إن كلمة (مصنعتهم) أو (صهيريجْيها) التي تزد في النقش تدحض تخريج ابن دريد إضافة إلى هذا كله، فإن (نقش بيت ضبعان) قد يحسم مسألة ذمار هذه لصالح تصور جديد : فالمدينة القديمة التي بنتها القبائل وعاشت فيها هي نتاج ثقافة قاطنيها، لا يعطونها اسمهم وحسب ، وإنما أيضا يبادرون في كل لحظة من حياتهم الجماعية إلى دمجها بثقافتهم المتوارثة والقديمة وبتاريخهم الأسطوري حيث تغدو المدينة هي القبيلة بينما يمكن للقبيلة أنْ تتمظهر بأشكال عدة بوصفها ممتلكة بل مهيمنة على المدينة وتاريخها ، إن إشارة نقش بيت ضبعان إلى أقبال قبيلة ذمار المرابعين ، تحسم المس ألة لصالح تثبيت الأسم اسما للقبيلة ، ولكن هذا لا ينهي المشكلة لأن الكتابة المسندية، لا تثّبت حروف اللبن الساكنة إذا جاءت خلال الكلمة - من المحتمل - في هذا السياق أن يكون الأسم ( ذمار) إسما قديما يشمل المدينة مع التجمع السكاني المجاور والمحيط بها (دراسات يمنية : 18 :1984) ، إذا ما وضعت هذه الحقيقة في إطار التقاليد القديمة والمدو نات والأساطير فإن الدمج بين مفهوم القبيلة ومفهوم المدينة في اصطلاح واحد (اسم وا حد) يصبح مقبولا ، فالمدينة تدلُّ على القبيلة والعكس صحيح أيضا ، وهذا ما نجد نموذجه في التوراة نمرود الملك و نمرود المدينة ، وأوزال ، الأب الأعلى للقحطانيين (جريا على زعم مفاده أن قحطان هو ي قْطُن التوراتي) ، و(أوزال) المدينة القديمة التي صار اسمها ص نعاء. بماذا يفيد النص الوارد في (الحجر) الذي عثرت عليه قريش تحت الكعبة؟ . و إلى ماذا تحديدا تشير الأسماء الواردة فيه، حسب تسلسلها وصفاتها التي دوَّنها كاتب النّص على النحو التالي: "مُلك ذمار، حمير الأخبار ، الحبشة الأشرار ، فارس الأحرار ، قريش التُّجار" ؟.
عدد الصفحات ١١٣1 )بصدد د م ر (دمر) وكما لاحظنا من قراءة نقش ضبعان التي قدّمها مظهّر علي الإرياني (دراسات يمنية : 18 :1984) كما سنلاحظ عند قراءة نقش غلازر ( 1228 GL.) فإنَّ الاسم يتضمن فعلا صيغة مزدوجة؛ فهو يدلّ على القبيلة كما يدلّ على المدينة ، وقد يدلّ كذلك على اسم ملك أسطوري ، وبرأينا فإن أفضل طريقة ممكنة لفهم هذا النمط من التعدّد في المعاني ، هي إعادة نسْبهِ إلى تقاليد ثقاف ية قديمة ، يمكن فيها – وبسهولة- استخدام اسم الملك في معرض الإشارة إلى القبيلة ، وبالعكس ، أي استخدام اسم القبيلة في معرض الإشارة إلى الملك . . وفي التقاليد الثقافية القديمة ، والمتأخرة كذلك ، عند الكتاب العرب والمسلمي ن ، وغالبا ما يجري مثل هذا التشابك أو الاستخدام العشوائي مثلا عندما يكتب الإخباريون القدماء ومنهم الأزر قي في "أخبار مكة" ، والفاكهي في "أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه" ، أن ضبَّ ة ، أو مُض ر، كان حاكما في مكة والحجاز ، فهذا لا يعني أن اسم الحاكم ، إذ ذاك ، كان ض بَّة (أو مُض ر) بل يعني أن الفرع القبلي المُسَّمى (ض بَّة) أو (مُض ر) هو الذي فرض سلطانه في مكة والحجاز ، فهذا لا يعني أن أسم الحاكم ، إذ ذاك كان ض بَّة (أو مُض ر) ، بل يعني أن الفرع القبلي المُسَّمى (ض بَّة) أو (مُض ر) هو الذي فرض سلطانه في مكة والحجاز ، وكنا لاحظنا من مثالٍ آخر كيف أنَّ هذا التقليد الثقافي القديم، (وبجذوره اليمنية ال صريحة، كان حاضرا بقوة داخل النّص التورا تي أيضا حيث تدلّ (أوزال) على الأب الأعلى الأسطوري ، كما تدلُّ على اسم المدينة (والتي يقول الهمداني إنها صنعاء القديمة) ، وليس من دون معنى أن النصّ ال تورا تي يورد اسم
عدد الصفحات ١١٤(أوزال) إلى جانب اسم مدينة حضرموت . وهذه تظهر، بدورها، تارة اسما لمدينة ، وتارةٌ أخرى اسما لابن أكبر هو يقْطُن بن عابر، فضلا على ورودها اسما لدويلة، والأمر ذاته ينطبق على اسم نمرود الآشوري، والذي أشار إليه نصّ سفر التكوين اسما لملك جبَّار ، مرة ، واسما لمدينة عظيمة مرة أخرى. بهذا المعنى فإن ( د م ر) هي نموذج عن القبيلة – المدينة التي عرفتها الجماعات القديمة جنوب غربي الجزيرة العربية (كم ا عرفت بلاد ما بين النهرين ، نموذج دويلات المدن)، أي : القبيلة التي تبني مدينتها وتُعرف باسمها. 2) بحسب تسلسل الأسماء والصفات الملحقة بها في نقش ذمار الإخباري) فإن المُلك في القبيلة – المدينة ، انتهى إلى الحميريين "الأخبار" وليس هؤلاء سوى الدولة الحميرية المركزية التي اخضعت بالقوة، كل الجماعات والقبائل والمدن اليمنية وجمعتها في إطار دولة مركزية نحو ( 1200 ق م) . تنطوي هذه الإشارة على اهتمام دقيق من جانب سارد النصّ ، بالتسلسل التاريخي، بحيث يجري تلقي تاريخ القبيل ة – المدينة بوصفه تراثا قديما يضرب بجذوره في لحظة بعيدة ومقدّسة. 3) مباشرة بعد الإشارة إلى الحميريين ، يشير نصُّ النقش إلى خضوع ( د م ر) لحكم الأحباش "الحبشة الأشرار" ، وهذا تسلسل صحيح ومنطقي من الناحية التاريخية إذّ سقطت القبيلة – المدينة في قبضة المحتلين الأحباش نحو عام ( 525 م) . ومع أن مدوّن النصّ قفز قفزة هائلة تخطّى فيها أحداثا ووقائع كبرى ،
عدد الصفحات ١١٥فإنه حرص على إيجاز هذه الأحداث سرديا بثلاثة أحداث كبرى (ثلاث محطّات كبرى) . 4) هذه الأحداث الكبرى هي، كما سنرى : سقوط القبيلة – المدينة بي د الأحباش ، ثم خضوعها بعد التحرير ، لحكم الفرس، وأخيرا خضوعها لقريش ، ولكن، وبصدد مرحلة التحرير التي عاشتها القبيلة – المدينة كما عاشها اليمن كله، فإن الوجدان اليمني ظل محتفظا بذكراها إلى وقت طويل، بما عُرِف بعض (الأبناء) . يصف مدوّن النص؛ الفرس ب ـ "فارس الأحرار" . في الواقع فإن الفرس لعبوا دورا مباشرا وحاسما في تحرير اليمنيين من الاحتلال الحبشي (المسيحي) عام ( 575 م) بعد نصف قرنٍ كابد فيها اليمنيون صنوفا من الأهوال والمصاعب. وتقول روايات الإخباريين العرب عن "حرب التحرير" هذه "مروج الذهب" : إن اليمنيين س ع وا حثّيثا لإقناع روما بالتخلّي عن حلفائها الأحباش في اليمن ودعم الجماعات المحلية، الطامحة والمستعدة للمحافظة على مصالح الأولى ، ويبدو من جملة أخبار وم رْويات أنهم كانوا طامحين لنوع من الحكم ، يماثل، على الأقل ظاهريا ، وضع الإمارا ت الغسَّانية في بلاد الشام، أي: دور الوكيل السياسي والعسكري عن مصالح روما في الجزيرة العربية ، وفي هذا الصدد يقول المسعودي: إن سيف بن ذي يزن، الزعيم القبلي القويّ، ذهب بنفسه إلى روما "وكان سيف بن ذي يزن قد ركبّ البحر ومضى إلى قيصر يستنجده، فأقام ببابهِ سبع سنين ، فأبى أنْ ينجده وقال له: ’أنتم يهود والحبشة
عدد الصفحات ١١٦نصارى؛ وليس في الديانة أنْ ننصر المخالف على الموافق‘" . هذه الرواية ، التي يجمع على سردها جميع الإخباريين تشير إلى المصاعب التي واجهت ثورة سيف بن ذي يزن على الاحتلال الحبشي ، كما تشير إلى ظروف المقاومة ا لصعبة والمُعقَّدة ، ولذا سارع سيف بن ذي يزن فور عودته من روما، خائبا ، إلى الاتصال بالفرس، ويبدو أن ذلك جرى في أثناء عودته عن طريق الشام . 5) كان التحالف اليمني- الفارسي ممكنا ، من الناحية النظرية ، إذّ ذاك، لولا أن البلاط الفارسي كان يواجه اضطرابات دينية خطيرة تمثّلت في مواجهة التيار المزدكي ، ومع هذا أصغى أنوشروان، ملك فار س القويّ (531 – 579 مإلى طلب سيف بن ذي يزن تقديم مساعدة عسكرية وتنظيم حملة حربية لإخراج الأحباش من اليمن . . إن تحليلا معمَّقا للشعر العربي الجاهلي والإسلامي الذي صوَّر (حرب التحرير) ، كما في سينيَّة البُحْت ري وقصائد جرير مثلا ، من شأنه أنْ يوضح البُعد الديني الخفي في هذا التحالف؛ إذّ تصوَّر اليمنيون - دائما - أن ما يجمعهم والفرس إنما هو أب أعلى هو إبراهيم وأمّ مقدّسة هي سارة ، سوف يبدو مثل هذا الاعتقاد غريبا ومثيرا إذا لم يجرِ وضعه في إطاره التاريخي الصحيح ، لقد كانت فارس ، ذات يوم نحو (539 ق م) تشهد انتشارا لليهودية في بلاطها، وقد دارت بعض م رْويات التوراة الأسطورية حول زواج الملك الفارس من أستير (البطلة) "اليهودية" ، في هذا السياق؛ كان ت اليمن (اليهودية) تستذكر هذا البُعد الديني وهي تسعى إلى حلف حربي مع فارس
عدد الصفحات ١١٧لإخراج الأحباش المسيحيين، وذلك قول جرير "طبقات الشعراء ابن سلام : 407 : " ف يجْم عُنا والغُرَّ أولاد س ا رة أبّ لا نُبالي ب ع ده م نْ ت عذّرا كان جرير قال قصيدته هذه في مديح ال فرس في سياق مديح وثناء لقيس اليمانية ، ويروي ابن سلام كيف أن القبائل اليمنية سارعت لاستقبال جرير عندما وصل مسجد دمشق (الجامع الأموي) وهلّلت له وهي ترّدد معه قصيدته في (مديح العجم) وكان ذلك ذروة الاستذكار ، لدى الجماعات اليمنية ، وبعد مرور وقت طويل على (حرب التحرير) ، ويبدو أن الاعتقاد القائل بأن ما يجمع الفرس واليمنيين هو (اليهودية) كان طاغيا في المؤلفات الإخبارية القديمة، حتى أن الطبري يجعل من منوشهر الفارسيّ ابنا مباشرا "لإفريقيس بن إسحق بن إبراهيم انتقل إليه الملك بعد إفريدون" ، وقد استشهد الإخباريون المسلمون، على غرار الطبري، بأبيات جرير هذه للدلالة على أنّ العجم من أولاد سارة ، أمّا البُحْت ري فقد عبَّر في سينيتّه الشهيرة عن حزنه على زوال دولة الفرس ، مُعترفا بالدور العظيم الذي لعبته في حرب التحرير: أيدوا م لْكنّا وشدَّوا قوه بُلماةٍ تحت السنّور حُمسِ وأعانوا على كتائب إرباط يطعن على النحورِ ودعسِ 6 )لقد دارت خلافات واسعة بين المسلمين حول سرّ تسمية فارس بـ (الأحرار) . وكالعادة ذهب اللغّويون مذاهب شتى . فالأصفهاني "الأغاني" يقول: إن فارس سميت بـ (الأحرار) لأنهم خلصوا من س مرة العرب وشُقرة الروم وسواد الحبشة، وكل خالص
عدد الصفحات ١١٨فهو حرٌ لا ر مل فيه" ، بينما ارتأى السهيلي "الروض الآنف "وقولهم لفارس الأحرار لأن الملك فيهم متوارث من أول الدنيا من عهد جيومرث وهو آدم عند الفرس" . . والصحيح أنّ فارس الأحرار تسمية أطلقها اليمنيون على الفرس بعد التحرير عام (575 م 7) من المؤكد أن فارس سارعت إلى نجدة اليمن، ورمت بجزء من ثقلها العسكري في الصراع ضد روما المسيحية ، لإخراجها من دائرة النفوذ في هذه المنطقة، بدوافع سياسية وثقافية متراكبة، ولكن بحذر شديد نظرا لحساسية الوضع الداخلي آنذاك ، ولذا تفتَّق خيال أنوشروان عن خطة ماكرة إذّ أمر بفتح السجون وإخراج عُ تاة المجرمين، مُشكِّلا منهم جيشا من المرتزقة الذين تمَّ تدريبهم على عجل، كما وضع تحت تصرّفه أسطولا حربيا صغيرا سيَّره عبر دجلة صعودا حتى أعماق الخليج العربي، كما تقول رواية المسعودي، بما يشير إلى أن المرتزقة كانوا من الذين يقضون محكومياتهم في سجون العراق الخاضع للفرس (في خانقين العراقية اليوم). . أوكل أنوشروان قيادة الجيش والأسطول لحاكم إقليم الديلم وهْرز "قائلا له : إنْ ف ت حوا ق لنا، وإنْ ه ل كوا كان ذلك الذي أردت ، وكلا الوجهين فتح" " المسعودي" ، على هذا النحو جرى تسيير الأسطول عبر دجلة حتى بلغ البصرة وهي "فِرْج البحر ولم تكن يومئذٍ بصرة ولا كوفة (..) ثم ركبوا سفن البحر وساروا حتى أت وا ساحل حضرموت موضعا يُقال له مثْوبش؛ فخرجوا من السفن وقد كان أصيب بعضهم في البحر فأمرهم وهْرز أنْ يحرق وا السفن ليعلموا أنّه الموت ولا وجه يؤملون المقرَّ إليه فيجهدون أنفسهم". وهذا – برأينا - هو الأصل البعيد
عدد الصفحات ١١٩لأسطورة حرق طارق بن زياد ، القائد الإسلامي، سفنه؛ وهي م رْوية إسلامية لا بد أنَّ بعض الرواة من المسلمين اليمنيين ، الذين ظلّوا ي سْتذكرون حتى مع الإسلام المزدهر، قاهر الفرس، تلك الواقعة التاريخية ويدينون لها بالفضل، قد (د م ج) في سياق هذا الاستذكار الجماعي ، صورا تنتسب إلى حرب التحرير تلك، لتظهر معها حملة طارق بن زياد كأستطرادٍ بطولي يفنى فيه المحرّرون لأجل الهدف النبيل ، وهكذا ظهرت حملة طارق بن ز ياد في جزءٍ منها كاستكمال لـ (حرب تحرير) قديمة، حدثت مرة في اليمن، وها هي تحدث ثانية في مكان آخر، وفي الحالتين كان هناك مقاتلُ يمني حالم . وبهذه الحالة ، لا بد للمرء من أنْ يفترض أن هؤلاء الرواة نقلوا عن مقاتلين يمنيين شاركوا في حملة طارق بن زياد ، لقد استردَّ اليمني، المقاتل، مع الإسلام وحروبه التحريرية للشعوب الوثنية ، ذكرى حربٍ قديمة أُحرقت فيها السفن عن سواحل حضرموت، وها هو يروي لمسلمين متحمسين قصة انتصاره الجديد في شمالي إفريقيا - وطبعا - فقد دخلت (م رْوية) السفن المحترقة في إطار سرد جديد عن تحريرٍ من نمطٍ جديد أيضا . 8) فتحت هزيمة الأحباش الطريق أمام فارس لتبسط هيمنتها على اليمن ، هذه المرّ ة ، بشكل مباشر بعدما كان نفوذها القديم ذا طابع سياسي، ثقافي بيد أن الأمر الهام والحيوي في هذه الحقبة؛ هو أن (المحررين) سرعان ما اندمجوا مع السكان المحليين بحيث ت سارعت وتيرة الزواج من فارسيات ليولد جيل جديد من الحكام اليمنيين سيُعرف بـ (الأبناء) ، وقد دارت
عدد الصفحات ١٢٠م رْويات إسلامية عدّة عن نساء حميريات تزوَّجن من الفرس أو نساء فارسيات تزوَّجن من يمنيين ، وفي هذا السياق فقد تنازع الناس في سرّ جمال الشاعر (الأسطوري) وضّاح اليم ن، الذي قيل إنه ورث الجمال عن أمه الفارسية في قصة مشهورة. 9) بعد "فارس الأحرار" يضع مدوَّن النْص اسم "قريش التجّار" في إشارة إلى خضوع د م ر ، القبيلة –المدينة إلى نفوذ العدنانيين الشماليين ولكن لّما كنا ن شْت به اشتباها للنَّص من دون شكوك في التسلسل التاريخي للأحداث التي يسجلها ، وهما أمران منفصلان ، فإن قبولنا بفكرة خضوع ذمار (د مر) القبيلة – المدينة لقريش ؛ يغدو مستحيلا في هذه الحالة ، ومن المحتمل أن نصَّ (النق ش الإخباري) يُفصِحُ عن نفسه بنفسه وظروف كتابته ؛ فهي تعود ، برأينا، إلى عصر الإسلام المبكر ، بكلام آخر: إننا نجهل النّص الأصلي، وما لدينا هو (نصّ إخباري) كتبه مسلمون متحمسون حيث إنهم وضعوها في سياق تاريخ قديم ل د م ر (ذمار) القبيلة – المدينة ، ومع هذا، فإن دراسة هذا النَّص ، حتى مع افتراضنا بأنّه نص مُلفّق عن نص أصلي، ستكون مفيدة لمعرفة بعض آليات الأسَّطر ة في مدّونات التاريخ العربي القديم والآن : إذا كان الزجُّ باسم قريش في (نقش ذمار الإخباري) يبدو مجرد إضافة متأخرة ، فإنه لا يلغي بعض الحقائق الهامة ومنها أ ن الإضافة هدفت إلى الإعلاء من شأن قريش في عصر النبّوة ، انسياقا مع تقاليد إسلامية رأت أن انتصار الإسلام في بعض مظاهره ، انتصارا عدنانيا ، وهذا ما تكشف عنه المفاخرات الشعرية والنثرية في البلاطين الأموي ثم العباسي بين القبائل اليمنية والقبائل النزارية (ا لعدنانية) الشمالية.
عدد الصفحات ١٢١10) ثمة احتمال هام في هذا الصدد إن إشارة مدوّن (النص الإخباري) للنقش حول "قريش التُّجار" قد تكون إشارة تاريخية ثمينة، إذا ما نظرنا إليها على أنها صحيحة لا مُخْت ل ق ة . وتكمن أهمية هذه الإشارة في أنها تعطي وصفا لـ "قريش التُجار" في إطار تاريخ أعمّ تؤدي فيه السياسات والحروب الدور الحاسم . كانت ولاية قريش في مكة قبل الإسلام وإدارتها لشؤون البيت الحرام تواصلا تاريخيا لولاية (مُض ر) فيها؛ استكمالا لها بما هي ولاية عدنانية (شمالية) وقد جاءت في أعقاب إزاحة (خُزاعة) عن ولاية البيت الحرام في هذا النطاق يأتي الزجّ باسم قريش ليعبِّر عن طموح إلى الاستدلال على وجودٍ قديم ، أزلي، للقبيلة يرقى بها إلى عصور سحيقة سابقا على ظهورها الحقيقي والفعلي في مسرح الأحداث التاريخية ، لم تُعرف قريش ، في واقع الأمر ، باسمها هذا ، الغريب والمثير للجدل إلاّ في زمن هاشم بن قصي جّد الرسول (صلى الله عليه وسلم) عندما بدأ حملته الدبلوماسية البارعة، على خطا والده قصي، لعقد معاهدات أمن القوافل التجارية بين مكة والشام، ومكة واليمن (مع أمراء غسان والحميريين) والتي عُرفت بـ (الإيلاف) نحو عام ( 450 م وبصدد اسم قريش هذا، تدور سلسلة من الت أويلات اللغوية و(السوسيولوجية) المهم فيها، أنها تؤكد الحقيقة التالية : كان اسم قريش في عصر قصي "بنو النضرْ بن كنان ة" ، وقد اكتسبت بطون من كنانة جمع ها قصي المنتصر على خُزاعة، والذي قام بطردها ونفيها خارج مكة والحرم المكيّ، هذا الاسم إثر مجاعة كبرى ضربت مكة فقام قصي بإطعام القبائل الجائعة التي اجتمعت في بطن الوادي ، هذه الم رْوية التي ي ختلطُ فيها
عدد الصفحات ١٢٢التاريخي باسطوري، تقول بلغةٍ واضحةٍ ، مع ذلك : إنَّ قبيلة قريش لم تظهر باسمها هذا إلاّ نحو عام (400 م) . أمّا قبل ذلك فقد كانت تعرف باسم البطن القبلي الذي ولّ دها: بنو كنانة. ما يقوله نقش (ذمار الإخباري) يتضمن التاريخ ؛ ولكنه قولٌ مُت ل عْثم ؛ لأنه كتب بلغة الأسطورة لا بلغة التاريخ .
عدد الصفحات ١٢٣(7) دروع النعمان أم دروع أمرئالقيس؟ : الشجار على سلاح البطل المتوفّى من السموأل ؟ . وهل جرت - حقا - أحداث القصة المشهورة في التراث الشعري العربي القديم والمعروفة بـ (وفاء السموأل) ؟ . وهل ثمة صلة حقيقية للمثل العربي (أوْف ى من المسوأل) بهذه القصة؟. ثم ما صلة كل هذه المواد بأسطور ة حصن (الأبلق) في تيماء، حيث زعم أن ابن السموأل صُرع عند أسواره؟ . وم ن الذي طالب السموأل برد هذا السلاح ؟ . هل هو الحارث بن ابي شمر الغساني (من أمراء الشام) ؟ أم المنذر بن ماء السماء اللخميّ (من أمراء الحيرة في العراق) ؟ . هناك سلسلة طويلة من المرويات الإخبارية تتضمن هذه الأسطورة ، وهي إجمالا ، مرويات مضطربة جرى فيها خلط فظيع بين الأسماء والمواضع، في إطار مزاعم عن رحلة، لا أساس لها في التاريخ، قام بها امرؤ الق يس إلى عاصمة الروم طلبا
عدد الصفحات ١٢٤لمساعدة القيصر العسكرية لاسترداد عرشه المغتصب حيث مرّ بحصن الشاعر اليهودي 23 . تقول المروية لما مات امرؤ القيس، سار الحارث بن أبي شمر الغساني إلى السموأل بن عادياء وطالبه بأدرع امرئ القيس؛ وكانت مئة، وبماله عنده، فلم يعطه ، فأخذ الحارث ابنا للسموأل ، فقال: إما أنْ تُسلم الأدرع ، وإما قتلت ابنك، فأبى السموأل أنْ يُ سلم إليه شيئا ، فقتل أبنه . هذه بإيجاز شديد المروية الإخبارية عن السموأل الشاعر الأسطوري الذي كان يسكن في حصن الأبلق بتيماء، والذي ضربت العرب به المثل، وينسبُ إليه قوله بعد مصرع ابنه: وفيتُ بأدرع الكندي إني إذا ما ذمّ أقوامٌ وفيتُ وأوصى عاديا يوما بأن لا تهدم يا سموألُ ما بنيتُ سنقوم في إطار تقنية تحليلية متطلبة بشطر المروية الإخبارية إلى شطرين : الخبر التاريخي ، والأسطورة، أي : تفكيك الرواية القديمة إلى (وحدتين) مستقلتين، تخبر كل منهما ، وبشروط إنشائهما الخاصة ، عن المادة ذاتها المتصلة بالحرب على تيماء، وبرحلة امرئ القيس، ثم موته ، وأخيرا مصرع ابن السموأل ، ها هنا مروية إخبارية تقليدية ونموذج ثمَّ تعرّ فه واستكشافه من قبل، قام بسرد الأسطورة في سياق الخبر التاريخي ، ويتعين علينا، لأجل فهم جذري أنْ نقوم بما يلي: 23
عدد الصفحات ١٢٥أ) استخلاص الأسطوري من التاريخي وإعادة تعريفه بوصفه الجزء الأسطوري من التاريخ ، ثم معالجته على نحو مستقل كأسطورة. ب) وبالعكس : إعادة فصل التاريخي عن الأسطوري ليتسنَّى معالجته بوصفه خبرا تاريخيا بكلام ثان: إعادة بناء الرواية التاريخية عن دروع امرئ القيس هذه . إن أقدم إشارة دقيقة إلى "وقائع" المروية الإخبارية، تربط بين أسطورة مصرع ابن السموأل وشعر الأعشى إذ يزعم أن ناقل المروية الأصلي هو صنَّاجة العرب وذلك حين روى الأسطورة شعرا في قصيدة مؤلفة من (21) بيتا "ديوان الأعشى" . . هذا يعيد تذكيرنا بأن ثمة سرا وراء تسمية العرب الأعشى بـ (صناجة العرب) فهو سجّل لهم الملاحم شعرا (استلهاما لهومِر) ، يقول الأعشى في قصيدة منسوبة إليه، ولعلها من وضع الرواة المسلمين: ك ن كسموأل إذ طاف الهمام به في جحفل كسواد الليل جرار (ويروي بعده) : إذ سامه خطتي خسف فقال له قل ما تشاء فإني سامع جار (أو يروي) : جارُ ابن حيا لمن نالته ذمته أو في وأمنع من جار بن عمار وفي العديد من الموارد العربية والإسلامية أن الأعشى و ف د على شخص يدعى شريح بن حصن بن عمران بن السموأل ، وأنه امتدحه بقصيدته الرائية ذاكرا فيها اسمي ولدين للسموأل هما حوط ومنذر ، بيد أن الإخباريين العرب، وكذلك الأعشى نفسه ، لم يذكروا قط اسم الابن القتيل والذي زعم في بعض الأخبار أن الحارث بن ظالم هو الذي صرعه ، ويبدو أن الأعشى وقع أسيرا بيد رجل من كلب، كان
عدد الصفحات ١٢٦الأعشى هجاه هجاءُ مقذعا وقد جاء بهإلى خيمته ، وصادف أنْ كان شريح، حفيد السموأل، نازلا في ضيافته ، فقام الكلبي باستعراض الأسرى أمام ضيفه متباهيا . وحين مرَّ الأعشى بالقرب من شريح قال قصيدته ، وآنئذ طلب حفيد السموأل من الكلبي أنْ يهديه الأسير فوهبه إياه فأطلقه هذا "قائلا له: أقم عندي حتى أكرمك" . لكن الأعشى طلب ناقة وغادر تيماء ، ثم أذاع قصيدته عن السموأل . إلى جانب الأعشى ، الذي سجّل الأسطورة شعرا ، هناك راوٍ آخر هو دارم بن عقال بن مزيقياء ، أنكر نسبه أبو الفرح الأصفهاني قائلا : "وهذا محال لأن الأعشى أدرك شريح (بن السموأل) وأدرك الإسلام ، فيما عمرو مزيفياء قديم" ، أما ابن دريد فينسب السموأل إلى غسان، وكذلك يفعل ابن حبيب مؤلّف "المُجَّر" ، لكن ثعلب، في شرحه ديوان الأعشى، ينسب شريح هذا إلى حصن بن عمران بن السموأل بن حيا بن عاديا ء . وقد حار القدماء من العرب في طريقة تسجيل اسم السموأل ونسبه حيث سجلوه على النواحي التالية : السموأل بن غريض بن عادياء "الأغاني" ، و"طبقات" ابن سلام. السموأل بن حيان بن عادياء "الأمثال" للميداني . السموأل بن حيا بن عادياء بن رفاعة بن الحارثة بن ثعلبة بن كعب في "الاشتقاق" لابن دريد . السموأل بن أوفى بن عادياء أو السموأل من هارون بن عران في موارد أخرى. ويتضح من كل المرويات القديمة ومن قصيدة الأعشى، ورواية دارم ، أن أول من روى أسطورة السموأل (الوفاء والدروع) هو الأعشى، ويُزعم أنه الشخص الوحيد الذي كان يرتاد حصن السموأل (الأبلق) ، ولذا يجوز الافتراض، لأغراض التحليل، أن مصدر الأسطورة التي بأيدينا اليوم عن (وفاء السموأل) إنما هو شعر الأعشى الذي روى الأسطورة وخلّدها ، وسنقوم – هنا- بمناقشة مستفيضة لرواية الأعشى
عدد الصفحات ١٢٧الشعرية في إطار السجال ضد الروايات الإخبارية الأخرى التي فاقمت من درجة الخلط في الأسماء والمواضع. المثير في رواية الأعشى أنها تنسب قصر السموأل أو حصنه المسمى الأبلق إلى سليمان بن داوود (عليه السلام) وذلك واضح من بيت الشعر الشهير: بناه سليمان بن داوود حقبة له أزجٌ عال وطيّ موثقُ إذا صحّت نسبة هذه القصيدة كما بقية شعر الأعشى ، إليه، وأن أيدي الرواة لم تتلاعب بالنص الأصلي، أو أن أحدا لم يلفّق هذا الشعر، الذي قد يكون جزء كبير منه ضائعا ، فإن لكلمة (حقبة) في نهاية الشطر الأول من هذا البيت، بكل يقين ، أهمية استثنائية في سياق مناقشة رواية الأعشى إذ تجزم بأن الحصن أثر قديم ، غابر، من آثار العرب . . هذا يعني أن لا علاقة للسموأل به، إذ من غير المنطقي أنْ يكون هذا الحصن صالحا للسكن حيث بين سليمان نحو (922 ق م) والسموأل المزعوم (550 م) ما يقرب من 1450) عاما ؟ . وهذا أمر غير منطقي ولذا بد من أخذ معنى الشطر الأول من البيت على أنه إحالة إلى القدم و إلى الماضي البعيد، من خلال ربط وجوده ببناء سليمان له ، وكنا درسنا هذا الأمر ومثيله "إرم ذات العماد: رياض الريس للنشر ، 2000" ورأينا أنه يتدرج في نطاق ظاهرة عرفتها جميع الثقافات القديمة التي تنسب المدن العظيمة والمباني العظيمة إلى الآلهة ، ومع ذلك فإن إحالة الأعشى مسألة وجود الأبلق إلى عصر سليمان (عليه السلام) تنسف الأساس الذي قامت عليه روايته لوفاء السموأل إذ من غير المعقول أنْ يكون قد عاش في مكان أثري حيث خبأ فيه سلاح امرئ القيس؟ . ولكن من المطالب بالسلاح أصلا ؟ . لقد اختلفت الروايات وتضاربت حول شخصية الأمير، الذي طلب إلى السموأل رد السلاح ، فتارة هو الحارث بن أبي شمر الغساني من أمراء غسان في الشام، وتارة هو الحارث بن ظالم ال ذي أرسله المنذر بن ماء السماء (ملك الحيرة) في حملة
عدد الصفحات ١٢٨