حربية لإخضاع قبائل في تيماء فقتل هذا ابنا للسموأل علما أن الحارث الغساني قتل (ملك) الحيرة المنذر في موقعة عين أباغ الشهيرة ( 554 م) في يوم مشهود من أيام العرب يعرف بـ (يوم حليمة) ، لقد أستدلّ الإخباريون المسلمون إلى أن قاتل ابن السموأل هو الحارث بن ظالم قائد جيش المنذر بن ماء السماء طبقا لما ورد في بيت من قصيدة لجرير هجا فيها الفرزدق ، قال: بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم وضمن هذا النطاق يمكن الافتراض أن ما أقترحه تيودور نُ لْدِكِة سوف يساعد في فهم أفضل للمروية ، يرتأي نُ لْدِكِة في كتابه (أمراء غسان) أن مصرع ابن السموأل ، إذا صحّت الواقعة، سيكون في هذه الحالة في عام (550 م) ، أي قبل نحو أربع سنوات فقط من مصرع المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة. لكن مشكلة هذه الفرضية أنها تجعل من الحاد ث الأسطوري حادثا تاريخيا ، ولذا سوف نستخدم رواية هامة أوردتها جميع المصادر القديمة ، ودوّنها ابن الأثير كذلك في "الكامل في التاريخ" لفحص اقتراح نُ لْدِكِة والتدقيق في المرويات الإخبارية العربية عن هذا الحدث. كتب ابن الأثير : إن كسرى غضب على النعمان بن المنذر (585 – 613 م بعد وقيعة دبّرها له أحد خصومه، فاستدعاه الملك الفارسي. لذا سارع النعمان إلى طلب حماية القبائل في البادية لكن النصيحة التي تلقّاها حطّمت كل أماله : أنْ يذهب ويسلم نفسه لملك فارس: "وحين وصل الكتاب ، كتاب كسرى أحد سلاحه وطلب إليهم، إلى القبائل وتحديدا طيء ، أن يمنعوه (ينصروه) فأبوا عليه ذلك خوفا من كسرى، وليس لأحد من العرب يقبله حتى نزل في ذي قار في بني شيبان سرا ، فلقي هانئ بن مسعود بن
عدد الصفحات ١٢٩عمرو الشيباني وكان سيدا منيعا ، وعلم يمنع عنه أهله وماله وفيه أربعمئة درع وق يل ثمانمئة درع وتوجّه النعمان إلى كسرى ، فقيّده وبعث به إلى خانقين (..) والناس يظنون أنه مات بساباط يبيت الأعشى وهو يقول: فذاك ما أنجى من الموت ربه بساباط حتى مات وهو محرزق 24 إثر ذلك بعث كسرى إياس بن قبيصة الطائي ، الذي سوف ينصبه ملكا على الحيرة مكا فأة له على موقف قبيلته من النعمان ورفضه تقديم العون والحماية له، إلى منطقة ذي قار، للقاء سيدها هانئ بن مسعود طالبا إليه تسليم سلاح النعمان، فأبى هانئ تسليم الأمانة: "فلما أبى هانئ غضب كسرى (..) وأرسل إياس بن قبيصة الطائي أمير الجيش ومعه مرازبة الفرس، وكان قد بُعث النبي صلى الله عليه وسلم، فقسّم هانئ دروع النعمان وسلاحه بين القبائل" . على هذا النحو اندلعت الحرب بين الفرس والعرب ، وقد انتهت الحرب في موقعة ذي قار بانتصار لامع للعرب على الفرس في يوم مشهود من أيام العرب. ولكن هل تفجّرت الحرب- حقا - بسبب دروع النعمان؟ . يتضح من رواية ابن الأثير، والتي تكررت في معظم الموارد العربية والإسلامية، أن حادثا تاريخيا يتعلق بسلاح (بطل) متوفّى أودعه عند سيد قبلي ، وطالب به ملك فارسي، قد وقع فعلا على مقربة من الحادث الأسطوري الآخر: المطالبة بدروع امرئ القيس بعد موته؟ . 24
عدد الصفحات ١٣٠في هذه الحالة فإن الحادث التاريخي يكون قد وقع عام613 م) ، بينما يكون مثيله الحادث الأسطوري قد وقع عام (554 م) ، وبذلك يكون الفاصل الزمني بين الحادثين نحوا من (59 عاما ) ما يعني أن الرواة المسلمين ، مع عصر التدوين، خلطوا بين مرويتين إحداهما عن حملة ل ملك من ملوك الحيرة على تيماء، وأخرى لملك آخر من الحيرة أيضا ولكن ضد قبائل بني شيبان في ذي قار، ولذلك فمن المحتمل أن الإخباريين العرب قاموا بدمج متتابع للصور والأسماء والمواضع حيث تمَّ إحلال صورة لشخصية أسطورية هي شخصية الشاعر اليهودي (السموأل) ، محل صورة تاريخية لهانئ بن مسعود الشيباني، بينما حلَّ امرئ القيس محل النعمان بن المنذر ، وهذا ما سنقوم بت وضيحه : 1) إن مروية مصرع ابن السموأل وقصة (الوفاء) تدور حول مطالبة الحارث بن أبي شمر الغساني بسلاح امرئ القيس (روايات الأصفهاني، وابن قتيبة، واليعقوبي، والطبري، وابن الأثير) ، ولا توجد في الواقع أدنى رابطة بين الأمير الغساني وامرئ القيس هذا؟ ، فإذا كان المقصود بامرئ القيس هنا الشاعر وابن الملك القتيل حجر، فهذا كان في مملكة كندة في نجد، أو في الحيرة، في عصر المنذر بن ماء السماء ، ومن ثمّ لا يو جد مسوغ مقبول لتخيّل مطالبة أمير غساني في الشام بسلاح أمير يطارده ملك الحيرة في العراق؟ ، إن الزجَّ باسم الحارث بن أبي شمر الغساني لا يبدو مفهوما البتة، في رواية تخصُّ أميرا كنديا ، ولما كان الحارث هذا شخصية تاريخية، وهو من أعظم أمراء غسان، واسمه الحقيقي الحارث بن جبلة، وإنما سمي ابن أبي شمر للقب محبب حملة والده؛ كما توصل نُ لْدِكِة بذكاء نادر إلى ذلك ، فمن المحتم في هذه الحالة أنْ يكون إقحام اسمه بصورة تعسفية قد تمَّ جراء الخلط والوهم، وأن المقصود به فعلا الحارث
عدد الصفحات ١٣١بن ظالم ، عندها تستحق المروية التصديق والقبول؛ فالحارث بن ظالم هذا، أخذ ألمع قادة المنذر بن ماء السماء، العسكريين في الحيرة هو الذي قاد حروب المنذر في تيماء ، لقد دمج الإخباريون العرب سهوا بين الحارث الغساني والحارث بن ظالم، فبدت المروية غير قابلة للتصديق. 2) إن الحارث بن ظالم هو ، كذلك، شخصية تاريخية ، ولشهرته وحزمه فقد ضرب به المثل، وجرى الزجُّ باسمه تحت تأثير هذا الانطباع القوي عنه حيث حلَّ محلَّ شخص آخر ف ي مروية أخرى أي: محلَّ إياس بن قبيصة الطائيّ الذي قاد في عام (613 م) الحملة العسكرية على بني شيبان بما زعم أنها حرب لاسترداد دروع النعمان ، إن الناس، في روايتهم الأخبار ، يفضّلون وضع الأسماء المشهورة إذا ما نسوا الأسماء الحقيقية ؛ فهذا قد يعطي الراوي قوة الإقناع ، والمتلقي متعة التصديق. 3) إن وجود السموأل بن عادياء في حصن الأبلق في تيماء يجب أنْ يكون أمرا منفصلا تماما عن الرواية الخاصة برحلة امرئ القيس إلى القسطنطينية لطلب معونة القيصر ونجدته، حيث أودع سلاحه عند الشاعر اليهودي ، وفي هذه الحالة يجب أنْ ننظر إلى حملة الحارث بن ظالم، القائد العسكري اللامع في الحيرة، على تيماء لإخ ضاع وتأديب بعض القبائل في نطاق ستراتيجية الحيرة الطموحة، في عصر ملكها العظيم المنذر بن ماء السماء لفرض سلطانها على كامل المنطقة ، ومن ثمّ فلا علاقة لهذه الحملة بمسألة استرداد مئة درع، أو حتى أربعمئة ، كما يريد أبن الأثير، لقد أخطأ الإخباريون العرب في قراءة مغزى
عدد الصفحات ١٣٢حملات المنذر بن ماء السماء، ملك الحيرة، على قبائل الجزيرة والفرات، طوال نصف قرن هي مدة حكمه (من 505 حتى عام 554 م، حيث لقي حتفه على يد غريمه ومنافسه الحارث بن جبلة الغساني) ، وما يؤيد أخبار حملات المنذر ونجاحاته السياسية والعسكرية وسط الجزيرة الغربية منذ عام ( 516 م)، وتمكنه من فرض نفوذه الحقيقي أن علماء الآثار حصلوا في وادي م أسل الجمح، في الطريق الواصل بين مكة والرياض، على رقيم شهير - يعرف باسم ريكمنس _ كاسل، وهما عالما آثارٍ لامعان - ، يتحدث عن (غارات المنذر) . هذا كله يعني أن الحملة على تيماء بقيادة الحارث بن ظالم، حيث يُ زعم أن ابنا للسموأل قتل في إطار مساومة خسيسة لاستردا د دروع امرئ القيس ، قد جرى عمليا القفز عليها في المدونات التاريخية العربية الإسلامية لصالحٍ مروية أسطورية ركزّت على الجانب الواعظي والأخلاقي ، بيد أن هذا الجزء العضوي من المروية وهو جزء أسطوري يجسد أفضل تجسيد نوع ونمط الدمج في الصور والمواد والعناصر المخت لفة الذي غالبا ما يقوم به الراوي أو سارد النص. 4) وكما رأينا مما سبق فإن نسب السموأل مضطرب بصورة فظيعة حيث يصعب قبوله بوصفه شخصا تاريخيا ، كما أنّه لا دلائل مؤكدة على حقيقة وجوده في هذا العصر ، وإذا كان الأعشى قد التقى مصادفة أحد الأدعياء بوجود صلة رحم ب ينه وبين السموأل ما يؤكد له تاريخية هذا الشخص، أو التقى -حقا - أحد أحفاده المباشرين حيث امتدحه لإطلاق سراحه من أسر
عدد الصفحات ١٣٣الكلبي، فإن نسب الحفيد، كما تمَّ تدوينه في جميع المرويات يكاد يقطع بأن السموأل هو جد مباشر، بأكثر ما يؤكد أنه (أب أعلى) في شجرة نسب طويلة، أي إنه قد يكون أبا أسطوريا لقد شكك مرغليوث في شخصية السموأل هذا، و بشعره أيضا حيث رأى أن الشعر المنسوب اليه موضوع برمته ، بل ومنتحل ، أما نُ لْدِكِة فقد أحال صورة السموأل إلى صموئيل في التوراة، وأرتأى أن من يدعى السموأل بن عادياء ، بوصفه أحد أشراف تيماء، قد يكون رجع صدى لمرويات عن صموئيل النبي اليهودي "أمراء غسان" ، لكن تيماء عرفت في الواقع ، قبائل باسم سموئيل، وقد افترض بعض الباحثين أنها قد تترجم إلى إسماعيل ، وقد ذكرها فان دير يرتدن في "تاريخ ثمود" ، بيد أن الأخير ، وهو عالم آثار هولندي، وأفضل من قرأ تاريخ ثمود امتنع، وهو على حق، عن مطابقة سموئيل بإسماعيل، وفي الواقع يتعين إبداء أقصى قدر من الحذر في هذا النطاق تفاديا للمطابقات العشوائية . إن راوي أسطورة (وفاء السموأل) دارم بن عقال، يُنسب في بعض الرو ايات وبصورة مثيرة للدهشة ، إلى السموأل نفسه ، ويقال "إنه من ولد السموأل" ، هذا الانتساب يعني، إذا ما أُ خذ على محمل الجدّ ، أن الراوي قام فعليا بسرد أسطورة عن أحد أبائه ، وهذا طبعا هو المنطوق المباشر للفكرة التي تختبئ خلف هذا الانتساب المفاجئ ، أي : اكتشاف روابط أسرية تجمع بين بطل الأسطورة وراويها ، لكن الأصفهاني في "الأغاني" يندّ د بدارم هذا ويشكك في نزاهته الأدبية في مناسبة هامة للغاية ، لأنها تنصل مباشرة بأمرئ القيس، الذي جعل منه دارم بطلا تراجيديا في الأسطورة التي يرويها عن السموأل ، يقول الأصفهاني في هذا الصدد : إن القصيدة التي تنسب إلى امرئ القيس ومطلعها:
عدد الصفحات ١٣٤طرقتك هندُ بعد طول تجنب وهُنْا ولم تكُ ق بل ذلك تطرق إنما هي قصيدة منحولة، وقد تكون من وضع دارم هذا ، يقدح هذا التشكيك في نزاهة الراوي من جانب مؤرخ عظيم من مؤرخي الشعر العربي القديم بطبيعة الحال، الرواية التي قام بروايتها وشاعت ، إلى جانب شعر الأعشى الملحمي ، في الموارد الكتابية العربية والإسلامية، ومن ثمَّ يلقي ظلالا جديدة من الشك حول طبيعة الخلط والالتباس في المرويات التاريخية عن امرئ القيس ، ولما كان دارم بن عقال هذا من أصول يهودية ومع إسلامه، فهو يقوم بكشفها، فوق ذلك، فإنه لأمر مثير حقا ، أنْ تكون روايته للأسطورة مستمدة في بعض عناصرها الجوهرية، كمسألة الأمانة ، من الصورة المثالية للنبي اليهودي صموئيل. وهذا ما دعا هوغو فنكلر، دون وجه حق، إلى أنْ يكرر فكرة نُلْدِكِة ومرغليوث القائلة: إن سموأل تيماء هو صورة عن صموئيل التوراة. بيد أنني ومع الإغراء الشديد ، والجاذبية الأدبية غير المحدودة لهذه المطابقة المثيرة ، التي قام بها نُلْدِكِة ، ومرغليوث ، وفنكلر؛ لا أجد مسوغات كافية للمضي قدما في اتجاه جعلها، وهي المطابقة المتعجّلة والمتسرّعة بل والشكلية تماما ، كما لو أنها هي المفتاح السحري لحل لغز السموأل ، وفي هذا النطاق ، وحيث جرى التشكيك علنا بنزاهة أحد أحفاد الشاعر اليهودي الأسطوري بسبب تورطه المفضوح في انتحال شعر امرئ القيس، الطرف الأكثر شفافية في أسطورة إيداع السلاح، فإن النظر في الديوان المنسوب إلى السموأل والمعروف بـ (ديوان السموأل) يصبح أمرا ملحا في إطار تحليل المروية بمجملها. يعرف هذا الديوان في الموارد الأدبية والتاريخية العربية ، الإسلامية بأنه (برواية نفطويه) المتوفّي في عام (323 هـ، لكن ابن النديم لا يذكر في "الفهرست" قط اسم هذا الديوان في قائمة مؤلفات نفطويه ، وبمراجعة سريعة لـ "الأغاني" سنرى أن الأصفهاني أبدى، وي ا للغرابة ، تجاهلا مثيرا ويصعب توقعه لرواية نفطويه
عدد الصفحات ١٣٥المزعومة لشعر السموأل الأمر الذي يحملنا على الاعتقاد بأن رواية كهذه، لا و جود لها في الأصل، وأنها من مختلفات دارم بن عقال هذا. بماذا تفيد هذه الوقائع؟ . إن تجاهل ابن النديم والأصفهاني وامتناعها عن مجرد الإشارة إلى وجود (ديوان) للسموأل برواية نفطويه ي حيلنا مجددا إلى الشكوك بشأن النزاهة الأدبية لدارم بن عقال؛ ومن ثمَّ سوف يقودنا إلى الفصل التام بين وقائع عدة: 1) إنأسطورة (إيداع السلاح) أمانة عند (سيد، حاكم، ملك، بطل، زعيم قبلي، أمير) قبل الذهاب إلى الحرب حيث الموت بانتظار البطل، في الأصل البعيد مروية عربية، سبق لقبائل جنوب غربي الجزيرة العربية أنْ روتها عن لقمان الذي طلب إليه أحد زعماء بني كركر أنْ يحتفظ بسلاحهم داخل كهفه الذي يتعبّد فيه (أنظر : وهب بن منبه "التيجان" والأندلسي "نشوة الطرب") ، لكنها كذلك بقايا أسطورة يونانية من أساطير ملحمة حرب طروادة، ربما تسرّبت وتداخلت مع مرويات قبائل عربية إبان عصر الحروب الفارسية – اليونانية ، وهو عصر بطولي ألهب خيال العرب طويلا ، فأسطورة أوليس ، ملحمة طروادة تقول إن صراعا داميا نشب بين أوليس وأجاكس بسبب السلاح الذي أودعه البطل أخيل، الذي ذهب إلى الحرب مرغما بعد أنْ اختبأ منها في بلاط الملك ليكوميد في سيروس متنكرا ، وعندما قتل أخيل تفجرت الخصومة واندلع شجار دامٍ بين أوليس و أجاكس حول م ن منهما له الحق في حيازة سلاح البطل القتيل. 2) لنلاحظ أن المرويات العربية تصوّر النعمان بن المنذر (رواية أبن الأثير مثلا ) كما لو أنه ذهب سرا إلى بني شيبان حين وصله
عدد الصفحات ١٣٦كتاب استدعاء من كسرى ، وهي الصورة ذاتها التي صوّر بها امرؤ القيس ، إذ كان يطوف بين القبائل طالبا إليها مساعدتها في الاختباء من مطاردة الحارث بن ظالم، أو المنذر بن ماء السماء له، بل إن هذه المرويات تصور النعمان كما لو أنه اختبأ من حرب كسرى في بلاط سيد شيبان ، تماما كما صّور امرؤ القيس مختبئا في حصن الأبلق قبل رحيله إلى القسطنطينية ، هذه المطابقة ، حيث مضارب القبيلة تحلُّ محلَّ بلاط الملك ليكوميد، ندفع بقوة صوب رؤية المكون اليوناني الأسطوري في أسطورة (إيداع السلاح) هذه . 3) عندما قتل أخيل في أسطورة أوليس تفجّرت الحرب ، هذه الحرب مصممة لاسترداد إرث البطل، أي : سلاحه، وهي ذاتها الحرب التي تخيّل الإخباريون السبب الرئيس لاندلاعها كما لو كان مسألة دروع ، فيما هي تفجّرت لأسباب سياسية عميقة ، إن أسطورة الحرب وتحويلها إلى حرب لاست رداد إرث بطل متوفّى ، أو قتيل، تندرج في سياق تقاليد ثقافية عربية قديمة سار ابن الأثير والأصفهاني واليعقوبي وابن قتيبة - بأمانة تامة - على طريقها ليخلطوا بين دروع النعمان ودروع أمرئ القيس . 4) إذا ما أنجزنا فصل هذا الجزء الأسطوري من المروية التاريخية لمعالجة منفصلة في مناسبة أخرى ، يتبقّى أمامنا توضيح مسألة الحرب التي شنّها الحارث بن ظالم لحساب سيده ملك الحيرة على قبائل تيماء، بينما شنَّ إياس بن قبيصة الطائيّ ، القائد العسكري الذي نصّبه الفرس ملكا ، حربا لحساب الفرس في ذي قار على بني شيبان ، بوصفهما مرويتين تاريخيتين منفصلتين ، ويبدو من
عدد الصفحات ١٣٧المحتم رؤيتهما على هذا النحو، ومع الدمج المذهل الذي قام به الإخباريون ، إن الخبر الأول هنا يتصل بحملة حربية من حملات ملوك الحيرة ، وبوجه أخص بحملة نموذجية من حملات المنذر بن ماء السماء، ضد قبائل عربية متمردة في تيماء ، وربما طامحة إلى استقلال من نوع ما عن أي سلطة أو نفوذ ، يبدو سلوك الحيرة التعسفي باستمرار إزاء هذه القبائل كما تدلل على ذل ك الإخباريات القديمة، جزءا من ستراتيجية اتبعتها الحيرة لفرض نفوذها السياسي والعسكري ، وهذا برأينا هو سر اهتمام الفرس بالمنذر وسر انقلابهم عليه أيضا ، إذ اتّ بع على غرار سلوك القبائل التي حاربها بقسوة ، سياسة ذات طابع مستقل، إن هذه الحروب ، يجب أنْ تكون قد وقعت بعد عام (516 م) على أبعد تقدير، حين استردّ المنذر بن ماء السماء عرشه السليب ، ال ذي فقده إثر مؤامرة من الملك الفارسي قباذ فبدءا من هذا التاريخ وطوال ثلاثين عاما أو أكثر دون توقف تقريبا باستثناء "استراحات" محدودة ظل المنذر يطارد القبائل التي إما امتنعت عن دعمه أو أبدت أدنى قدر من التأييد والولاء لخصمه اليمني، ملك كندة الحارث بن عمرو آكل المرار والذي سلب منه عرش الحيرة بدعم من القبائل اليمنية وبدفع وتشجيع مفضوحين من فارس المزدكية ، حيث زعم أن فارس دبّرت عملية سلب العرش لرفض المنذر اعتناق المزدكية التي كانت دين فارس الرسمي في عصر قباذ . ومن الختم ، في ضوء ذلك أن قائد حملاته الحربية في ت يماء كان الحارث بن ظالم فهم منه الإخباريون أنه كان حازما وطموحا ، وهذا ما يدلل عليه ذهابه ضحية أوامر للقتل أصدرها أحد أمراء الحيرة (نُلْدِكِة ، أمراء غسان : 48)، أصطدم الحارث بن ظالم في وقت ما
عدد الصفحات ١٣٨قبل العام 455 م) بكل تأكيد ، وكما ينكشف من الروايات التاريخية، بزعيم قبلي منيع وسيد من سادات تيماء لن يكون بوسعنا، أبدا ، معرفة اسمه إلاّ في هذه الصورة الملتبسة: السموأل بن عادياء ؛ ولكننا سنفهم من إشارات وردت في الشعر الجاهلي أنه كان حبرا من أحبار اليهود ، وطبعا فإن فكرة كونه أحد أشراف تيماء ، تجعل من مسألة قوله الشعر أمرا طبيعيا فالكاهن والملك والشاعر في بيئة بدوية – دينية يعيشون داخل فوارق شفافة بينهم إذ يمكن أنْ يكون الملك كاهنا ، أو شاعرا ، والعكس ، ولذا يمكن قبول فرضية وجود سيد من سادات القبائل العربية في تيماء ، أصطدم به الحارث بن ظالم وكان بطبيعة الحا ل، شاعرا (بالمفهوم القديم للشاعر) ويدعى السموأل ، أو أنه من قبيلة عرفت بـ (السموأل) بحيث غلب اسمها على اسمه ، قد يكون السموأل هذا وفي إطار سياسة الدفاع عن تيماء ، الواحة المزدهرة والشهيرة بطابعها الديني العريق إذ أقام فيها نبو ئ يد / نبو نعيد ، آخر ملوك بابل نحوا من عشر سنوات جاعلا منها عاصمة مؤقّتة لبلاده قبل سقوطها بيد الفرس في عام (539 ق م) ، تحصَّن في وقت ما قبل عام 554 م) داخل أسوار قصره الأبلق ، أو في الجوار منه حيث عرفت المعركة باسم هذا الحصن ، على عادة القبائل في تسمية حروبها بـ (الأيام) : يوم الحبار ، يوم حليمة ... إلخ ، أو بأسماء مواضع وأماكن هذا الموقع، فيما جرت حرب أخرى وفي مسرح آخر ، وفي زمن آخر أيضا ولكن بدوافع مماثلة ، ففي عام (613 م) عندما قام الفرس بسجن النعمان بن المنذر، ثم بقتله ، بسبب ميوله الاستقلالية ، وإثر تنصيب شيخ من طي ء موال للفر س هو إياس بن قبيصة الطائي على عرش الحيرة ، شنَّ الحاكم الجديد، الطائيّ ، حرب
عدد الصفحات ١٣٩إخضاع رغب بها الفرس واستهدفت (بني شيبان) القبيلة التي أبدت تعاطفا مع النعمان ثم ساندته في مسعاه الاستقلالي عن الفرس وقامت بحمايته (هناك ، في الواقع ، زيجات عدة تجمع أسرة النعمان ببني شيبان ؛ فهم أصهاره) . هاتان الحربان التاريخيتان جرتا - كما نرى - في مكانين وزمانين مختلفين ؛ ولذا فمن غير المنطقي أنْ يكون دافعهما ، في الحالتين هو استرداد مئة درع، أو حتى أربعمئة ، كما يرى ابن الأثير ، إن فكرة وجود سلاح تركه البطل قبل ذهابه إلى حتفه ، ثم يأتي الخصم ليجعل من نفسه وريثا للبطل هي إيقاع أسطوري قا بل للتكرار لمقاصد أخرى يرتئيها سارد النص؛ يوظفها بكلام ثان ، في سياق إبلاغه بالرسالة ، وهذا ما يفسر سبب تكرار مسألة الدروع ، تارة مع امرئ القيس ، وتارة أخرى مع النعمان . 5) إن المثل العربي القديم : (أوفى من السموأل) لا صلة له قط بالأسطورة الخاصة بالشجار حول سلاح البطل المتوفّى ، كما أنّه لا صلة له بالحرب التي شنّتها الحيرة لإخضاع تيماء ، وعلى الأرجح فإن شأنه شأن جميع الأمثال العربية القديمة ، قد يكون رجع صدى لثقافة أمثال وحكم عربية قديمة ، تردد في أرجاء العالم القديم عبر الهجرات الكبرى ، صوب بلاد الشام وبابل ومصر وكريت ، وعلى طول ساحل البحر الأبيض المتوسط ، ولعلنا نجد في التوراة ضالّتنا من الأدلّة على ذلك ، فهناك سفر كامل كتب في بابل هو الأمثال (1 :16 و2 :1 ) الذي يجمع عددا كبيرا من الأمثال والتشبيهات والتلاعبات اللفظية المسلية وبقايا العظات والحِ كم الدينية ، أي : كل ما يمكن رصفه في ناظم واحد هو : الحكمة ، وفي قلب
عدد الصفحات ١٤٠هذه الثقافة هناك ميول متعاظمة غريزية المنش أ نجدها واضحة حتى اليوم في عالمنا المعاصر تقوم على أساس بناء قصة مؤثرة ، شائقة ، أو أسطورة ذات مضامين بسيطة لكل مثل من الأمثال التي نضربها للآخرين ، بهدف أنْ يفهموا ما نقصد وذلك - طبعا - لأجل أنْ تُ رسخ أيضا ، رسالة المثل الرمزية في ذاكرة المتلقّي ، إن الرسالة الرمزية للمثل تكاد لا تبلغ هدفها ولا تكون واضحة بما فيه الكفاية من دون مساعدة وسائل وأدوات تقنية أخرى كالقصة والحكاية والخرافة الشعبية والأسطورة ، وحتى اليوم فإن الأمثال التي تضرب في الأحاديث ا ليومية إنما تقال في سياق قصص يجري سردها، وبناء أسسها الوعظية ارتكازا إلى القاعدة التالية : إبلاغ الرسالة الرمزية بأتّم وجه ممكن عبر سرد المثل والأسطورة التي تحمله أيضا . . بهذا المعنى، فإن الزجّ بأسماء الشعراء أو سادات قبائل أو الملوك أو الكهنة وتحويلهم إلى أبطال في مرويات ذات طابع خرافي أو أسطوري ، لا غرض له سوى إبلاغ الرسالة ذاتها للمثل ، ولكن بأفضل ما يمكن من وسائل وأساليب إقنا ع. وفي هذا النطاق جرى الزجّ باسم أحد أشراف تيماء المدّ عى أن اسمه السموأل بن عادياء ، ليكون المثل العربي القديم (أوفى من السموأل) متطابقا معه داخل نسيج حكائي شائق ومسل ،- وفعلا - فإن المثل العربي لا يكاد يكون مفهوما إذا استمع إليه المرء بمعزل عن أسطورة الوفاء والدروع ، والتي تنهض عمليا في عبء إعادة رواية المثل، أي : إعادة إرساله بوسائل جديدة . هذه هي الرسالة الرمزية في وعينا الج معي بـ (الأمانة) وللفكرة الصارمة التي تقبع خلفها .
عدد الصفحات ١٤١عليناأنْ نمتنع ، وتحت أي ظرف بما فيه التهديد ب إلحاق الأذى بنا، عن القيام بأي عمل يؤدي إلى خيانة البطل، أو خيانة أمانته (وديعته) التي سلمنا إياها وذهب إلى مصيره ، إلى موته المأساوي . إننا مطالبون : لا نقوم بتسليم (سلاحه) للعدو الذي صرعه ، أي ألاّ نسلم ميراثه الوحيد المتروك لنا، ذكراه التي تعيد علينا سرد مأساته ؛ وأنْ تمنع كل خرق محتمل أو متوقع لهذا الحظر ، وعندما نمتنع نحن المتلقين المعاصرين ، عن خيانة البطل المتوفّى و نحافظ على سلاحه ، على غرار بطل حصن الأبلق ، بل وأنْ نكون متأهبين باستمرار لأن نكرر - نحن أيضا - ذلك الشجار العنيف مع الأعداء حول حيازة (سلاح القتيل) ذكراه الحارة، فإن الأسطورة والمثل يكونان عندئذ ، قد بلغا الهدف بدقة متناهية. (8) أسطورة أبي رغال في حملة عام الفيل على مكة هل عرف العربُ - حقا - في تاريخهم البعيد ، ما قبل الإسلام ، خائنا باسم أبي رغال) ؟ . لقد س ر د ابن هشام "السيرة النبوَّية : 1 :42" نقلا عن ابن إسحق الكاتب الأصلي للسيرة النبوَّية ، وهذا وصفه الإمام مالك بأنَّه دجالُ من الدجاجلة، خبر خيانة أبي رغال في إطار حملة أبرهة الحبشي على مكة نحو عام ( 570 م، ويُفهم من السيرة أن أبرهة خاض حربا خاطفة ضد قبيلتين عربيتَّين هما ش هْران وناهِسْ وأنَّه هزمهما، آخذا معه أسيرا ي دلُّه على طريق حملته باتجاه مكة ، فو صل الطائف وهناك خرج له س يَّد ثقيف مسعود بن مُع تبْ مع رجال من قبيلته فقالوا لأبرهة : "أيها
عدد الصفحات ١٤٢الملك، إنما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعون، ليس عندنا لك خلاف ، وليس ب يْننا هذا الذي تُريد، ي عنون اللاَّت وهي بيت العرب القديم المنافس للكعبة، إنما تُريدُ البيت الذي بمكة ونحن نبعث م نْ ي دلُّك عليه ، فتجاوز عنهم ، فبعثوا معها أبا رغال، ي دلُّه على الطريق إلى مكة. فخرج أبرهة ومعه أبا رغال حتى أنزله المُغ مَّس ، فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك فرجمت قّبرهُ العربُ ، فهو قبره الذي يُرْجمه الناس بالمُغ مَّس". لا يُف سْ رُ ابن هشام ؛ وابن إسحق استطرادا ، تفسيرا كافيا ومقنعا سرَّ الموت المفاجئ لأبي رغال، ولا سرَّ رجم قبره ، إذا كان سرّ الرجم يتعلّق - حقا - بالخيانة المزعومة لأبي رغال فمن المؤكد أن خيانة القبائل واستسلامها أمام الحملة الحربية، كما يوضح نصُ ابن هشام الأ نف، حيث يقول سيّد ثقيف عن نفسه أنَّه عبد من عبيد أبرهة، تبدو ، في هذه الحالة، أكبر بكثير من خيانة رجل مثل أبي رغال أمرته قبيلته بأن يرافق الحملة ، ولذلك لا يبدو تفسير رجم القبر مقنعا ؛ إذْ كيف ترجم العرب قبر رجل مأمور في حين أن القبائل خرجت بساداتها لاستقب ال الغزاة والتعبير لهم عن الاستعداد للمشاركة في هدم الكعبة؟ . في هذا السياق تصمت م رْوية ابن هشام عن سرّ آخر : لماذا اكتفت قبيلة ثقيف، وهي القبيلة القوية، بإرسال رجل واحد لمؤازرة حملة ضخمة تقطع طرقا صحراوية مخيفة ؟ . ولماذا مات أبو رغال، فجأة ، في هذا المكان بالذات، (أيّ : المُغ مَّس) والذي دارت فيه أحداث أسطورة عربية قديمة ألهبت خيال العرب عن مساعدٍ للنبيّ صالح نبيَّ ثمود أسمه أبو رغال أيضا ؟ . . هل كان هناك ، في الأصل، شَّخصان يحملان الاسم نفسه وفي المكان عينه مع اختلاف العصر؟ ، سنقوم هنا ، بتفكيك خبر ابن هشام وتحليل الأسطورة التي أُنشئت على أساسه عن شخصية أبي رغال، وهي كما نرى، شخصية مثيرة عاشت في التاريخ العربي والإسلامي حتى اليوم تجسيدا لفكرة الخيانة حيث يطلق العرب- اليوم- على كل خائن تعبير أبي رغال .
عدد الصفحات ١٤٣يُعرف أبرهة الحبشي في الموارد اليونانية والرومانية باسم أبراهام ( Abraham . ) وذلك استناداإلى بروكوبيوس ، ولكن الإخباريين العرب سجلوا اسمه في صورة أبرهة ، وقد لاحظ د. جواد علي "المُف صَّ ل، 3 :175" أن روايات ابن إسحق، هذه التي نقلها ابن هشام ذات صلة حميمية بروايات وهب بن منبه ، وأنّه أخذ منه ومن محمد بن كعب القرظي المتوفّى بين عامي (118 و120 هـ، هذان الإخباريان كانا من أصل يهوديّ وكانا قاصّين يقصّان في المسجد، ويبدو أن بعض الأخبار التي نقلها ابن إسحق والقرظي قد وجدت طريقها إلى تاريخ الطبري "تاريخ الملوك والرسل" وطبعا عن طريق سيرة ابن إسحق التي نقلها ابن هشام يوضحٍ هذا الأمر بجلاء تسّرب خبر خيانة أبي رغال في الموارد العربية والإسلامية جيلا إثر جيل، لقد دوّن المؤرخون اليونانيون الكثير م ن أخبار اليمن في حقبة أبرهة ، بما أن الحملة الحربية ضد الكعبة كانت جزءا من الصراع العنيف لنشر المسيحية في الجزيرة العربية ، كان أبراهام في المصادر اليونانية أو إبراهيم ( Ebrahem) في مصادر يونانية أخرى، عبدا مملوكا لتاجر يوناني، وقد عرفه العرب في صورة أبر هة الحبشي صاحب الفيل الذي زحف نحو مكة لهدم الكعبة ، ويعرف عام الحملة الحربية على مكة بعام الفيل، وفيه ولد الرسول (ص) وقد ذكر القرآن خبر هذه الحملة في سورة الفيل: "ألم ت ر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل. وأرسل عليهم طيرا أبابيل. ترميهم بح جارة من سجيل. فجعلهم كعصف مأكول" . ولكن هذه الحملة سرعان ما أخفقت وأنهار معسكر الغزاة على مقربة من مكة حيث مات أبرهة نفسه جرّاء الحمى. يوضح هذا الإطار العمومي الموجّه أساسا لقراء غير متخصّصين، الأشكال التي يجري فيها الدمج بين الخبر التاريخي والأسطورة، ويتبقّى أمامنا الآن أنْ نعمل بحذر للكشف عن طبيعة هذه الشخصية الخيالية التي اختلقها ابن هشام، وعرفت بفضله في جميع الأدبيات التاريخية القديمة والمعاصرة، بكونها دلي ل حملة أبرهة الحبشي على مكة حيث ت رجُ مُ القبائل قبره في المُغ مَّس.
عدد الصفحات ١٤٤