على هذا النحو، تبدّدت مراتٍ عدّة ، فرص التأمل النقدي في هذه الصور غير التاريخية ، الأسطورية والعجائبية لملوك اليمن القديم لأجل رؤية أكثر دقة وحصافة ، تعيد تصنيف المواد الإخبارية وتفك الا شتباك داخل النصوص بين ما هو تاريخيّ وما هو أسطوري . . إنّ تاريخ اليمن القديم ، الذي يمكن إعادة تقليب صفحاته بهدوء ، في إطار محاولة أع مّ لفهم تاريخ العرب ، لطفولتهم التاريخية البعيدة ، يوافر أمام الباحث فرصا مثالية لإنجاز عمل من هذا النوع ، شرط امتلاك أداة بحث نقدية جديدة ومحافظة . لقد بلغ الغموض الذي أحاط ببعض هذه الشخصيات الملكية شأنا صار معه اسم الملك الأسطوري شمر بهرعش (برعش) الأول ، مثلا ، دالا على ثلاث أو أربع شخصيات كل منها تحمل الأسم نفسه ، كما هو الحال عند د. جواد علي (المُف صَّل) ومن دون أنْ تكون هناك مسوّغات كافية أو مفهومة . . وبذا فُتح الباب على مصراعيه أمام دارسين آخرين ل كي يقوموا هم أيضا ، بعمل اعتباطيّ صارخ : إضفاء صفة (الثاني) أو (الثالث) أو (الرابع) على اسم (شمر بهرعش) هذا ؛ وهكذا أصبح في حوزتنا ( 3 أو4) ملوك جدد دخلوا في قوائم ملوك اليمن القديم . هذا يعني أن الكتّاب العرب ضاعفوا من أسطورية التاريخ اليمني الذي قاموا أصلا بنقده وأتهموا إخبارييه القدماء بالاختلاق ، ولكن وحتى منتصف الثمانينيات حيث كان ها هو الجوّ السائد في الدراسات التاريخية (اليمنية) ، برز عامل جديد كان من شأنه أن أثار ارتباكا جديدا ، ومثيرا ، سوف يساعد ، فيما يعد ، على وضع حدّ لكل التشّوشات بشأن (ش مر بهرعش) هذا ، فقد حصل الباحث والمؤرخ اليمني مطهّر علي الإرياني على نقش (بيت ضيعان) بالقرب من صنعاء ، وقدم عنه قراءة معمقة ، حسمت الجدل ، برأينا ، نهائيا في المسألة وأمكن إخراج واحد ، على الأقل ، من هؤلاء الملوك من التاريخ لأن لا وجود له ، بسرد نصّ النقش أحداثا هامة تتعلق بوجود متمرّد على حكم الملك اليمني (إبلشرح ي خضب) يدعى (شمر بهحمد) (بحمد) نجح بمساعدة قبائل مو الية له في الاستيلاء على مواقع ستراتيجية ، فأعلن
عدد الصفحات ٩٧نفسه ملكا على سبأ وريدان ، لكن الملك الشرعي إبلشرح يحضب قاوم التمرّد وخاض حربا ضاربة ضد شمر بهحمد والقبائل الموالية ، بل وشنّ حملة تحقير وتشهير واسعة بحق خصمه بهدف طمس اسمه إلى الأبد ومحوه من التاريخ بلا رحمة ، ويبدو أنّه نجح في ذلك نجاحا باهرا إذ راح يكتب اسمه في النقوش التي كان يتركها في الصورة التالية : شمر ذي ريدان ، أما شمّر فكان يعلن نفسه ملكا على سبأ وريدان . . ومن الواضح أن الطريقة التي كتب فيها الملك إبلشرح يحضب اسم خصمه ، أي : شمر ذي ريدان ، تشير بوضوح إلى احتقاره والتقليل من شأنه ومن المكاسب العسكرية التي حصل عليها ؛ وفي أفضل الأحوال عدّه متمرّدا استولى على أريدان وحسب فيما ظل المتمرّد شمر بهحمد صامتا حيال هذا التحقير ولم يبادر الردّ ، مكتفيا بنشر اسمه (شمر ذي ريدان) من دون لقب شخصي أو سياسي . على هذا النحو تّمت معرفة شخصية تاريخية من خلال نقوش كتبها خصمه الملك اليمني إبلشرح يحضب . وما أن حصل المؤرخون المعاصرون على اسم (شمر ذي ريدان) هذا حتى سارعوا إلى الافتراض أن شمر يهرعش الثاني ؛ وقاموا بإدخاله في القوائم الخاصة بملوك اليمن . يتضح من هذا المثال أنّ طائفة من ملوك اليمن القديم ، لا وجود لهم قط ، وأنّ بعضهم هو من مختلقات المؤرخين العرب المعاصرين ، لا الإخباريين القدم اء وحدهم . المثير للاهتمام في هذا النطاق المحدود من الفكرة أن المؤرخين المعاصرين الذين وجّهوا نقدا لاذعا مشبعا بروح الازدراء ، وربما النفور ، من المخيال الأسطوري للإخباريين القدماء ، انتهوا ، عمليا ، في نقدهم هذا ، إلى تأسيس أساطير تاريخية جديدة عبر ابتكار واختلاق شخصيات لا أصل لها ، ومن ذلك على سبيل المثال ، أسطورة حرق طارق بن زياد سفنه ، وهي أسطورة يمنية قديمة أعاد المؤرخون
عدد الصفحات ٩٨المعاصرون صياغتها ، ثم أدخلوها التاريخ خبرا تاريخيا، بهذا المعنى أصبح النفور أو الدهشة من المخيال الإخباري وقدرته على توليد صور غير تاريخية عديم القيمة ، وربما مصدر إعاقة أمام حرية أكبر في قراءة التاريخ . يحدّد كلّ من وهب بن منبه (التيجان) والأندلسي "نشوة الطرب في أخبار جاهلية العرب" الإطار التاريخي المقبول لظهور هؤلاء الملوك وانغماسهم في صراعاتٍ محلية ضاربة : عصر الحروب اليونانية – الفارسية زهاء عام ( 300 ق. م) وهما ، معا يرسمان تصورا عن عصر ملوك الطوائف في اليمن وهو عصر تاريخي حقيقي يتوافق مع انتصارات الإسكندر المقدوني على فارس ، يكتب الأندلسي قائلا : إن ظهور ملوك الطوائف في اليمن يتوافق مع مكانة الإسكندر في قتل دارا ملك الفرس ، كما يتوافق مع السيل العرم ، أي : أنهيار سدّ مأرب وبدء هجرة اللخميين من اليمن ، وهذا تصور مقبول مبدئيا لأن تفكك اليمن القديم لم يجر عمليا بفعل انهيار سد مأرب . . فمثل هذا السبب سيكون سببا أسطوريا إذا ما أخذ بمعزلٍ عن الأسباب الأعمق والأكثر وجاهة و نعني به تراخي قبضة فارس ، ثم انهيار نفوذها في اليمن بعد هزيمتها أمام الإسكندر ، لقد شجّع أنهيار فارس أقبال اليمن وزعماء القبائل على التمرد على السلطة المركزية والاستقلال عنها في مخاليف ودويلات وممالك صغيرة في هذا الإطار وفي عصر تالٍ وقع في وقتٍ ما من حكم إبلشرح يحضب ، تمرّد (شمر بهحمد) الذي افتُرِض خطأ أنه شمر بهرعش (برعش) في مؤلفات المعاصرين ؛ ولذا يمكن بسهولة ، إخراج شمر بهرعش الثاني هذا ، من التاريخ . والأم ر ذاته ينطبق على اسم ملك أسطوري آخر لطالما دارت حوله أساطير ومرويات نقلتها جميع المصادر القديمة ، ونعني به الملك اليمني إفريقيس بن ناشر النعم (ياسر بهنعم في النقوش) . . يزعم الأصفهاني في "تاريخ الأصفهاني" أن إفريقيس ابن أبرهة ، وأنه ولي الملك بعد ناشر النع م ، بينما يزعم أهل اليمن ،
عدد الصفحات ٩٩استناداإلى الأندلسي والأصفهاني ، أن ناشر النعم هذا هو نفسه ذو القرنين ، وسّمي بذلك لذؤابتين كانتا تتوسان على ظهره ! . بيد أن جميع الإخباريين القدماء كانوا يزعمون أن إفريقيس هو الذي أعطى اسمه لإفريقي ا بعد أن سار إليها وأخضعها ، بعدما أخضع الهند وفارس وبابل . في واقع الحال ، لا وجود ، على الإطلاق لملك يمني من نسب حمير بهذا الاسم ولم يحدث ، قط ، أنْ اجترح ملك يمني مثل هذه المآثر في أي من مراحل التاريخ القديم لليمن أو العرب ، بعد تدقيقات واسعة قمت بها فإن إفريقيس هذا ليس سوى اللقب الذي حمله القائد اليوناني العظيم (إمليانوس شيبون) إبّان الحروب اليونانية – الفارسية ، وفي هذا النطاق فقط تأكدت قطعيا ودقيقا أن إمليانوس (أو إفريقيس) كان معاصرا للملك الفارسي إرتحششت الثاني ملك فارس (404 – 359 ق م) ، وهو الملك الذي عرف عند اليونانيين بلقبه (إرطاكسراكيس) والذي عرّبته القبائل العربية في فترات خضوع اليمن لحكم أو نفوذ فارس المباشر ، إلى (كسرى) حيث صار اللقب يطلق ، أنئذ ، على ملوك فارس ، ويبدو أن وهج الانتصارات اليونانية الباهرة ، والمفاجئة ، سح رت اليمنيين الذين ضاقوا ذرعا بسطوة فارس ونفوذها إلى الدرجة التي تسرّبت فيها مرويات هذه الحروب وتغلغلت عميقا في الوجدان اليمني والعربي ، وجرى تمثّلها كانتصاراتٍ يمنية . وفي عصر تفكك اليمن وتراخي قبضة فارس فيها بعد هزائمها أمام الإسكندر وحين بدأ (ملوك الطوائف) يتصارعون كل حسب قوته وطموحه ؛ لانتزاع أجزاء من اليمن والاستقلال بها بعيدا عن الدولة المركزية ، أصبح إفريقيس اليوناني مثالا جذّابا ربما أغرى أحد الأقبال بالتشبه به فراح يضفي على اسمه هذا اللقب المستعار إفريقيس . وفي السياق استعار أساطيره الحربية ال تي أوصلت اليونانيين إلى الهند مرورا ببابل وفارس ومصر .
عدد الصفحات ١٠٠فضلا عن إفريقيس هذا ، هناك الملك اليمني الأكثر أسطورية هو الصّعب ذو القرنين ، يرد اسم الصعّب هذا في قوائم ملوك اليمن أبنا للحارث الرائش (الذي برهن أنه كان زعيما قبليا صغيرا أو ملكا من ملوك الطوائف) وتنسب إليه - طبعا - سلسلة من الأساطير عن غزو الهند وفارس وبابل ، حكى صاحب "التيجان" ومثله صاحب "نشوة الطرب" "فالا : قال : علي بن أبي طالب رضي الله عنه حدّثوا عن حمير فإن في أحاديثها عجائب ، ومن أعجبها حديث ذي القرنين " "التيجان ، نشوة الطرب" ، وقد نشب نزاع مرير بين العرب قبل الإسلام ، وثم أستمر معهم مع نزول القرآن ، حول شخصية ذي القرنين وهويّته . لقد افترض بعض الإخباريين المسلمين أنه "من العرب" وقبل من العجم ، ثم اختلف في أي العجم كان) " . وعندما سئل ابن عباس رضي الله عنه : بعلمه الغزير وحصافته ، نوع المشكلة التي تنازع فيه المسلمون ؛ إذ تداخل التاريخ مع الأسطوري ، فردّ قائلا : "هو من حمير ، وهو الصّعب بن ذي مرائد الذي مكنّه الله في الأرض وأتاه من كل شيء سببا فبلغ قرني الشمس" . في هذا المقطع من جواب ابن عباس هناك تداخل واضح بين العنصرين الرئيسين في المادة الإخبارية: التاريخي والأسطوري يقع التاريخ في تحديد ابن عباس رضي الله عنه لشخصية ذي القرنين هنا: فهو الصّعب بن ذي مرائد ، وقد يكون هذا ق يلا من أقيال اليمن أو ملكا قبليا صغيرا من ملوك الطوائف ، بينما يقع الأسطوري في تحديد خط حملاته الحربية ، فعبارة أمكّنه الله في الأرض " لا تنطبق إلاّ على الإمبراطور الإسكندر ذي القرنين لا على "شبيهه" الملك اليمني المحلي ، المعجب به والمتمثل لنجاحاته الحربية . . ولذا يستدرك أبن عباس رضي الله عنه حين يعود أحد الفضوليين لسؤاله : فالإسكندر ؟ ، أي : وماذا عن الإسكندر الرومي الذي مكّنه الله حقا ، في الأرض مشرقها ومغربها ؟ ، فيجيب أبن عباس رضي الله عنه "كان رجلا روميا صالحا ، بنى على البحر منارا ودوّخ المغرب وبنى فيه المدن والمصانع ، وقد فخرت التبايعة بأن جدّها ذو القرنين وذكرت ذلك في أشعارها" .
عدد الصفحات ١٠١على هذا النحو أقام ابن عباسرضي الله عنه حدودا مقبولة بين الشخصيتين : اليونانية واليمنية حيث حملت كل منهما اللقب نفسه ، و المثير في جواب ابن عباس إشارته الثمينة إلى أن ملوك اليمن التبايعة اعتبروا الإسكندر المقدوني جدّهم ، وهو ما يذكّرنا بادعاء الأحباش ويهود إثيوبيا بأنهم من نسل سليمان ملك اليمن ؛ إذ من الواضح أن هذا الانتساب إلى جدّ أعلى ، أسطوري ، يندرج في إطار البحث عن نسب مقدّس . تقول روايات الإخباريين العرب إن ذا القرنين حلم بأنه يكتسح الأرض "فلما أفاق رأى جميع الحيوان قد حشرت له ثم سار قداس الأمم" ، "نشوة الطرب" وكذلك "التيجان" . يحيلنا هذا الحلم إلى الصورة المؤسطرة لسليمان الملك ، النبي الذي كانت له القدرة على مخاطبة الحيوانات (التي خضعت لسلطاته) . إثر الحلم يتحرك ذو القرنين بقواته "يقتل ويس يء فمرّ على سودان زرق العيون وعلى آخر (آخرين) آذانهم كأذان الجمال ، ثم جاز الأندلس فغلب على أقطارها ثم رام ركوب البحر المحيط" .... إلخ . من المؤكد أن اللقب الذي عرف به أحد ملوك الطوائف في اليمن ، تيمنا بلقب الإسكندر المقدوني وتمثلا لانتصاراته ، كان مصدر الالتباس والخلط بين الشخصيتين اللتين جرى دمجهما في صورة بطل أسطوري عجائبي ويبدو أن المخيال اليمني العجائبي ، السحري ، والذي أشار إليه علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) : "حدّثوا عن عجائب حمير" يجسد حقيقة من الحقائق التي كان العرب والمسلمون يدركونها جيدا إذ امتاز الإخباريون اليمنيون بخيال جامح وبقدرة مذهلة على توليد صور وأخب ار لا نهاية لها ، مستمدة إجمالا من طاقة دمج خلاقة ينصهر فيها الواقعي التاريخي ، بالخيالي والمتصوّر ، وعلى هذا النحو تمّ دمج صور ملوك الطوائف بأبطال الحروب اليونانية – الفارسية ، - وطبعا - فقد سحرت انتصارات الإسكندر المق دوني قبائل العرب بشكل عام ، ولكنها سحرت
عدد الصفحات ١٠٢اليمنيين بشكل خاص تماما ؛ فها هو بطل منقذٌ مخلصٌ ، يأتي من وراء البحار ليزيح مستعب ديهم من مسرح التاريخ . لقد كان العرب ، وقبائل اليمن تحديدا ، يكنّون في أعماقهم مشاعر عداء وكراهية لقسوة الفرس وجبروتهم ، ولا شك أنهم وجدوا في انتصارات الإسكندر المدوّ ية في الشرق ، فرصة تاريخية للإفلات من ضغط الإمبراطورية الفارسية . . في هذا الإطار التاريخي ثمّ تخييل مطردٌ ومتواتر ، ومشوق ، للانتصارات المحلية في حضرموت وسبأ وريدان وعدن ، وحيث تصا رع ملوك الطوائف بعد الحروب اليونانية – الفارسية بوقتٍ طويل) . . وفي هذا النطاق جرت مطابقة منمّ قة ، ساحرة ومثيرة للفضول ، بين الانتصار المحلي والانتصار العالمي ، نجم عنها ظهور مفاجئ لسلالات من الملوك الأسطوريين لا وجود لهم واقعيا ؛ ومع ذلك بزعم أنهم حكموا اليمن وأن أنسابهم تمتد إلى سبأ وحمير الأكبر ، ولا ريب أن تقليدا صلبا من التقاليد في الكتابة قد شقّ طريقه منذئذِ داخل السرد الإخباري العربي ، وسوف يطبع بطابعه المؤلفات التاريخية مع الإسلام أساسه : رواية مرويات جماعات أخرى ، أو أمم مجاورة ، أو قبائل منافسة على أنها روايات خاصة تنسب إلى من يرويها مثلا ، تصبح هزيمة الفرس أمام اليونانيين ، في إطار هذا التقليد هزيمة للفرس أمام ملوك اليمن ، كما تصبح الحروب مع الفرس حروبا يمنية لا يونانية . إنّ الأندلسي ، الإخباري الذكي والدقيق صاحب "نشوة الطرب" ، ينفرد وحده ، عن جميع الإخباريين ، في إعطاء جواب مقبول للغاية عن "لغز" ذي القرنين اليمني المزعوم إذ يكتب ما يلي : "إن الإسكندر المقدوني، الذي أدهش العالم بانتصاراته الخاطفة على الفرس ولعِ لو ذكره فقد تجاذبته الأمم كل أمةٍ تدعي أنه منها" . لعلّ عبارة الأندلسي ، الدقيقة و البليغة كافية بذاتها لوصف مغزى وأثر الحروب اليونانية – الفارسية في "تلفيق" تاريخ اليمن القديم لأنها تكشف بسهولة عن الحدود
عدد الصفحات ١٠٣البعيدة لرجع الصدى العميق الذي كانت تختزنه ، والذي استمر طويلا ، داخل تاريخ اليمن ، ليعيد روايته لا بصوت المتحاربين الحقيقيين ، بل بص وت الذين تمثّلوا أدوارهم أو قاموا بمحاكاتها .
عدد الصفحات ١٠٤(6) هل عثرت القبائل العربية على نقوش يمنية تحت أساسات الكعبة ؟ رؤية جديدة للسيرة النبوية لابن هشام من بين جميع الإخباريات القديمة الخاصة بتاريخ مكة تح تلُّ الم رّويات المُت ع لْقة بعثور القبائل العربية الشمالية - في الجاهلية - على نقوش تحت الكعبة أهمية استثنائية ، قد تتجاوز ، حين توضع في خدمة بحث علمي رصين ، جميع ما افترض من أهمية في الم رْويات المماثلة الخاصة بهذا التاريخ . . على الأقل تعطي الإخباريات الأسطورية عن عثور قريش وكنانة على نقوش ، معظمها يمني الطابع ، تحت الكعبة ، احتمالا بأن القبائل عرفت تاريخ مكة الأسطوري لا عبر الروايات الشفهية المتناقلة بتواتر ، وحسب ، وإنما أيضا ، استنادا إلى نقوش دعمت ووطّدت هذه الم رْويات وأيَّدت ها ، ويبدو من جملة م رْويات أن القبائل العربية تمكّنت ، على نحو ما ، من قراءة هذه النقوش ، سواء وردت هذه بلهجات العرب القديمة أم بلغات أخرى ، ولكن هذه المرْويات ، شأنها شأن الكثير مما نقله الإخباريون العرب القدماء في مؤلفات هم الضخمة (كالطبري ، واليعقوبي ثم ابن الأثير) ، لم تُلفت انتباه الدارسين أو تثير عناية العرب ، بل لعلهم مرُّوا بها مرورا عابرا مُفْع ما بروح الأزدراء وعدم المبالاة ، ما دامت تروي ، من وجهة نظرهم أخبارا أسطورية لا قيمة لها . ليس التاريخ وحده مليئا بالأ ساطير ، كما ي ظنُّ كتّاب التاريخ العرب ي ، بل إن الأساطير ، أيضا من وجهة نظري ، مليئة بالتاريخ ، وهذا ما تهدف إليه أفكار دراستي هنا : التخلّي عن الفكرة التقليدية بصدد التاريخ العربي القديم والالتفات إلى دراسة أساطيره ، ففي هذه الأساطير يكمن التاريخ الضائع وغير المدوّن ، ولأن الأمر كذلك ، فسوف أتوقف عند هذه الإخباريات بكل أبهتها الأسطورية ، وكما
عدد الصفحات ١٠٥وردتفي "السيرة النبّوية" لابن هشام وعلى هامشها عند إخباريين قدماء مثل الفاكهي والأزرقي (نحو عام 223 هـ) بوصفهما أفضل مؤرخين لتاريخ مكة ، وذلك أملا في اختيار إمكانيات البرهنة على الأهمية الاستثنائية لهذه الإخباريات لمساهمتهما في تدوين تاريخ أكثر قبولا وانسجام ا مع الحقيقة ، للعرب ولمكانهم الديني المقدس ، الكعبة . بكلامٍ ثانٍ ، الدفع بعملية استنباط للتاريخي من الأسطوري ، إلى أقصى مدى ممكن ، ومن دون تردُّد ، لإعادة إدراج ما هو تاريخي في حقل التاريخ ، وما هو أسطوري في حقل الأساطي ر، بينما يمكن في مناسبة أخرى ، ا لانشغال بمعالجة ما هو أسطوري بتفكيك حقله الإشاري ومعرفة محمولاته الرمزية . لقد تسامى الدارسون ، العرب المعاصرون ، لتاريخ مكة والكعبة عن رؤية ما يبدو أمامهم في حقل التاريخ ، مجرد أساطير وم رْويات خرافية ، ولم يجرّبوا إمكانية تعلّم أبجدية الأساطير ، التي يسميها إريك ف روم : اللغة المنسيّة ، لأجل تفهم أعمق لهذا التاريخ ، وفي الواقع ، كان لدى الكتّاب العرب القدماء إحساس صلب بأن التاريخ ي قب عُ في جوف الأسطورة وفي المرْوية الخرافية وفي قلب كل خبر غير قابلٍ للتصديق ؛ ولذلك لم يتوقفوا عن نقل وتدوين كل ما كانت تقع ع ليه أعينهم ، وهذا وحده يفسر لنا سرّ انشغال مؤرخين مسلمين عقلاء بنقل ما يبدو لأول وهلة مجرد حكايات عاميّة ، أسطورية أو خرافية ، لقد كانوا ينقلون عن مصادر لم تصلنا قط ، وفي هذا وحده ما يكفي للاعتراف بقيمة كثير مما أنجزوه . سنورد هنا بعضا من أخبار "النقوش" التي عثرت عليها القبائل العربية تحت الكعبة ، طبقا لما ورد عنها من إشارات في المصادر القديمة . 1) يزعم ابن هشام "السيرة أن العرب عثروا على نقوش باللغة السريانية تحت الكعبة ، وينقل عن ابن إسحق قوله "إن قريشا وجدت في الركن اليماني كتابا بالسّريانية فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من اليهود ، فإذا هو : أنا الله ذو بكة
عدد الصفحات ١٠٦خ ل قْتُها يوم خلقت السماوات والأرض وص وَّرت الشمس والقمر وح ف فْتُها بسبعة أملاك [هلها في الماء واللبن" . 2) وقال ابن إسحق "و حدَّثْتُ أنهم وجدوا في (المقام) كتابا فيه : "مكة بيت الحرام يأتيها رزقها من ثلاثة سُبلٍ لا يحلها أول من أهلها" . 3) وقال ابن هشام نقلا عن ابن إسحق : "إن العرب عثرت على حجر كتبت فيه عِظ ة . قال ابن إسحق : "وزع م ليث بن ابي سُليْ م أنهم وجدوا حجرا بالكعبة قبل مبعث النبيّ (صلى الله عليه وسلم) بأربعين سنة إنّ كان ما ذكره حقا مكتوبا فيه : "م نْ يزرع خيرا يحصدْ غِبْطة ، وم نْ يزرع شرا يحصد ندامة . (أ) تعملون السيئات تجزون الحسنات (؟ ..) أجل كما لا يُجتنى من الشوكِ العنبُ المعقوفة من وضعنا لاضطراب النص الأصلي 4) ويزعم ابن هشام في "السيرة" إنَّ العرب عثرت . في وقت ما ، على نقش قديم تحت الكعبة وفيه : "لِمنْ مُلك ذمار؟ ، لحمير الأخبار . لِمنْ ملك ذمار ؟ ، للحبشة الأشرار . لِمنْ ملك ذمار؟ ، لفارس الأحرار ، لِمنٍ ملك ذمار؟ ، لقريش التجار" . 5) ويقول الأزرقي صاحب "أخبار مكة" في رواية مرفوعة بإسنادها إلى علي بن أبي طالب (كرَّم الله وجهه) قال : "لمّا احترقت الكعبة في الجاهلية ه د متها قريش لتْبنيها ف كُشِف عن رُكنٍ من أركانها من الأساس فإذا حجرُ فيه مكتوب : ’ أنا ي عْفُر بن عبد قرا . أقرأ على أبي السلام من رأس ثلاثة آلاف سنة’ " . تحتاج هذه ال مِرْويات التي رُتْب تْ على هذا النحو لأغراض الدراسة والتحليل إلى قراءة مُع مقَّة تُقصي عنها كل المواد الطارئة والمُضافة في عصرٍ مُتأخر ، إننا ملزمون بفصل الخبر عن مضمونه هنا ؛ فإذا كان خير العثور على النقش مقبولا من الناحية الإجرائية ، فإن هذا لا يعني قبولا استطراديا لمحتواه ، إذ من المحتمل ، كما سنرى فيما بعد ، أن الإخباريين نقلوا م رْويات إسلامية متأخرة عن الخبر نفسه
عدد الصفحات ١٠٧، مثلا ، إن زجَّ اسم قريش يثير حفيظتنا ذلك أنها لم تعرف باسمها هذا إلاّ في عصر قصي جد الرسول (صلى) ، ومن ثمَّ فلا شواهد أو أدلّة أنها حكمت ذمار ، سواء أكانت هذه اسما لمدينة أم قبيلة ؟ . إن مجرد حصولنا على خبر ، وبصرف النظر عن محتواه الأسطوري حيث لدينا هنا أخبار تاريخية بمضامين أسطورية ، وهذا ما يستدعي الفصل بينهما ، عن عثور القبائل العربية على نقوش تخصُّ تاريخ مكة والكعبة على نحوٍ أخصّ ، لهو مساهمة ثمينة ، حقا في دحض الفكرة الخاطئة القائلة : إن تاريخ العرب القديم ، وتاريخ الكعبة ومكة استطرادا ، كُتِب استنادا إلى الرواية الشفهية وحسب ، وإن المسلمين أخْت ل قوا ، عبر م رْوياتهم الأسطورية ، الجزء الأكثر قِدما من هذا التاريخ . من أجل هذه الغايات ، بإجمالها ، تغدو فكرة عثور القبائل العربية القديمة على نقوش وبحسب التعابير القديمة : أحجار ، شديدة الجاذبية لأنها تعرض على المتلقين دليلا موثوقا به يفيد بوجود مُدوَّنات عن هذا الجزء الأكثر قدما من التاريخ والذي لا يزال مقبولا في حدوده الأسطورية أو الدينية ، ولكن واتساقا مع أخبار ابن هشام في "السيرة النبويّ ة" عن هذه الأحجار وما و ر د فيها من مدوَّنات ، ستثير السؤال التالي : أين احتفظت القبائل بالنقوش المكتشفة ؟. هل أعادتها إلى الأمكنة ذاتها ؟ ، أي أعادت وضعها في الأساسات القديمة للكعبة حيث وجُدت هناك؟ . أصلا ، احتفظ العرب القدماء بنقوش من هذا النوع تحت أساسات البيت المقدس؟ . وما صلة هذه الأحجار بما يُعرف بـ (حجر الزاوية) في العقائد القديمة للعرب؟. إن الأخبار الآنفة تُفيد بأن القبائل عثرت على الأ حجار (النقوش) في زوايا البيت الحرام ، في الركن اليماني ، وفي المقام ، هذا يعني أن المعمارية الدينية القديمة قامت واستمرت ، حتى اليوم ، على أساس هندسي واحد قوامه ترك حجر الزاوية منقوشا عليه ما يفيد بتاريخ البناء أو الحدث المصاحب له ، وقد أيّد كثير من
عدد الصفحات ١٠٨المكتشفات الأثرية وجود هذا التقليد القديم في العمارة (حتى اليوم فإننا نستخدم في تعبيراتنا الكتابية واليومية عبارة حجر الزاوية) . على أنَّ السؤال الأهم الذي يتعيَّن طرحه هو : هل نفترض أن النقش المزعوم عن ذمار في خبر ابن هشام في "السيرة" هو ذاته الذي عثر عليه غ لازر ؟. أم أنّ له صلة ، على نحوٍ ما ، بنقش بيت ضبعان؟ قد يكون خبر ابن هشام عن "نقش" ذمار ، والذي زعم فيه ، على غرار آخرين ، أنه وُجِد تحت أساسات الكعبة ، وأن اسم قريش ورد فيه ، هو الخبر الأكثر أهمية في إطار الفكرة الآنفة عن مُدوَّنات تخصُّ الجزء الأقدم م ن تاريخ العرب وسوف تُعرَّفُ "النقش" من الآن فصاعدا بـ (نقش ذمار الإخباري) تمييزا له من نقش غلازر وبيت ضبعان ، فيما يمكن إر جاء تحليل المرّويات الأخرى إلى مناسبة ثانية . و ر د اسم (ذْ م ر / ذمار) في نقوش يمنية قديمة منها نقش شهير يُعرف باسم (غلازر 1228 GL )، وفي (نقش بيت ضبعان) الذي عثر عليه المؤرخ اليمني مُطهَّر علي الأرياني . . المثير للاهتمام في جميع هذه النصوص ، سواء التي وردت في النقوش أم في الإخباريات ، إن صيغة مبهمة للاسم (ذْ م ر / ذمار) هي الساندة إذْ يمكن الافتراض أن الاسم ينصرف إلى المدينة ، وهي اليوم ت بعد عن صنعاء العاصمة نحو ساعة بوساطة السيارة ، أو ينصرف إلى اسم ملك أسطوري يحمل اسم (د مر ، ذموران ) روى ياقوت عنه أسطورة رائعة ؛ كما يمكن للاسم أنْ يكون اسم علم لقبيلة شهيرة من قبائل ا ليمن . يكتب ياقوت الحموي (8.3 ) مُعرِّفا بـذمار) ما يلي : ذمار : اسم لصنعاء ، وصنعاء كلمة حبشية ، أيْ : حصين ، وثيق ، قاله الحبشُ لّما رأوا صنعاء حيث قدموا اليمن مع أبرهة . وذكره ابن دريد بالفتح ، وقال : وجد في أساس الكعبة لّما هدمتها
عدد الصفحات ١٠٩قريش في الجاهلية حجرٌ مكتوب بالمسند : لِمنْ ملك ذمار ؟ . لفارس الأحرار . لِمنْ ملك ذمار ؟ . لقريش التجار . ما يقوله نصّ ياقوت قد لا يختلف ، في الجوهر ، عن نص ابن هشام وسواه من الإخباريين العرب ، وهو ينحصر في الا سترسال بفكرتين : 1) عثور القبائل العربية (لدينا هنا اسم قريش فقط) على نقوش وردت فيها أسماء ملوك أو قبائل أو دول ومنها الاسم المُبهم ذمار . 2 )إن ثمة رابطة مُبهمة بين الكعبة و ذمار المدينة ، أو القبيلة ، كما أننا لا نعرف على وجه الضبط ؛ طبيعة العلاقة بين فارس والحبشة مع ذمار وأخيرا مع قريش ، وهذا يعني أننا يجب أنْ نقرأ نص النقش الإخباري بطريقة أخرى ، من دون أنْ نهمل الصيغة الإنشائية التي ورد فيها النصّ ، وأخيرا : إن القبائل تمكّنت على نحوٍ ما ، من قراءة هذه النقوش ، واستوعبت مضامينها . والآن: فيما يتعلق بزعم ياقوت القائل "إن صنعاء كلمة حبشَّية، و"إن ذمار هي اسم لصنعاء" لا بد من ملاحظة ما يلي : 1) من المحتمل أن صنعاء القديمة عُرفت في وقتٍ ما ، وطبعا قبل الاحتلال الحبشي لليمن عام (525 م) باسم (دْم ر ،ذمار) حيث توجد اليوم مدينة ذمار القريبة من صنعاء ، والأسم ، كما نرى ، قد يكون في الأصل البعيد ، اسم القبيلة المعروفة ذمار ، هذا يعني أن إشكالية الاسم قابلة للحل في إطارين : أنه اسم للمدينة ، واسم للقبيلة أيضا . 2) مع ذلك فالاسم يثير اشتباه الباحث لجهةصلته المحتملة باسم ملك أسطوري ، عُرِف باسم (ذموران ) كان ياقوت الحموي قد زعم ،
عدد الصفحات ١١٠في م رْو ية نقلها عن مصادر لم يذكرها بالاسم ، أن ه وشقيقه (دلان) كانا أول من جلب النساء الجميلات من الخارج وأشاعا الزنا ؛ وهذه ، كما هو واضح ، بقايا أسطورة رسبت في قاع المرْويات ا لشفهية ، ولم يتبق منها سوى (خبر) مشوش وغامض يراد فيه تأويل سرّ وجود قريتين باسم (ذم وران) و(دلان) بالقرب من مدينة ذمار الحالية . 3) إذا كانت هناك صلة ، من أي نوع كان ، بين الاسمين ذمار و ذموران ، فمن المرجّح أنها تخصُّ تقليدا عرفه العرب كما عرفه بنو إسرائ يل في التوراة مثلا : عُرفت صنعاء القديمة حسب الهمداني "الإكليل" باسمها الأسطوري والقديم جدا (أوزال) ، وهذا الاسم تجده في (التوراة) في صيغتين : مرة اسما لأب ، أعلى ، ومرة إسما لمدينة (حز قيال 27/13 :29) : "كانت ويدان وياوان تقايضان سلعك من أوزال بالحدي د المُطرَّق والسليخة وقصب الدّريرة" ، بينما يرد الاسم في سفر التكوين ضمن قوائم الأنساب التوراتية ، كاس لأحد أبناء ي قْطُن بن عابر ، فضلا على ذلك ، هناك التقليدين ، العربي والتوراتي ، اللذان يخلطان بين ملك آشور واسم عاصمته ، في المرْوية الدينية الخاصة بصراع النبيّ إبراهيم مع نمرود إذ يقال (في المرويات الإسلامية) : إنه صارع نمرود لكن ن مرود يرد في التوراة مرة اسما لملك ومر ة إسما للم دينة ، ونحن نعلم أن ن مرود هي العاصمة العظيمة للإمبراطورية الآشورية ، بهذا المعنى يجب وضع مسألة الخلط في اسم ذمار في سياق تقاليد ثقافية قديمة عرفتها اليمن ، يكون فيها الاسم دالا على المدينة والملك والقبيلة في الآن ذاته . 4 )إذا ما سلّمنا بأن الاسم في صيغته المُفْتر ضة ينصرف إلى المدينة ، فإن هذا سوف يطرح علينا مشكلة فهم مضمون النقش الإخباري
عدد الصفحات ١١١الذي ي تْب نى على لازمةٍ : "لِمنْ مُلك ذمار؟" . فهل تعني الجملة التالية : "لِمنْ مُلك ذمار؟ ، لقريش التجار" أنّ قريشا استولت على مدينة ذ م ار؟ ، لا يبدو هذا الأمر منطقيا أو مقبولا ولذا لا بد من قراءة أخرى ، على أساس أن الاسم يخصّ القبيلة المعروفة د م ر، ذمار). 5) إن صنعاء ليست كلمة حبشية كما افترض ياقوت في نصّه ، وقبولنا بتخريج أبن دريد يعني أننا نقبل ، دون سند مقبول ، بزعمٍ مفاده أنّ كلمة صنعاء ظهرت ، فقط ، عام (525 م) عندما اجتاح الأحباش مدن اليمن واحتلوا ذمار القديمة حيث غيرَّوا اسمها إلى صنعاء ، لقد د ر ج اللَّغويون العرب القدماء على رّد أصل كل كلمة إلى جذر عر بي حتى وإنْ كانت الكلمة أعجمية؛ وإذا ما أعّ يتهم الحيلة زعموا أن الأصل أعجمي ، وفي حالة الاسم صنعاء لم تجد نفعا ، ربما، محاولة ردّ الاسم إلى الجذر الثلاثي (ص ن ع) ولذا افترض ابن دريد أنها كلمة حبشية ، فيما يمكن ردّ الاسم إلى الكلمة الحميرية القديمة (م صْن ع ة) وهي صهاريج الماء التي اشتهر بها اليمنيون القدماء ، وهذا مغزى قول سفر (حز قيال27/13 :29) . "تقايضان سلعك من أوزال بالحديد المُطرّق" ، إن نفي الصلة اللغوية المزعومة بين صنعاء وظهور الأحباش على المسرح التاريخي في اليمن يعني نفيا لمزاعم لا صلة لها لا بالتا ريخ ولا باللغة ، وقد وردت كلمة (م صْن ع ة) هذه في نقش بين ضبعان في صورة م صْن عة تماما ، "هذا هو القبل شرحعثت بأمن الذران ح ي من (بني ذرانح) أسياد القصر (أحرم) وأقبال قبيلة ( ذمار) المرابعين لتحالف (قشم) وهو يعلن أنّه قد بنى وأسس ، وأعاد وجَّدد وأنجز وزين م صْن ع تهم المسماة (تعرمان) بكل دورها ومع ابدها وسورها وصِهْريْجيها" .
عدد الصفحات ١١٢