المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الخطاب القرآني دراسة في العلاقة بين النص والسياق ب

محمد عبد الحميد بن محمد عبد الواحد

صفحة ٢ من ٣

17 إنّ دراسة ابن سنان هذه تقدِّم لنا صورة عن طبيعة العمليّة الإبداعية, وأنهّا ليست عفويّة, بل إنهّا اختيار منظّم يرتبط بالسّياق اللغوي الداخلي للنصّ, ويتدرّج معه حتىّ ينتظم ضمن سياق عام أو مقام, كما أنّ الأسلوب عند ابن سنان يرتبط بهذا السياق, فالسياق هو الذي يحدِّد الأسلوب, ويستحسن هذا الأسلوب بقدر ما يتّفق مع السياق "فإن لكلّ مقام مقالاً,ولكلّ غرض فنًا, وأسلوبا "39, كما يقول ابن سنان وعناصر السّياق التي يتعرّض لها البلاغيّون والنقّاد هي الغرض أو الهدف, وطبيعة الموضوع, والمخاطَب؛ فطبيعة الرسالة اللغويّة تتغيرّ بتغيرّ هذه العناصر, بما فيها الرسالة الإبداعيّة.ويعبرِّ ابن قتيبة عن هذا بقوله : "فالخطيب من العرب إذا ارتجل كلامًا في نكاح, أو حمَالة, أو تخصيص, أو صلح, أو ما أشبه ذلك لم يأت به من واد واحد, بل يفتنُّ فيختصر تارة أرادة التخفيف, ويطيل تارة إرادة الإفهام, ويكرّر تارة إرادة التوكيد, ويخفي بعض معانيه حتى يغمض على أكثر السامعين, ويكشف بعضها حتى يفهمه بعض الأعجمين, ويشير إلى الشيء ويكنيّ عنه, وتكون عنايته بالكلام على حسب الحال وكثرة الحشد وجلالة المقام" 40.وممّا لفتني حقًا أنّه أتبع هذه العبارة الجامعة قولة تضيء بعض ما نحن بصدده من تحليل سورة البقرة, وهي أنّ "من فهم مذاهب العرب في ذلك, وكثر نظره في افتنانها في الأساليب, عرف فضل القرآن" 41.أي أنّ اتّساق الكلام مع غرضه, ومع حال المتكلّم وحال السامع وعنايته بالأسلوب من أجل إيصال الرسالة اللّغويّة قول ينطبق على كلّ رسالة لغويّة, ومن هذا الوجه يعرف فضل ( القرآن الكريم ) باعتباره يمثِّل الذروة في الاتّساق والإبلاغ والبيان, والمخاطَب هو محور عملية الإبلاغ في هذه الرسالة الإلهيّة ولذلك فقد توافر لهذا النّص القرآني كل عناصر الاتساق التي تؤدّي إلى تمام الإبلاغ. وأمّا (السياق الحالي) فقد كان له حظٌّ وافر في دراسات البلاغيّين العرب القدامى, فقد تنبّهوا إلى أثره في جعل الوحدات الكلاميّة أكثر غنىً, وثراءً ووضوحًا لدى السامع, ولعلّ الجاحظ أوّل من حاول تصنيف صور الدلالة فجعلها خمسًا لاتزيد ولا تنقص, وهي الّلفظ والإشارة, والعَقْد (الحِساب) والخطّ, ثم الحال التي سمّاها نُصْبَة, والنُّصْبَة هي الحال الدالّة التي تقوم مقام تلك الأصناف, ولا تقصّر عن تلك الدلالات, ويقصد الجاحظ بالإشارة عمل اليد والرأس, والعين, والحاجب, والمنْكَب وغير ذلك ممّا يصحب الكلام من حركات, ولو لا هذه الإشارة في رأيه لما تفّهم النّاس معنى خاص الخاصّ 42. ابن سنان الخفاجي, سر الفصاحة ط2, مطبعة صبيح/القاهرة 2881, ص284 . 39 ابن قتيبة, تأويل مشكل القرآن, تحقيق أحمد صقر, ط 2, دار إحياء الكتب العربية, القاهرة, 2888, ص21 . 40 نفسه 41 الجاحظ : عمرو بن بحر (ت188ه ), البيان والتبيين, ط2, تحقيق عبد السلام هارون, لجنة التأليف والترجمة والنشر, القاهرة, 2880 ,2/24 . 42

عدد الصفحات ١٧

18 وقد جمع الجاحظ في هذا عددًا من القوى الكلاميّة وعدّها دلالات ناطقة, فهي جزءٌ ولا يتجزّأ من الحدث الكلامي, ودورها معروف في الإبانة عن دلالته وتقويته, وأما النصبة وهي الحال الناطقة من غير لفظ, والمشيرة بغير يد, فالأشياء هنا تقوم مقام الكلمات في الإبانة عن ذواتِا, وهو تعبير دقيق لسياق الحال بكلّ تفاصيله وأثره في تدقيق الوصف للحدث الكلامي, ولنا أن نتخ يّل مثلاً مسرحًا لمعركة دامية بكلّ تفاصيلها, إنّ آلاف المجلّدات لا يمكن أن تعدل بضعة مشاهد حيّة لهذا المسرح, أو مكانًا قد أتت عليه الزلازل, أو حادث تصادم بين عدد كبير من الحافلات.. وغيرها.ويتنّبه الجاحظ إلى الأثر السلبي الذي يتركه انتزاع الكلم من سياقه, وبخاصّة إذا كان الأمر في النوادر من كلام الأعراب, "فأي تغيير يجريه الناقل في الإعراب أو في مخارج الألفاظ يفسدها ويبدّد ما كان فيها من المؤانسة والإِمتاع"43 . وأمّا الباقلاّني فهو أكثر وضوحًا في تحديد أثر السياق المحيط بالنصّ على اختيار ألفاظ ذلك النصّ وأسلو به, يقول : "إنّ اختيار اللّفظ, وإحلاله في الموقع المناسب في السياق هو أساس البلاغة, والإحسان في البيان, فإنّ إحدى اللفظتين قد تنفرد في موضع, وتزلّ عن مكان لا تزلّ عنه اللفظة الأخرى, بل تتمكن فيه, وتضرب بجِِرانهِا, وتراها في مظانهِّا, وتجدها غير منازعة إلى أوطانهِا, وتجد أخرى لو وضعت موضعَها في محل نِفار, ومرمى شِراد, ونابية عن استِقرار" 44.فالمقامات تحدِّد اختيار الألفاظ ثمّ تترتّب هذه الألفاظ وفق تسلسل سياقيّ لغويّ داخل النص, وأوضح الباقلاّني مسألة الاتساق الداخلي في النصّ من خلال وصفه لأسلوب القرآن بأنه ق ائم على الترابط والتناسب سواء فيما بين المحتوى أو تسلسل الألفاظ واطّرادها في قوالب منظومة, تتّصل مقدماتِا مع نتائجها وتتناغم موضوعاتِا وتترتّب عناصرها, وتتّصل بطريقة قائمة على التناسب في نظم الفصل والوصل45. ومن الجدير بالذكر أنّ علماء الإعجاز غالبًا ما يبدؤون الحديث عن إعجاز القرآن بالحديث عن بلاغة العرب, وتمكنّهم من فنّ القول وكأنّه يشار بذلك إلى سياق الثقافة, فقد كانت معجزة القرآن في جنس ما يمهرون ليكون التحدي أكبر وأظهر.ثم إنهّم يشيرون إلى الوقائع التاريخيّة التي نزل القرآن في سياقها, وبعد ذلك يبدؤون بالحديث عن ألوان الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم مركِّزين على المخاطَب, وعلى تشكّل الآية في صورة مثلى تؤدّي إلى إبلاغ (توصيل) أسرع وأعمق وأكثر تأثيرًا. نفسه, 2/147 . 43 أبو بكر الباقلاّني, إعجاز القرآن الكر تحقيق أحمد صقر, ط1, دار المعارف, مصر 2872, ص110. 44 نفسه, ص110 . 45

عدد الصفحات ١٨

19 وحين نظر البلاغيّون والنّقاد إلى "مراعاة القول لمقتضى الحال" باعتباره شرطًا أساسيًّا في التعبفإنهّم بنوا هذا التصوّر على فهم اجتماعي لوظيفة الأدب, يؤول إلى افتراض المتلّقي وحضوره, وقد عدل به القدماء عن مناسبة القول الشعري للحال التي فيها الشاعر, إلى مناسبته للحال التي فيها القول ( السياق الحالي ) عدولاً محكومًا بطبيعة الشعر العربي أحيانًا وتقسيمه إلى أغراض ومناسبات, وهذا ما نراه في ارتباط فكرة السياق في كتب النقد والبلاغة بالحديث عن سقوط المطالع, وضعف التخلّص, وتنافر الأشطار, وافتقاد التناسب بين العبارة الشعريّة ومقتضى الحال, وهو تفسير جعل القدماء يطلقون أحكامًا لا تتعلّق في أكثر الأحيان بالجانب الفني من التعبير بقدر ما يتعلّق باللّياقة والمراسم الاجتماعيّة, وإذا كان الاهتمام بالجانب الاجتماعي أمرًا ضروريًا فإنّ من السذاجة إغفال مسألة أنّ النص الأدبي قابل للقراءة في سياقات عديدة بحكم تكوينه الجمالي الذي يقترب به إلى العالميّة من خلال تراكيبه وقوى الكلمات المشعّة فيه وصوره, وعمق التجربة الكامنة فيه, فالسياق له قدرة على النموّ والتغيرّ من خلال القارئ الذكيّ المتفتّح. والتماسك النّصّي مظهر بارز من مظاهر الاتّساق الداخلي, وأعاره المحدثون أهميّةً بالغة وخاصّة في لسانيّات النصّ, وقد عالجه النّقاد القدامى معالجة ذكيّة وعبرّوا عنه من خلال استخدام مصطلحات متعدّدة مثل : التلاحم, النّظم, تناسب الأجزاء, الانسجام, المشاكلة, وأبرز من تناول هذا المظهر الجاحظ, وابن طباطبا, والحاتمي, وحازم القرطاجنيّ.فالجاحظ يصرّح بأنّ أجود الشعر "ما رأيته متلاحم الأجزاء, سهل المخار ج؛ فتعلم بذلك أنه أُفرغ إفراغًا واحدًا, وسبك سبكًا واحدًا"46.وفي موضع آخر يصف بيتًا يقول فيه : "فتفقّد النصف الأخير من هذا البيت فإنّك ستجد بعض ألفاظه يتبرأ من بعض"47.ويضيف في موضع آخر أنّ الشعر الجيّد "تجد أجزاء البيت فيه متّفقة, حتىّ كأنّ البيت بأسره كل مة واحدة.وكأنّ الكلمة بأسرها حرف واحد"48؛ فتلاحم الأجزاء عند الجاحظ يتمثّل في تلاحم الأبيات المشكلِّة للقصيدة, وتلاحم الأجزاء المشكِّلة للبيت, وتلاحم الأجزاء المشكلة للّفظ (الحروف والأصوات), وأبرز العناصر التي انصبّ اهتمام الجاحظ عليها هي الاتّساق الصوتي. وأمّا ابن طباطبا فله في (عيار الشعر) إشارات متفرِّقة هنا وهناك تنمّ على وعي بضرورة توافر شروط التماسك الجاحظ, البيان والتبيين/ج2/ص98 46 نفسه, ج2/ص97 ) 47 نفسه, ج2, ص 48

عدد الصفحات ١٩

20 في الخطاب, ومن ذلك قوله : "إنّ للشعر فصولاً كفصول الرسائل, فيحتاج الشاعر إلى أن يصل كلامه, على تصرّفه في فنونه, صلة لطيفة فيتخلّص من الغزل إلى المديح, و من المديح إلى الشكوى, بألطف تخلّص وأحسن حكاية بلا انفصال للمعنى الثاني عمّا قبله"49.وفي موضع آخر يصف أحسن الشعر بأنّه ما ينتظم القول فيه انتظامًا يتّسق به أوّله مع آخره".وأنّ القصيدة يجب أن يكون فيها "كلّ كلمة تقتضي ما بعدها ويكون ما بعدها متعلِّقًا بها مفتقرًا إليها"50, ولديه إشارات عديدة عن أهميّة المخاطب, وهذه الاقتباسات توضح طبيعة الاتّساق الداخلي الذي يريده ابن طباطبا, فالاتّصال والترابط بين أجزاء النصّ, والعلاقات المنطقيّة بين الأجزاء, وأهميّة المخاطِب في صنع هذا الاتّساق, ونجد عنده مصطلح التشاكل بمعناه المعاصر يقول : "وينبغي للشاعر أن يتأمّل شعره وينسّق أبياته, ويقف على حسن تجاورها أو قبحه, فيلائم بينها لتنتظم له معانيها, ويتّصل كلامه فيها ويتّفق كلّ مصراع, هل يشاكل ما قبله؟"51.وفي نقد يتّصل كثيرًا بتكامل الاتّساقين الداخلي والخارجيّ يورد ابن طباطبا بيتين لابن هرمة, وبيتين للفرزدق, ويذكر فيهما شيئًا عن (تماثل الألفاظ) مع موضوع القصيدة, ويتحدّث عن اتّساق القصيدة وموضوعها مع مقصد الشاعر, وأنّ كلّ تشبيه منسجم مع الموقف الذي يعبرِّ عنه 52. ويميّز حازم القرطاجنيّ عن البلاغيّين بنظرة أشمل للنصّ, فهو يقسّم الق صيدة إلى فصول (والفصل بيتان من الشعر إلى حدود أربعة أبيات تتضافر لأجل إيصال معنى معينّ), ووضع لهذه الفصول أحكامًا في البناء تضمن تماسك الفصل, وتماسك الفصول يؤدّي إلى تماسك النص فهو يصف مواد الفصل (الموضوع والألفاظ) بأنهّا يجب أن تكون "متناسبة المسموعات والمفهومات, حسنة الاطّراد, غير متخاذلة النسج, غير متحيّز بعضها عن بعض التميّز الذي يجعل كلّ بيت كأنّه منحاز بنفسه"53.ففي هذه المواصفات حديث دقيق عن الترابط والنسج والاتّصال والتناسب وهذه كلّها من مظاهر الاتّساق الداخلي, ومن جهة أخرى فهو يشترط أن يكون نمط نظم الفصل مناسبًا للغرض تعتمد فيه الجزالة في الفخر, والعذوبة في النسيب وهذا مرتبط بالمبدأ البلاغي مطابقة الكلام لمقتضى الحال, فالغرض من الخطاب يؤثِّر في الأسلوب أو يؤثر في اختيار الألفاظ, ويجب أن تكون العلاقة بين الغرض (الهدف) و (الموضوع) والتعبير علاقة انسجا م, وهذه العلاقة يحكمها مبدأ تداولي ساهمت في صياغته تقاليد اجتماعيّة وأعراف سنّتها أجيال واحتفظت بها أخرى. ابن طباطبا, عيار الشعر, ص2 49 نفسه, ص2 50 نفسه, ص21 51 نفسه, ص21 52 حازم القرطاجنيّ, منهاج البلغاء وسراج الأدباء, تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة.تو نس/دار الكتب الشرقيّة/2844, ص4 53

عدد الصفحات ٢٠

21 ولا ريب أنّ لثقافة الشاعر وفكره الدور الأكبر في الجمع بين أطراف هذه المعادلة جميعًا : المقام, الموضوع الأسلوب, التعبير.... وهو ما أطلق عليه القرطاجنيّ (بالقوّة الحافظة والقوّة المائزة) وهما قوّتان يستطيع من خلالهما الكاتب أن يميّز ما يلائم الموضع والنظم والأسلوب والغرض ممّا لا يلائم ذلك, وما يصحّ وما لا يصحّ 54.وصناعة القصيدة عنده غالبًا ما تخضع لاعتبارات تداوليّة؛ ومنها رغبات القارئ؛ فالشاعر يجب أن يقدّم في الفصول ما يكون "للنفس به عناية إذا سيق وفق الغرض المقصود بالكلام, ويتلوه الأهمّ فالأهمّ والنفوس تتغيرّ وما يكون لنفس به عناية يختلف عما به عناية لنفس أخرى" 55.إنّ قوله "الأهمّ فالأهمّ" مبدأ يتّصل مباشرة بطبيعة العرف والعادة والسائد بين الناس, ويختلف باختلاف المقامات وكلّ ذلك يرتبط بغرض الخطاب. وقد نظر البلاغيّون العرب إلى الدلالة على أنهّا نتاجٌ للتداخل الطبيعي بين مستويات اللّغة.فالنّص هو جماع البنية الصوتيّة والبنية المعجميّة, والبنية التركيبيّة (الجملة التي تتحقّق بتأليف الكلمات في نظام نحوي يقرن عناصر الجملة في سياق داخلي يتأسّس من معنى جديد للكلمات غير معناها الاصطلاحي), والبنية الدلاليّة وهي نتاج ما يفرزه السياق من معاني عناصر الجملة مجتمعة في نظام محدّد.ويعبرّ الجرجاني عن هذا المعنى حين يشير إلى أنّ الأوصاف اللاحقة للجمل من حيث هي جمل لا يصحّ ردّها إلى اللغة, ولا وجه لنسبتها إلى واضعها"56.وقصده من ذلك أنّ الدلالات التي تتولّد عن نظام السّياق في الجملة هي تشكّل ناتج عن الجملة وليس معنى سابقًا عليها. وحديث الجرجاني المعروف عن النظم يفضي بنا إلى السياق "فالّلفظة قد تروق لك في موضع, وتثقل عليك في موضع آخر"57, والموضع ليس هو إلاّ المقام الذي يجب أن يتناسب مع المقال, ويذكر الجرجاني ثلاثة أنواع من الدلالة هي : الدلالة اللّغويّة, والدلالة العقليّة التي تنتج عن التفكير بعلاقات السياق في الجملة, والدلالة التأويليّة (المجازيّة).والمفردة الواحدة قد تتعدّد معانيها باختلاف الموضع, ويقرّر الجرجاني مفهوم إشاريّة اللّغة, ممّا يجعل الألفاظ إشارات, ومن شأن الإشارة أن تكوّن علاقة حرّة واعتباطيّة, ويتحقّق معناها من موقعها في الجملة مع سائر الإشارات المتضامنة معها فيتشكّل السياق من هذا التضامّ, ويعود إلى عناصره المكوّنة ليمنحها دلالتها؛ فالسياق ناتج عن تآلف الإشارات كما أنّ معاني هذه الإشارات هي من صنع السياق, فهو يقيم ألفة بين نفسه, ص : 18 . 54 منهاج البلغاء وسراج الأدباء, ص 11 . 55 عبد القاهر الجرجاني, أسرار البلاغة, ص 174 . 56 نفسه, ص81 . 57

عدد الصفحات ٢١

22 المتباعدات ويصنع من ذلك سياقًا مؤتلفًا, والكتابة أو النّص هو الذي يعطي لهذه المتباعدات معنىً واحدًا هو المعنى السياقي. ويرتبط الجرجاني (النظم) بالتصرّف بمعاني النحو, وليس معنى التصرّف بمعاني النحو مطابقة الكلم للقواعد, والتحرّز من اللحن, أو زيع الإعراب, وإنمّا يلجأ الناظم أو الناثر للتقديم والتأخير والتعريف والتنكير أو الاستئناف, وما شابه ذلك بطريقة ناتجة عن إعمال الرويّة والفكر لتلائم هذه الأساليب, وهذا المعنى, وهنا قد يلتبس الأمر على الناس فيظنّون أنّ المزيّة في الألفاظ أو الاستعارات أو..., وإنمّا تكون المزيّة في السياق الذي وضعت فيه, فعناصر الّلغة كلّها عند الجرجاني بما فيها من مفردات أو قواعد, أو نحو أومجاز واستعارة لا قيمة لها في ذاتِا, وإنمّ ا تستمدّ قيمتها من السياق. ونجد السكّاكي يحدّد المعاني تحديدًا قائمًا على اعتبار المتلّقي العنصر الأساسي في العمليّة الإبداعيّة. فالمخاطب إمّا أن يكون خالي الذهن, وإمّا أن يكون متردّدًا في الحكم وإمّا منكرًا له, وقد يخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر فيجعل غير السائل وهو خالي الذهن كالسائل, وقد يجعل الكلام على خلاف مقتضى الظاهر فيجعل غير السائل وهو خالي الذهن كالسائل, وقد يجعل غير المنكر للمنكر وقد يجعل المنكر كغير المنكر 58. فذهن المتلقّي وطبيعته واردة في جلّ مجالات الدراسة البلاغيّة من خلال هذا الإطار ادراكي المشترك بينه وبين المبدع, وفي كلّ حالة من الحالات يراعي المبدع ذلك, من خلال استخدام أدوات لغويّة معيّنة تناسب هذا المتلقّي, كأدوات التوكيد مثلاً مراعاة لمقتضى الحال, ومناسبة للمخاطَب.ويتأثّر الأسلوب تبعًا لهذا, كما ورد في عبارة السكّاكي الماثلة في مطلع هذا الموضوع, "فمقام التشكّر يباين مقام الشكاية, ومقام التهنئة يباين مقام التعزية... ومقام المدح يباين مقام الذمّ, ومقام الترغيب يباين مقام الترهيب, ومقام الجدّ يباين مقام الهزل, وكذا مقام الكلام ابتداءً يغاير مقام الكلام بناءً على الاستخبار... ولكلّ ذلك مقتضىً غير مقتضى الآخر"59. ويمتدّ هذا المقام عند البلاغيّين عبر جزئيات الصياغة بحيث يكون لكلّ كلمة مع صاحبتها مقام, ولكلّ حدّ ينتهي إليه الكلام مقام, ونحن نلحظ دقّة السكاكي عندما عرض لأداء المعنى الواحد بطرق متعدّدة, فقد لاحظ أنّ تغيرّ الصياغة لا بدّ أن يتبعه في المعنى العام بالزيادة أو النقصان, أو بالوضوح والخفاء بل إنّ اتفاق الجملتين المختلفتين تركيبًا في الدلالة أمر ممتنع عقلاً, حتى بالدلالات الوضعيّة فضلاً عن الدلالات العقليّة, وهو في ذلك يطبّق مقولة الحال والمقام على مستوى الموقف الاجماعي, أو على مستوى الصياغة وما بين جزئياتِا من علاقات. السكّاكي, مفتاح العلوم, ص7 . 58 نفسه, ص1 . 59

عدد الصفحات ٢٢

23 الفصل والوصل وأهميّته في الدّرس السّياقي يعدّ (الفصل والوصل) من مظاهر اتّساق النصّ وانسجامه.وهي ظاهرة ذات إمكانات أسلوبيّة كبيرة لاعتمادها على الأدوات الرابطة التي يطلق عليها (حروف المعاني).والتي تجاوز بها البلاغ يون ما تؤدّيه من وظيفة نحويّة إلى أمور وراء ذلك تتّصل بالمقام والسياق.وذلك من خلال قدرتِا (الظاهرة) على الربط بين الجمل والمفردات.ولم يقتصر الأمر على حروف العطف وحدها, بل إِنّ ابن الأثير والعلوي قد مدّا هذا المبحث إلى الحروف الجارّة باعتبار قدرتِا على وصل الكلام وأنّ لها معاني تخرج بها عن عملها النحوي, وأنّ هذه المعاني لا تكتسب وجودها من الدلالة المعجميّة وإنمّا من السياق الوظيفي؛ فمعنى هذه الحروف هي وظيفتها في آن واحد, ومن هنا كانت عمليّة العدول بين هذه الأحرف ذات تأثير بالغ في الدلالة. ويورد صاحب كتاب ا لصناعتين نصوصًا كثيرة تكشف عن أهميّة الوصل والفصل في الكلام, وأنّ عدم مراعاة هذا المبحث يؤثِّر على النظم سلبًا.ومن هذه النصوص قول للمأمون فيه : " إنّ البلاغة إذا اعتزلتها المعرفة بمواضع الفصل والوصل كانت كاللآلئ بلا نظام"60.ونصّ آخر يوصي فيه أكثم بن صيفي كتّابه قائلاً "افصلوا بين كلّ منقضٍ معنىً, وصِلوا إذا كان الكلام معجونًا بعضه ببعض"61.وفي موضع آخر يقول : وإذا نزع بك الكلام إلى الابتداء بمعنى غير ما أنت فيه, فافصل بينه, وبين تبيعته, وإذا مدحت رجلاً, وهجوت آخر فاجعل بين القولين فصلاً" 62.إنّ في النصوص السابقة حديثًا غير مباشر عن دور الوصل والفصل في اتّساق الخطاب وانسجامه, وفي النصّ الأخير إيضاح لدور الموضوع في اللجوء إل الوصل والفصل, فتباين الموضوعات أو تناقضها يكون سبيلاً في الفصل (كالمدح والهجاء مثلاً في النصّ). وأمّا الجرجاني فقد جعل مسألة الوصل والفصل محكومة بمجموعة من المبادئ والأسس التي تجعل من هذه الظاهرة تجليًّا حقيقيًّا لاتّساق الخطاب, وأوّل هذه الأسس الأساس النحوي.فالجرجاني ينطلق من مجموعة من القواعد والقيود النحويّة التي بلورها النحاة من أجل ضبط العطف كامتناع ذكر الواو بين الوصف و الموصوف, أو بين ال تأكيد والمؤكّد, أو امتناع عطف جملة على أخرى لا محلّ لها من الإعراب, وتمييزهم بين عطف المفرد وعطف الجملة على الجملة واستثماره لهذه المعطيات قصد مقاربة الفصل والوصل بلاغيًّا, فالجرجاني ينظر إلى حالتي فصل أبو هلال العسكري, الصناعتين, ط 1, مطبعة محمدود علي صبيح, القاهرة 2840, ص887 . 60 نفسه, ص888 . 61 نفسه 62

عدد الصفحات ٢٣

24 الجمل ووصلها انطلاقًا من المفرد معمّمًا أساسه على الجمل وصلاً وفصلاً, وحين ينفلت عطف الجملتين من قاعدة المفرد يجتهد لتبريره بمبدأ غير نحوي, وأمّا الأساس الثاني الذي ينطلق منه, فهو مجموعة من المبادئ المعنويّة مثل معنى الجمع, والتضامّ النفسي بين الجملتين, والتضامّ العقلي, ومن الأسس كذلك قياس العطف على الشرط والجزاء, وكذلك التأكيد وهو رابط غير شكلي, ووفقًا له يعدّ تأكيد جملة لأخرى وسيلة مهمّة من وسائل الخطاب رغم أنّ كيفيّة الاتّصال معنويّة غير معتمدة على رابط شكلي. وقد تناول البلاغيّون بالدرس والتحليل مجموعة من سياقات الكلام, ومنها سياق الحذف والذكر, وقد أوردنا مسألة الحذف والذكر في ميدان النحو, وأمّا في الدرس البلاغي - وهو لا يبتعد كثيرًا - فيمكن إدراك القيمة الحقيقيّة لسياق الذكر والحذف من خلال السياق الأعمّ كسياق الإطناب أو التطويل, أو الإيجاز, وقد تناول عبد القاهر الجرجاني هذه السياقات في جانبها التطبيقي دون تعيين محدّد كما فعل البلاغيّون بعده وحاول رصد المجال الذي لاحظ فيه أنماط الحذف, وربط ذلك بنظريّته في النظم. ويربط عبد القاهر سياقات الحذف ببعض الموضوعات كما في وروده بشكل مألوف عند ذكر الديار, ويذكر سياقات أخرى يطّرد فيها حذف المبتدأ, و حذف المفعول, ويربطها بحاجة المتكلِّم وبطبيعة التركيب وصلة اللفظة بغيرها, وفي هذا قد يساوي الفعل المتعدّي بالفعل اللازم باعتبار السياق الذي يرد فيه.كقولنا يحلّ ويعقد, ويأمر وينهى, ويضرُّ وينفع. وقد يعود اختلاف السياق عنده إلى الدلالة أو إلى طبيعة الصياغة ومقتضياتِا, أو لأنّ الحذف يدلّ عليه الحال , فالسياق عند عبد القاهر هو نقطة البدء, وليس الكلمة, ويعتبر أنّ البحث عن السياق يأتي قبل البحث عن الألفاظ وعلاقاتِا63.وأورد عبد القاهر بعض سياقات الذكر مؤكّدا دور السياق في تركيب الصياغة ويتّضح لنا أنّ اتجاه البلاغيّين في بحث سياق الحذف والذكر, كان يهتم بالمحيط الأسلوبي العام الذي يرتبط بموقف كلاميّ, أو نمط أدبي تتحرّك على أساسه الصياغة, وقد يتّصل بظروف المخاطَبين, أو المخاطِب, ويكون متّصلا بعمليّة التوصيل مثل فهم السامع, ,إذا ما كان هذا الفهم منوطا باللفظ دون القرائِن, وفيما قصد به التنبيه على غباوة السامع أو غيرها. كما رصد البلاغيّون كذلك سياقات التقديم والتأخير, فذكروا منها الخبر الذي يأتي على خلاف العادة, وفيما يستغرب, وفي مسائل الوعد, والضمان, وفي مجال المديح, وهذه السياقات ترتبط بالمتكلِّم, والمتلّقي, واعتبارات أخرى, تتّصل بطبيعة الصناعة ذاتِا, فمن الاعتبارات المتعلّقة بالمتلّقي : سياق التشويق, أو سياق محاولة عبد القاهر الجرجاني, دلائل الاعجاز, 299. 63

عدد الصفحات ٢٤

25 تعديل فكر المتلّقي, كما يتمثّل في تعجيل المسرّة للمتلّقي أو تعجيل الإساءة وغيرها.فمن أمثلة الاعتبارات المتّصلة بالمتكلّم نجدهم يقدّمون المسند إليه, تبرّ كا به, في نحو قولنا : اسم الله اهتديت به. ويكاد عبد القاهر الجرجاني يعدّ المخاطب الركيزة الأساسيّة في سياقات التعريف والتنكير, وإن كان هذا لا ينفي وجود المتكلِّم في الصياغة باعتباره مصدرها, ودراسة عبد القاهر لم تخرج عن تحليل أنماط من النظم جاء فيها أحد طرفي الإسناد معرّفا أو منكّرًا, أو جاءا معا معرّفين, واتّصال ذلك بالجانب النفسي في ترتيب المعنى, ممّا هيّأ للبلاغيّين أن يربطوا بين سياقات معيّنة, وبين مجيء المسند إليه معرّفا أو منكّرا.وكذلك المسند وهي سياقات تتداخل حدودها وتتبادل أماكنها, وقد تكون المقامات ترجع إلى نيّة المتكلّم, أو إلى الموقف الاجتماعي الذي يخلق السياق. ويمثِّل الخروج على مقتضى الظاهر مبحثًا آخر من المباحث التي يتجلّى فيها السياق في الوظيفة التواصليّة للّغة, وأمثلته تمتدّ في الفروع المختلفة لعلم المعاني كأضرب الخبر وأضرب الإنشاء, كما في خروج الاستفهام عن معناه الأصلي إلى دلالات متنوّعة تستفاد من السياق, ويؤدّي المخاطِب والمخاطَب وطبيعة العلاقة بينهما دورًا خاصًا في هذا الموضوع, فيفرّق البلاغيّون مثلاً بين صدور الأمر من الكبير إلى الصغير, وبين صدوره من زميل إلى زميل, فهو في الحالة الأولى أم رٌ صريح ولكنّه في الحالة الثانية يعدّ التماسًا لتماثل المخاطِب والمخاطَب في المنزلة, كما يتدخّل مقصود الخطاب وغرضه في تحديد دلالة الكلام في حالة الخروج على مقتضى الظاهر. نظريّة العلاقة بين النصّ والسّياق في ميدان علوم القرآن وأصول الفقه وعلوم التفسير تنبئ مؤلّفات أعلام التفسير, وأصول الفقه, وعلوم القرآن عن وعي متقدّم بحقيقة انسجام الخطاب القرآني مع واقعه الخارجي, واتّساقه في بنائه الداخلي, ويخبر أنّ القرآن الكريم رغم تفاوت أوقات نزوله يشكّل نصًّا واحدًا, وهذا ما يعبرر عنه عادة بأنّه (كالكلمة الواحدة) و هنا نعرض لرؤيتهم في تماسك النصّ القرآني وانسجامه مع السياق. - في ميدان علوم القرآن إنّ مباحث علوم القرآن كلّها يمكن أن تدرس دراسة وافية ضمن نظريّة العلاقة بين النصّ والسياق, ولكنّنا نجد أنّ بعض الموضوعات ألصق بموضوعنا من غيرها.ويمكننا ابتداءً تصنيف مباحث علوم القرآن المتّصلة اتّصالاً وثيقًا بنظريّة العلاقة بين النص والسياق إلى نوعين من الموضوعات :

عدد الصفحات ٢٥

26 أ- موضوعات تتعلّق بظروف التنزيل (السياق المقامي) وهي : أسباب النزول, ونزول القرآن منجّمًا, والمكّي والمدني, والناسخ والمنسوخ. ب- موضوعات تتّصل بالنصّ القرآني وعلاقاته الداخليّة (السّياق اللّغوي) وهي : موضوع المناسبة بين الآيات والسور, وقضايا لغويّة ومنطقيّة تضيء مفهوم الاتّساق في النصّ القرآني, وإليك بيان ذلك : أ- الموضوعات المتعلّقة بظروف التّنزيل (السّياق المقامي) 0- أسباب النّزوليمثِّل القول في أسباب النزول ألصق مباحث علوم القرآن بما نحن فيه من استقراء العلاقة بين النصّ والسياق؛ فهو دال كاشفٌ عن هذه العلاقة, وبصور متعددة تشمل السياقين : اللّغوي والمقامي.وتشير كتب علوم القرآن إلى أنّ كلّ آية أو مجموعة من الآيات نزلت عند سبب خاص استوجب إنزالها, وأنّ الآيات التي نزلت دون علّة خارجية قليلة جدًّا.وقد أدرك علماء القرآن أنّ السبب أو المناسبة المعيّنة هي التي تحدِّد الإطار الواقعي الذي يمكن فهم الآية أو الآيات من خلاله, بل وأدرك علماء القرآن أَن قدرة المفسِّر على فهم النصّ لا بدّ أن تسبقها معرفة بالوقائع التي أنتج ت هذه النصوص.وهذا واضح من من خلال الشروط التي يضعونها للمفسّر. ولم يقف علماء القرآن عند مستوى هذا الربط بين النصّ والواقع, وإنمّا أدركوا أنّ للنصّ من حيث هو نصّ لغوي فعالياته الخاصّة التي يتجاوز بها حدود الوقائع الجزئيّة التي كان استجابة لها, وهو ما ناقشوه تفصيلاً في قضية العام والخاص, وبالإضافة إلى ذلك فقد أدركوا أنّ النصّ وإن كان من حيث النزول أي من حيث ترتيب نزول أجزائه مرتبطًا بالوقائع والأسباب, فإنّه من حيث التلاوة أي من حيث ترتيبه الآن في المصحف يتجاوز هذا الارتباط بالوقائع ليقيم روابط أخرى ناقشها ا لعلماء أيضًا في علم (المناسبة بين الآيات). إنّ معرفة أسباب النزول لم تكن مجرّد ولع برصد الحقائق التاريخيّة التي أحاطت بتشكّل النص, بل هدفت إلى فهم النص واستخراج دلالته فإنّ "العلم بالسبب يورث العلم بالمسبرب كما يقولون"64.كما إِنّ دراسة الأسباب والوقائع تؤ دّي إلى فهم (حكمة التشريع) خاصّة في آيات الأحكام ممّا يساعد الفقهاء على نقل الحكم من الواقعة الجزئيّة أو السبب الخاصّ, وتعميمه على الوقائع المشابهة, وذلك بالاستناد إلى (دوالّ) في بنية النصّ ذاته تساعد على نقل الدلالة من الخاص والجزئي إلى العامّ والكلّي. إنّ استيعاب النصوص للوقائع الجديدة لا بدّ أن يستند إلى دوال إمّا في بنية النصّ وإمّا في السياق الاجتماعي لخطابه, أي في أسباب النزول.وقد أدرك عمر بن الخطاب حكمة التشريع الذي يعطي للمؤلرفة قلوبهم نصيبًا من الزكاة, لا من بنية النصّ ذاته, بل من السياق العام للنصّ, فأَدرك أنّ حكمة هذا التأليف تقوية الإسلام السيوطي (أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن أبو بكر السيوطي) ت ( 822ه ), الإتقان في علوم القرآن, ط 1, دار الكتب العلمية64

عدد الصفحات ٢٦

27 الذي كان ضعيفًا, ومع قوّة الإسلام وسيطرته على الجزيرة العربيّة, وامتداده إلى ما وراءها لم يعد ثمّة حكمة إعطاء جزء من الزكاة لمن لا يستحقّها, وبالفهم نفسه من جانب عمر لحكمة فرض حدّ السرقة, لم يُقِمْ هذا الحد على العبدين اللّذين سرقا من سيّدهما الذي كان فرض حدّ السرقة, لم يُقِمْ هذا الحد على العبدين اللّذين سرقا من سيّدهما الذي كان يجيعهما, وهدّد ابن الخطاب السيّد نفسه بقطع يده لو عاد العبدان للسرقة مرة أخرى وكذلك نرى هذا الفهم في طرائق المفسِّرين في التعامل مع النص القرآني. إنّ التمسّك بقاعدة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص سبب النزول" هكذا على إطلاقها لا يتّفق مع مقاصد الشريعة التي لا تبرز إلاّ من خلال دراسة علاقة النصّ بالواقع, ثمّ إنّ إهدار السبب في كلّ نصوص القرآن بحجّة عموم اللفظ من شأنه أن يؤدّي إلى إهدار حكمة التدرّج بالتشريع في قضايا الحلال والحرام, وإنّ مناقشة دلالة النصوص من خلال ثنائية عموم الّلفظ وخصوص السبب أمر يتعارض مع طبيعة العلاقة بين النصّ اللّغوي وبين الواقع الذي ينتج هذا النصّ."فالنصّ ينتج داخل سياق الفكر والثقافة, وتنتمي دوالّ النصّ وعلام اته إلى النظام اللّغوي الذي يعدّ نظامًا خاصًّا داخل نظام الثقافة, وإن كان هو النظام المركزي"65.وفي النصوص تتفاعل نظم دلاليّة ثانويّة داخل النظام العام للنصّ, فنجد دوالّ تتجاوز إطار الوقائع الجزئيّة, ونجد دوالّ أخرى تشير إلى الوقائع الجزئيّة, ولا تتجاوزها, ولكنّ النصوص الممتازة تتضمّن أيضًا دوالّ ذات طبيعة عامّة تمكِّن العصور المختلفة من قراءة النصوص, واكتشاف دلالة مغايرة لها. 4- نزول القرآن منجّمًا الذي عليه معظم علماء الإسلام أنّ القرآن الكريم أنزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القدر, ثمّ أنزل بعد ذلك متتابعًا متدرِّجًا مع الوقائع والأحداث في قرابة ثلاث وعشرين سنة66.وقد عبرّ الأستاذ مالك بن نبي عن هذه العلاقة بقوله : "سيهدي الوحي خلاله ثلاثة وعشرين عامًا سير النبي وأصحابه خطوة خطوة نحو هذا الهدف البعيد وهو يحوطهم في كلّ لحظة بالعناية الإلهيّة المناسبة, فهو يعزز جهودهم العظيمة, ويدفع أوراحهم وإرادتِم نحو هدف الملحمة الفريد في التاريخ, فيكرِّم بآية صريحة قضاء شهيد أو استشهاد بطل"67.ثم ّتساءل كيف كان القرآن سيؤدّي دوره حيال طبيعة الإنسان التي جاء يصوغها في ذلك العصر, لو أنّه سبق بنزوله أحداث حنين وأحد, وماذا كان يكون لو أنّه لم يأت لكلّ ألم بعزاءه العاجل, ولو أنّه لم ينزّل لكلّ تضحية جزاءها, ولكلّ هزيمة أملها, ولكلّ نصر درسه, ولكلّ عقبة إشارة إلى ما تقتضيه من جهد, ولكلّ خطر أدبي أو مادّي روح التشجيع اللازم نصر حامد أبو زيد, مفهوم النصّ في دراسة علوم القرآن, ط1, المركز الثقافي العربي/بيروت/والدار البيضاء 2884, ص207 . 65 منّاع القطان, مباحث في علوم القرآن, ص202 . 66 مالك بن نبي, الظاهرة القرآنيّة, ص278 . 67

عدد الصفحات ٢٧

28 لمواجهته, وهل كان لدرس الإسلام العظيم أن يجد طريقه إلى قلوبهم وضمائرهم لو لم يكن نزوله تبعًا لأمثلة الحياة نفسها والواقع المحيط بهم؟ ويجيب : لو أنّ القرآن كان قد نزل جملة واحدة لتحوّل سريعًا إلى كلمة مقدّسة خامدة, وإلى فكرة ميّتة, وإلى مجرّد وثيقة دينيّة لا مصدرًا يبعث الحياة في حضارة وليدة, فالحركة التاريخيّة والاجتماعيّة والروحيّة التي نهض بأعبائها الإسلام لا سرّ لها إلاّ في هذا التنجيم" 68 . ومن ناحية أخرى فإنّ تنجيم هذا النصّ ليتناسب مع مقتضيات الأحوال الخارجيّة ولمدّة طويلة11 سنة يعني الترابط الواضح بين النصّ اللّغوي والواقع الخارجي ويكشف أيضًا عن قضيّة أخرى هي قضية الاتّساق الداخلي في النصّ القرآني, فمسألة التنجيم, ومسألة أسباب النزول, ومسألة الناسخ والمنسوخ كلّها قضايا قد توحي بوجود تناقض في العلاقات الداخليّة للنصّ القرآني.ولكنّها جميعًا تؤكّد اتساق النصّ القرآني, فالقرآن رسالة, والمتلقّي الأول هو الرسول (صلى الله عليه وسلّم), وهناك مخاطبون, وقد تنزّل القرآن إليهم معالجًا مقتضيات حياتِم بخطابات متنوّعة في الأسلوب والمضمون, وإنّ تنوّع الخطاب القرآني, وتدرّجه في مستويات عدّة, بحسب المخاطبين وظروف الخطاب, هو أبرز دليل على أنّ هذا الخطاب هو خطاب الحياة.والذي يكشف عن هذا التفاعل الحار بين النصّ والمقام الذي يتنزّل فيه, ومع ذلك يبقى متّسقًا منسجمًا مترابطًا, فالتفاعل مع الواقع ينتج نصًّا متآلفًا متناغمًا.ولن يفوتنا الإشارة إلى أنّ السبب الرئيسي في بقاء النصّ القرآني متوحّدًا كالكلمة الواحدة هو وحدة المخاطِ ب سبحانه وتعالى, وعلى الرغم من توحّده فهو متنوّع يشتمل على خطابات عديدة تختلف باختلاف المقام داخل النسيج القرآني الواحد. 3- المكّي والمدني ضبط الصحابة والتابعون وعلماء القرآن منازل القرآن آية آية ضبطًا يحدّد الزمان والمكان.وعني العلماء بتحقيق المكّي والمدني على وجه التخصيص عناية فائقة.ويمكن القول إِنّ ظروف التنزيل كانت واضحة لديهم أشدّ الوضوح, ومن ذلك علمهم بما نزل بمكّة, وما نزل بالمدينة , وما نزل بمكّة وحكمه مدنيّ وما نزل بالمدينة وحكمه مكّي, وما نزل بمكّة في أهل المدينة, وما نزل بالمدينة في أهل مكّة, وما نزل ببيت المقدس, وما نزل بالطائف, وما نزل بالحديبيّة, وما نزل ليلاً, وما نزل نهارا, وما نزل مشي ّعًا, وما نزل مفردًا, وما نزل مجملاً, وما نزل صيفًا, وما نزل شتاءً, وما نزل في الحضر (الحضري) وما نزل في السفر (السفري) وغيرها. نفسه, ص278 . 68

عدد الصفحات ٢٨

29 ولعلّ التفرقة بين المكّي والمدني في النصّ تعدّ تفرقة بين مرحلتين هامتين ساهمتا في تشكيل النصّ سواء على مستوى المضمون أم على مستوى التركيب والبناء.وليس لذلك من دلالة سوى أنّ النصّ ثمرة للتفاعل مع الواقع الحيّ التاريخي, وإذا كان العلم بالمكّي والمدنيّ يكشف عن الملامح العامّة لهذا التفاعل, فإنّ علم أسباب النزول الذي سلف الحديث عنه يكاد يزوّدنا بالمراحل الدقيقة لتشكيل النصّ في الواقع والثقافة.ولذلك جهد علماء القرآن ليس في تبينّ دقائق هذا الموضوع فحسب, بل في ذكر فوائده الجمّة, في كلّ زمان ومكان, ويذكرون من هذه الفوائد "الاستعانة في تفسير القرآن, والاستفادة منها في أسلوب الدعوة, فإنّ لكلّ مقام مقالاً, ومراعاة لمقتضى الحال. وحين فرّق العلماء بين المكّي والمدنيّ اعتمدوا غالبًا على المعيار المكاني, ولما كان مكان الاتّصال/الوحي مرهونًا دائمًا بمكان المتلقّى الأوّل للوحي, الذي هاجر من مكّة إلى المدينة, ثمّ عاد إلى مكّة فاتحًا, وأخذ يتردّد عليها بعد ذلك زائرًا أو حاجًّا, فقد ذهب بعضهم إلى أنّ المكّي ما نزل بمكّة ولو بعد الهجرة, والمدني ما نزل بالمدينة.وكلّ هذه التقسيمات تستند إلى معيار المكان دون نظر إلى النصّ من حيث المضمون أو من حيث الشكل, وثمّ ة معيار آخر للتفرقة بين المكّي والمدنيّ هو معيار المخاطَبين بالنصّ على التغليب في كلّ مرحلة من المرحلتين؛ فالمكيُّ ما وقع خطابًا لأهل مكّة, ولو نزل بالمدينة, والمدني ما وقع خطابًا لأهل المدينة ولو نزل بمكّة, وثمّة معيار زماني, فما وقع قبل الهجرة يعدّ مكيًّ ا ولو نزل في المدينة, وما وقع بعد الهجرة يعدّ مدنيًّا ولو نزل في مكّة. ويقترح د. حامد نصر أبو زيد أن يكون معيار التصنيف مستنِدًا إلى الواقع من جهة, وإلى النصّ من جهة أخرى.إلى الواقع لأنّ حركة النصّ ارتبطت بحركته, وإلى النصّ من حيث مضمونه وبناؤه؛ ذلك أنّ حركة النصّ في الواقع تنطبع آثارها في جانبي النصّ.ولذا فمعيار التصنيف هو التفرقة بين مرحلتين تاريخيّتين تفصل بينهما الهجرة؛ فالمكّي ما نزل قبل الهجرة, والمدني ما نزل بعدها سواء نزل بمكّة أم بالمدينة69.ودليل صحّة هذا المعيار (ارتباط النصّ بحركة الواقع) أنّ علماء الإسلام حين كان يلتبس عليهم إيجاد دليل حاسم على مكان نزول الآيات كانوا يلجأوون إلى بعض المعايير المضمونيّة داخل النصّ ذاته, فذهبوا مثلاً إلى أن "كلّ سورة فيها (يا أيها الناس) وليس (يا أيّها الذين آمنوا) فهي مكيّة.وهذا المعيار المضموني أيضًا له صلة بالو اقع الاجتماعي كما نرى فيبرز فيه عنصر مراعاة المخَاطب مرتبطًا بالعنصر الدلالي والتعبيري داخل النصّ, وكلّ سورة فيها (كلاّ) فهي مكيّة, وحكمة ذلك نصر حامد أبو زيد, مفهوم النصّ, ص81 . 69

عدد الصفحات ٢٩

30 "أنّ نصف القرآن حسب ترتيب التلاوة وحسب ترتيب النرول نزل أكثره بمكّة, وأكثرها جبابرة, فتكرّرت فيه (كلاّ) على وجه ال تهديد والتعنيف لهم, والإنكار عليهم بخلاف الصنف الأول"70.ويبرز في هذا المعيار المضمو أيضًا, عنصر مراعاة المخاطَب, والتكيّف مع الظرف الاجتماعي, وأثر ذلك في أسلوب الخطاب. ويذكر علماء القرآن أيضًا أنّ كلّ سورة فيها ذِكْرُ المنافقين هي مدنيّة سوى العنكبوت, وهنا تبرز مراعاة ظروف التخاطُب والمخاطَبين كذلك, وأثرها في المستوى المعجمي والدلالي للنصّ, وكلّ سورة فيها الحدود والفرائض فهي مدنيّة, وفي هذا مراعاة للوضع النفسي والاعتقادي للمخاطَب ومراعاة الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة أيضًا فالحدود لا تطبّق إلاّ بوجود بوجود دولة إسلاميّة.وهذا العامل يجد أثره واضحًا في مضمون الخطاب وموضوعه, بل وفي بنيته الكليّة بتعبير (ديك). وليست هذه الخصائص جامعة مانعة كما أدرك العلماء أنفسهم, بل هي خصائص وصفات على التغليب فإنّ سورة النساء مدنيّة وفيها (يا أيّها الناس اتّقوا ربكم), وإذا كان معيار المضمون كما هو الحال في معيار المكان معيارًا غير حاسم.فذلك لأنّ المدخل الفقهي يفترض وجود تمايز واضح حادّ يمكن تلمّسه والدلالة عليه في التفريق بين المكّي والمدني.وهذا غير ممكن؛ لأنّ المرحلتين المدنية والمكية متداخلتان تداخلاً واضحًا, ولذا تظل مسألة التفريق بين المكّي والمدني في النصّ تفرقة تقوم على خصائص عامّة ولكنّها ليست حاسمة, ويمكن الاستعانة هنا بالمعيار الزماني جنبًا إلى جنب مع المعيار المكاني والموضوعي, وإضافة معيار جديد هو معيار الأسلوب, أي محاولة البحث عن خصائص أسلوبيّة فارقة إلى جانب المعايير السابقة, ويذكر علماء القرآن في هذا أنّ للآيات المكيّة خصائص ليست للآيات المدنية في وقعها ومعانيها.فظروف المخاطَبين مختلفة, ففي الفترة المكيّة "كان القوم في جاهليّة تعمي وتصمّ, يعبدون الأوثان, ويشركون بالله وينكرون الوحي ولذا فنجد في مكيّ القرآن ألفاظًا شديدة القمع على المسامع, تقذف حروفها شرر الوعيد, وألسنة العذاب, ف (كلاّ) الرادعة الزاجرة, والصاخّة وكل ورسله واليوم الآخر, وبالقدر خيره وشرّه, وامتحنت في عقيدتِا بأذى المشركين, فصبرت وهاجرت بدينها مُؤْثرة ما عند الله على متاع الحياة.وحين تكوّنت هذه الجماعة نرى الآيات المدنيّة طويلة المقاطع, تتناول أحكام الإسلام, وحدوده, وهذا هو الطابع العام للقرآني المدني" 71. السيوطي, الإتقان2/47 . 70 منّاع القطان, مباحث في علوم القرآن ص: 81 71

عدد الصفحات ٣٠

31 ويعلّل علماء القرآن خصيصة طول الآيات المدنيّة إذا قورنت بقصر الآيات المكيّة بانتقال الدعوة من مرحلة الإنذار إلى مرحلة الرسالة, أي من واقع اجتماعي إ لى واقع اجتماعي آخر؛ فالإنذار يعتمد على التأثير الذي يعتمد بدوره على لغة ذات أسلوب مركّز وموقّع, وهذا أسلوب طاغ في قصار السور بصفة عامّة, وكلّها سور مكيّة, ولكنّ الرسالة من جهة أخرى تخاطب المتلّقي وتنقل إليه محتوى أوسع من مجرّد التأثير, وهي من ثمّ تحتاج لغة مختلفة على مستوى التركيب والبناء.في الرسالة يغلب جانب نقل المعلومات على جانب التأثير, وإن كان لا يلغيه الغاءً تامًا, وفي الإنذار تكون الأولويّة للتأثير, ويقلّ جانب تدفّق المعلومات. وإنّ معرفة (المكّي والمدني) و (سبب النزول) مع دراسة النصّ دراسة داخليّة (أسلوب النصّ ومضمونه) تضمن تحليلاً دقيقًا للخطاب وتجعله قابلاً للتمايز, وعدم الخلط بين مناسبة النزول وبين سياق آخر يعاد فيه الاستشهاد بالنص مرة أخرى, فيظنّ الراوي أنّ النصّ نزل سابقًا على سببه.والنصوص الإبداعيّة العظيمة تملك إمكانيّات مفتوحة دائمًا للتعبير عن وقائع جديدة, لكنّ عمليّة استخراج هذه الدلالات الجديدة من النصوص في ضوء القراءات الجديدة لا يمكن أن تتمّ بمعزل عن دراسة سياق النصوص.وهو السياق الذي نجده في (أسباب النزول) كما مرّ معنا. 2- في مسألة النّاسخ والمنسوخ تعدّ ظاهرة النسخ التي ذكرها علماء القرآن في مؤلّفاتِم من الظواهر الدالّة على وجود علاقة قويّة بين النصّ والواقع, وهي دالّة أيضًا على تفاعل هذا النصّ مع سياقه الثقافي والاجتماعي.ومعنى النسخ : الإزالة, واختلف العلماء حول مفهومه, فشرحه بعضهم بأنّه إزالة الحكم وإبقاء اللفظ, ويقصد بذلك إزالة حكم آية بحكم أية أخرى متلوّة أو بخبر متواتر, ويبقى لفظ المنسوخة متلوًّا, ويرى آخرون أنّه إزالة الحكم واللفظ وتحلّ الآية الناسخة لها في الحكم والتلاوة.والمعنى الثالث من معاني النسخ مأخوذ من قول العرب : نسخت الريح الآثار إذا أزالتها فلم يبق منها عوض, ولا حلّت الريح محلّ الآثار بل زالا جميعًا, وهذا النوع من النسخ إنمّا يؤخذ من جهة الأخبار, نحو ما روي أنّ سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة طولاً, فنسخ الله منها ما شاء فأزاله بغير عوض, وذهب حفظه من القلوب, وهذا الأخير على ضربين : 2- أن يزول اللّفظ من الحفظ أو يزول اكم, على نحو ما ذكرنا من سورة الأحزاب. 1- أن تزول التلاوة واللفظ, ويبقى الحكم والحفظ للفظ, ولا يتلى على أنّه قرآن ثابت, نحو آية الرجم ال تواترت الأخبار عنها 72. أبو محمد مكّي بن أبي طالب القيسي, الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه, ص88-81 .) 72

عدد الصفحات ٣١

32 وقد انقسم العلماء إزاء هذه المسألة إلى أقسام, فكان منهم القائلون بوجود النسخ, وآخرون قالوا بندرت ه, وفئة ثالثة انكرت وجود النسخ في القرآن ويهمّنا في هذا المبحث إيضاح علاقة هذا الموضوع بنظريّة العلاقة بين النصّ والسّياق من خلال النصوص التي تركها أصحاب دراسات علوم القرآن ونشير ابتداءً إلى أنّ مسألة النسخ تتّصل بموضوع معالجة النص للواقع وتفاعله معه من جهة, وكذلك تتصل بمسألة انسجام الخطاب من جهة أخرى. إن ّ هذا النصّ يعالج قضيّة اتّساق النصّ مع المقام (السياق المقامي) فليس معقولاً أن يتنزّل الأمر وضدّه في آن واحد فكيف يستجيب المخاطَبون في هذه الحالة؟ ثمّ إنّ النصّ كان يتشكّل مع تطوّر الواقع وتفاعل المخاطَبين من جانب آخر, ومع هذا التنزّل وفق حاجات البشر وتدريج التشريع على أولئك العباد, ويبقى النصّ منسجمًا متّسقًا ولاحظ قوله (وكلام الله واحد لا اختلاف فيه) ويبقى الاختلاف في دائرة تفاعل المخاطَبين مع النصّ الواحد المتّسق المنسجم.ثمّ إنّ النسخ مظهر لاتّصال النّ ص مع الوقائع, ومعالجتها معالجة مباشرة, ولا بدّ أن تظهر آثار هذا الاتّصال داخل النصّ القرآني, فأيّ معنى أن ينزل النصّ حول حادثه لم تقع بعد؟ يقول مكيّ بن أبي طالب حول هذه القضية "مع أنّه كان إنزاله القرآن غير جملة أخفّ في التعبّد, فلو نزل العرض كله جملة واحد ة لصعب العمل به, ولسبق الحوادث التي من أجلها نزل كثير من القرآن, فغير جائز أن ينزل قرآن في حادثة يخبر عنها بالحدوث ويكم فيها وهي لم تقع, فافهم ذلك فهو الأصل الذي يبني عليه الناسخ والمنسوخ "73. وقريب من هذا ما قاله ابن الجوزي في كتابه (نواسخ القرآن) "إنّ التكليف لا يخلو أن يكون موقوفًا على مشيئة المكلِّف أو على مصلحة المكلرف, فإن كان الأوّل فلا يمنع أن يريد تكليف العباد عبادة في مدّة معلومة ثم يرفعها ويأمر بغيرها.وإن كان الثاني فجائز أن تكون المصلحة للعباد, في فعل عبادة زمان دون زمان" 74.ويستفاد من النصوص السابقة ما يلي :- 2- النصّ القرآني وحدة واحدة لا تتجزّأ وكلام الله واحد وليس متعدّدًا, وهو بهذا يعامل معاملة النّص الواحد الكامل مع أنّه نزل منجّمًا, أو حدث فيه نسخ للأحكام أو الألفاظ. 1- النّص القرآني متّسق, لا اختلاف فيه ولا تباين, أو تناقض بين أجزائه فهو يمتلك جميع خصائص النّص الكامل من حيث التماسك والترابط, وهذه الخصيصة (النصيّة) تلازمه في جميع مفرداته, بما فيها ناسخه ومنسوخه إن ثبت أن فيه نسخًا (الاتّساق الداخلي للخطاب). 1- وجود الناسخ والمنسوخ يجب أن يراعى فيه (زمان الخطاب) أو زمن النّص, وإنّ النّص المتعلِّق بإحدى ابن الجوزي, نواسخ القرآن, ص( 28-28 .) 73 مكّي بن أبي طالب, الإيضاح, ص89 . 74

عدد الصفحات ٣٢