للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 147 المبحث الثّالث وظائف المجتهدين ونعرضها في تمهيد ومطالب على النّ حو الآتي: تمهيد: وفيه ثلاثة أمور: أولا: تعريف الاجتهاد لغة واصطلاحا : الاجتهاد لغة : قيل: تحمُّل الجَهَد، وقيل: استفراغُ الجُهد. واصطلاحا : استفراغُ الفقيه الوسعَ لتحصيل ظنٍّ بحكم شرعيٍّ فرعيٍّ (1). وقد وقع لبس كبير في قضية الاجتهاد، بحيث لا يتصور إلا بصورته المطلقة الموجودة في المجتهد المطلق الذي يستنبط الأحكام من الكتاب والسنة، وفي الحقيقةِ هذا نوعٌ من أنواع الاجتهاد لا كلّ الاجتهاد، كما هو ملاحظٌ من التَّ عريف أوّلاً، ومما سيأتي من كلام. ومَن لا ينتبه لهذه النُّكتة يبقى حياً في عالم من الخيال، وبعيداً عن الواقع، والذي نريده هاهنا أن يكون كلامنا في وظائف المجتهد استقراء وواقع لا كلام (1) ينظر: فصول البدائع2 :474 .
عدد الصفحات ١٤٥148 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية فرضيّات وعقليّات: فمن حيث الاستقراء: مضى على اجتهادات علماء الأمّة ما يزيد عن أربعة عشر قرناً، سَلَكتْ فيه مناهج وطُرُق في التَّوصلِ إلى الأحكامِ الشرعيّةِ والتعرّف عليها والإفتاء بها والتقنين منها، فنريد من حيث استقراء التَّاريخ الفقهيّ أن ندركَ ذلك ونقرِّرَه. ومن حيث الواقع: أننا نعيش الإسلام في حياتنا ونجتهد في تطبيقِ ه على أنفسِنا وأهلينا ومجتمعنا، والإسلام العمليّ التطبيقيّ مرجعه إلى الفقه بالدرجة الأولى، فكلُّ أعمال جوارحنا معالجتها في الفقه، وإن كان للترَّبيةِ الأثرُ البالغ على أفعال الحواسّ، لكن في النَّتيجة هي تصرّفات تحتاج أحكاماً، ومعرفتُها مردُّها للفقه. ثانيا : الاجتهاد حقيقة واقعيّة: إنَّ عيشَ وتطبيقَ أي علم يحتاج إلى اجتهادٍ فيه؛ لتمييزِ صحيحِه من سقيمِه، وتَصَوُّر كيفيةِ العملِ به، وتخريج المسائل المستجدّة على أصول أئمّتنا في الاجتهاد. وهذا أمرٌ لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان، وإلاّ لكان العلمُ نظريّاً خياليّاً لا يُطبّقُ ولا يُعاش، فطالما نريده علماً عمليّاً في حياتنا لا بدّ فيه من الاجتهاد، وقدر المتخصّصين فيه يتميَّز بقدر اجتهادهم، وهذا يظهر في مختلف العلوم حتى عند أربابِ الصَّنائع. إذن فالواقعُ يفرضُ علينا أنَّه لا بُدَّ من الاجتهادِ في العلمِ طالما أنَّه يُ عاشُ في الحياة، لكن على درجاتٍ وصورٍ متفاوتةٍ فيه.
عدد الصفحات ١٤٦للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 149 فالفكرةُ الشَّائعةُ بين الطلبةِ من توقّف الاجتهاد وإغلاق بابه، وهل يوجد مجتهد في هذا الزَّمان؟ اعتقد أنَّ طرحها وسؤالها خطأٌ؛ لأنَّ هذه حقيقةٌ كالشَّمس، كيف يكون علمٌ معاشٌ ومطبّقٌ بدون اجتهاد، كيف يُفهمُ ويُميّزُ ويُعملُ بالعلم بدون اجتهاد. وعليه فإنَّ تطبيق الفقه في الواقع يحتاج إلى اجتهادٍ، فالفكرةُ التي لا بُدّ من تقريرِها في ذهنِ كلِّ مُتعلِّمٍ للفقه: أنَّ الفقهَ حالُه مثل سائر العلوم، يحتاج إلى دراسةٍ لمعرفةِ قواعدِه وأسسِه ومبادئِه وأمّهات مسائلِه، كما هو الحال في علمِ الهندسةِ أو الطبّ أو غيرِها. وكلُّ هذه الدراسة ؛ ليتوصّل الطَّالب من خلالها إلى تكوين الملَكَة العلميّة، ويتعرّف طريقة أهل العلم في الفهم والبناء وتحليل الأمور، وبقدرِ اجتهادِ الشَّخص بالدِّراسة الذَّاتية والالتقاء بالأساتذة وتحقُّق الذَّكاء لديه يستطيع أن يتوصَّل إلى تكوين الملَكَة في العلم الذي تخصَّص فيه. وتطبيق المرء للعلم في حياتِه وإفادة مجتمعه به وزيادته لمسائلِه راجعٌ إلى مقدارِ الملَكَة التي كوَّنَّا فيه، وهذا الأمرُ متحقِّق في الفقه؛ لأنَّه علمٌ كسائر العلوم تكوَّن من اجتهاداتِ العلماءِ فيه، وهذه الاجتهاداتُ منبعُها الملَكَات، وبقدرِ تحصيلها يستطيع أن يتصرَّفَ في هذا العلم ويُضيف إليه معارف وإفادات مبنيّة على أُسس العلم التي تمََكَّن منها. فعلى الرَّاغبِ في الفقهِ أن يجَِدَّ ويجتهد في طلبِه بما قلتُ، ويَسعى جاهداً لتكوين مَلَكَةٍ فقهيّةٍ قويّة، يستطيع بها تطبيقَه على نفسِهِ ومَن حولَه، وعلى تحقيقِ
عدد الصفحات ١٤٧150 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية مسائلِهِ وتحريرِها وبيان حكم ما جَدَّ منها. ثالثا : الاستقراءُ التراريخي للطربقات: ممَّا سبق يتبينَّ أنَّ الاجتهاد في نفسِهِ موجودٌ لا محالة؛ لأنَّه روحُ العلم، وبه حياتُه وتطبيقُه، وبدونه ينعدم العلم، ولكنَّه يَمرُّ بمراحل في نشأةِ العلوم وتكوّنَِّا، فينتقلُ من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ، فالعلمُ في كلِّ مرحلةٍ فيه يحتاج إلى نوعٍ جديدٍ من الاجتهاد؛ لأنَّ المرحلةَ السَّابقة اكتملت، والعلمُ في استمرارٍ وزيادةٍ، وإلا لم يكن علماً. وليس كلُّ عالم فيه يبدأُ من جديدٍ، بل يستمرُّ في البناءِ على علمِ مَن سبقه حتى يعظم بنيان العلم وتُشيَّدُ قواعدُه وأُسُسُه وتَزدادُ فروعُه ومسائلُه، فيكون علماً مرغوباً فيه، نافعاً للمجتمعات، ولو بدأ كلُّ عالم فيه من البدايةِ واجتهد فيما قاله غيرُه، لبقي ال علم في محلِّه ولم يكمل بُنيانُه. وهذا يقتضي حصول مرحليّة في الاجتهادِ في العلم، تنقلُه من طورِ إلى طور، وهو ما نقصدُه بالاستقراءِ التَّاريخي للعلم، حيث نلحظ فيه هذا التَّطوُّر الاجتهادي وانتقالُه من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ، وهو واضحٌ جَليٌّ في علمِِِ الفقه ـ كما سيظهر ذلك في الدراسة التالية ـ. ويخُرجنا من مُشكلةِ تقسيم الطَّبقات لابن كمال باشا التي هي وظائف في الحقيقة لا طبقات، كما يُقرِّرَه شيخنا العثماني (1)، حيث يقول «إنَّ هذه الأقسام (1) في أصول الإفتاء ص101-102معارف
عدد الصفحات ١٤٨للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 151 للوظائف لا للأشخاص، والمرادُ أنَّ وظائف الفقهاء تنقسم إلى هذه الأقسام...، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون الرَّجل الواحدُ يتولىَّ جميع هذه الوظائف أو بعضَها في وقتٍ واحدٍ، وهذا كما أنَّ العلماءَ ينقسمون إلى مفسرٍّ ومحُدِّثٍ وفقيهٍ ومُتكلّمٍ، ولكن رُبّما يقع أنَّ الرَّجلَ الواحدَ تصدُق عليه جميعُ هذه الأَلقاب، فهو من حيث اشتغاله بالقرآن مُفسرٌِّ، ومن حيث اشتغاله بالحديث محُدِّثٌ، ومن حيث اشتغاله بالفقه فقيهٌ، فكذلك يجوز أن يكون الرَّجلُ الواحدُ مجتهداً في المسائل وأهلاً للتَّخريج والترَّجيح في وقتٍ واحدٍ » وتقريراً لما سبق نحتاج قبل الكلام في الوظائف أن نعرض موجزاً في مبحث مستقل لأبرز أس باب الاجتهاد، وهو الترجيح؛ لأنَّه شرط العمل، وكذلك بيان تعدد أنواع الاجتهاد، وهو المرحلية التاريخية التي مرّ بها. المطلب الأور ل: الترّجيح شرط العمل(الحقُّ واحدٌ عند الله): في هذه النقطة نعرض لأحد أهم أسباب الاجتهاد، وهو عدم جواز العمل بقول إلا بعد ترجيحه بالاجتهاد فيه، فالاجتهاد هو الطريق للوصول للراجح من القول للعمل، وبالتّالي الاجتهاد بطريق الاستنباط وطريق التَّخريج نسعى فيه للوصول للحقّ عند الله ؛ لأنَّه واحد، فنحتاج أن نُميزه عن غيره لتطبيقه، وهذا يمثل الوظيفة الأُولى والثّانية. وأمّا الوظيفة الثَّالثة والرَّابعة وهما: الترجيح والتمييز، فهاهنا نتحدَّث عن سببهما، وهو عدم جواز العمل إلا بالرَّاجح؛ لأنَّ المرجوحَ في مقابل الرَّاجح كالعدم، وبالتَّالي وجودهما مبنيٌّ على الوقوف على الحقّ؛ لأنَّه واحدٌ لا متعددٌ.
عدد الصفحات ١٤٩152 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية وأمّا الخامسةُ، وهي التَّقرير، فلا يكون التثبت من مناسبة الحكم للمكلّف أو الواقع إلا بالاجتهاد، وهذا لسعيه لإصابة ما هو الحقّ عند الله تعالى، فيكون الكلام فيها كالكلام في الوظيفة الأولى والثانية. وكثيرٌ من القائمين على الفقه في المؤسسات العلمية وعامّة الطلبة الدّارسين له سلكوا مذهب المعتزلة القائلين بتعدّد الحقّ، حتى صارت نظرتُُم إلى أقوال الفقهاء المختلفة أنََّّا محلّ اختيار كلّ واحد منهم، فيحقُّ له أخذ ما شاء منها، وترك ما شاء؛ لأنََّّا كلُّها حقّ، ففي كلّ مسألةٍ يدرسونَّا يأخذون فيها عدّة آراء فقهيّة: منها: مَن يقول: بالحلّ، ومنها: مَن يقول: بالحرمة، ومنها: مَن يقول: بالكراهة، وهكذا، دون بيانٍ للرّاجح منها في الغالب، فيكون هذا الطالب المبتدئ هو المختار لما يُريد بما تمليه عليه نفسه على حسب حاجته، فيوماً يقول: بالحرمة، ويوماً يقول: بالإباحة، وغيرها على حسب المصلحة العقليّة. وأقوال العلماء في الحق عند الله : القول الأول: قول المعتزلة وبعض المتكلّم المجتهدُ مصيبٌ، والحقُّ عند الله متعدّد؛ لأنَّ الحكم ما أدّى إليه اجتهاد كلّ مجتهد، فإذا اجتهدوا في حادثة فالحكم عند الله تعالى في حقّ كلّ واحد ما اجتهد به. واحتجوا بالآتي: 1.إنَّ المجتهدين في القبلةِ جعلوا مصيبين، حتى تأدّى الفرض عنهم جميعاً، ولا يتأدّى الفرض عنهم إلا بإصابة المأمور به مع إحاطة العلم بخطأ من استدبر الكعبة.
عدد الصفحات ١٥٠للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 153 والمناقشة له إنَّ المتحرّي يخطئ ويصيب أيضاً كغيره من المجتهدين؛ إذ لو صلىّ جماعة وتحرّوا القبلة واختلفوا، فمَن علم منهم حال إمامه وهو مخ الفه فسدت صلاته؛ لأنَّه مخطئ للقبلة عنده، ولو كان الكلُّ صواباً والجهات قبلة لمََا فسدت (1). 2.إنَّ الأحكام تختلف عند اختلاف الرُّسل بين قومين في زمان واحد كإبراهيم ولوط. والمناقشة له إنَّ الشيَّءَ الواحد جاز أن يكون حراماً لشخص حلالاً لشخص آخر: كأم المرأة حرام على زوج ابنتها حلال لغيره، وكذلك سائر المحرّمات من الأمّ والبنت وغيرها، وكذلك المال لمالكه حلال ولغيره حرام، فكذلك يجوز أن تثبت الحرمة في حقّ أُمّةٍ، والحلّ في حقّ أمّةٍ أُخرى. قال الكوثريّ (2)« :والرأي الذي يُنسب إلى المعتزلة، يبيح لغير المجتهدِ الأخذُ بما يروقه من الآراء للمجتهدين، لكن أقلّ ما يجب على غير المجتهد في باب الاجتهاد أن يتخيرَّ لدينه مجتهداً يراه الأعلم والأورع، فينصاع لفتياه. وأمّا تتبّعه الرُّخص من أقوال كلِّ إمام، والأخذ بما يوافق الهوى من آراء الأئمّة، فليسا إلا تشهّياً محضاً، وليس عليهما مسحة من الدّين أصلاً، كائناً من كان (1) ينظر: الكافي شرح البزدوي4 :1847-1848، وغيره (2) في مقالاته ـ مقالة اللامذهبية قنطرة اللادينية ـ ص223-225.
عدد الصفحات ١٥١154 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية مبيح ذلك؛ ولذلك يقول الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ الإمام عن تصويب المجتهدين مطلقاً: «أوله سفسطة وآخره زندقة »؛ لأنَّ أقوالهم تدور بين النفي والإثبات، فأنى يكون الصواب في النفي والإثبات معاً...؟ نعم إنَّ من ت ابع هذا المجتهد في جميع آرائه، فقد خرج من العهدة، أصاب المجتهد أم أخطأ، وكذا المجتهدون الآخرون؛ لأنَّ الحاكم إذا اجتهد وأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد» القول الثاني: قول عامّة الفقهاء المجتهدُ يخُطئ ويُصيب، والحقُّ عند الله واحدٌ، وإن لم يتعينَّ لنا فهو عند الله مُتعينِّ؛ لأنَّ حكمَ الاجتهاد الإصابة بغالب الرّ أي، وليس القطع بالوصول إلى الحقّ؛ لأنَّ الحقَّ في موضع الخلاف واحد (1). واحتجوا با 1.قال :{فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْماَنَ }[ 79] بالفهم، وهو إصابة اقّ بالنّظر فيه كان الآخر خطأً (2) . 2.عن عبد الله بن عمرو « :إنَّ رجلين اختصما إلى النّبيّ ، فقال لعمرو: اقض بينهما، فقال: أقضي بينهما وأنت حاضر يا رسول الله، قال: نعم، على إنَّك إن أصبت فلك عشر أجور، وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر»(3). (1) ينظر: التلويح2 :238، والبحر المحيط8 :284، والتقرير والتحب3 :306-307.. (2) ينظر: أصول البزدوي4 :17، وغيرها (3) في المستدرك4 :99، وصححه
عدد الصفحات ١٥٢للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 155 3.عن عمرو بن العاص قال« :إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثمّ أخطأ فله أجر »(1). 4.عن أبي بكر الصديق حين سئل عن الكلالة قال «إنيّ سأقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمنّي ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد، فلماّ استخلف عمر ، قال: إنيّ لأستحيي الله أن أردّ شيئاً قاله أبو بكر»(2) . 5.عن عمر بن الخطاب « :إذا حاصرتم أهل حصن فأرادوكم على أن تنزلوهم على حكم الله فلا تنزلوهم على حكم الله، فإنَّكم لا تدرون ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلوهم على حكمكم ثم احكموا فيهم ما شئتم...»)3( . وجه الدلالة: وجود حكم واحد لله، وليس كلُّ ما يقول المجتهد حكم ا ؛ لأنّه لا يدري حكم الله يقيناً، وبالتَّالي لا يُسلِّموا لهم أنّ ما قالوه حكم ا ، ويدعون غيره قال التفتازانيّ (4)« :وأمّا السنّة والأثر فالأحاديث والآثار الدّالة على ترديد الاجتهاد بين الصواب والخطأ، وهي وإن كانت من قبيل الآحاد، إلا أنََّّا متواترة من جهة المعنى، وإلا لم تصلح للاستدلال على الأصول» (1) في صحيح مسلم1 :134، وغيره (2) في سنن الدارمي2 :462، وسنن البيهقي الكب6 :223، ومسند الربيع1 :305. (3) في سنن سعيد بن منصور2 :230، وسنن البيهقي الكب9 :96 . (4) في التلويح 2 :239.
عدد الصفحات ١٥٣156 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية 6. الإجماع، قال علاء الدّين السمرقنديّ (1)« :إنَّ الصّحابة أجمعوا ع جواز القياس مع مخالفة البعض في جواب المسائل والتّخطئة، حتى شدّدو ا على عبد الله بن عبّاس في جواز ربا النّقد... فالصّحابة الذين جوّزوا القياس أجمعوا على جواز الخطأ على القياس، وإجماع الصّحابة حجّة قاطعة » ونَقل الإجماع أيضاً شيخ الإسلام شمس الدين الفناريّ(2). فلم تكن مناقشة حقيقية لأدلتهم؛ لقوتُا وظهورها؛ ولذلك كان م ذهب الأئمة الأربعة، واتفق عليه الفقهاء، فحقَّ له أن يتقدّم ولا يُلتفت لغيره. المطلب الثّ اني: وظائف المجتهدين: بعد تقرير الحاجة الواقعية للاجتهاد، والحقيقة التّاريخة بحصوله في كلّ عصر وزمان، نتيقَّن بحقيقته، وندرك أنََّّا الحلقة المهمة للدارس للفقه والعامل به، حيث يسعى الطالب للحصول على هذه الوظائف، وترتفع همته لذلك، ويسعى العامل بالفقه إلى الاستفادة منها في تطبيق الفقه واستخراج كنوزه. وهذه الوظائف للمجتهدين هي: أولا : استنباط الأحكام من الكتاب والسُّنة وآثار الصرحابة ،نوعان: الأولى: الاعتمادُ على أصولٍ استخرجها المجتهدُ بنفسِه، قال ابنُ كمال باشا (3) : (1) في ميزان الأصول2 :1056. (2) في فصول البدائع2 :417. (3) في أصول الإفتاء ص87عن الطبقات
عدد الصفحات ١٥٤للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 157 «طبقة المجتهدين ... في تأسيس قواعد الأصول واستنباط أحكام الفروع عن الأدلّة الأربعة »... وأبرز مَن قام بهذه الوظيفة الأئمة الأربعة، فهم وإن كانوا مستقل استنباطِ الأحكام الشرعيّة من الكتاب والسنة، ولكن لا محيص له من نوع من التقليد، وهو أنَّه ينظر في أقوال السلف من الصحابة والتابعين ويتمسّك بها في شرح أحكام القرآن والسنة، فربما لا يوجد نصٌّ صريحٌ من الكتاب والسُّنة، ولكن يوجد قول من أحدِ الصحابة أو التابعين، فيقدّمه على رأيه الخاصّ، وهذا كما أنَّ الإم ام أبا حنيفة أخذ كثيراً بقول إبراهيم النخعي، والإمام الشافعي بقول ابن جريج، والإمام مالك بقول أحد الفقهاء السبعة بالمدينة المنورة(1). وفي الحقيقة هذه الاستقلاليّة لهم كانت ضمن مدارس فقهيّة تربوا فيها، ومشوا على أصولها وقواعدها وفروعها، مع تقرير وتقعيد وتأص يل منهم لما توارثوه، كما هو ظاهر في أفعال أبي حنيفة مع مدرسة الكوفة، ومالك مع مدرسة المدينة. فإثبات أصول خاصّة بهم في الاستنباط لا يمنع تأثرهم بها في مدارسهم فنقحوها وحققوها أكثر فأكثر حتى نسبت إليهم. وكذلك قام بهذه الوظيفة طبقة المجتهد المطلق المنتسب المتحققة بأصحاب أبي حنيفة: كأبي يوسف ومحمد، قال الكوثري(2) :«اشتهر في أفواه الموافق (1) أصول الإفتاء ص17-18. (2) في حسن التقاضي ص85-86.
عدد الصفحات ١٥٥158 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية والمخالف، وجرى مجرى الأمثال، قولهم: أبو حنيفة أبو يوسف، بمعنى أنَّ البالغ إلى الدرجة القصوى في الفقاهة أبو يوسف… ولكل واحد منهم أصول مختصة، تفردوا بها عن أبي حنيفة، وخالفوه فيها، بل قال الغزالي: إنََّّما خالفا أبا حنيفة في ثلثي مذهبه، وقال الجويني: إن كل ما اختاره المزني أرى أنَّه تخريج ملحق بالمذهب لا كأبي يوسف ومحمد، فإنََّّما يخالفان أصول صاحبهما». وقال أبو زهرة (1)« :إن أبا يوسف ومحمداً وزفر وغيرهم من الأصحاب كانوا مستقلين في ت فكيرهم الفقهي كل الاستقلال، وما كانوا مقلدين لشيخهم بأي نحو من نواحي التقليد، وكونَّم درسوا آراءه أو تلقوها عليه، وتثقفوا في أولى دراساتُم عليه لا يمنع استقلال تفكيرهم، وحرية اجتهادهم وإلا كان من يتلقى على شخص لا بد أن يكون مقلداً له…» وأبرز ما يدل على أم وصلوا لدرجة الاجتهاد المستقل: أنَّ محمد قرن رأيه ورأي أبي يوسف مع رأي أبي حنيفة في مسائل كتب ظاهر الرواية التي خالفاه فيها، مما يوضح أنََّّما كانا يعتقدان أنَّ لهما أهلية في الاجتهاد مثل شيخهما، ولكنهما آثرا نشرَ مذهبهم جميعاً؛ لأنَّ مذهب الجماعة أقوى م ن مذهب الفرد، ولما فيه من التيسير على غيرهما فيما اختلفا فيه، واعترافاً منهما بمكانة أبي حنيفة ودرجته العالية في الفقه. (1) في أبي حنيفة ص444-445.
عدد الصفحات ١٥٦للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 159 قال اللكنوي (1)« :المصرح في كلام كثير: أنَّ أبا يوسف ومحمد مجتهدان مطلقان منتسبان؛ لأنَّ مخالفتهما للإمام في الأصول غير قليلة » الثانيةالاعتمادُ على أصولٍ مُقرّرةٍ في المذهبِ استخرج أُسسها أئمّتُه ، قال ابنُ كمال باشا (2)« :طبقةُ المجتهدين... القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلّة المذكورة على حَسَب القواعد التي قرَّرها إمامُهم.. ». وهذه الوظيفةُ تظهر لدى المجتهد المنتسب، وهو عالمٌ متبحرٌ، وهو الذي وإن لم يبلغ درجة الاجتهاد الكليّ، ولكنه لسعة معرفته بعلوم القرآن والسنة وتبحره في مذهب إمامه وطول ممارسته بالفقه والفتيا لدى أساتذة مهرة تحصل له ملكة قوية في النظر في دلائل الأحكام الفقهية، فإنَّ مثل هذا العالم وإن كان يقلّد إمامه في معظم الأبواب الفقهية... فإنه يجوز له أن يترك قول إمامه(3). وتجلّت هذه الوظيفةُ بوضوح في علماءِ القرن الثّالث والرابع إجمالاً: كعيسى ابن أبان والجُوزجانيّ وأبو حفص الكبير ومحمّدُ بن مقاتل والخصّاف والجصّاص والكَرخيّ والطّحاويّ وأبي الليث السَّمرقنديّ وغيرُهم. فمثلاً ان فرد الكرخيُّ عن أبي حنيفة وغيره في أنَّ العام بعد التَّخصيص لا يبقى حجّةً أصلاً، وأنَّ الخبر الواحد الوارد في حادثة تعم بها البلوى، ومتروك المحاجة عند الحاجة ليس بحجة قط، وانفرد أبو بكر الرازي في أنَّ العام (1) في النافع الكبير ص15. (2) في أصول الإفتاء ص87عن الطبقات (3) أصول الإفتاء ص17-18.
عدد الصفحات ١٥٧160 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية المخصوص حقيقةٌ إن كان الباقي جمعاً وإلا فمجاز (1). ويلاحظ أنَّ مدرسةَ محدّثي الفقهاء من متأخّري الحنفية وافقوا سير هذه الطبقة في اعتمادهم أُصولاً للترَّجيح مشوا عليها، ولكن هناك تفاوت ظاهر بينهم وبين هذه الطبقة في التمكّن من الأصول والفروع، يظهر في ضعف ترجيحاتُم، بخلاف هذه الطبقة، فإنَّ ترجيحها من أقوى الترَّجيحات وكذلك تخريجها، والأصول التي اعتمدوها قويّةٌ بالمقارنة مع أصولِ الأئمة، وأمّا هذه المدرسة المتأخرة فمدار أصولهم على أصول المحدّثين مع ضعفٍ ظاهر منهم لما يوردون من أحاديث في استدلالاتُِم يرجِّحون من خلالها، وغفلةٍ واضحةٍ عن طريقةِ الفقهاء في تصحيح الأحاديث وقبولها وردّها، قال الجصّاص (2)« :لا أعلم أحداً من الفقهاء اعتمد طريق المحدِّثين ولا اعتبر أصولهم » لا سيما أنَّ الوقوفَ على النَّصوص الحديثيّة بصورتُا الأدقّ والأحكم بالنسبة إلى هذه الطبقة أقوى؛ لقربها من العهد النبويّ، فحكمُهم أصحُّ وأث بتُ وأَصوب، كما صرََّح الذهبيُّ (3)« :وهذا في زماننا يعسرُُ نقدُه على المحدِّث، فإن أولئك الأئمّة كالبُخاريّ وأبي حاتم وأبي داود، عاينوا الأصول، وعَرَفوا عِلَلَها، وأمّا نحن فطالَتْ علينا الأسانيد، وفُقِدَت العباراتُ المتُيَقَّنة، وبمثلِ هذا ونحوه دَخَ ل الدَّخَلُ على الحاكم في تصرُّفِهِ في المستدرك » (1) ينظر: حسن التقاضي ص89، أنوار (2) في شرح مختصر الطحاوي4 :244. (3) في الموقظة ص46.
عدد الصفحات ١٥٨للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 161 ولم ينتبه مَن في هذه المدرسة لقضيّة النَّقل المدرسيّ المتوارث المعتبر عند الحنفيّة والمالكيّة، وقد فصّلتُ ذلك كلَّه في عدّة أبحاث، وهذا يفسرّ ردّ ابن عابدين لكثير من أقوالهِم وترجيحاتُِم والرجوع إلى مَن سبق هم في الوقوف على المعتبر من المذهب، ونقصد بهذه المدرسة المتأخرة: ابنُ الهمام ـ وهو شيخها ـ ومَن جاء بعده: كابن أمير الحاج، والحلبيّ، والقاري، والشرُّنبلاليّ، واللكنويّ، وغيرهم. ثانيا : الترخريج على أقوال أئمّة المذهب، نوعان: الأول: حملُ قولِ المجتهد المطل ق على محمل معينّ ؛ بأن يكون كلامُه من الفرائض أو الواجبات أو السُّنن أو المبطلات أو غيرها، وهذا يعدُّ توضيح وتفسير لمقصود المجتهد، كما حصل مع أبي يوسف ومحمّد في قول الشعبي في ميراث الخنثى، قال البابرتي(1)« :اختلفا في تخريج قول الشَّعبي، فمُحمّد فسرَّه ع وجه ... وأبو يوسف فسرَّه على وجه »...، فانظر كيف ذكر التَّخريج أَوَّلاً ثم بيَّنه بالتفسير. قال ابنُ كمال باشا (2)« :طبقةُ أَ صحاب التخريج... لإحاطتهم بالأَصول وضبطهم للمأخذ يقدرون على تفصيلِ قولٍ مجملٍ ذي وجهين، وحكمٍ محتملٍ لأمرين منقولٍ عن صا حب المذهب أو عن أحدٍ من أصحابه المجتهدين برأيهم ونظرهم في الأصول والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع. وما وقع في (1) في العناية10 :521. (2) في أصول الإفتاء ص89عن الطبقات
عدد الصفحات ١٥٩162 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية بعضِ المواضع من «الهداية»من قوله: كذا في تخريج الكرخيّ وتخريج الرَّازيّ من هذا القبيل» فمثلاً: وردت الطمأنينة في الرُّكوع والسجود عن أبي ح نيفة، واختلفوا في حكمها عند أبي حنيفة، هل سنة أم واجبٌ؟ ففي تخريج الجُرجانيّ سنة؛ لأنّ هذه طمأنينة مشروعةٌ لإكمال ركن، وكلُّ ما هو كذلك فهو سنّةٌ كالطمأنينة في الانتقال. وفي تخريج الكرخي: واجبة حتى تجب سجدتا السهو بتركها عنده؛ لأنّ هذه الطمأنينة مشروعة لإك مال ركن مقصود بنفسه، وكل ما هو كذلك فهو واجب كالقراءة، بخلاف الانتقال فإنَّه ليس بمقصود(1). فنظر لها الجرجانيّ إلى أنَّّا إكمالُ ركن مطلقاً، والسُّنَّةُ شرُِعت لإكمال الرُّكن، ونظر الكَرخيّ أنَّّا لإكمال ركن مقصودٍ، فتكون حالها أقوى حتى لا ينتقص الرُّكن، وهذ ا يتحقَّق بوجوبها، ففرضُ القراءة عند أبي حنيفة آية، وواجبُه ثلاث آيات، فلماّ كانت القراءة ركناً مقصوداً بنفسه وجب قراءة ثلاث آيات، فكذلك لما كان الرُّكوع والسُّجود مقصوداً بنفسه وجبت الطَّمأنينة فيهما. الثانية: الترفريعُ على مسائلِ المجتهدِ وقواعدِه في الم سائل المستجدة ، فالمجتهدون الأوائل نُقِل عنهم قواعد الأبواب وأُمَّهات مسائلها أَكثر ممّا نُقِل عنهم من فروعِها وتفصيلاتُا، وهذه كلُّها من تفريعات مشايخ المذهب على أُصول مذهبهم، وهذا واضح جليٌّ في كتب الفتاوى، فأكثرها من تفريعات المشايخ. (1) ينظر: الهداية والعناية1 :302.
عدد الصفحات ١٦٠