يرى المسعودي "مروج الذهب2 :201" أن أبا رغال كان يعمل مساعدا للنبيّ صالح لجمع الصدقات والأموال، أي إنه كان عشّارا من عشاري مكة لجمع العثبور من كل شيء (وبلغتنا المعاصرة : جابي ضرائب دين ية)، وأنَّه كان يقوم بمهمته هذه على أكمل وجه، حتى أتهمته ثقيف، القبيلة القوية ، بمخالفة قواعد الجباية فوثبت عليه وقتلته ، ويُسْتدلُّ من بيت شعر لأمية بن أبي الصلت، لعلّه من الشعر المنحول والموضوع ، ولكن طبعا مع وجود أساس ما لأصل البيت، إن أبا رغال هذا، كا ن فعلا من مساعدي النبيّ صالح، وأنه كان عشّارا يتمتع بكفاءة وقوة شخصية نادرة ، وأنه قتل لهذا السبب بعد صراع مرير ضده. نف وا عن أرضهمْ عدنان طُرا وكانوا للقبائل قاهرينا وهم قتلوا السَّيَّ أبا رغالٍ بمكة حي إذْ و س ق الوضينا بهذا المعنى يُصبحُ أبو رغال الذي ت خيّله أبن هشام في عصر الحملة الحبشية على مكة، شخصية لا وجود لها بل ومن مُخْت لقاته ، فقد عاصر أمية بن أبي الصلت حملة أبرهة، وقصيدته هذه ، تضع أبا رغال في عصر ثمود الأسطوري، وهو قُتل في مكة في أثناء جبايته الضرائب. . من جانبه وعلى غرار روايات أ خرى، يضع ابن الأثير "الكامل" شخصية أبي رغال في عصر ثمود والنبيّ صالح وليس في إطار حملة عام الفيل. وهذا ما يفعله ابن الجوزي "المُنتّظم : 1 :256" الذي يروي الأسطورة الأصلية لأبي رغال واصفا عذاب ثمود بعد العقاب السماوي الماحق جرّاء عقر الناقة المقدَّسة، ناقة النبيّ صالح، إذْ ما إن فرغوا من ذبح الناقة وأكلها حتى فاجأهم العذاب وعصف بهم على امتداد ثلاثة أيام ، فلما أصبحوا في اليوم الرابع: "أتتهم ص يحةٌ من السماء فيها صوت كل صاعقة فتقطعّت قلوبهم في صدورهم وهلكوا ، وكان منهم رج ل بالحرم يُقال له أبو رغال منعه الح ر مُ من العذاب" . كما يُسْت دلُّ من بيت شعر آخر لشاعر جاهليّ هو عمرو بن درَّاك العبيدي، أن التهمة التي وجهتَّها ثقيف لأبي رغال وقُت ل بسببها، كانت التلاعب بأموال الضرائب
عدد الصفحات ١٤٥الدينية ، وإن ثقيفا وثبت عليه وقتلته إثر حادث أظهر فيه أبو رغال جورا وفظاظة لا سابق لهما. قال العبيديّ : ت راني إنْ قطعت حبال قيسٍ وحالفتُ المُزون على تميمِ لأعظم ف جْر ةٌ من أبي رغال وأجورُ في الحكومة من سدومِ إذا كانت هذه الوقائع كافية لِن قْض الخبر التاريخيّ المُلَّفق الذي روَّجه ابن هشام في "السيرة" عن خائن مزعوم اسمه أب و رغال، قام بدور المرشد لحملة أبرهة الحبشي على مكة نحو عام (570 م) وتنفي عن هذه الشخصية الأسطورية، كل ما نُسب إليها من دور مأساويّ في تاريخ العرب القديم وحتى اليوم تتردّد أصداء هذه الخيانة المُخْت ل قة في الأدب السياسي المعاصر ويوصف بها كل خائن كما يُستخدم اسم (أبي رغال) في وصف بعض الخصوم ، فإنه لمن المهم إمعان الفكر في واقعة مصرعه بوصفها واقعة نموذجية عن عمل رمزي مُحدَّد ، قص د به العربُ أمرا يخص خيانة الأرض وج دبها ثم جورها وظلمها للإنسان . . ها هنا بطل أسطوري مُعاقب بسبب خيانته ، وقد سقط صريعا إثر حاد ث له صلة بجمع الضرائب الدينية بالقوة. ولكن، وقبل أنْ نشرع في تفكيك هذه الشخصية التي اختّلّقها ابن هشام في "السيرة" وقبل أنْ نعطي البراهين على أنها اختراع س رديٌّ نهض به الإخباريون استنادا إلى رواية أبن هشام ، سنتوقف عند مغزى هذا التواتر ثم التشوش في رسم صورة أبي رغال عند الإخباريين العرب؛ ولماذا نُسبت إليه فكرة خيانة قبائل العرب في أثناء حملة أبرهة الحبشي على مكة؟ . لقد أصبح أبو رغال شخصية قابلة لأن تُسْت عاد في المْخيال الر عْوي، بفضل نسبته إلى عصر أسطوري هو في الصميم من ثقافة ميَّالة إلى رد أصل كل توترات أو تجليات م ظْه رية، عرضية مشحونة بالرؤى والتصوُّرات ، إلى زمن أو إلى عصرٍ يستحيل الت حقُّق من وجوده ، وفي صميم ثقافة يؤلف فيها الحفل الإشاري ، حفلا
عدد الصفحات ١٤٦خ صْبا لإنتاج صور د الّة وموثقة للوقائع والأحداث والمعتقدات ، ولذلك أستعاد العربُ مرارا ، كما هو ب يِّنٌ بجلاء من تضارب الصور المرسومة، صورة شبه نمطية كان وجدان العربي يرتعش أمامها ، وقد ينتابه الهلعُ من انعدام الرحمة وعدم الاكتراث، والعبث بمصائر الآخرين والتي ت ط فح بها وت نبثقُ من قلب السّرديات الشفهية المتداولة عن بطل شرير ، مُدنَّس ؛ كان ذات يوم بع يد ، مُقدَّسا . وباستخدام عبارة ابن الجوزي : رجلا صالحا منعه الح رمُ من العذاب ، ثم أنقلب فجأة ، إلى النقيض من هذه الصورة المُشّرقة ، وغدا رجلا شريرا د نْا يمكن بسهولة أنْ تُنس ب إليه أية فظائع أو تصرفات شائنة . وفي هذه الاستعادات المتكررة ، ثمَّ كما يبدو من تحليل رواية أبن هشام في "السيرة" و ضْعُ أبي رغال ، في م رْويةٍ عن عام الفيل الذي أرّخ به العرب هجوم الحبشة على مكة بعد احتلال اليمن ، إنَّ تضاربا لا نهاية له في الصور الإخبارية المتواترة عن أبي رغال ، يُرجّح وجود فكرة قابعة في أكثر الزوايا ظلاما وغموضا من هذه الشخصية المُؤ سْطرة ؛ فهي تستعيدُ ذكرى إبليس ، الشيطان السماويّ ، لتنشئ على أنقاضها شيطانا بشريا يبدأ صالحا (ملاكا ) وينتهي شريرا ، ولذا جاءت التدفقات والا ستعارات من هذه الصورة ، مماثلة للتضارب في أ صل الشخصية ، ومن المُح تّم أن التدقيق في أصل عادة رجم قبر أبي رغال، والتفتيش عن جذورها الدينية والطقوسية في ثقافة العرب العاربة ، وقبل سقوط اليمن بيد الأحباش نحو عام (524 م) ، وهي ممارسة استمرت طويلا في تاريخ العرب حتى بلغت الإسلام وصارت جزءا من شعائره ، سوف يساهم في اكتشاف البُعد الحقيقي في هذه الممارسة وصلة أبي رغال بعصر المجاعة في الجزيرة العربية. وسنرى، فيما بعد ، كيف أن رجم القبر لا صلة له البَّتة بوجود خائن للعرب زعم ابن هشام أن اسمه أبو رغال.
عدد الصفحات ١٤٧لا يشير الموضع المعروف عند الجغرافيين العرب بقبر أبي رغال ، البَّتة إلى قبر حقيقي ، بل إلى قبر مُت خ يّل يُعرف بالمُغ مَّس ، وكما أن المخيال الرعوي صاغ ملامح هذه الشخصية وس رد أسطورتها ، فقد صاغ لها تاريخا قابلا للتصديق ، وهذه طبعا واحدة من خُدع الجهاز السردي في الأسطورة ، فهو لا يوهمنا بالحقائق التي يعر ضها علينا بوصفها حقائق ثابتة ومؤكدة ، وإنما يبادر كذلك إلى تزويدنا بكل ما يلزم من عناصر التصديق ، فها هنا قبرٌ لبطل أنقلب من ملاك إلى شيطان ، وها هنا مكان ر جْمهِ الطقوسيّ . الأمر الثابت والمؤكد تاريخيا من سّرديات الحملة الحبشية على مكة ، كما سجّلها ونقلها الإخباريون العرب ، أن المُغ مَّس هذا هو الموضع ذاته الذي توقفت عنده الحملة الحربية لتلقّي مساعدة القبائل العربية المُستعدة والمتهيّئة بفعل تنافساتها المريرة ، وبفضل توترات دينية وعصبية مع القبائل الأخرى المُس يطرة على الحجاز لأن تعرض خدماتها على اليمنيين وأسيادهم الأحباش - وطبعا - من أجل العمل سويّة وفي إطار تحالف حربي فضفاض هدفه المباشر انتزاع السلطة الدينية من عرب الشمال ، وثمة مغزى صريح في قول قبيلة ثقيف لأبرهة : "ليس عندنا لك خلاف، وليس بيننا هذا الذي تريد" فهي رغبت في أن يتجنب أبرهة تهديم بيت العبادة الخاص بثقيف (اللاّت) المنافس للكعبة ، بل هي عملت على تحريضه : "إنما تريدُ البيت الذي بمكة ونحن نبعث معك م نْ يّدلُك عل يه" على ما ذكره ابن هشام في "السيرة" ، بهذا المعنى وجد أبرهة تشجيعا من قبائل جنوبية (قحطانية) لم يكن متوقعا ، وربما فاق طموحه؛ فها هي ثقيف تعرض عليه مساعدة مثالية لقاء الحفاظ على بيت العبادة الخاص بها (اللاّت) ، ويتَّضح من قراءة متأنّية لجملة الم رْويات ال تاريخية والأساطير والأخبار والحكايات المتعلقة بال حملة الحربية وبشخصية أبي رغال أن تناقل أسطورته شفاهيا ، أدّى فيما أدّى ، إلى خلط ثم دمج موضعين جغرافيين أحدهما يعرف باسم النبات البّري الذي عاشت عليه القبائل عصر المجاعة (الرغل : أبي رغل) فيما يُعرف الثاني بالمُغ مَّس ، و إلى وقت قريب
عدد الصفحات ١٤٨فإن العشائر العراقية في جنوب ي العراق ، وخصوصا فقراءها ، كانت تتناول الرغل طعاما ، هذا الخلط (الدمج) أفضى إلى تصويرهما موضعا واحدا هو أبو رغال نسبة إلى النبات الذي ينمو ، في هذا الموقع بكثرة . . ومع الوقت ت مَّ "تشخيص" المو ضع حيث تحوّل المكان إلى دالٌّ على بطل وجد فيه ابن هشام وهو يكتب السيرة النبوية ، أسما مناسبا لبطل أسطوري يتمّ وصمه بالخيانة ويتحمل وزرها نيابة عن القبائل المتخاذلة المستسلمة أمام المحتلين الأحباش . ويتُضح من جملة م رْويات هذه الحملة ، وتاريخها ، أن العرب العاربة خلّدت ، قديما موضعا بعينه من المواضع في الجزيرة العربية نموذجا للمجاعة التي ضربت المنطقة جميعها من بابل حتى مصر ، كما يتضح أن أبا رغال هذا كان في الأصل أسما دالا على موضع (أرغلت فيه الأر ض : يُقال في اللغة : أرغلت الأرض إذا ظهر هذا النبت في أوقات انحباس المطر) ، ربما من قبل أن تظهر شخصية تحمل هذا الأسم ، زُعِم أنّه عمل مساعدا للنبي صالح في ثمود لجمع الصدقات . لقد استردّت القبائل ذكرى كونها جماعات جائعة مرارا وتكرارا مع كل خطر يتهدّدها ، سواء أكان هذا الخطر حربيا مدمّرا ، أم كارثة طبيعية (الريح الصرصر في ثمود ، الصيحة في مكة ، القحط والجفاف دوريا ) ، وفي واحدة من هذه الاستعادات ، طابق ابن هشام بين خطر الاحتلال وخطر المجاعة القديمة إذ ثمة خيانة في الحالتين في المرة الأولى كانت الأرض تخو ن القبائل فتقحط الأرض ويتفشّى فيها الجدب والموت ، وفي المرة الثانية كانت بعض القبائل هي التي ترتكب الخيانة ، فتعرَّض بيت العرب المقدس للخطر ، إن عادة رجم قبر الخائن المزعوم ، هي تعبير رمزي عن رجم القحط كما مارسه العرب القدماء ، ويبدو أن العرب عشية وصول أبر هة الحبشي إلى مضارب ثقيف ، كانوا لا يزالون يمارسون الرجم في المكان عينهُ حيث توقفت الحملة لتلقي المساعدة .
عدد الصفحات ١٤٩يروي ياقوت الحموي "معجم البلدان3 :61" أسطورة أبي رغال رابطا بينه وبين النبي صالح فيقول : إن أبا رغال هذا كان "ملكا في الطائف وكان يظلم رعيته ، فمرَّ بامرأة ترضع صبيا يتيما بلبن عنزة لها ، فأخذها مرضعة وكانت سنة مُ جدبة فرماه الله بقارعةٍ أهلكته ، فرجمت العرب قبره وهو بين مكة والطائف" . على غرار رواية ياقوت هناك سلسلة لا تنقطع من الروايات التي تفيد بالتصَّور الآنف ، وهو أمر يدعم اعتقادنا بوجود أصل أسطوري قديم لشخصية أبي رغال ، وأن لا صلة لها بالحادث التاريخي (غزو مكة) ، والمثير في هذه النصوص هو أنها تؤكد : 1 )إن مروية أبن هشام في السيرة النبوية هي م رْوية غير دقيقة ، و إن شخصية أبي رغال لا وجود لها ، و إن الأنسب إعادة إدراجها في عصر ثمود لا في عصر الحملة الحبشية . 2 )إنها تربط بين أبي رغال ، وهو تصوّرٌ رمزي للمجاعة الكبرى التي عاشتها القبائل ، وذكريات الاحتلال الحبشي (نص ياقوت يفيد بوجود صبي جائع يرضع من ثدي عنزة ، أليس هذا غريبا ؟ . لماذا يرضع الصبي ؟ . كما أن مجيء جابي الضرائب أبي رغال كان مترافقا مع عام شديد ، قاحط ، أجدبت فيه الأرض . . (وأخيرا فإن العرب رجمت قبره فور موته) ، تشكل هذه العناصر مادة نموذجية لمروية أخرى وصلت بقاياها إلى ابن هشام فقام بدمج عصرين في عصر واحد، ومكانين في مكان واحد نجم عن ذلك شيوع ف كرة خاطئة في تاريخ العرب القديم ، مفادها ، أن خائنا باسم أبي رغال هو الذي ساعد الأحباش ، بينما يفيد التاريخ أن قبائل عربية كبرى تخاذلت أمامه وعرضت عليه خدماتها . 3 )إن رجم القبر يتصل ، حسب هذه المرويات ، بممارسة طقوسية ذات طابع خاص له جذوره التي تمتد إلى عصر المجاعة الكبرى ، ولا علاقة له بالخيانة التي
عدد الصفحات ١٥٠وقعت زمن الاحتلال الحبشي ، وهذا ما تشير إليه المرويات الأسطورية رمزيا بحرمان القبائل من مصدر عيشها : العنزة الوحيدة التي يرضع منها الصبي ! . لقد جاءت المجاعة لتسلب كل شيء من القبائل ، وهذه تمَّ تشخيصها في صو رة إنسان شرير عمل ذات يوم مساعدا للنبي صالح ثم خان الأمانة . 4) من الواضح أن ثقل ثقيف والقبائل القحطانية داخل الإسلام الوليد ، هو الذي ضغط باتجاه ح رْف الواقعة التاريخية ؛ أي : تخاذل ثقيف وتواطؤ القحطانيين بدوافع دينية أساسها التنافس بين مكانين مقدسين قد يما (الكعبة واللاّت ، الكعبة الشمالية واللاّت الجنوبية) حيث تمَّ إلقاء التهمة على عاتق شخصية خيالية لا وجود لها ، ولكنها عاشت لا جزءا من التاريخ بل بوصفها مُمْت لِكة له ، هو تاريخ الحملة الحبشية ضد الكعبة .
عدد الصفحات ١٥١(9 ) فراعنة عرب في مصر و(آلهة أجنبية) في كريت تكاد كتب الإخباريين العرب القدماء والمسلمين لا تخلو من الادعاء المثير التالي بأن فراع نة عربا حكموا مصر، إن الطبري والمسعودي والفاكهي وابن الأثير ، وسواهم ، لا يتحرّجون في نصوصهم التاريخية من إعطاء أسماء بعض هؤلاء الفراعنة العرب الطبري، مثلا ، وعلى منواله ينسج ابن الأثير ، يعطي اسم الرّيان بن الوليد بن مصعب، فيما رأى آخرون أنه الوليد بن صعب، إضافة إلى هذا هناك مزاعم إخبارية لا حصر لها عن وجود أسر عربية حكمت مصر في عصر الهكسوس ، فهل ثمة ما يؤيد هذه المزاعم؟. سوف نبدأ من نقطة أنطلاق بعيدة نسبيا عن هذا الحفل من المزاعم لكي نتمكّن من تقديم جواب مقبول. لقد تساءل اليونانيون القدماء ، وقبل صعود حضارتهم العظيمة ، عن الموطن التاريخي الذي جاءت منه آلهتهم؟. على نحو ما، كان هناك ما يشبه الإجماع على أن جميع الآلهة اليونانية جاءت من الخارج ، وهذا عينه المعتقد المصري، الذي رأى في عصر الهكسوس زهاء عام ( 1720 ق م) عصر دخول الآلهة الأجنبية ، وسنرى، فيما بعد، دلالة هذا التوافق المثير بين المُعتقدين اليوناني والمصري عن وجود آلهة أجنبية، والمعروف تاريخيا ، أن هذا المُعتقد كان سائدا بقوة منذ عصر هِرُدُت (منتصف القرن الخامس قبل الميلاد) . يقول هِرُدُت في مقتطف طويل نقله برنال في مؤلفه (أثينا السوداء) ما يلي:
عدد الصفحات ١٥٢لقد جاءت كل أسماء الآلهة اليونانية تقريبا إلى بلاد الإغريق من مصر، إنيّ أعرف من تحقيقاتي وتدقيقاتي التي قمت بها، أنها جاءت من الخارج ، ويبدو من المرجّح أنها جاءت من مصر لأن أسماء كل الآلهة كانت معروفة في مصر قديما ، وهكذا فإن الممارسات (الطقوس) وغيرها مّما سأتحدث عنه لاحقا ، قد أخذها الإغريق عن مصر، وفي العصور القديمة ، حسبما عرفت مما حدثوني عنه في (دودونة) كان البلاسجيون يقدّمون كل أنواع القرابين للآلهة دون تمييز بين الأسماء، لأنهم لم يكونوا قد سمعوا بعد بمثل هذا التمييز وكانوا يطلقون على الآلهة الإغريقية: ( Theoi) أي : أصحاب القرار النهائي. يفيدُ هذا المقتطف من هِرُدُت بالحقائق التالية : 1) من الواضح أن المعنى الذي تف يد به كلمة ( Theoi)، مماثل للمعنى ذاته الذي تفيد به كلمة (ذو) العربية، وهما معا ، تشيران إلى كل صاحب شأن أو قرار أو (مالك) ، فإذا كان الإغريق، حسب هِرُدُت ، يسمّون كل (إله) بـ (Theoi) فإن الاستعمال العربي لكلمة (ذو) في وصف الآلهة معروف تماما (مثلا ) : ذو بكة ، ذو الخلصة، ذو الشرى، ذو غابة، ذو رجل، ذو ش ع ر، ذو طين، ذو الكفين، ذو سمائي... الخ . هذا يعني أن ثمة استعارة جرت في وقت ما كانت ترتكز إلى وصف الإله، اختصارا بـ (ذي ، ذو) وهذه تحولت إلى مكافئ يوناني هو ( Theoi) والمعنى واحد: صاحب القرار ، مالك الأمر ك ما في النّص القرآني، "مالك يوم الدين" 25 . 25
عدد الصفحات ١٥٣في هذا الإطار تخيّل الإغريق كبير آلهتهم على أنه زيوس، وفي الاسم كل العناصر الفونيطيقية لـ (Theoi) أو (ذو 2) لأن هِرُدُت يقطع بالاصل المصري لمعظم الآلهة الإغريقية، فمن المُحتَّم في هذه الحالة أن يكون الدخول المفترض لآلهة أجنبية قد حدث في عصر شديد الاضطراب حيث أن السكان اضطروا إلى ممارسة شعائرهم وعباداتهم في معابد لآلهة غريبة ، ليس هذا العصر ، برأينا، سوى عصر الهكسوس كما سنرى ، ولكن وقبل الخوض في هذا الأمر لدينا قائمة طويلة بأسماء الآلهة العربية التي دخلت بلاد الإغريق تَّمت أ غرقتها، عبر مصر وتحديدا عبر منطقة وسيطة أخرى ، هي مستوطنة طيبة المصرية في كريت التي تفيد الأخبار التاريخية والأساطير اليونانية أن شعب ا فينيقي ا جاء من الخليج العربي هو شعب القدمونيين هو الذي بناها ، ومن هذه الآلهة الإله ذو الشرى الذي صار عند الإغريق دوسيرا، فضلا على مُناة الإلهة الأكثر شهرة و أ همية في المكانة عند عرب الجاهلية الأولى ، وهذه أخذها الإغريق في صورة موني تا، التي انتبه علي فهمي خشيم (آلهة مصر العربية : 1 :2 )إلى أنها ذات صلة بمادة (Money) الإنكليزية، أي : نقود وفعلا فإن مُناة كانت في الأصل إلهة للحساب، وهي غير (م ناة) الأخرى التي عناها القرآن الكريم بقوله تعإلى: ( ومناة الثالثة الأخرى) "النجم: 53 :20" ؛ إذّ إن مُناة ، ثم مونيتا، حيث تحوّلت الضّمة في اول الأسم إلى حرف واو ، هي إل هة الحساب عند العرب ، وقد استعمل الأكديون وحدة الوزن (منا) أو (م نُّ) اشتقاقا من (مُناةِ) هذه ، وهي وحدة لا تزال مستعملة حتى اليوم في ري ف العراق، بينما كانت (م ناة) إل هة (للقدر) كما تقول مثلا : لّم ا وافتهُ المنيَّة : أي قدره المحتوم، ويبدو أنهما عبدتا على نحو مستقل عن وظائفهما الفعلية إذْ
عدد الصفحات ١٥٤تمّ ، عمليا ، دمجهما في صورة واحدة، ولأن الإغريق أخ ذوا مُناة هذه في صورة مونيتا إل هة للحساب، فقد صكّ الرومان، فيما بعد ، النقود باسمها ودخلت اللاتينية في صورة ( money )، ولدينا في هذا السياق اسم الإله العربي القديم، وأشهر معبودات العرب في الجاهلية هو هُب ل الذي دخل بلاد الإغريق عن طريق مصر في عصر الهكسوس في صورة " Apollo" ، أي "أبولو . . ونحن نرى أن أسطورة صراع هابيل وقابيل، في التوراة والمصادر العربية ذات صلة حميمة بهُبل الذي كان إلها للصيد ووفرة الطعام ، وتحديدا اللحم، إذّ الاسم كما ف ي صورته القديمة يتضمن هذا المعنى ؛ وفي حديث السيدة عائشة (رضي الله عنها) في إشارتها إلى سُمنة البنات "والنساءُ يومئذٍ لم يُهبلُهنَّ اللحم" أي إنهن لم ي سْمُنَّ بعد (هُب ل ، على وزن زُ ف ر) بالضم ثم بالفتح تعني كثرة اللحم والشحم ، وهذه الصورة أخذها اليونانيون في صورة أبولو كإله للصيد إن قراءة أكثر جذرية في أسطورة صراع هابيل وقابيل ، ستوفر أمامنا فرصة لمطابقة مصرع هابيل – هُبل على يد شقيقه قابيل : مقتل إله الصيد والوفرة والطعام ، الذي صوُ ر في هيئة راعٍ قدّم قربانا من أجود غنمه ، ولذا فقد تضمّنت صورة أبولو كل العناصر التي تشكّلت منها صورة هُب ل ولّما كان هُب ل من أصنام كنانة وكان معبودها الأكبر، كما أرتأى ابن الكلبي في "كتاب الأصنام" فقد كتب عنه قائلا : "كان، هُب ل ، من عقيق أحمر على صورة إنسان مكسور اليد اليمنى أدركته قريش كذلك فجعلوا له يدا من ذهب" . وفي وقتٍ تال أخذ الإغريق الإله العربي القديم قيس الذي نعرفه في صورة اسم أب لأكبر قبائل العرب وأقدمها : قيس عيلان ، ليدخل في البانثيون الإغريقي في صورة الإله : كاسيوس . ولّما كان قيس
عدد الصفحات ١٥٥العربي إلها جبليا ، شديدا ، فقد انتقل بصفاته هذه ، تماما ، عبر مصر ، إلى بلاد الإغريق ، في صورة إله الجبل : كاسيوس . 3) إن تأكيد هِرُدُت القائل إن الآلهة الإغريقية جاءت من الخارج يمكن فهمه فقط ، وبطريقة مثالية ، بإعادة تنسيبه إلى ما يُعرف بالحقبة الهكسوسية تحديدا ، وهي الموجة البشرية التي قادت العرب العاربة زهاء عام ( 1720 ق. مإلى الاستيلاء على شرقي الدلتا حيث أقاموا فيها ما عُرف عند الإخباريين العرب بعصر (الفراعنة العرب في مصر) ، لقد وصف المؤرخ المصري مانيتون نحو عام (300 ق م) هذه الموجة البشرية بقوله : "إنهم كانوا عربا " . لكن الوصف الذي غلب ، في النهاية ، كان وصف الإغريق ، الذين أطلقوا في م رْوياتهم التاريخية اسم الهكسوس على ما عُرف عند المصريين بالملوك البدو ، أو الملوك الرع اة . ولذا ، لا بد من وضع الآلهة العربية التي انتقلت إلى بلاد الإغريق عبر مصر، في إطار هذا العصر الذي جاءت فيه سلالات عربية ، سنرى فيما بعد، المغزى الحقيقي للمزاعم الإخبارية حول صحة وجودها في مصر . 4) لقد أ حلّت هذه الموجة الآلهة القومية للهكسوس (البداة) على الآلهة المصرية ، وهذا هو مصدر شكاوى المصريين القائلة : إن آلهة أجنبية جاءت لتحلّ محل آلهتهم . وتُظهر بعض أسماء ملوك الهكسوس ، شبها مثيرا للحيرة بأسماء قبائل من العرب العاربة ، كما هو الحال مثلا مع اسم (Thamoudi )(ثمودي) الذي سجّلته بُرديّة مصرية يعرفها الباحثون ببُرديّة ثورين، وهذا الاسم يشير إلى ملك كما يشير إلى جماعة بشرية
عدد الصفحات ١٥٦بعينها في هذا العصر . وقد اشتبه لويس عوض "مقدمة في فقه اللغة العربية، القاهرة : 1980" بأن اسم ملك الهكسوسAsis) مماثل في صيغته للاسم الذي أطلقه القرآن على فرعون مصر (العزيز) ولكننا نرى أن الاسم، في صورته الأصلية ، كما تقدّمه نقوش اليمن القديم ، هو اسم إله عربي (جنوبي) عُبد في صورة (عزيزو – عزيز) ، بل إن صيغة عزيز العربية هذه تظهر في النقوش اليمينية على هذا النحو : (ع نترْ عزيزو) بإضافة صيغة متحوّلة من عشتار البابلية . . كان عزيز في الأصل إلها يمنيا ويبدو أن بعض ملوك الهكسوس تسمّوا باسمه تيمّنا ، وهذا ما يدعونا إلى افتراض وجود صلة بين اسم الملك بما هو لقب لا اسم ، وعبادة الإله عزيز الذي سنجده محفوظا حتى اليوم في صورة أسم من أسماء الله الحسنى (العزيز) ، كما نجد الاسم في السويداء السورية في صيغة (عزيزو / كبّارو) ، وفي نقش (بيت ضبعان) الذي اكتشفه مُطهَّر علي الإرياني ترد العبارة التالية : وإلههم الخ اص ع نترْ عزيز دي جأوب سيد المعبد . 5) فضلا على ذلك . هناك اسم الإله الأكثر شهرة في الأساطير المصرية هو (سث) الذي يتجلّى إلها صحراويا شريرا (شيطانيّ) حيث يصرع شقيقه إله الخصب أوزيروس ، والاسم (سث) هو صيغة أخرى من الاسم العربي (شِيِتْ) كما نراه في اسم شيت بن آدم ... الخ . هذه بصورة شديدة الاقتضاب، العناصر اللازمة لتأسيس إطار تاريخي عمومي لمعالجة المزاعم الإخبارية العربية عن وجود فراعنة عرب حكموا مصر. ت ربطُ مزاعم الإخباريين العرب بين وصول العماليق إلى مصر وحدوث مجاعة كبرى ، ربما كانت دافعا رئيسا من دوافع الهجرة أو الاندفاع صوب شرقي مصر ، لاحتلاله نظرا لخصوبته . ويؤكد كل من الطبري ، وأبو الفداء ، وأبو الفرج
عدد الصفحات ١٥٧الأصفهاني وسواهم ما يلي : كان هناك فراعنة من أصول عربية ، وتحديدا من العماليق وهو شعب عربي زائل ، وحسب المؤرخ المصري مانتيون ، فقد أنشأ الهكسوس عاصمة لهم شرقي الدلتا باسم حوارس (حورس ) ، وكان أول ستة ملوك منهم يشكّلون الأسرة الأولى من الفراعنة الهكسوس ، وأشهرهم الملك الرابع في عهد الأسرة ويدعى أبوفيس . إن قائمة الكاهن المصري والمؤرخ مانيتون (نحو عام 300 ق م) والتي تكاد تختلف ظاهريا على الأقل ، عن القوائم العربية لدى الطبري ، والمسعودي ، والهمداني ، وابن الأثير ، بش أن الأسماء الحقيقية لحكام مصر من الفراعنة العرب ، تُعطي تصَّورا مقبولا عن زهاء ( 153) عاما هي كامل الفترة الزمنية التي استغرقتها السيطرة الهكسوسّية المحدودة ، على إقليم واحد من إقليمي مصر ، ويبدو أن الدوافع الفعلية لهذا الخروج الجماعي للقبائل باتجاه مصر كانت تكمن في حدوث مجاعة كبرى ضربت أرض الجزيرة ودمّرت شروط الحياة فيها تدميرا مروعا طال الشبكات الغذائية التقليدية ؛ وهناك ما يكفي من الإشارات عن هذه المجاعة التي تصفها التوارة بمجاعة أرض كن عان ، فيما تصفها المصادر العربية القديمة بمجاعة مكة ، فضلا على الإشارة القرآنية الصريحة إلى مكة ، التي كانت في وادٍ "غير ذي زرع" (سورة إبراهيم 37) . وهذا يؤخذ طبعا ، في إطار السرد القرآني لسنوات القحط "يأكلهن سبعٌ عجاف" (سورة يوسف 43) التي ضربت مصر أيضا . تقول قائمة مانتيون إن حكام مصر من الفراعنة العرب كانوا : 1) ساليتس ،2 ) بيون،3) أبا سنان ،4) ياناس،5) أبو فيس ،6) أمسيس بينما تقول (قوائم) الإخباريين العرب: إن هؤلاء الحكام هم 1) قابوس،2) الوليد بن مصعب، 3) الرّيان بن الوليد،4) سنان بن علوان ، 5) ناس في هذا السياق ، تدعم رواية للهمداني "الإكليل 1 :72" إمكانية وجود فرعون سادس . تُفيد هذه الرواية ، ما يلي : "الفراعنة بمصر والمشهور انهم من العماليق ،
عدد الصفحات ١٥٨منهم الريّان . ويُقال : الوليد بن الريّان وهو الملك في عهد يوسف، والوليد بن مُصعب الذي كان في عهد موسى" . ما أهمية هذا الاستدراك ؟ . بسهولة ، يُحيلنا استدراك الهمداني هذا إلى إمكانية أنْ نرى في صيغة الاسم الوليد أو الريّان ، على أنه فرعون يوسف ، أو (الملك) . وكنا رأينا الصلة بين أسيس والعزيز وهما معا يشيران إلى فرعون مصري ، وفي القرآن (قالت امرأة ال عزيز) (سورة يوسف 51) أي : ملكها أو فرعونها ، أما ابن الأثير ، الذي ينقل عن الطبري ، فإنه يعطي رواية مثيرة ، و قد تكرّرت عند المسعودي . يقول ابن الأثير "الكامل 1 :73 " إن فرعون مصر العربي الأول كان يدعى سنان بن علوان ، وهذا ما يقول به المسعودي الذي يحذف اسم علوان ويُبقي على اسم الفرعون : سنان ، ثم يضيف إليه اسم فرعون آخر هو ناس، وللتحقّق من كل هذه المزاعم سوف نقوم بتثبيت الحقائق التالية : 1) لا يوجد، حتى اليوم أي اتفاق بين العلماء على تعريف مُحدَّد لكلمة هكسوس ، وهناك اجتهادات متضاربة ومتناقضة لا سبيل إلى استخلاص مفهوم متماسك منها. 2) على العكس من مشكلة المفهوم هذه ، هناك ما يشبه الإجماع على أن فترة السيطرة الهكسوسية لم تتجاوز ( 153) عاما ، بدأت من عام1720 ق م) وانتهت بخروجهم في عام (1567 ق م 3) إن أحدا من المؤرخينأو من معالجي النصوص القديمة لم يتوقف قط أمام الفرضية التالية : إن هناك ما يكفي من الإشارات عن وجود تحالف قبلي عريض ، اشترك فيه العماليق وثمود، ودوس، وقبائل أخرى، قادهم إلى فرض السيطرة على الدلتا . . وأهمية هذه الفرضية في سياق معالجة تاريخية جديدة تكمن في أنها ستعيد إدراج اصطلاح هكسوس في إطار مختلف، أقل عمومية وغموضا ، لكن المقصود بالقبائل الرعوية أو ملوك الرعاة ليس أكثر من وصف يراد به طمس الأصل : العرب ال عاربة .
عدد الصفحات ١٥٩4) إن النقوش المصرية القديمة ، لا تذكر على الإطلاق اسم الهكسوس ، بيد أنَّ بُرديَّة تُورين تتحدث عن ستة حكام أجانب ، فيما تسرّبت صيغة الاسم المُلتبس هكسوس من الكتابات اليونانية عن هذا العصر ، ومن دون شّك فقد ف رض هؤلاء الحكام الأجانب على شعب مصر عبادة آلهة أجنبية بدلا من "عبادة رع" . هؤلاء (الحكام الأجانب) هم : 1) أباشنانApachnan) عند (مانيتون26 . هو سنان عند المسعودي وابن الأثير و سواهم وفي "الكامل" لابن الأثير ي رد الاسم بصيغة سنان بن علوان العماليقي ، فيما يحذف المسعودي اسم علوان هذا مكتفيا بسنان ، يرد اسم علوان هذا في قوائم التوراة عن العشائر والأسباط عندما تمَّ "إحصاء الشعب" ، كما تسمّت به إحدى بطون العماليق الكبيرة ، وعلى الأرجح فإن ثمة صلة بينه وبين صيغة الاسم عيلان الذي نراه في واحدة من أكبر القبائل العربية القديمة : قيس عيلان ، والصيغة ، برأينا ، اشتقاق من اسم الإله العربي القديم : عليوان (أيّ : الإله العلي) . 2) ناسinnas) عند مانتيون: هو ناس عند المسعودي . ولنلاحظ أن الاسم دالّ على قبيلة لا شخص كما هو الحال مع أباشنان بن علوان، وابن ناس يرد في قوائم الأنساب العربية كأبن مباشر لإسماعيل. 3) أسيسAsis) (عند مانتيون) : وهو يرد عندجميع الإخباريين بإغفال اسمه واستبداله بصيغة فرعون يوسف، أو الملك في عهد يوسف ، أما الصيغة القرآنية فهي الأوضح "عزيز مصر" ويكفي القول، بصدد الأسماء الأخرى ، عن أثنين منها تدلاّن بسهولة على أصلهما العربي (أبو فيس، قارن مع أباشنان) وسالتيس (الذي هو بسهولة الصلّت) . 26
عدد الصفحات ١٦٠