1 دولة ماليزيا ) KPT) وزارة التعليم العا جامعة المدينة العالمية كلية اللغات قسم اللغة العربية الخطاب القرآني دراسة في العلاقة بين النص والسياق بحث تكميلي مقدم لنيل درجة الماجستير في اللغة العربية اسم الباحث : محمد عبد الحميد بن محمد عبد الواحد تحت إشراف : الدكتور محمد عبد الحميد الشرقاوي كلية اللغات : قسم اللغة العربية العام الجامعي : سبتمبر 4102
عدد الصفحات ١2 المحتويات المقدّمة مشكلة البحث أهداف البحث الدّراسات السّابقة مبحث البحث هيكل البحث مصطلح الخطاب مصطلح السّياق العلاقة بين النصّ والسّياق في المساهمات العربيّة نظريّة العلاقة بين النصّ والسّياق في ميدان اللّغة والنّحو نظريّة العلاقة بين النصّ والسّياق في ميدان النّقد والبلاغة الفصل والوصل وأهميّته في الدّرس السّياقي نظريّة العلاقة بين النصّ والسّياق في ميدان علوم القرآن وأصول الفقه وعلوم التّفسير الخاتمة المصادر والمراجع
عدد الصفحات ٢3 المقدّمة بسم الله والصلاةُ والسلامُ على رسول الله وبعد, فقد تتابعت دراسات علمائِنا وبحوثهم, قديمًا وحديثًا, من أجل الكشف عن أسرار العربيّة وسبر أغوارها, لتفي بدورها الحضاري والديني والقومي والاجتماعي, فقاموا بتجليّة قوانينها وبسط قواعدها الصرفيّة والنحويّة ووصفُ أصواتِِا, ورصد دلالات ثورتِِا اللفظيّة فيما اصطفوه من معاجم, بحيث استطاعوا الوصول إلى نتائج علميّة دقيقة في ميادين البحث اللغوي, وتمكّنوا من بناء جسم ضخم من نحوها وصرفها وأصواتِا ودلالات مفرداتِا, ممّا تراكم من تراثها الشعري والنثري الذي رفده القرآن الكريم ببلاغته وإعجازه وتنوّع علومه, والحديث الشريف بفصاحته, مما ساهم على تراكم بناء حضاري للعربيّة بمخزونها الثقافي وأبعادها الزمانيّة والمكانيّة والنفسيّة والاجتماعيّة والمعرفيّة, ووسع وظائفها الحضاريّة والثقافيّة والعلميّة, بقدر مساهمتها في تشكّل العقل العربي ومحافظتها على الأمة, وبما تحمله من رسالة دينيّة عالميّة, وبوصفها لغة التواصل بين أجيال الأمة والمعبرّة عن مستجدات حياتِم. حظيت مصطلحات "النص" و "السياق" و "الخطاب" بعناية خاصّة في الدراسات اللّغويّة المعاصرة, خاصّة مع نشوء ما يعرف ب "بعلم النصّ" و "لسانيّات الخطاب", وحاولت دراسات مختلفة أن تجيب عن سؤال العلاقة بين النصّ والسياق في الخطابات اللّغويّة المختلفة, وأثر الإطار الاجتماعي المحيط بالموقف الكلامي في صياغة الرسالة اللّغوية بكافّة جوانبها.كما دَرَست السياق اللّغوي للنصوص وعلاقته بالسياقات المقاميّة المشكّلة لها, وتجلّى ذلك في سلسلة كبيرة من البحوث أثراها علماء الدرس اللّغوي الحديث بدءًا بسوسير ومرورًا بفيرث ومالينوفسكي وسابير وفان ديك وغيرهم. قد وَجَدْتُ في المباحث المختلفة التي تدرسها اللّسانيّات الاجتماعيّ ة ولسانيّات الخطاب ما يمكن أن يشكّل مدخلاً مناسبًا وجديدًا لقراءة الخطاب القرآني.وأساس هذا الاختيار أنّ الخطاب القرآني كلّه يشكّل رسالة لغويّة ناجحة وملائمة في سياق تنزّلها, ممّا جعل منه نصًّا يمتلك قدرات تواصليّة فائقة وجدنا آثارها تمتدّ في النفوس قديمًا وحديثًا, ولعلّ حادثة إسلام عمر حين تليت عليه آيات من سورة (طه) يمكن أن تشكِّل مثالاً واحدًا فقط على هذه الوظيفة التواصليّة للنصّ القرآني."تنزيلٌ من الرحمن الرحيم.كتاب فصّلت آياته قرآنًا عربيًا لقوم يعلمون".. وأمّا لماذا سورة (البقرة)؟ فذلك لأنّ خطابها متعلّق بمرحلة هامّة من مراحل الدعوة الإسلاميّة, وهي مرحلة ما بعد الهجرة وما رافقها من إنشاء دولة الإسلام الأولى, وارتباطها بمعطيات اجتماعيّة وثقافيّة واضحة, صحبتها مجموعة متغيرات على أكثر من صعيد, نستطيع أن نلمح معالمها داخل النصّ القرآني نفسه.
عدد الصفحات ٣4 مشكلة البحث : لقد لاحظ الباحث أن مصطلحات ( النصّ ) و ( السياق ) و ( الخطاب ) موقعًا مركزيًّا في الأبحاث والدراسات التي تندرج في مجالات : ( تحليل الخطاب ) و ( لسانيّات الخطاب ) و ( لسانيّات النصّ) و ( نحو النصّ ) وغيرها.حتى إِنّنا لا نكاد نجد مؤلّفًا ينتمي إلى هذه المجالات يخلو من هذه المفاهيم الثلاثة أو من المفاهيم المرتبطة بها كالترابط والتعالق والانسجام والاتّساق وغيرها.وستكون هذه المصطلحات الثلاثة وتفاعلها معًا عماد هذه الدراسة, فالنصّ كما نتصوّره يتشكّل ضمن سياق أو سياقات معيّنة, ويحمل خطابًا أو خطابات متنوّعة ذات أنساق لغويّة مختلفة.وإنّ تبينّ العلاقة بين النصّ والسياق في لغة الخطاب القرآني يبدو عسيرًا ما لم نقف على التحديد الدقيق لهذه المصطلحات وما يتّصل بها, وما لم نقف على المناهج المختلفة التي تناولت هذه العلاقة بالدرس والتحليل. أهداف البحث : إنّ مقاربة النصّ القرآني محاولة لا تخلو من صعوبة, أبرزها سعة دائرة المعارف والمعلومات والبحوث والدراسات المتّصلة بهذه المقاربة قديمًا وحديثًا؛ مما يجعل حجم العمل البحثي والاستقرائي كبيرًا, كما إِنّ تشكيل رؤية وقراءة جديدة للنصّ القرآني في ضوء مناهج النظر الحديثة يعدّ أمرًا شائكًا يحتاج إلى حرص بالغ وحذر شديد في الاستنتاجات والأحكام, كما إِن مناقشة وجهات النظر المطروحة في التجارب المنهجيّة حول الموضوع كان يحتاج إلى نوع من اللباقة الأكاديميّة, وما يمكن أن تحدثه هذه الرؤى في معيار المنهج الإسلامي من ملابسات, قد رأينا بعض مظاهرها في الساحة الأكاديميّة المصريّة بعد صدور كتاب أبي زيد "مفهوم النص".ومن جهة أخرى, فإن تناول المؤلّفات القديمة في مجال أصول الفقه والقراءات القرآنيّة, والناسخ والمنسوخ بما فيها من مصطلحات وآراء ووجوه كان يمثل صعوبة أخرى خلال البحث. الدراسات السابقة : توسّل القدماء إلى قراءة النصّ القرآني بما تِيّأت لهم من أدوات النظر فأصابوا كثيرًا من وجوه الكشف عمّا ينطوي عليه الخطاب القرآني.ثم نجم في هذا الزمان جيل من الباحثين في العربية خاصّة شكّل تيارًا عريضًا يمثّل
عدد الصفحات ٤5 امتدادًا لجهود الأوائل إذ يقوم منهجهم على المزاوجة بين النظر في الخطاب القرآني تدي ّنًا وابتغاء البركة ( أن يكونوا بسبب من النصّ المقدّس وسدانته ) واسترفاد مناهج في النظر حادثة توافق بعض ما تفطّن إليه الأوائل وترفده بأنظار إضافية مبصرة.وإنما يستعير هذا الجيل تلك المناهج في مقولاتِا الك لية لما يرون من فوائدها وما تنطوي عليه من بصائر تنأى عن التحيّز والأغراض المبيّتة إذ هي تنتسب إلى "العلمي"؛ ذلك أن اللسانيات الحديثة بما فيها لسانيات النصّ ومناهج تحليل الخطاب والوظيفية التي جرّد "الآخر" مقولاتِا المنهجية الكلية إنمّا جاءت في سياق درس الظاهرة اللغوية والخطاب اللغوي درسًا علميًّا وينفتح على عرض لمقولات تحليل الخطاب عند المحدثين, واستقراء مستفيض لقراءات الأوائل للخطاب القرآني, واستثمار مستنير لمقولات الفريقين في تفسير العلاقة بين الخطاب والسياق. منهج البحث : كان نزول القرآن بلسان عربيّ مبين هو الذي هيّأ للعربيّة أن تصبح لغة معتمدة, واستتبع ذلك وصفها وتقعيدها.ونشأت علوم العرب في ظلال القرآن أوّل الأمر لتكون دليلاً للعرب وغير العرب إلى تحقيق أدائه أداءً سليمًا وتصحيح قراءته والدلالة على وجود إعجازه.ثم نجمت في ظلاله علوم شتى هي علوم القرآن عند الأوائل. ولم يظفر كتاب في تاريخ الثقافة الإنسانية بمثل ما استلهمه أهل النظر من تقليب البحث على وجوهه في استكناه أبعاد النصّ القرآنيّ.وإنما أتوقّف إلى مثل هذا لأنّني أراه يتجاوز لديهم ما يكون من تناول الخطاب القرآني في ذاته إلى ما اكتنف الخطاب من "شرو ط" خارجيّة.وهو ملحظ يلتقي مع ما طوّرته مناهج لسانية حادثة في تحليل الخطاب اللساني وخاصّة ما طوّرته "الوظيفيّة" و "البراغماتية" ونظرية "السياق" و "اللسانيات الاجتماعية" من مقولات كليّة تقوم على أن هناك علاقة وثيقة بين الخطاب وشروطه الخارجية في المكان والزمان والإنسان على اختلافها.وهو اختلاف يمثّل إحدى آيات الله مصدر الخطاب القرآني.فقد وقف علماء القرآن على ملحظ آخر يتمثّل في التفطّن إلى العلاقة بين الخطاب القرآني وشروط نزوله.ويفضي بنا تأويلنا الأوّل لتمثيل اللسان العربي الخاصّ للكوني اللساني المشترك إلى تأويل مسوّغ تمامًا لتمثيل ما بين الخطاب القرآني وشرطه العربي الأوّل في تعالقه المنسجم مع المناسبة المباشرة في أسباب النزول وتعالقة المنسجم مع تباين المكان ومنطوياته في المكّي والمدنيّ, وما بين الخطاب القرآني واستيعابه للشروط الإنسانية للعالمين والناس كافة في كلّ زمان ومكان.
عدد الصفحات ٥6 هيكل البحث احتلّت مصطلحات (النصّ) و(السياق) و(الخطاب) موقعًا مركزيًّا في الأبحاث والدراسات التي تندرج في مجالات : (تحليل الخطاب) و (لسانيّات الخطاب), و(لسانيّات النصّ) و(نحو النصّ) وغيرها.حتى إِنّنا لا نكاد نجد مؤلّفًا ينتمي إلى هذه المجالات يخلو من هذه المفاهيم الثلاثة أو من المفاهيم المرتبطة بها كالترابط والتعالق والانسجام والاتّساق وغيرها.وستكون هذه المصطلحات الثلاثة وتفاعلها معًا عماد هذه الدراسة.تعرّف الكلمة بأنهّا "أصغر وحدة ذات معنى", وأمّا الوحدة الكلاميّة فهي "إشارات لغويّة ترسل من المرسل إلى المتسلّم عبر قناة ملائمة.وقد تكون الوحدة الكلاميّة جملة أو عدّة جمل, وقد تكون قصيرة أو طويلة, وإذا أمكننا أن نحدّد للكلمة معنىً معجميًّا فإنّ تحديد معنى الوحدة الكلاميّة يتطلّب أن نأخذ بعين الاعتبار العوامل السياقيّة؛ لأنّ هذه الوحدات تشمل ع لى مكوّنات لا كلاميّة كالتنغيم, والإشارة وغيرها. مصطلح الخطاب الخِطاب أحد مصدري فعل ( خاطب ) يخاطب مخاطَبةً وخِطابًا, وهو يدل ّ على "توجيه الكلام لمن يفهم" 1. وفي الّلسان : الخطاب مراجعة الكلام2, وفي المعاجم الحديثة نجد الخطاب يأتي بمعنى الحديث والقول وتذكر هذه المعاجم عددًا من التعريفات منها : "إيصال المعنى إلى السامع عن طريق الكلام"3, ويضيف آخرون إلى هذه العبارة "بحيث تتسلسل الكلمات وتترتب" 4.ويضيف آخرون بأنّ الخطاب "قد يكون شفويًّا أو تحريريًّا ويعالج موضوعًا بشيء من التفصيل"5 ويحدّده آخر "بالكلام المنطوق عندما يتجاوز الجملة الواحدة طولا 6. وأشار الأصوليّون إلى تطوّر مصطلح ( الخطاب )؛ فهو في عرفهم "يدلّ على ما خوطب به وهو الكلام 7. ويضيف الكفوي في (كلّياته ) عنصرًا جديدًا إلى التعريف وهو الجانب النفسي فيقول : "إنّه الكلام اللفظي أو 1 الشيخ محمد بخيت (مفتي الديار المصريّة), سلّم الوصول لشرح نهاية السؤال2891 ,2/89. 2 لسان العرب : مادّة (خطب محمد علي الخولي, معجم علم اللّغة النظري, ص201. 3 إبراهيم فتحي, معجم المصطلحات الأدبية, ص 271 . 4 رمزي البعلبكي, معجم المصطلحات اللغوية, (مادة خطب 5 محمد التونجي, المعجم المفصل في علوم اللغة, ص100, وبسّام بركة, معجم اللسانيّة, ص 11 . 6 إدريس حمّادي, الخطاب الشرعي وطرق استثماره, ص12. 7
عدد الصفحات ٦7 النفسيالموجّه نحو الغير للإفهام8.وهو تعريف موافق لتعريف الغزالي في المستصفى 9, ولا ريب أنّ هذه إضافة نوعيّة للتعريف توحي بعنصر السياق الذي سيأتي.والخطاب كما يظهر في الدراسات المختلفة عمليّة اتّصال تتمّ في إطارين: الإطار اللّغوي؛ فقد يكون متوالية من الجمل المكتوبة أو المنطوقة, ينتجها مرسلٌ واحد أو عدّة متخاطبين كما يحدث في الحوار أو غيره, وإطار غير لغوي يشمل العادات والأعراف والتقاليد والأخلاق,... وهو ما أطلق عليه مصطلح ( إثنوجرافيا الخطاب ).والخطاب باعتباره حدثًا كلاميًّا يتألّف من عدّة عناصر هي : المرسِل, والمستقبل أو الجم هور, والرسالة أو الموضوع, والهدف, ويؤثّر هذا الهدف تأثيرًا جليًّا في استراتيجيّة المرسِل فيملي عليه اختيارات معيّنة من بين البدائل التي يتيحها له النظام اللّغوي, وقد يؤثّر في صورة الحديث وطريقة بنائه, وهو يفسّر الكثير من المتغيرّات الأسلوبيّة التي ترافق عمليّة التعبير اللّغوي.ويربط بعض علماء اللّغة هدف الخطاب بالأثر الذي تحدثه وسيلة الاتّصال بين المرسِل والمتلّقي, وقد عبرّوا عن هذه الوسيلة باستخدام كلمة قناة, والقنوات المتاحة لمنتج الخطاب كثيرة 10. ومن خلال التطواف في البحوث المتّصلة بمصطلحي ( الخطاب ) وتحليل الخطاب ) نجد أنّ الخطاب كلمة تستخدم للدلالة على كلّ كلام متّصل اتّصالاً يمكِّنه من أن ينقل رسالة كلاميّة من المتكلّم أو الكاتب, وليس كلّ خطاب نصًّا وإن كان كلّ نصّ بالضرورة خطابًا؛ فالكلام المتصّل خطاب, ولكنّه لا يكون نصًّا إلاّ إذا اكتمل ببداية و نهاية وعبرّ عن موضوعه ببناء متماسك منسجم, وأمّا تحليل الخطاب فيعني تكوين الفروض التي تتعلّق بالمخاطِب, والمخاطَب, وروابط الخطاب, ودرجة اتّصاله, وتماسك الأبنية المكوّنة له, كما يتطلّب تجريدًا للمعلومات المتّصلة باختيار الألفاظ والتراكيب والمعلومات المكوّنة للخطاب, وتحوّلات الزمن والدلالات فيه. الكفوي : أبو البقاء, الكليّ ات (معجم في المصطلحات والفروق اللغوية), ص288. 8 الغزالي, المستصفى في علم الأصول 2/48. 9 محمد مفتاح, دينامية النصّ : تنظير وإنجاز, ص247 . 10
عدد الصفحات ٧8 مصطلح السّياق السّياق في اللّغة لفظ ذو تشكّلات عديدة, وفي اللّسان يأتي بمعنى المتابعة, ومنه "ساق الإبل يسوقها سوقًا وسياقًا, وتساوقت الإبل أي تتابعت11.وفي أساس البلاغة أنّ من المجاز قولهم : "فلانٌ يسوقُ الحديثَ أح سنَ سِياق", و "هذا الكلام مساقه إلى كذا 12.ومعناه هنا النمط الذي يتّخذه الحديث في تتابعه, وقريب من هذا ما ورد في المعجم الوسيط : ساق الحديث سرده وسلسلة, وساوقه : تابعه وسايره وجاراه, وسياق الكلام : تتابعه وأسلوبه الذي يجري عليه 13.ولا ريب أنّ الكلمة قد مرّت بتطوّرات عديدة حتىّ وصلت إلى معناها الذي نعرفه اليوم.وقد تكون كتب التفسير وكتب الأصول من أوائل الكتب التي تبلور فيها معنى السياق كمصطلح, كما نجد ذلك في ( الرسالة ) للإمام الشافعي ( ت108ه14.وتطلق لفظة ( السياق ) في عرف المفسّرين على الكلام الذي خرج مخرجًاواحدًا, واشتمل على غرض واحد هو المقصود الأصلي للمتكلّم, وانتظمت أجزاؤه في نسق واحد, وقد تدلّ على السياق ألفاظ أخرى؛ كالمقام, ومقتضى الحال والتأليف, وغيرها. وفي المعاجم الحديثة يعرّف السياق بأنّه "بيئة الكلام ومحيطه وقرائنه"15.ويعرّفه آخرون بأنّه "علاقة البناء الكليّ للنصّ بأيّ جزء من أجزائه16.وتشير هذه المعاجم إلى تضافر سياقات عديدة في النصّ تساهم في صياغة الرسالة اللّغويّة, وهي : السياقات النحويّة, والبلاغيّة, والصوتيّة.وانطلاقًا منها يتداخل العديد من الاعتبارات النفسيّة والاجتماعيّة. العلاقة بين النصّ و السّياق في المساهمات العربيّة نعرض في هذا المبحث المساهمات العربيّة في هذا المجال, وذلك في ميادين : النقد والبلاغة, والّلغة والنحو, وفي ميدان أصول الفقه والتفسير وعلوم القرآن, وقد اخترنا هذه الميادين لاهتمامها الواضح والظاهر بهذا الموضوع ابن منظور, لسان العرب, مادّة (سوق). 11 الزمخشري, أساس البلاغة, مادّة (سوق 12 مجمع اللّغة العربية, المعجم الوسيط, مادة (سوق 13 الشافعي, الرسالة, ص 89 . 14 رمزي البعلبكي, معجم المصطلحات اللغوية, ص 228 . 15 محمد علي الخولي, معجم علم اللغة النظري, ص 87. 16
عدد الصفحات ٨9 من جهة, ولصعوبة تتّبع هذا الموضوع في المساهمات العربيّة عمومًا وسيكون العرض انتقائيًّا, وموجزًا بقدر الإمكان, ولذلك فلا يتوقّع القارئ بحثًا متصلاً متدرِّجًا لنظريّة النصّ والسياق لدى العلماء العرب القدامى.وهذا ليس عيبًا في دراساتِم.فقد تناولوا هذه المفردة ضمن موضوعات أخرى أكبر كما سنلاحظ فيما سيأتي. نظريّة العلاقة بين النصّ والسّياق في ميدان اللّغة والنحو : حين تصدّى النحاة لوصف الظواهر النحويّة ورسم حدود العربيّة, صدروا عن ملاحظة اطّراد الظواهر الذاتيّة للّغة في الأمثلة والشواهد, ومن ثمّ قعّدوا اللّغة في ميادين النحو والصرف والصوتيّات.., وحاولوا تفسير هذه الظواهر عن طريق ملاحظة علاقة العناصر اللّغويّة باعتبار هيئاتِا الشكليّة ومواقعها.كما أنهّم اعتدّوا المعنى ملحظًا ضروريًّا في استكمال التحليل وعمل المعربين, ولحظوا مستوى البنية الصرفيّة, ورصدوا علاقات التركيب بملاحظة ثابتة لطبيعة الصيغة في أبنية الكلم.وذلك أمر مذكور لأولئك النحاة.ولكنّهم تجاوزوا فوق هذا في رسم معالم النظام اللّغوي حدود النصّ الذاتيّة.ومادّة العبارة الكلاميّة إلى محيط الحدث الكلامي أو السياق الخارجي, والمتغيرّات الخارجيّة التي تكتنف مادّة الكلام واعتبروه أصلاً في وصف الظاهرة اللغوية وتفسيرها 17.وقد تناول الدكتور نهاد الموسى في بحثه الموسوم ب ( الأعراف أو نحو اللسانيّات الاجتماعيّة في العربيّة ) هذه المسألة بالتفصيل مستقريًا عشرات الأمثلة على صدور النحاة العرب عن هذا الأصل.مع الإشارة إلى أنّنا إذا كنّا سنجهد أنفسنا في تحليل بعض النصوص للتدليل على صدق هذه المقولة, فإنّنا في نصوص عديدة لا نحتاج لمثل هذا الجهد كون النحاة قد قرّروا فيه صراحة صدورهم عن هذا الأصل, فحين يعرّف أولئك النحاة مثلاً الكلام يقولون : "هو ما تحصل به الفائدة سواء كان لفظًا, أو خطًّ ا, أو إشارة, أو ما نطق به لسان الحال" 18.ومؤدّاه واضح فإنّ تجليّات الكلام لديهم أربعة : اثنان منها ينتسبان إلى المستوى اللّغوي الخالص وهما : اللفظ والخط, واثنان ينتسبان إلى المحيط الخارجي الذي يكتنف موقف الخطاب, وهما الإشارة ووقائع الحال التي تحيط بالخطاب19. د. نهاد الموسى : الأعراف أو نحو اللّسانيّات الاجتماعيّة في العربيّة, التقى الدولي الثالث في اللّسانيّات.تونس. 17 ابن هشام, شذور الذهبو1/18 . 18 نهاد الموسى, الأعراف, ص 20. 19
عدد الصفحات ٩10 وننقل هنا قولة ابن جنيّ : "فلو كان استماع الأذن مغنيًا عن مقابلة العين مجزئًا عنه لما تكلّف القائل ولو كلّف صاحبه الإقبال عليه, والإصغاء إليه, وعلى ذلك قالوا : ربّ إشارة أبلغ من عبارة, وقال لي بعض مشايخنا رحمهم الله.أنا لا أحسن أن أكلِّم إنسانًا في الظلمة20.وفي هذا القول استحضارٌ لما تأثير عناصر الموقف الخارجي في استعمال الّلغة على مواقف الخطاب وما يصاحبها من حركة اليدين, أو إيماءات الوجه أو دفقات المشاعر المتمثِّلة في دمعة وابتسامة, أو غيرها. وكثيرًا ما يتجاوز معيار الصواب والخطأ الجانب الشكلي, فيصبح ما يرافق موقف الكلام من سياق خارجي هو الفيصل في هذا المعيار, وأمثلة ذلك عديدة, ومنه : "أن حدّ الأسماء الظاهرة أن تخبر بها واحدًا عن واحد غائب, والمخبر عنه غيرها فنقول : قال زيد, فزيد غيرك وغير المخاطب, ولا نقول : قال زيد وأنت تعنيه, أعني المخاطب"21.وهكذا يمتنع لديهم أن يقال قال زيد في موقف يكون المخاطب بهذه الجملة هو ( زيد ), وعلى الرغم من أنّ هذه الجملة عند من يحتكم إلى قواعد الشكل وحده مستقيمًا تمامًا22. وتتبدّى عناصر الخطاب متكاملة في ملاحظات النّحاة واللّغويّين القدامى, ويتبدّى عنصر الإبغ في الخطاب متكاملة كملحظ أساسي في قبول الجمل أو عدم قبولها, فتصبح فائدة المخاطب أو السامع معيارًا لصحّة الكلام, ويراعون حال هذا المخاطب في صياغة الجملة أو العبارة فقط لحظ النحاة ما يكون من تغيرّ صفات الخطاب وعناصره وفقًا لمنزلة المخاطَب والأحوال التي تعتر يه23, ويتمثّل هذا في قول المبرِّد : "وكذلك لو قلت للخليفة, انظر في أمري, أنصفني, لقلت : سألته, ولم تقل أمرته, لأنك تأمر من هو دونك, وتطلب إلى من أنت دونه"24.كما تتدخّل حال المخاطب في تحديد الاختيار النحوي, فإذا قال لك شيئًا تنكره أجبته ب ( كلاّ ), ولم تجبه ب ( لا ) المعتادة في جواب السلب.ويتوقّف النحاة كذلك عند حقيقة المتكلّم وحاله, ويكشفون عن علاقتها بحقيقة الكلام وأحواله.واستقصوا تواتر الأساليب الكلاميّة وفقًا لجنس المتكلِّم, كما في أسلوب الندبة, واستقصوا أعراضًا لحال المتكلِّم في مواقف الخطاب حتىّ ما يعترضه في ذاكرته من توقّف, ابن جني, الخصائص 2/187 . 20 المبرِّد, (محمد بن يزيد) المقتضبتحقيق محمد عبد الخالق عضيمة, عالم الكتب / بيروت.بلا تاريخ, 8/178 . 21 نهاد الموسى, الأعراف, ص 28 . 22 نفسه, ص24. 23 المبرِّد, المقتضب1/211 . 24
عدد الصفحات ١٠11 ومن ذلك ما قرره الزمخشري تحت ( حرف التذكّر ) في مفصّله وهو- عنده - أن يقول الرجل في نحو قال ويقول ومن العام : قالا فيمدّ فتحة اللام ويقولو ومن العاميّ إذا تذكّر ولم يرد أن يقطع كلامه"25. ويمثِّل الاختيار الثقافي اشترك بين أهل اللّغة ملحظًا إضافيًّا في ضبط قواعدهم, فقد يغني عندهم عن مرجع الضمير وهو الاسم الظاهر المتقدِّم في المعتاد من سنن العربيّة فإنّه إذا كان المرجع مفهومًا بالعرف المتحصِّل لدى أبناء اللّغة, استقام في مجرى العربيّة أن يستعمل الضمير ابتداء, وإن لم يتقدّم ذكر مرجعه, كما في قوله تعالى ( إنّا أنزلناه ) ( أي القرآن ) وقوله : ( حتىّ توارت بالحجاب ) ( أي الشمس ), وقولهم : ما عليها أعلم, من فلان ( أي الأرض)26.ولعلّ توجيه ابن هشام لمسألة ( الزائد ) في القرآن وصدور هذا التوجيه عن معطيات غير نحويّة يعدّ مثالاً واضحًا للوجهة الاجتماعيّة لدى النحاة الأوائل يقول : "وينبغي أن يتجنّب المعرب أن يقول في حرف في كتاب الله تعالى : أنّه زائد, لأنّه يسبق إلى الأذهان أنّ الزائد هو الذي لا معنى له, وكلام الله سبحانه منزّهٌ عن ذلك27".وقريبٌ من هذا ما قرّره سيبويه من أنّه وز لك أن تقول : الحمد لزيد, فإنّه "ليس كلٌ شىءٍ من الكلام يكون تعظيمًا لله عز وجل يكون تعظيمًا لغيره من المخلوقين"28.وجدير بالذكر أنّ ملاحظات اللّسانيّين الاجتماعيّين حول تخصيص ألفاظ وتراكيب معلومة بمواقف دينيّة أو تقليديّة معلومة هي أشبه ما يكون بهذه الملاحظة29 . وقد لاحظ اللّغويّون العرب أنّ الأحوال الاجتماعيّة والأدوات تؤثّر في أنماط الكلام, وأنواعه بحيث يكثر تداول ألفاظ معيِّنة في مواقف خاصّة, ويقلّ تداول غيرها.ومن ذلك أنهّم وقفوا على استخدام العرب ألفاظًا مخصوصة في مخاطبات الملوك والأمراء, ولم يخا طبوهم بأسمائهم, بل دلّوا عليها, وأشاروا لهم بلفظ الغيبة إجلالاً وتعظيمًا. ووقفوا كذلك على ألفاظ لا يحسن التفوّه بها في المجالس, ومن هنا كانت بعض الألفاظ الموجودة في المعجم غير جارية في الاستعمال لأنّ العرف اللّغوي والاجتماعي لا يسمح باستعمالها.ونستطيع أن نلمحَ هذا نهاد الموسى, الأعراف , ص21 . 25 نفسه, ص21. 26 ابن هشام, الإعراب عن قواعد الأعراب, ص 209. 27 الكتاب2/88. 28 نفسه 29
عدد الصفحات ١١12 في نُظُمِ المكاتباتِ والمخاطَباتِ الرسميّة في العهود المختلفة للدولة الإسلاميّة, من مثل طرق مكاتبة الأدنى للأعلى أو مخاطبة الوزير, أو الأشراف.وقد أودع ( ابن شيْت القرشي ) في كتابه ( معالم الكتابة ) أمثلة عديدة على تدخّل العرف الاجتماعي في تحديد الوحدات اللغويّة المستخدمة في المواقف المختلفة. وفي الدرس الصوتي يتنبّه اللّغويّون العرب لأثر السياق في البعد الصوتي للكلام, وذلك على مستويين : مستوى داخلي, فالفونيمات حين تلتقي في البنية اللفظيّة تؤثِّر في بعضها بعضًا, ويلقي هذا التأثير بثقله على الأصوات اللغويّة فتتباعد وتتقارب. ويذكر ابن فارس في الصحابي أنّ بعض الحروف تألف الاجتماع في كلمات, وبعضها يأنف ذلك بحسب المخارج؛ فالعربيّة تميل إلى تجنّب الألفاظ التي تتألّف من حروف متباعدة المخارج مثل ( هحخع )30, ومستوى خارجي : وذلك خارجي : وذلك بأن تكون تشكيلات الأصوات المؤلّفة للألفاظ موافقة للسياق اللّغوي المجاور لها, وموافقة للمقام الذي تتشكّل فيه, ومن ذلك حديثهم عن كلمة ( مستشزرات ) في معلّقة امرئ القيس, ومناسبتها للسياق الذي وردت فيه, على الرغم من تقارب مخارج حروفها؛ فالسياق الذي وردت فيه هو وصف غدائر الحصان ( غدائره مستشرات إلى العلا ), وما فيه من إيحاء التطاير والعلوّ والتفاعل مع حركة الفرس والفارس معًا. وقد تكلّم ابن جنيّ في ( الخصائص ) و ( سرّ صناعة الإعراب ) على ظواهر صوتيّة سياقيّة كثيرة جدًّا, وتحدّث عن إطالة الأصوات أو تقصيرها أو حذفها كما في ( الترخيم ).ولاحظ الدلالة النفسيّة لمدّ الأصوات, أو اختزالها سواء فيما يتّصل بالمتحدِّث أم بالمخاطب, ولا ننسى بحثه الشهير في الخصائص المعنون ب ( تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني ), وهو بحث في اتّصال دلالات الألفاظ بالأصوات المكوّنة لها.ومن الظواهر الصوتيّة الأخرى التي ذكرها اللغويّون القدامي ولها علاقة بالسياق : التنغيم, والوقف والابتداء, والحمل على المجاورة, والقلب المكاني في الحركات, والإدغام التامّ والناقص, وحذف الصوت اللّغوي وربطوا ذلك بالسياق العامّ للكلام والاتّساق الداخلي معًا.وقد اهتمّ ( ابن السكّيت ) بالفروق الصوتيّة بين الألفاظ وأثرها في الدلالة, كما في الفرق بين تِرْب وت َرْب, وجُرْح وجَرْح, ودور السّياق في تحديد الضبط الدقيق للكلمة, وبالتالي تحديد دلالتها, وقد أصبحت طريقة ابن السكّيت هذه من الطرق المتّبعة في التحقق من البناء الصوتي للألفاظ واهتم اللغويون بضبط الأبنية وحركات الإعراب؛ لأنّ هذا الضبط هو ما يوقف به على أغراض المتكلِّمين . الخصائص, 1/78 . 30
عدد الصفحات ١٢13 ويراعي اللغويّون العرب الحال التي يدخل عليها المقال كما في جمعهم ( الأمثال ) فقد نقل عن أبي عبيدة معمر بن المثنىّ ( 108 ه ) قوله : "يجيء في الأمثال مالا يجيء في غيرها, ونقل عن سيبويه "إنّ الأمثال قد تخرج عن القياس فتحكي كما سمعت ) وقال المرزوقي : "من شرط المثل ألاّ يغيرّ عما يقع في الأصل عليه" ومعنى هذا أنّ العرب غلّبوا الشائع الجاري في الاستعمال على القياس في هذا النوع من الكلام خاصّة لمراعاة الحال الدالّ عليه.وكانوا عند شرح تلك الأمثال يستعيدون الحال التي ضربت عليها" 31. وفي علم الدلالة نجد أن اهتمام اللغويين العرب بالسياق ودوره في البحث الدلالي جليٌّ واضح, ومن ذلك تصنيف الألفاظ في زمر ومجموعات على أساس سياقيّ كالمترادف, والأضداد, والمشترك اللفظي, ومنه بناء المعجم العربي على أساس السياق التفسيري.وكان معيارهم في التدقيق بين الدلالات هو الاحتكام للسياق الذي يتمثّل في الاستعمال المألوف والشاهد المعروف من شعر أو مثل أو حديث أو آية.وليس أدلّ على هذا في موضوع الأضداد من تسمية الملدوغ سليمًا, والصحيح سليمًا, وهذا ممّا لا يمكن تبيّنه إلاّ عبر السياق.وكذلك ما يعرف في موضوع المشترك اللفظي بظاهرة الاستصحاب, ومعناها أنّ اللفظة إذا صحبت لفظًا معي ّنًا انزاحت عن المعنى المعجمي الأصلي للدلالة على معنى جديد هو المعنى السياقي, فإذا اختلّ هذا الاستصحاب تغيرّت الدلالة,ومثاله : مادّة ( يد ) يذكرون فيها : # هم يد على من سواهم ( إذا كان أمرهم واحدًا ). # أعطيته مالاً عن ظهر يد ( عن تفضّل ) وهكذا. وفي كتب الفروق اللغويّة32 المختلفة بيان كامل وشامل عن دور السياق في التفريق فيما يذهب الذهن إلى أنّه من المترادف, كما في ( الجحد والإنكار ) أو ( العقل واللبّ )؛ إذ بينها فروق دقيقة لا تظهر إلاّ من خلال السياق.ونجد مزيدًا من جلاء دور السياق في مسألة المترادف لدى كلّ من قدامة بن جعفر في كتابه ( جواهر الألفاظ ) والهمذاني في كتابه ( الألفاظ الكتابيّة ) وأبرز ما يميّ ز عملهما الاهتمام بوقوع المترادف على مستوى التراكيب.ودور السياق في جلاء معانيها من مثل : شعب الصدع, ورأب القطع, وسدّ الثلمة, وغيرها. ابراهيم خليل / السياق, ص 47. 31 انظر الفروق في اللّغة, أبو هلال العسكري 32
عدد الصفحات ١٣14 وتكشف معاجم المعاني عن لون آخر من ألوان علاقة السياق بالدلالة, فقد اهتمّ اللغويّون العرب بجمع المعاني التي يجمعها حقل دلاليٌّ واحد في صعيد واحد.مع الاهتمام بما بينها من لطيف الفروق, مثل درجات النوم, ودجات العشق, أو... ومن ذلك أيضًا اهتمامهم بتصنيف الألفاظ التي تندرج في باب واحد من أبواب المعاني كأن تلتقي في علاقة ما كالارتباط بجسم الإنسان أو النبات أو الفرس كما في كتب خلق الإنسان وغيرها.وانظر إلى هذا المثل من فقه الّلغة وسرّ العربيّة وكيف استفاد الثعالبي من فكرة السّياق في تحليل المعنى؛ فتحت عنوان (فصل في العبوس) قال : "إذا زَوَى ما بين عيني الرجل فهو قاطِب وعابِس, فإذا كشّر عن أنيابه مع العبوس فهو كالِح, فإذا زاد عبوسُه فهو باسِر ومكفهِّر, فإذا كان عبوسه من الهمّ فهو ساهِم, فإذا كان عبوسه من الغيظ, وكان مع ذلك منتفخًا فهو مبرطِم"33.وهذا النصّ يظهر علاقة تقاطيع الوجه, وحركاته, والحالة النفسيّة للشخص بالدلالات والألفاظ المستخدمة في الوصف.وفي موضع آخر تحت عنوان : " في تفصيل أحوال السارق وأوصافه" لِصّ, وق ُرْضُوب, فإذا كان يسرق الإبل فهو حارِب, فإذا كان يسرق الغنم فهو أحمَْص, والحَميصة : الشاة المسروقة, فإذا كان يسرق الدراهم بين أصابعه فهو قفّاف, فإذا كان يشقّ الجيوب وغيرها من الدراهم والدنانير فهو طَرّاد, فإذا كان داهية في اللصوصيّة فهو سِبْد وجمعها أَسْباد, فإذا كان له تخصّص بالتلصّص والخبث فهو طَمْل, فإذا كان خبثًا منكرًا فهو عِفْ ر)34.ولعلّ علاقة هذا النصّ بوضع المخاطَب, أو المتكلِّم والموضوع, وسياق الحال غ عن التعليق, فهي واضحة جدًّا. وثمّة شيء آخر شغل به الّلغويّون العرب ويعدّ في إطار التصنيف السياقي للألفاظ, وهو تصنيف الألفاظ على أساس دلاليّ يرتبط بلون من ألوان الكلام الأدبي أو الفلسفي, فقد اكتشف الّلغويّون أنّ اللفظة الواحدة يمكن أن تتحوّل إلى كلمة متعدّدة المعاني بحسب سياق النصّ, أو الخطاب, وقد قالوا في ( المتكلِّم ) أنهّا تعني كلّ من نطق بكلام, ولكنّها إذا وردت في سياق خاص كالحديث عن الصفات الإلهية والمعتقدات دلّت على من يشتغل بعلم مخصوص, وهو علم الكلام, فقد سمّوا المعنى الأول : المعنى العرفي وسمّوا الثاني المعنى الوضعي أو الاصطلاحي35 . الثعالبي : الإمام أبو منصور اسماعيل الثعالبي النيسابوري (ت 118ه ), فقه اللّغة وسرّ العربية, مكتبة لبنان/بلا تاريخ/ص280 . 33 نفسه, ص281. 34 الغزالي, المستصفى في علم الأصول 2/118. 35
عدد الصفحات ١٤15 وكثيرًا ما يعرض معاجم الألفاظ على اختلاف مدارسها ما ينبئ عن احتفائها ب ( سياق الحال ) الذي استخدمت فيه الألفاظ, فيوردون الحكايات والقصص والشواهد التي ترتبط بدلالة لفظة من الألفاظ, واعتمدوا على السياق, الاجتماعي والمكاني للّفظة, وأمّا الزمخشري فقد عني ( في أساس البلاغة ) باستخراج المعاني من السياق ولم يتقيّد بشرح الألفاظ المفردة وهذا ما قصد إليه في المقدّمة بقوله الذي يصف فيه خصائص كتابه "ومنها التوقيف على مناهج التركيب والتأليف, وتعريف مدارج الترتيب والترصيف بسوق الكلمات متناسقة لا مرسلة بددًا, ومنتظمة لا طرائق قددًا"36.فهو يشترط لوضوح دلالة اللفظ أن يؤخذ بالاعتبار علاقته بغيره من الألفاظ, وموقعه من العبارة, وطريقة تداوله ودورانه في الاستعمال ومدى شيوعه, وخروج معناه عن الأصل الذي وضع له مع مراعاة تعاضد المستويين الدلالي والتركيبي في صناعة هذا المعنى. كما اعتنى الزمخشري با لسياق الثقافي للكلمة.فعندما يعدِّد المعاني المتباينة للّفظة تبعًا لأنماط التراكيب المختلفة المتداولة, فإنه يصوِّر بطريقة غير مباشرة الثقافة العربيّة السائدة في عصره, وتلك التي توارثها معاصروه عمّن سبقوهم فهذه الأنماط ( يد البحر ), و ( يد الدهر ) و ( أيدي سبأ ) وغيرها تمثِّل الثقافة التي يتشكّل معنى اللّفظة في ضوئها. نظريّة العلاقة بين النصّ والسّياق في ميدان النقد والبلاغة : لاحظ البلاغيّون منذ القديم ظاهرة السياق من خلال مقولتهم الدقيقة "لكلّ مقام مقال", فانطلقوا في مباحثهم من فكرة ربط الصياغة بالسياق, وأصبح مقياس الكلام في باب الحسن والقبول بحسب مناسبة الكلام لما يليق به, أي (مقتضى الحال )."فإن كان مقتضى الحال إطلاق إطلاق الحكم فَحُسْن الكلام تجريده من مؤكِّدات الحكم, وإن كان مقتضى الحال بخلاف ذلك فحسن الحكم تحلّيه بشيء من ذلك بحسب المقتضى ضعفًا وقوّة, وإن كان مقتضى الحال طيّ ذكر المسند إليه فَحُسْن الكلام تركُهْ, وإن كان المقتَضى إثباتُه على وجه من الوجوه, فَحُسْن الكلام ورودُه عاريًا عن ذكره, وإن كان المقتضى إثباته مخصّصًا بشيء من التخصيصات فحسن الكلام نظمه على الوجوه المناسبة, من الاعتبارات المقدّم ذ كرها, وكذا إن كان المقتضى عند انتظام الجملة مع أخرى فصلها أو وصلها, أو الإيجاز معها أو الإطناب فَحُسْنُ الكلام تأليفه مطابقًا لذلك"37. الزمخشري, أساس البلاغة, ط 2, دار الفكر, بيروت2878, ص9 . 36 السكّاكي : مفتاح العلوم, بيروت, دار الكتب العلميّة, د.ت, ص71 . 37
عدد الصفحات ١٥16 إنّ السكّاكي قد جمع في هذه العبارات مقتضيات الأحوال أو السياقات التي ترد فيها أنواع الصياغة بما تحويه من خواص تركيبيّة في الجملة.وقريب من هذا ما قاله القزويني في الإيضاح؛ "بلاغة الكلام هي مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته, ومقتضى الحال مختلف, ومقامات الكلام متفاوتة, فمقام التنكير مباين لمقام التعريف, ومقام الإطلاق مباين لمقام التقييد, ومقام التقديم مباين لمقام التأخير, ومقام الذكر مباين لمقام الحذف, ومقام الوصل لمقام الفصل... وكذا خطاب الذكيّ مباين لخطاب الغبي"38.ويكشف نصّ القزويني عن علاقة النصّ بسياق الظرف وطبيعة الأحداث المرافقة للحدث الكلامي, وكذلك علاقة السياق بطرائق الكلام, وأسلوب الحديث, كما يكشف عن علاقة المستوى العقلي للمتكلِّم بطبيعة الخطاب, ومستواه العقلي كذلك. وهذا نصٌّ يؤكد إدراك هذا البلاغي لمفهوم الامتداد الخطّي لسلسلة الكلام وأهميّة التوافق الذي يجب أن يتوافر بين عناصره, ومن ثمّ التوافق مع السياق المحيط به والذي أسماه ( الموضع ) أو ( الغرض )؛ فتشكيلة الكلام تتّ فق مع الحدث الذي أنتج هذا الكلام.كما أنكر ابن الأثير ما كان ذهب إليه الجمهور من أهل النظر البلاغي من أَنّ البيت الشعري يجب أن يكون مستقلاً عن غيره من الأبيات, وأنكر عدم جواز ما يعرف بالتضمين في البيت الشعري.ورأى أنّ علاقة البيت بالبيت كعلاقة الفقرة بالفقرة, ويشبِّه القصيدة بأنهّا كالسبيكة الواحدة. إِنّ هذه الوحدة العضويّة تعين القارئ على التفاعل مع النصّ, وهذا التفاعل يعينه على الوقوف على مزايا النصّ, وتنظيمه الداخلي. ويمكن تدقيق الرؤية العربيّة القديمة لمفهوم العلاقات السياقيّة بنقلها من مستوى الّلغة إلى مستوى الأداء الفنيّ من خلال دراسة ابن سنان الخفاجي للحروف والأصوات, وربطها بالنواحي الدلاليّة والبلاغيّة, حيث يذكر في مقدّمة كتابه ( سرّ الفصاحة ) نبذًا من أحكام الأصوات وحقيقتها, وتقطيع هذه الأصوات بحيث تصير حروفًا متميّزة, وأحوال مخارجها وكيفيّة تحوّلها إلى كلام منتظم.كما يذكر الخفاجي أنّ كلّ صناعة كمالها بخمسة أشياء.الموضوع وهو الخشب في صناعة النّجارة, والصانع وهو النّجار, والصورة وهي التربيع المخصوص, والآلة مثل المنشار والقدوم وما يجري مجراهما, والغرض وهو أن يقصد على هذا المثال الجلوس فوق ما يصنعه - إن ك ان كرسيًّا - وإذا كان الأمر على هذا, ولا يمكن المنازعة فيه, وكان تأليف الكلام المخصوص صناعة وجب أن نعتبر فيها هذه الأقسام.والموضوع عنده في صناعة الكلام هو الكلام المؤلّف من الأصوات, والصانع هو الكاتب الذي ينظم الكلام, وأمّا الصورة فهي كالفصل للكاتب والبيت للشاعر , وأما الآلة فهي طبع الناظم والعلوم التي اكتسبها, وأمّا الغرض فبحسب الكلام المؤلّف إن كان مدحًا, وإن كان هجوًا. الخطيب القزويني, الإيضاح في علوم البلاغة, تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي, ط8, دار الكتاب اللبناني/بيروت2890, ص21. 38
عدد الصفحات ١٦