المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الخطاب القرآني دراسة في العلاقة بين النص والسياق ب

محمد عبد الحميد بن محمد عبد الواحد

صفحة ٣ من ٣

33 مناسبات النزول يجب أن يرتبط بظروف التنزيل وملابساته, ويجب أن يوضع في فضائه الزماني والمكاني وقت تنزيله (سياق التخاطب). 8- النّص يتفاعل مع المخاطبين ويتنزّل بحسب أحوالهم وهذا ما يسمّى بالسياق المقامي أو السياق الثقا والاجتماعي المحيط بالنّص.وهذا هو انسجام النّص مع السياق المقامي.وإذن فقد تجمّع لدينا من خلال موضوع (الناسخ والمنسوخ) جميع عناصر نظرية النّص والسياق, وهي النّص الكامل بجميع عناصره, الاتّساق الداخلي والتماسك, الانسجام مع السياق (السياق اللغوي والسياق المقامي). ويعالج (مكّي بن أبي طالب القيسي) في باب (بيان شروط الناسخ والمنسوخ) علاقة الناسخ والمنسوخ بالشرائع السابقة, ويرى أنهّا يجب أن لا توضع في الناسخ والمنسوخ يقول : "وقد أدخل أكثر المؤلّفين في الناسخ والمنسوخ آيات كثيرة وقالوا : نسخت ما ك انوا عليه من شرائعهم, وكان حقّ هذا ألاّ يضاف إلى الناسخ والمنسوخ, لأنّ لو اتبعنا هذا النوع لذكرنا القرآن كلّه في الناسخ والمنسوخ" وهذا خروج عما نقصد إليه من هذا العلم"75. ويستفاد من ذلك أنّ النّص القرآني نصٌّ واحد متّصل, ارتبطت آية بأمّة جديدة, وبظروف تنزيل مختلفة عن الشرائع السابقة, وعالجت سياقًا ثقافيًا واجتماعيًّا مختلفًا ولذلك لا يجوز أن ندرس الناسخ والمنسوخ في أطر زمانيّة سابقة لنزول القرآن, وليس معنى هذا أنّ قراءة هذا النّص موقوفة على ظروف تنزيله فقط بل هو نصّ لغوي يمتلك دوال متعدّدة تمكِّن القارئ من قراءته في إطار النظرة الشاملة (للعالم).ولكن ينبغي علينا قراءته في ضوء علاقة النّص بالمخاطبين (المكلّفين) وفقًا لظروف السياقات المختلفة المحيطة بهذا النّص, لأنّه نصٌّ لغويٌّ (بلسان عربي مبين) نزل وفق سنن العربيّة, التي تقتضي هذا التناغم والانسجام بين النّص والمقام, إضافة لأنّ ذلك يحقِّق (مصلحة العباد) التي أشار إليها (مكيّ بن أبي طالب) وغيره من دراسي موضوع الناسخ والمنسوخ. وفي شرط آخر من شروط النسخ يذكر مكّي بن أبي طالب من شروط الناسخ أن يكون منفصلاً من المنسوخ, منقطعًا عنه, فإن كان متّصلاً به غير منقطع عنه لم يكن ناسخًا لما قبله ممّا هو متّصل به"76.وهاهنا تأكيدًا آخر على اتّساق الخطاب وانسجامه, فوجود التناقض يفسد انسجام الخطاب ويفسد تناسقه, لتغاير الخطاب أو النصّ مع الحقيقة الواقعة خارجه من جهة, ولوجود تعارض بين بعض مكوّنات النص الدلالية, وهذا ممّا يفسد (النصيّة). مكي بن أبي طالب, الإيضاح, ج2/88 . 75 مكي بن أبي طالب, الإيضاح, ج2/88 . 76

عدد الصفحات ٣٣

34 وقد ناقش د. نصر حامد أبو زيد مسألة النسخ في كتابه (مفهوم النصّ) وينطلق من معنى النسخ ويحدّده بأنّه إبدال نصّ بنص مع بقاء النصّين, وعلى ذلك يصعب تقبّل كثير من النصوص والأنواع التي يوردها العلماء داخل قضيّة الناسخ والمنسوخ, ثمّ بعد ذلك يعرّج على وظيفة النسخ وهي التدرّج في التشريع خطوة خطوة, فالقرآن وحي انطلق من حدود الواقع, ولا بدّ أن يراعي في نصوصه هذا الواقع, وقد قارب العلماء القدماء هذا الفهم وعبرّوا عنه بلغة عصرهم.ويرى أنّه لا يجوز إغفال البعد الآخر للنّص وهو الواقع والمتلّقون, ذلك أنّ الأحكام الشرعيّة أحكام خاصّة بالبشر في حركتهم داخل المجتمع, ويرى أنّ كثيرًا من علماء القرآن قد غالوا في النماذج التي عدّوها من الناسخ والمنسوخ, وخلطوا في ذلك بين أدوات التخصيص اللّغوي داخل الآية الواحدة, وبين تغيير الحكم لتغيرّ الظروف والملابسات.ثمّ يتناول عددًا من الأمثلة يعدّها بعض علماء القرآن من المنسوخ, ويوضح من خلال سياقها أنهّا آيات محكمة, وأنّ المقصود بها خلاف ما فهمه أولئك.

عدد الصفحات ٣٤

35 الخاتمة إنّ الوظيفة الاجتماعية التي يؤدّيها الكلام عبر أنظمة اللّغة لا يمكن دراستها بمعزل عن السياق الذي حصل فيه فعل الكلام, وهو ما عبرّ عنه البلاغيّون بقولهم : "لكلّ مقام مقال".كما إن دراسة التشكيل الكلامي ومكوّناته من الداخل ستوصلنا إلى تفسير التناقض أو الاختلاف أو الاختيار الذي سلكه النظام اللغوي في تشكيله للكلام من أجل إيصال المعنى أو الدلالة, وهو ما عبرّ عنه البلاغيّ ون أيضًا بقولهم : "لكلّ كلمة مع صاحبتها مقام"؛ فالمقامات الاجتماعية المختلفة ترتبط بتغييرات يتمّ فيها التضام بين الكلمات بصور مختلفة. ويعرّف النصّ بأنّه "كلّ كلام متّصل ذو وحدة جلية تنطوي على بداية ونهاية وتتسم بالتماسك والترابط, ويتسق مع سياق ثقافي عام أنتج فيه, وينسجم مع سياق خاص أو مقام, يتعلق بالعلاقات القائمة بين القارئ والواقع من خلال اللغة.وبين بداية النص وخاتمته مراحل من النمو القائم على التفاعلي الداخلي".وتوافر العناصر السابقة وتفاعلها يؤدي بالنص إلى إحداث وظيفته التي تتمثل في خلق التواصل بين منتج النص ومتلقيه.ويستخدم مصطلح الخطاب للدلالة على كل كلام متصل اتصالاً يمكنه من أن ينقل الرسالة الكلامية من المتكلم أو الكاتب, والخطاب كالنص غير أن ليس كل خطاب نصًا, وإن كان كل نص بالضرورة يشكل خطابًا, فالكلام المتصل خطاب, ولكنه لا يكون نصًا إلاّ إذا اكتمل ببداية ونهاية, وعبرّ عن موضوعه ببناء متماسك متناسق منسجم. ويفسر السياق في رأي الدارسين الكثير من العمليات المصاحبة لأداء اللغة في وظيفتها التواصلية, لدى كل من منتج الكلام والمتلقي, وهو ركن أساس في فهم الرسالة اللغوية.والرسالة بنوعيه : السياق اللغوي والسيا ق الحالي, يتّصل اتصالاً مباشرًا بعملية الإبلاغ (توصيل الرسالة).فالأول منهما هو الذي يعطي الكلمة أو العبارة معناها الخاص في الحديث أو النص, وينفي عنها المعاني الأخرى التي يمكن أن تؤديها في حديث أو نص آخر, بينما يزيل سياق الحال أو المقام اللبس عن الجمل والنصوص.والسياق بهذا المفهوم يتعدى ما هو معروف من أنه تتابع للأصوات والألفاظ, ليشمل فضلاً عن ذلك الجو البيئي والنفسي المحيط بكل من المتكلم والسامع, وهو يشمل أيضًا الجو العام المحيط بالنص اللغوي. وفي المساهمات العربية نجد أن نظرية العلاقة بين النص والسياق قد امت دت في مجالات عديدة, مثل : علوم القرآن, والتفسير, وأصول الفقه, وعلوم البلاغة, وعلوم اللغة والنحو.واتصلت بحقول متنوعة من الدرس, وقد ترك أعلامنا الأوائل إرثًا كبيراً حول هذا الموضوع, جاء موزعًا عبر هذه الحقول, وكشفت ملاحظاتِم عن وعي كبير بدور المعطيات الاجتماعية والثقافية في تحليل الرسالة اللغوية وفهمها, واستفادوا من هذا الدور في وضع القواعد

عدد الصفحات ٣٥

36 والأحكام.وتجاوز اللغويون العرب في رسم معالم النظام اللغوي حدود النص الذاتية إلى محيط الحدث الكلامي أو سياقه الخارجي.ونظروا في الاتساق الداخلي للنصوص, والتماسك النصي في إشك اله المختلفة, كما تنبهوا لدور القارئ في صناعة انسجام الرسالة اللغوية.وفيما يتصل بالخطاب القرآني فقد رأينا أن حركة تحليل هذا الخطاب سارت في اتجاهين : الأول من خارج النص إلى داخله, أي من السياق الاجتماعي للنص إلى بنيته الداخلية, والثاني من داخل النص إلى خار جه, من خلال البحث عن السياق الاجتماعي داخل بنية النص, وتبدت هذه النظرات في مباحث أسباب النزول, والناسخ والمنسوخ, والقراءات والمناسبة بين الآيات والسور وغيرها. إن ملاحظات علماء القرآن والمفسرين والبلاغيين واللغويين والنحويين يمكن أن تشكل مدخلاً واسعًا من مداخل (نحو النص), الذي ينظر إلى ما يسبق الجملة وما يليها, ويمكن أن يطور النظر إليه واعتباره بذرة في تنمية (علم النص), وهو ما أصبح ضرورة لازمة في الوقت الحاضر نظرًا لتوسع الفن السردي كالقصة والرواية.وعلم النص أداة مهمة من أدوات تحليل هذا الفن, في ضوء ظهور ما يعرف ب (علم اللغة الأدبي), ولذا فتوصي هذه الدراسة باستقراء إرث هؤلاء الأعلام وتبويبه في هذا المجال.كما توصي هذه الدراسة أيضًا بإعمال نحو النص في الدرس اللغوي في العربية, جنبًا إلى جنب مع نحو الجملة لما يمكن أن يقدمه هذا النحو في إغناء الدرس الدلالي, وما يمكن أن يقدمه في تسهيل درس النحو من خلال الفعل التواصلي للغة, وليس من خلال جمل جامدة جافة لا توجد إلا في كتب النحو.وهذه كما رأينا ليست دعوة مبتدعة وإنما وجدنا جذورها لدى علمائنا الأوائل. كما توصي الدراسة بتوسيع نطاق البحث في اللسانيات الاجتماعية وتطبيقاته في نصوص العربية, وتوصي بإعادة قراءة سور القرآن الكريم جميعًا في ضوء علم اللسان الاجتماعي, ضمن ضوابط ومعايير تتفق مع منزلة الكتاب العظيم, مع الاستفادة من المعلومات التي يوفرها ترتيب النزول بالإضافة لترتيب القراءة في القرآن الكريم, وهي دراسات تحتاج إلى جهد كبير متصل من أكثر من باحث, وتحتاج قاعدة واسعة من البيانات المبثوثة في كتب علوم القرآن والتفسير وكتب أصول الفقه, والدراسات القرآنية القديمة والحديثة, وقد يستفاد هنا مما أتاحته التقنيات الحاسوبية الحديثة, وتكنولوجيا المعلومات التي يمكن أن تسهّل العمل للباحثين من حيث استرجاع المعلومات وتبويبها.إن دراسة القرآن الكريم في ضوء علم اللسان الاجتماعي, وإن كانت لا تخلو من محاذير, لتكشف عن أسرار هذا الكتاب العظيم وتجلي طبيعة العلاقة بين كتاب الله المسطور (القرآن) وكتاب الله المنظور (الكون والحياة), مما يدفع باتجاه تمثل هذا الكتاب العظيم منهجًا للحياة في كل زمان ومكان.

عدد الصفحات ٣٦

37 المصادر والمراجع - الآمدي : سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد الآمدي (ت 412ه ), الإحكام في أصول الأحكام, ط2, دار الكتب العلميّة, بيروت2890 . - ابن الأثير : نصر الله بن محمد بن الأثير الجزري (ت 417ه ), المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر, ط2 , تحقيق د. أحمد الحوفي ود. بدوي طبّانه, مكتبة نهضة مصر, القاهرة2841. - الألوسي : أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي (ت2170ه ) روح المعاني في تفس القرآن العظيم والسبع المثاني, ط 2 ضبطه وصححه علي عبد الباري عطية, دار الكتب العلمية, بيروت, 2888. - الباجي : أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي (ت878ه ), الحدود في الأصول, ط2, تحقيق د. نزيه حمّاد (جامعة بغداد), مؤسسة الزعبي للطباعة والنشر, بغداد, 2871 . - ابن الباذش : أبو جعفر أحمد بن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري ابن الباذش (ت 880ه ), الإقناع القراءات السبع, ط 2, تحقيق وتقديم د. عبد المجيد قطامش, جامعة أم القرى, السعودية 2888. الباقلاّني : القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاّني (ت 801ه ), إعجاز القرآن الكريم, ط1, تحقيق سيّد- أحمد صقر, دار المعارف, مصر, 2872 . - البخاري : الإمام علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري (ت 710ه ), كشف الأسرار, ط 1, دار الكتب العربي, بيروت, 2878. - البخاري : الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت 184ه ), صحيح البخاري, ط 2, مطابع الشعب, القاهرة, 2888. - الثعالبي : الإمام أبو منصور إسماعيل الثعالبي النيسابوري (ت 818ه ), فقه اللّغة وسرّ العربية, مكتبة لبنان بلا تاريخ - الجرجاني : عبد القاهر الجرجاني (ت 872ه ), أسرار البلاغة ط2, تحقيق د. محمد عبد المنعم خفاجي, مكتبة القاهرة, القاهرة 2874. إبراهيم أنيس وزملاؤه, المعجم الوسيط, ط 1, مطبوعات مجمع اللغة العربية, القاهرة 2898. - - إبراهيم خليل, الأسلوبية ونظرية النصّ, ط2, المؤسسة العربية للدراسات والنشر, بيروت 2887.

عدد الصفحات ٣٧

38 - إبراهيم السامرائي, من أساليب القرآن, ط 2, مؤسسة الرسالة, عمان 2891. - إبراهيم فتحي, معجم ا صطلحات الأدبية, ط2, المؤسّسة العربية للناشرين المتّحدين, بيروت2894. - أحمد حجازي السقّا, النسخ في القرآن, ط2, دار الفكر العربي, بيروت2879. - أحمد المتوكل, قضايا اللغة العربية في اللسانيات الوظيفية, ط 2, دار الأمان, الرباط 2888. - أحمد المتوكل, الوظائف التداولية في اللغة العربية, ط 2, دار الثقافة, الدار البيضاء, المغرب 2898. - أحمد محمّد قدّور, مبادئ اللسانيّات, ط2, دار الفكر, دمشق2848. - أحمد مختار عمر, علم الدلالة, ط2, مكتبة دار العروبة للنشر والتوزيع, الكويت 2891. - تمام حسّان, الّلغة العربية معناها ومبناها, ط1, الهيئة المصرية العامة للكتاب, القاهرة 2878.

عدد الصفحات ٣٨