقه والعيش في كنفه، وإنَّما يبقى متعلِّقاً بقشورٍ بدون قدرةٍ على ضبطٍ وتمكُّن فيه، ولا يصل إلى الملكة الفقهية التي بها نطبق ا لفقه، ولا يتمكن من الترجيح عند اختلاف الأقوال؛ لأنَّ ارتباط المسائل بأصولٍ ومبانٍ دقيقة يُعرِّفنا بانتفاء العشوائية في الأحكام وانتظامها وترتيبها. وقد أَبدع قاضي خان في شرحه على «الزيادات»عندما صرَّح في بداية شرحه لكل مجموعة من المسائل للأصل الذي بنيت عليه، فمثلاً الواحد في المعاوضات المالية لا يصلح عاقداً من الجانبين؛ لأنَّ حقوق العقد فيها ترجع إلى العاقد، فيصير الواحد مطالِباً ومطالَباً، وذلك محال(1). والمقصود بمبنى الباب: أنَّ كلَّ باب من الأبواب الفقهية له فكرةٌ رئيسية يسعى لتحقيقها، وتدور مسائله على تطبيقها، وهذا ما يعرف بالقياس في الباب، الذي يقابله الاستحسان، فالفقه قياس واستحسان، والقياس هو القاعدة في الباب التي تنطبق عليه عامة مسائله، والاستحسان هو الاستثناء من هذه القاعدة، فالفروع التي خرجت عن القياس بنصّ أو إجماع أو ضرورة أو عرف أو غيره، نسميها استحسان. فالقياس في الوضوء: غسل الأعضاء الثلاثة: الوجه واليدين والرجلين، ومسح الرأس، والاستحسان: هو المسح على الخف الثابت بالحديث المشهور. (1) ينظر: شرح الزيادات لقاضي خان2 :736.
عدد الصفحات ١٦٣166 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية والقياس في نواقض الوضوء: وجوبها بخروج النجس، والاستحسان: النقض بالقهقهة في الصلاة لحديث الضَّير المشهور، وهكذا. فضبط مبنى المسألة والباب هو العامل الأقوى في الترجيح بين الأقوال المختلفة بحيث يرجح منها ما كان متفقاً مع المبنى، قال المرغيناني (1)« :الشَّأن معرفته ـ أي المدّعي والمدّعى عليه ـ والترَّجيح بالفقهِ عند الحذّاق من أَصحابنا ؛ لأنَّ الاعتبار للمعاني دون الصور...»أي العبرة للمعاني التي بنيت عليها المسائل لا لظواهر المسائل وتركيبها. وقال ابنُ كمال باشا (2)« :طبقةُ أصحاب الترَّجيح... شأنَُّم تفضيلُ بعض الرِّوايات على بعضٍ آخر بقولهم: هذا أولى، وهذا أصحُّ رواية، وهذا أوضح، وهذا أوفق للقياس، وهذا أرفق للنَّاس» الثّاني: التررجيحُ بين الأقوال بناء على قواعدِ رسم المفتي من المصلحة والعرف والتّ يسير وتغيرّ الزرمان والضرورة والحاجة : أي من حيث الأنسب في التَّطبيق في الواقع. قال ابنُ عابدين (3)« :تتغيرّ الأحكام لاختلاف الزَّمان في كثيرٍ من المسائل على حسب المصالح؛ ولهذا قال في «البحر»فالحاصلُ أنَّ المصحَّح في المذهبِ أن الختمَ سنّةٌ ـ أي للقرآن في الترَّاويح ـ، لكن لا يلزم منه عدم تركه إذا لزم منه تنفير (1 )في الهداية8 :154. (2) في أصول الإفتاء ص91عن الطبقات (3 )في رد المحتار2 :47.
عدد الصفحات ١٦٤للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 167 القوم وتعطيل كثير من المساجد خصوصاً في زماننا، فالظَّاهر اختيارُ الأَخفّ ع القوم» رابعا : التّمييز والتّ فضيل بين الأقوال والرِّوايات، نوعان: الأولى: تمييز أصل المذهب (ظاهر الرواية) عن غيره من الأقوال؛ لأنَّه إن لم يوجد تصحيح من أصحاب الترجيح في قول من الأقوال، فالواجب حينئذٍ اتباع ظاهر الرّ واية، قال عبد الحليم (1) :«إن اختلف التصحيح والترجيح كان الترجيح لظاهر الرّ واية» . الثّانيةتمييز بين الأقوى والقويّ، والصرحيح والضرعيف: أي المعتمد في المذهب عن غيره من الأقوال؛ لأنَّه لا يعتمد على قول غير فقيه متضلع، ولا على ترجيح مَن ليس من أهل الترجيح. قال ابن كمال باشا (2)« :طبقةُ ... القادرين على التمييز بين الأق وى والقوي والضَّعيف وظاهر الرِّواية وظاهر المذهب والرِّواية النّادرة » وبالتالي كانت همة المشتغلين بالفقه الوصول إلى هذه الوظيفة حتى يتمكنوا من الإفتاء والتطبيق للفقه، قال ابن عابدين(3)« :إنَّ معرفةَ راجح المختلف فيه من مرجوحِه ومراتبِه قوّة وضعفاً هو نَّ ايةُ آمال المشمرين في تحصيل العلم ». (1) في حاشيته على درر الأحكام1 :289. (2) في أصول الإفتاء ص91عن الطبقات. (3) في تحبير التحرير في إبطال القضاء بالفسخ بالغبن2 :81.
عدد الصفحات ١٦٥168 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية خامسا : الترقريرُ والترطبيقُ في العمل والإفتاء والقضاء بالمناسب للواقع، نوعان: الأولى: تقرير ما هو الأنسب والأرفق والمفتى به بناء على قواعد رسم المفتي من عرف وضرورة وغيرها. مرَّ معنا أنّ رسمَ المفتي أحد طرفي قاعدة الترّ جيح بين المذاهب، وهو كذلك أحد طرفي قاعدة تطبيق الفقه؛ لأنَّه يمثل الجانب العمليّ التطبيقيّ للفقه، ولا سبيل لنا للترجيح بين الأقوال الفقهية إلا به، ولا فهم الخلاف الحاصل بين علماء المذهب إلا من خلاله، ولا إعمال الفقه في الواقع بدونه، فهو أقربُ ما يكون بالروح للفقه؛ إذ بدونه لا حياة له. وهذا العلم يُمثِّلُ الحلقة ما بين المسائل الفقهيّة المدوّنة في الكتب وما بين الواقع المعاش للناس في كافّة مناحي الحياة، فمَن فقده فهو فاقدٌ للعلم حكماً؛ إذ لا خير في علمٍ بلا عمل، وفاقدُه فاقدٌ للعمل به لنفسه ولغيره. قال اب ن عابدين (1)« :وينبغي أن يكون مطمح نظره إلى ما هو الأرفق والأصلح، وهذا معنى قولهم: إنَّ المفتي يفتي بما يقع عنده من المصلحة: أي المصلحة الدينيّة لا مصلحته الدنيويّة» وقال الشرُُّنْبُلاليّ (2)« :و«معراج الدراية» معزياً إلى فخر الأئمّة: لو أفتى مفتٍ بشيءٍ من هذه الأقوال في موضعِ الضََّّورة طلباً للتيسير كان حسناً » (1) في رد المحتار4 :363. (2 )في حاشيته على درر الحكام1 :40.
عدد الصفحات ١٦٦للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 169 وقال ابنُ الهُمام «والحقُّ أنَّ على المفتي أن ينظر في خصوص الوقائع وأقرّه في «النّهر»و«الشرُُّنْبلاليّة ».»(1). الثانية: تقريرُ المسألة بعد تصوُّرها جيدا ، وإدراك أنََّّا هي المناسبة للواقعة، وفهم علَّتها ومبناها وأصلها ومحلها في الإفتاء والعمل، وذكر ابنُ عابدين (2) مطلباً مهماً: «والتحقيقُالمفتي في الوقائع لا بدّ له من ضرب اجتهاد ومعرفة بأحوال الناس»، ونقل هذا عن ابن الهُمام(3). وهذا صريحٌ جداً بأنَّه لا يُمكن التَّعامل مع تطبيق الفق ه بدون اجتهاد بمناسبته للحادثة والصورة في الواقع؛ لأنّه يؤدّي إلى إعطاءِ حكمٍ غير مناسبِ للواقعة، وتعامل بجمودٍ مع الحكم الشرَّعي وإفقادِه روحه من مراعاته للواقع ومناسبته له. وهذا الأمر لا يقتصر على المكلّف بل يشمل القاضي في قراره بمناسبة هذا الحكم للقضية، قال ابنُ عابدين (4)« :وفي القُهُستانيّ وغيره: اعلم أنَّ في كلِّ موضع قالوا: الرأي فيه للقاضي فالمراد قاضٍ له ملكة الاجتهاد » وتتسع دائرةُ هذا الاجتهاد بشموله للمفتي في كلِّ الفتاوى التي يُسأل عنها، قال العثمانيّ (1)« :لا يكفي للمفتي ولو كان ناقلاً أن يعرفَالقولَ الصَّحيح الرّاجح (1 )رد المحتار3 :535. (2) رد المحتار2 :398. (3) في فتح القدير2 :334، وينظر: مجمع الأنَّر1 :246. (4) في رد المحتار5 :361، وتحب التحرير2 :73.
عدد الصفحات ١٦٧170 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية المرويّ عن المجتهد، وإنَّما يحتاج بعد ذلك إلى تنزيل ذلك القول على الواقعة الجزئية التي سئل عنها، ويجب لذلك الفهم الصَّحيح والملَكَة الفقهية، فإنَّ مثل هذا المفتي وإن لم يكن مجتهداً في معرفة الأحكام الشرَّعيّة، ولكن لا محيص له من نوعِ اجتهاد، وهو الاجتهادُ في تعيين الواقع المسؤول عنه، وتنزيل الحكم عليه» تعدد درجات كل وظيفة فهذه عشرة وظائف للمجتهد، وكلُّ وظيفة فيها تشتمل على درجات عديدةٍ يتفاوت العلماءُ في تحصيلها، حتى الاجتهاد المستقل درجات، فانظر كم وجد مجتهدون في القرنين الأَوّلين ، ولم يبق اجتهادات من بين اجتهاداتُم إلا للأئمّة الأربعة؛ لارتفاع درجتهم في الاجتهاد عن غيرهم، وهو من أبرز الأسباب. وقال الكوثريّ )2( :«والحقُّ أنَّ الاجتهاد له طرفان أعلى وأدنى، وفيما ب الطَّرفين درجاتٌ متفاوتةٌ جدّ التَّفاوت، ومنازلٌ مُتخالفةٌ كلّ التّخ الف، فلا تظهر منزلة الفقيه بمجرد عَدّه من طبقة أهل الاجتهاد المطلق المستقلّ، وكم بين الذين حافظوا على الانتساب مَن هو أعلى منزلةً من الذي حاولوا الاستقلال، على أنّ الاستقلال بالمعنى الصَّحيح لا يوجد بين الأئمّة المتبوعين... » فهذه الوظائف للمجتهد تعتمد ع ملكته الفقهيّ ة، وهي بلا شكّ متفاوتة من عالم لآخر؛ لأسباب عديدة، منها مثلاً: قُرب العهد بالنبيّ ، فجعلوا (1) في أصول الإفتاء ص161-162 معارف (2) في حسن التقاضي ص25-26.
عدد الصفحات ١٦٨للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 171 اجتهاد الصَّحابة أعلى أنواع الاجتهاد وكذلك قربُ العهد بالسَّلف وقرون الخيريّة، قال ابن حجر المكيّ (1) : «كانت ملكة الاجتهاد فيهم أقوىمن غيرهم» وهذه الملكةُ تتحصَّل بقدر توفيق ا من مصاحبةِ العلماءِ والبحثِ والتَّدريسِ والإفتاءِ والقدرةِ العقليّة وإكثارِ المطالعة في كتب التَّاريخ والطَّبقات والفتاوى والشرُّوح وغيرها. قال العثمانيّ (2)« :وهذه الملَكَةُ يُعرفُ بها أُصول الأحكام وقواعدُ ها وعللها ويُميِّز الكتبُ المعتبرة من غيرِها، ودليلُ حصول هذه الملَكَة أن يأذن له مشايخُه المهرة بالإفتاء» فما نريد تقريره في علم الفقه كسائر العلوم أنَّ الاجتهاد بدرجته الأدنى يبدأ من قدرة الدارس على تصور المسائل وتطبيقها على نفسه وإفتاء غيره بها، أي تطبيق ما تعلّم على نفسه وغيره، وهو في ذلك درجات. ويبقى يرتقي في تحصيله لكلّ وظيفةٍ إلى مُنتهاها وإلى قدرتِه على تحصيل وظائف أُخرى من الاجتهاد، من التَّمييزِ والترَّجيح والتَّخريج، حتى يتمكَّن من معرفة ما لم يُنصّ عليه من المستجدات ممَّا درَّس من الفروع وال قواعد. (1) في الفتاوى الكبرى1 :157. (2) في أصول الإفتاء ص28.
عدد الصفحات ١٦٩172 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية والعلماءُ في التَّخريج للمستجدات متفاتون فيه جداً، وإلاّ لما رُئِي هذا التَّفاوت الكبير في تخريجات الفُقهاء في داخلِ المذهب؛ لذلك كانت تخَريجات علماء القَرن الثَّالث والرَّابع أقوى من غيرهم. ومن باب أولى أن يكونوا متفاوتين جداً في الترجيح والتصحيح، فكان ترجيح علماء القرن الخامس والسادس أقوى من غيرهم، قال ابنُ عابدين (1)« :و يخفى أنَّ المتأخرين ... كصاحب «الهداية»وقاضي خان وغيرهما من أهل الترجيح هم أعلم بالمذهب منّا، فعلينا اتباع ما رجَّحوه، وما صحَّحوه كما لو أَفتونا في حياتُم» وكذلك تتفاوت در جاتُم في التميّيز بين الأقوال، حتى عدّوا أصحاب المتون أبرز مَن قاموا بذلك فقُدِّمَت متونَُّم على غيرها من الكتب، وقال الحمويّ (2)« :العملُ على ما في المتون إذا عارضه ما في الفتاوى »وقال ابنُ نُجيم (3) : «العملُ على ما هو في المتون؛ لأنّه إذا تعارض ما في المتو نِ والفتاوى، فالمعتمدُ ما في المتون، وكذا يُقدَّمُ ما في الشرَّوحِ على ما في الفتاوى »، انتهى وكلُّ هذا ينبغي أن يكون من المسلّمات في الواقع لتفاوت النَّاس في عقولهم واجتهادهم والأسباب التي تتوفّر لهم وغيرها من الأمور التي يطول ذكرها. (1) في رد المحتار1 :192. (2) في غمز العيون1 :334. (3 في )البحر6 :310.
عدد الصفحات ١٧٠للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 173 فهذه الوظائف والدرجات حاصلةٌ في كلِّ زمانٍ ومكان، ولا إشكال في ذلك، وإنَّما القضية المهمّة التي ينبغي أن تكون محلّ اهتمام الطلبة والعلماء هي مقدارُ تحقيقهم للوظيفة في كلّ منها، فهل ما زال في الدرجة الأدنى من الاجتهاد أو بلغ الدَّرجةَ الأعلى، وهل حصَّل كلَّ وظيفةٍ على تمامِها. فتفاوت المشتغلين في الفقه على قدر تحصيلهم لهذه الوظائف، والأهمُّ هو قدرتُُم على أداءِ كلّ وظيفةٍ بتمامها، بأن يبلغوا أعلى مراتب الاجتهاد فيها، والله أعلم وعلمه أحكم. * * *
عدد الصفحات ١٧١174 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية
عدد الصفحات ١٧٢للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 175 المبحث الررابع طبقات المجتهدين ونعرض ما يتعلّق به في المطالب الآتية: المطلب الأور ل: طبقة المجتهد المطلق: نلاحظ أنَّ الاجتهاد المطلق عند الحنفية على قسمين: 1. مجتهدٌ مستقلٌ، وتحقَّق في إمام المذهب أبي حنيفة 2.مجتهدٌ مستقلٌ منتسبٌ، وتحقَّق في تلاميذ أبي حنيفة: أبو يوسف، ومحمّد بن الحسن الشيباني، وزفر بن هذيل، وسأعرض لكلٍّ منهما في مطلب: أولا : طبقة المجتهد المستقل: وهو مَن استقلّ بأصوله عن اجتهاد منه وإن تأثّر في بعضها من شيوخه ومدرسته التي نشأ فيها، وبنى عليها الفروع مثل: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. فشرطه أن يحوي علوماً ثلاثة: 1.أن يعرف آياتالقرآن المتعلِّقة بمعرفة الأحكام لغةً: أي إفراداً وتركيباً،
عدد الصفحات ١٧٣176 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية فيفتقر إلى ما يُعلم في اللغة والصرَّف والنَّحو والمعاني والبيان سليقةً أو تعلماً وشريعة: أي مناطات الأحكام وأقسامه من أنَّ هذا خاصٌّ أو عامٌّ أو مجملٌ أو مبينٌّ أو ناسخٌ أو منسوخٌ أو غيرُهما. وضابطه: أن يتمكّن من العلم بالقدر الواجب منها عند الرُّجوع إليها. 2.معرفةُ السنة المتعلِّقة بالأحكام وطريق وصولها إلينا من تواتر وغيره، ويتضمَّن معرفة حال الرواة والجرح والتعديل والتَّصحيح والتَّسقيم وغيرها، وطريقه في زماننا الاكتفاء بتعديل الأئمة الموثوق بهم؛ لتعذُّر حقيقة حال الرُّواة اليوم. 3. معرفةُ القياسِ بشرائطِه وأركانِه وأقسامِه المقبولة والمردودة 4.معرفة المسائل المجمع عليها؛ لئلا يخرق به الإجماع(1). ثانيا : طبقة المجتهد المستقل المنتسب وهو مَن استقلّ بأُصوله عن اجتهاد منه ووافق بعض أُصوله أصول مَن انتسب لمذهبه لموافقة رأيه رأي إمامه فيها، وبَنَى عليها فُرُوعاً مثل أبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر والحسن . وانتسابهم إلى أبي حنيفة انتسابُ أدب، وإلا فقد خالفاه في ثُلُثَيْ مذهبه ك نَصَّ عليه إمامُ الحرمين (2)، وصرَّحوا به في كتب ظاهر الرواية فذكروا قو لهم مع (1) ينظر: فصول البدائع2 :475، والإبهاج في شرح المنهاج3 :255. (2) ينظر: حسن التقاضي ص85-86.
عدد الصفحات ١٧٤للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 177 قول أبي حنيفة، وكذلك جعل الدَّبوسيّ «تأسيس النظر »لهم أصولاً مخالفة لأصول أبي حنيفة، كما سبق، وهذا ما ذكر في كثير من كتب الأصول في الاختلاف بين أصول أبي حنيفة وأصولهم في بعض الجزئيات وكلّ ذلك يؤيِّدُ ما وصلوا إليه من درجةِ الاجتهادِ المطلق وإن آث روا الانتساب إلى إمامهم أَدباً معه وسعوا في نشر مذهبه مع أقوالهم، وهذا ما أيّده المرجانيّ واللكنويّ والكوثريّ والمطيعي وابن عابدين والعثماني وأبو زهرة كما سبق. وهاتان الدَّرجتان في الحقيقةِ هما واحدة، وهي الاجتهادِ المطلق، وإنّما فصّلناهما؛ لتفسير وصول الصَّ احبين إلى درجةِ الاجتهاد المطلق ولم يكن لهما مذهبٌ مستقل. والاجتهاد المطلق كان حال علماء المئة الأُولى والثانية، فكلُّ مَن اشتغل في الإفتاء أو القضاء من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم هم مجتهدون مطلقون مع تفاوت درجاتُم في هذا الاجتهاد المطلق. وهذا التف اوت لا يخرجهم من درجة الاجتهاد المطلق؛ لأنَّ الاجتهاد في تلك الحقبة كان بهذه الوصف؛ لقرب العهد بالنبي ، وقصر الأسانيد، وكثرت العلم وقلّة الجهل، فإمكانية الوصول للاجتهاد المطلق متيسرة لمن جدّ واجتهد، وهذا يفسرّ لنا حال فقهاء تلك المرحلة كيف كانوا يعتمدون ا لاستنباط من الكتاب والسُّ نة والآثار في استخراج الأحكام.
عدد الصفحات ١٧٥178 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية ولا شكّ أنَّ طبقة المجتهد المطلق بشقيه: المستقل والمنتسب، هم أعلى درجات الاجتهاد، وتحقَّقت فيهم كل وظائف المجتهدين على أكمل صورة من استنباط وتخريج وترجيح وتمييز وتقرير. أمّا الاستنباط، فهي الوظيفة الت ي اختصوا بها عن سائر المجتهدين على صورتُا الكاملة. وأمّا التّخريج، فاشتغلوا به بطرفيه من تخريج الفروع على الأصول الفقهية التي أصل الفروع؛ لأنََّّا الطريقة المعتبرة في التفريع، ولا شكّ أنَّم فعلهم الأعلى لمن جاء بعدهم فيه، وكذلك التخريج بالطرف الثاني وهو بيان معاني مَن سبقهم من المجتهدين، فمثلاً «خرَّجَ أبو حنيفة وأصحابه قولَ ابن عبّاس في تكبيرات العيدين أنَّّا ثلاث عشرة تكبيرة بحمل أنَّّا على هذا العدد بإضافة التّكبيرات الأصلية، والشّافعيّ وأتباعه بحملها على الزَّوائد. وخرَّجَ أبو يوسف قولَ الشَّعبي: إن للخنث ى المشكل من الميراث نصفَ النّصيبين بأن ذلك ثلاث من سبعة، ومحمّد بأنه خمس من اثني عشر »(1). وأمّا الترّجيح والتّمييز، فهم نشأوا في مدارس فقهية مشوا على طريقها واستفادوا منها وبنوا علمهم عليها، فأبو حنيفة عاش في مدرسة الكوفة ودرس علومها وسار على فقهها وأصولها إجمالاً، فيحتاجون إلى الترجيح بين اجتهادات، والتّمييز بين الغثّ من السَّمين من الأقوال في مدارسهم. (1) ينظر: حسن التقاضي ص89-91.
عدد الصفحات ١٧٦