زرقة العين (أي : ازرقت أعينهم من شدّة العطش) ، وهذا ما كان يقول به سيبويه ويوافقه السيرافي في ذلك حيث إن الزرق هو : الحديد النظر ، وبرأينا إن ثعلب لم يخطئ تماما في تأويل الآية لأن زرقا ، تعني الشدّة في وصف عذاب المجرمين ، وهي الدلالة ذاتها في النظر القويّ ، أو النظر الشديد لذا فإن زرقاء اليمامة ، تعني المرأة ذات البصر القوي . 3) إن الأصل العربي القديم للأسطورة يتصل بوجود كاهنة في أرض هجر تدعى زرقاء بنت زهير؛ وقد دارت مرويات محددة عنها ، بعضها نقله البكري في "معجم ما استعجم" ، كما لفّق الرواة على لسانها سجعا ركيكا وأشعارا تفيد بنبوءات عن مآسٍ وكوارث ستقع ، وهذا تقليد ثقافي عربي عريق ، تجده في سلسلة طويلة من الوقائع الأس طورية عن كهان وكاهنات، يطلقون نبوءاتهم أمام أتباعهم من القبائل والأسباط (كما هو الحال مع نبوءات أنبياء اليهودية وكهانها) . وثمة سجع منسوب إلى الزرقاء بنت زهير لعلّه يتضمن أصلا منسيا لفكرة تقطيع الأشجار واستعمال الأغصان لتمويه تحركات الجيش اليمني فقد قيل إن القبائل سألتها عن أمر ما ، فقالت : "سعف وأهان ونمرُ وألبان خير من الهوان" ، وهو سجع لا معنى له ، ولكن قيمته هي في إشارته إلى نصيحة امرأة تدعى زرقاء ، وكانت كاهنة هجر الكبرى ، بأن سعف (النخيل) له صلة بما سيقع من أحداث . ومن المؤكد أن ثمة صلة جغرافية حقي قية . بين هجر واليمامة التي تبعد عنها نحو عشرة أيام ، طبقا لحساب الزمن في العالم القديم ؛ لأن منازل طسم وجديس تمتد على طول هذه الرقعة
عدد الصفحات ٨١الشاسعة وما حولهاإلى البحرين وهي هجر ، بينما كان حسّان ، الأمير اليمني ، في نجران . لقد استنبط سارد الأسطورة العربية من واقعة كهانة زرقاء بنت زهير ، كاهنة هجر واليمامة ، فكرة التنبؤ بما أن الكاهن يتنبأ ، ومن فكرة التنبؤ هذه قام سارد النّص باستنباط موازٍ ولكنه مكمّل ؛ بما أن التنبؤ هو القدرة على رؤية الأشياء والوقائع والأحداث قبل وقوعها ، فإن معنى التنبؤ ينحصر في الرؤية ، أي : في البصر الحادّ والشديد ، بذلك تكون دلالات الاسم الأسطوري والتاريخي قد تكاملت فالاسم زرقاء يدلّ على امرأة كاهنة ، كما أنّه يدلُّ على حدّة البصر ؛ ومن هذه العناصر مجتمعة ثمَّ إنشاء صورة مدهشة لامرأة أسطورية تملك القدرة على رؤية الأعداء قبل مسيرهم نحونا . إننا ، كمتلقين للأسطورة نرغب بقوة في صورة من هذا النمط : أنْ تكون لنا ، نحن أيضا ، القدرة على رؤية أعدائنا في أثناء مسيرهم نحونا . إذا كانت هذه هي ، إجمالا ، العناصر الأهم في الأسطورة العربية القديمة عن زرقاء اليمامة ، الكاهنة في هجر ، فإن عناصر الخبر التاريخي تتطلب معالجة محافظة ، تقوم على أساس نقد مصادر الطبري ، ناقل الأسطورة ، بإعادة فصل التاريخي عن الأسطوري في مروياته ، والأمر ينطبق ، بكل يقين ، على المسعودي وياقوت الحمويّ ، وهما ، على غرار الطبري ، يتقيدان حرفيا بالتقليد الثقافي القديم : رواية الخبر مؤسطرا . والآن : من حسّان ، الأمير الحميري الذي سار إلى اليمامة في حملة عسكرية ؟ . هل هو ذاته الذي تسمّيه بعض الموارد الإسلامية تبّع بن حسان بن تّبع بن ملكيكرب الأقرن ؟ ، لكننا لا نعلم شيئا دقيقا عن ملك أو أمير بهذا الاسم ، كما أننا
عدد الصفحات ٨٢لا نعلم أي شيء تقريبا عن ملك طسم المدّعى أنه عمليق، وطبعا لا نعرف أي شيء عن العصر الذي عاش فيه أو عن ثورة جديس ضده ؟ . ومع ذلك فإن النقوش اليمنية تحدثت عن أمير يمني هو حسان بهأمن بن أسعد كرب الذي عاش نحو عام ( 430 م، كان حسّان هذا يحكم نجران إلى جانب والده حاكم سبأ وذي ريدان وحضرموت 18 ، قام تبّع حسّان بحملة في الجزيرة العربية لتأديب بعض القبائل المتمردة على سلطة اليمن وفق روايات كل من ابن خلدون ، وابن قتيبة ، صاحب "المعارف" والطبري "تاريخ سني الملوك" ، وكذلك وهب بن منبه صاحب "التيجان في ملوك حمير" وهي حملات تقليدية لطالما قام بها الملوك اليمنيون لتأديب قبائل الشمال الطامحة على الاستقلال ، وبينما تذهب كل هذه المرويات إلى القول إنّ حسان شمل في حملته الحربية مدن الأنبار والحيرة وصولا إلى التبت والصين (وفق الطبري ، ووهب بن منبه) ، وهذا ، كما نعلم ، بعد أسطوري للحروب التاريخية ، فإن النقوش اليمنية تحصر هذه الحملة في رقعة جغرافية ضيقة : اليمامة وهجر . لقد شكّك هارتمان (Hartman) في حقيقة وجود بطل تاريخي اسمه حسّان وذلك بسبب اللبس الذي صاحب قراءة اسمه في النقوش اليمنية ؛ حيث يرد تارة ابن حسان ، وتارة أخرى ، حسان أي : مرة أبا ومرة أبنا ، وهو ما يعيد تذكيرنا باللبس الذي لازم تسجيل اسمه في الإخباريات العربية حيث سجل الاسم مرّ ات على هذا النحو : تبّع بن حسان بن أسعد بن ملك يكرب ، افترض هارتمان أن الإخباريين العرب ربما قصدوا بالاسم حسّان الملك اليمني شرحبيل يعفر (450 م) ، بيد أن القائمة التي أعدّها ريكمنس تضع حسان هذا قبل ش رحبيل يعمر! .. ينقل جواد علي في مؤلفه "المفصل" نص النقش (288 Philby) وفيه : "أب كرب أسعد وبنهو حسان يهأمن ملكي سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعراب همو طودم وتهتم . 18
عدد الصفحات ٨٣بني حسن ملك كرب بهامن ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت ، وقد فهم جواد علي ، على غرار فيلبي ، وغلازر ، وريكمنس وآخرين أن أب كرب أسعد ، والد حسان يهأمن ، هو ابن حسان ملك كرب يهأمن الذي كان ملكا كذلك ؛ ولذا تساءل : هل نحن أمام ملك اسمه حسان ملك كرب يهأمن ؟ ، أم أن هذا الملك هو نفسه ملك كرب يهأمن أي اليمن) الذي ورد في نقوش سابقة ، ومن ثم فإن حسان هو النعت الذي كان ينعت به ؟ . من الواضح أن اللبس في قراءة الاسم في النقش ( أبا وابنا ) مماثل للَّبس عند الإخباريين فما السرّ وراء ذلك ؟ . قد يكون د. جواد علي على حق فعلا حين افترض أن حسّان هو اللقب ، لا الاسم ، الذي حمله ملك يمني من أسرة أسعد ، المعروف باسم أسعد الكامل 19 . وأيَّا كان الأمر ، فثمة ما يكفي من الأدلة على وقوع الحملة العسكرية ، ومن ثم دقّة الخبر التاريخي الذي نقلته مرويات الإخباريين ، بيد أن ما يفسد هذه الدّقة إنما هو الدمج المفرط للذكريات القديمة بالحدث التاريخي . عن حملة حسان في هجر كانت ، في الأصل ، على أرض معدّ ، ولم تكن موجهة إلى طسم وجديس ، لأن هاتين القبيلتين نُفيتا عن الوجود في هذا الوقت عام (450 م) فهما من العرب البائدة ، إنّ زجّ الطبري ، المعتمِ د على رواية الأعشى الشعرية ، باسم هاتين القبيلتين يندرج في إطار ما يمكن أنْ نسميه هنا (الدمج المتتابع) للأسماء والمواضع داخل بنية السرد الإخباري العربي القديم حتى لتبدو حملة الملك اليمني (حسان يهأمن) لتأديب القبائل الشمالية في أرض معدّ ، كما لو كانت رجع صدى لحملات قديمة مماثلة ، قام بها ملوك اليمن ضد قبيلتين من العرب العاربة (البائدة) هما طسم وجديس . 19
عدد الصفحات ٨٤لقد أيقظت ذكريات الحملة اليمنية نحو عام (410 م) على أرض معدّ ذكريات دفينة وقعت في الماضي ، وكانت هجر واليمامة مسرحها التاريخي ، ولذا قام سارد النصِّ بدمج المواضع والأبطال والضحايا في سياق أسطورة جديدة : فبدلا من معدٍ ، ثمَّ استرداد طسم وجديس ووضعهما في اليمامة ، وقام سارد النصّ ، انس ياقا مع هذا الدمج وتطويرا له ، بتسجيل اسم قائد الحملة تارة تبّع حسّان وتارة أخرى تبّع ابن حسان ، لكأن اللبس في أصل النقش أفضى ، استطرادا إلى الالتباس ذاته في الموارد العربية والإسلامية ، إن اقتراح الدكتور جواد علي ، القائل بمعاملة الا سم حسان لقبا ، جدير بالاهتمام حقا ، إذ قد يساهم في إعادة قراءة النقش والمروية التاريخية على قدم المساواة من حيث درجة الأهمية . في إطار هذا النسق من الدمج المتتابع في المرويات ، يمكن ملاحظة أنّ المكوّن الأسطوري اليوناني حاضر بقوة ، في بنية الخطاب الأسطور ي العربي 20 ، بيد أنه غدا مكوّنا عربيا بفضل روح الدمج وقوة السرد ، إن أسطورة زرقاء اليمامة هي ، في واقع الأمر ، رجع صدى لمرويات وأساطير يونانية ، بعضها له صلة بحرب طروادة ؛ ويبدو أن القبائل استمعت، مرارا وتكرارا ، لمرويات هذه الحرب الأسطورية . وربما قام الأعشى بمحاكاة الإلياذة حين سرد شعريا أسطوريا يونانية على أنها أسطورة الكاهنة زرقاء ، وهذا ما سوف نوضحه هنا . تقول الأسطورة اليونانية ، وهي جزء من أسطورة حرب طروادة ، عن كاساندر ، ابنة بريام ملك طروادة من زوجه هيكوبا ، وقعت ضحية غضب أبولون ، فقد أحب الإله أبولون كاساندر حبَّا عارما ، ولذا منحها موهبة التنبؤ ، ويبدو أن كاساندر وعدت ، في البداية ، الإله أبولون بمبادلته الحبّ ، لكنها سرعان ما شعرت بالخوف من فقدان موهبة التنبؤ ، ولذا نكثت بوعدها وتراج عت عن حب أبولون عندئذٍ سارع أبولون إلى الانتقام منها بأن جعل الناس لا يصدّقون نبوءاتها، وحين وقع الهجوم 20
عدد الصفحات ٨٥اليوناني على طرواد ة حذّ رت كاساندر السكان من اقتراب المهاجمين ، لكن أحدا لم يكن مستعدا لتصديقها ، هكذا دخل أبطال اليونان إلى طروادة عندما تعطلّت قدرة كاساندر على التنبؤ . هذه هي "زرقاء اليمامة" اليونانية المسماة كاساندر ، وقد تمَّ دمج صورتها الأصلية بصور مماثلة أو مستنبطة منها صورة كاهنة هجر الكبرى زرقاء بنت زهير ، وتمّ ، داخل المرويات الإخبارية ، تخيل جديد لوقائع من حروب قبلية وقعت بين طسم وجديس في اليمامة ، أي في جوّ القديمة حيث بدت الحرب ، في الجهاز الرديّ للأسطورة الجديدة ، كما لو أنها وقعت فعلا في عصر حسان يهأمن وأنه قام بصلب فتاة تدعى زرقاء اليمامة ، لقد أعاد سارد الأسطورة ، وهو هنا جبير بن الحسن ، الذي ضعّفه النسائي وشكك فيه السجستاني بسبب "ضعف" روايته للحديث ، لا رواية الأسطورة القديمة كما هي ، بل وقام بدمج عناصر جديدة ، مستذكرا صورة كاهنة هجر (واليمامة وهي موطنه ك ما رأينا) ولك بإعادة دمج صورتها في صورة كاساندر التي حذّرت الطرواديين فلم يصدّقوها ، هذا يعني أن راوي الأسطورة ، ابن الحسن ، أو أحد رواتها الآخرين ، ربما استمع بنفسه إلى الأسطورة الإغريقية ، ولم لا ؟ . لقد كانت هجر ، وعاصمتها الت أريخية العظيمة جرهاء ، من أ عظم المدن وأكثرها ثراء حسب سترابون ، الجغرافي اليوناني الذي زارها ، وكان هناك باستمرار ، تجار من بلاد الأغريق في أسواقها . كنا افترضنا وجود أهمية ما لمسألة رواية الأسطورة من قبل شخص هو ، أصلا ، من سكان اليمامة ، مسرح الحدث ، فما أهمية ذلك حقا ؟ . لن يعج ب قارئ الأسطورة ، المعاصرة ، من الفرضية التالية : ثمة احتمال حقيقي أن جبير بن الحسن استمع إلى رواية يونانية عن حرب طروادة في اليمامة وأسواقها المزدهرة ، إذا ما علم أن جالية يونانية ضخمة كانت تعيش في الجزيرة العربية على طول ساحل البحر الأحمر وفي ميناء عدن ، ومع أنها ذابت وانصهرت مع الوقت داخل
عدد الصفحات ٨٦القبائل العربية ، فمن المحتمل ألاّ تكون ثقافتها وذكرياتها ، وربما أساطيرها قد ذابت هي الأخرى أو تلاشت ، إلاّ بمعنى واحد ، هو اندماجها بتتابع مع مرويات جديدة نقلها المستوطنين الجدّ د ولدينا مثال نموذجي عن هذا النمط من الاستيطان : إن جزيرة سوقطرة 21 اليمنية لم تعرف في تاريخها جاليات عربية وهنديّة فحسب ، وإنما يونانية كذلك ، كانت قد وصلت إلى جنوب غرب الجزيرة العربية ، عبر البحر ، مع الحملات الحربية للإسكندر المقدوني نحو عام (336 ق . م) . وقد قدّرها الهمداني ، مؤرخ اليمن الص يف ، بعشرة آلاف مقاتل ، دخلوا النصرانية بعد ذلك ، بينما ارتأى مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الارتيري" أنّ سبب وجود هذه الجالية يعود ، في جزء منه ، إلى حملة البطالمة على ميناء عدن حيث نجحوا في توطين بعض الأسر اليونانية ، وفي عصر تالٍ ، نحو عام ( 50 ق. م) ، سقط الميناء بيد الرومان إثر حملة عسكرية . . بيد أنّ ياقوت الحموي زعم أن أرسطوطاليس هو الذي نصح الإسكندر المقدوني بالاستيلاء على سوقطرة وعدن ، و أن يترك في الجزيرة جالية يونانية ، وحتى اليوم لا تزال هذه الجالية تعيش محافظة على ذكرياتها وأنسابها ، فهل ثمة احتمال حقيقي بأن أسطورة كاساندر قد توطّنت في الجزيرة العربية قبل حملة حسّان على قبائل أرض معدّ بأكثر من ألف عام ؟ . يتبقى شيء أخير : إن كثافة وفاعلية هذا الدمج المستمر للصور داخل الخطاب الأسطوري العربي (الكلاسيكي) تتجلّى على أكمل وجه في وجود عناصر تنتمي إلى أساطير سومرية ؛ ففي ملحمة غلغامش يمكننا أنْ نجد الصورة الأصل للملك العربي عمليق ، وهو شخصية غير تاريخية طبعا ، حيث نقرأ التالي 22 : لقد أحلّ في المدينة العار والدنس وفرض على المدينة المنكودة المنكرات وأعمال السخرة ، لقد خصصوا الطبل إلى ملك أُرُك كبيرة الأسواق ليختار 21 22
عدد الصفحات ٨٧على صوته العروس التي يشتهيهاإلى غلغامش ملك أُرُك) كبيرة الأسواق يخصصون الطبل ليختار العرائس قبل أزواجهن فيكون هو العريس الأول قبل زوجها . من المؤكد أنّ صدى هذه الصور المتتابعة قد تردّد ، على نحو ما ، داخل الخطاب الأسطوري لألف ليلة وليلة حيث أتخذ قتل الزوجات العرائس كل ليلة معنى أكثر تمثيلا للمنحى الرمزي لعملية فضّ البكارة ، فإذا كان شهريار ، يقوم ، كل ليلة بقتل عروسه ، فإن عمليق العربي ، وغلغامش السومري ، يقومان ، رمزيا ، بعمل مماثل هو فضّ بكارة العرائس قبل زفافهن ، هذا يعني أن عناصر عدّة ، عربية قديمة ، سومرية ، ثم يونانية ، هي التي شكلت الخطاب الأسطوري الخاص بزرقاء اليمامة ، وهي تشير في خاتمة المطاف إلى أخبار تاريخية صحيحة ولكنها مؤسطرة ؛ عن حملة حربية يمنية متأخرة ضد قبائل معدّ الشمالية ، وفي سياق هذه الحملة جرى استذكار حملات يمنية قديمة مماثلة ، نظمت على قبائل من العرب العاربة في عصر كانت فيه اليمن دولة مركزية قوية - وطبعا - فقد كانت كاساندر اليونانية ، التي تمَّ تعريب اسمها إلى زرقاء ، بمعنى : المبصرة ، وهو معنى يماثل معنى المتنبئة ، حاضرة بقوة في أخبار هذه الحملة العسكرية الجديدة إذ جرى تخيل المأساة القبائلية وكأنها هي ذاتها مآسي طروادة ، حيث الفتاة التي فقدت القدرة عل ى حمل الناس على تصديق تنبؤاتها ، إنه لمن المثير حقا أن نلاحظ ، في إطار هذا التصور ، كيف أن اليونانيين تخيلّوا الكاهنة إذ جرى تصويرها على النحو نفسه عند العرب ، ففي الأساطير اليونانية تسمى (بيثا) ، وهو لقب عرّافة معبد دلفي الذي شهد مصرع المعماري اليوناني ، تقوم (بيثا) بقول كلام مفكك ، على غرار كلام زرقاء اليمامة ، ولا معنى له ، وعندئذٍ يقوم الكاهن بتفسيره . تجلس العرّافة ، أي : الكاهنة ، فوق حفرة تتصاعد منها أبخرة وبعد ذلك تنتابها رعشة هستيرية لتقول كلاما لا معنى له . إنّ ما يدعى بـ (سجع الكهان) غير المفهو م ، أي الكلام غير النظامي ، والخالي من التسلسل المنطقي ، هو من مزايا وصفات عمل الكاهنة أو
عدد الصفحات ٨٨(البيثا) ، ولذلك فإن تنبؤاتها غالبا ما تتطلب تفسيرا ، هذه هي "زرقاء اليمامة" اليونانية التي حذرت الطرواديين . بقي أنْ أشير إلى أسطورة يونانية أخرى عرفت باسم أسطورة بيرديكس ودبدال ، وتدور حول الأول ، الذي كان معمارا ومخترعا وهو أبن أخ الثاني ، وقد حسده عمه على موهبته فقذفه من أعلى معبد أثينا في الأكروبول . وحين اجتمعت المحكمة للنظر في الجريمة ، كان قرار نفي ديدال قد اتخذ إن نفي ديدال يضاهي اختفاء النعمان بعد قذف سنّ مار من أعلى الخورنق .
عدد الصفحات ٨٩(5 ) تلفيق تاريخ اليمن القديم والحروب اليونانية – الفارسية : ملوك لا وجود لهم تكشف قوائم أنساب ملوك اليمن القديم التي نشرها ال نسّ ابة العرب ، ووردت في كتابات أهم مؤرخي اليمن وهما الهمداني ( 350 هـ) ونشوان بن سعيد الحميري (573 هـ) عن أكثر الأنماط تقليدية في مشكلة انسان العربي ، فهي تعجّ بأسماء ملوك أسطوريين وزعماء لا وجود لهم وبـ "أبطال" لم يولدوا قط . ويبدو أن ا هتمام الهمداني المبكر في "الإكليل" لم يكن منصبّا بدرجة رئيسة على تثبيت هذه الأنساب ، وبعضها أسطوري إلى النهاية ، وحسب ، وإنما أيضا على السجال لمصلحة نقل هذا النسب أو ذاك من هذه الشجرة إلى تلك ، إن أوضح مثال يمكن عرضه على القارئ هو الذي فجّر نقاشا ساخنا بين علماء اليمن بدءا من عام (400 هـ، فبعد زهاء قرنين من وفاة الهمداني ، وحين كان مؤلفه الضخم "الإكليل" يرسّخ معتقدات قديمة ، ويثبتها في حفل تاريخ ملوك اليمن وأنسابهم وينتشر بين القبائل ، قام نشوان بن سعيد الحميري بتوجيه نقد لاذع لـ "الإكليل" ساخرا من عمل مؤلفه ، وداعيا إلى ر فض إحدى أطروحات الكتاب الرئيسة القائلة إن نسب الملك الأسطوري الحارث الرائش يجب ألاّ يوضع ضمن أنساب حمير الأصغر بل في مكان آخر . المثير للاهتمام في نقاشات هذا العصر أنها لم تدر حول الأنساب الأسطورية للقبائل والجماعات القحطانية ، وإنما كذلك حول الوجود التاري خي الافتراضي لملوك من اليمن القديم لا وجود لأي دلائل موثوقة تدعم مزاعم عدّهم ملوكا ، أو أن لهم وجودا ، أصلا ، ضمن أحداث تاريخ اليمن القديم ، وقد لاحظ الباحث اليمني محمد
عدد الصفحات ٩٠عبد القادر بافقية "دراسات يمنية 2 :1985" أن نقاشات الهمداني دارت حول نسب الحارث الرا ئش وإلحاحه على أنه ينتسب إلى سلالة الصوّار ، هذا النقاش المدوّي الذي سجّله الإخباريون في شكل روايات متضاربة عن الأنساب وعن ملوك زعموا أنهم حكموا اليمن ، ذات يوم ، يؤكد الطابع القديم والمتوارث لاضطراب الأنساب العربية والذي تجسّد في صورة ثقافة خلاف ية إشكالية هي في صميم تصوراتٍ أسطورية عن التاريخ . هذا باقتضاب شديد - ولكن ملائم - الإطار التاريخي العمومي للمسألة التي نطمح إلى طرحها هنا : يثير اسم الملك الأسطوري : الحارث الرائش ، الذي كان مادة الخلاف بين نسّابي اليمن والعرب ، ولم يرد ذكره قط في النقوش اليمنية التي عثر عليها العلماء ، مسألة الصلة المحتملة بين لقبه (الرائش) الذي تخيله القدماء مستمدا من كلمة (راش) بمعنى : غنم ، سلب ، جلب ، أعطى ... إلخ ، ارتباطا بحروب أسطورية خاضها وخرج منها منتصرا حاملا لبلاده غنائم جعلت اليمن القديم ثريا ، وتفسير وتأويل هذا اللقب وسبب حمله ، واستنادا إلى الأندلسي "نشوة الطرب في أخبار جاهلية العرب" ووهب بن منبه "التيجان في ملوك حمير" وعبيد بن شربة الجرهمي "أخبار اليمن" و إلى الهمداني نفسه "الإكليل" ، فإن الحارث الرائش سمّي الرائش لأنه ، راش ، الناس جميعا ، أي أغناهم. ويقول ابن قتيبة "المعارف" : وصار الملك إلى الحارث ، الرائش ، فكان أول من غزا منهم وأصاب الغنائم وأدخلها اليمن ، فسمي الرائش لأنه راش الناس بتلك النعم . فضلا على صفات ومزايا هذا الملك فإن كلمة راش ، التي أجمع القدماء على أنها التي استمد منها اسم الملك اليمني ، تثير اشتباهنا إذ يمكن إحالتها إلى الإنكليزية (Rich) ، بمعنى : غني ، متموّل ، وإلى الهولندية (rijk) ؛ وهذه نجدها على نحو
عدد الصفحات ٩١واضح في المعجم الهولندي – الفرنسي في صورة ( riche) بالمعنى ذاته ، وفي عاميتنا (مريّش) ، وقد لاحظ د. علي فهمي خشيم : "هل في القرآ ن أعجمي" أن مادة (rich) هذه قد تكون ذات صلة بالكلمة اللاتينيةRix) ، أي : ملك ولكن علي خشيم أهمل البحث في صلة هذا الاسم بالتاريخ الافتراضي ، واكتفى بهذه الإشارة المقتضبة ، لكنني أرتأي أنْ ينظر إلى كلمة (راش ومنها اللقب الرائش) لا على أساس كونها أسما للملك اليمني ، كما افترض الباحثون حتى الآن ، بل على أساس كونها لقبه ؛ وهذا أمر مهم للغاية في فهم اللغز يوفر إمكانية حلّه ، وتحديد العصر الافتراضي لوجود الملك . ولأنني أقترح أنْ ينظر إلى (الرائش) كلقبٍ لملك محلي مغمور تمت أسطرة صورته بعد حدث تاريخي من نوعٍ ما ، فسوف أرسم تصورا عن هذا الحدث : لقد تخيّل القدماء من العرب وجود ملك يمني عرف بغزواته خارج اليمن والجزيرة العربية ، حتى إنهم جعلوه يحتل الهند وفارس بابل ويعود منها ظافرا ، عبر دمج حدثين عظيمين من فصلين وقعا في عصرين متباعدين ؛ أحدهما كان حدثا عالميا مدويا ، بينما كان الثاني محليا ومحدودا ، ومع هذا كانت له أبعاد سياسية هامة . بل إن الإخباريين العرب ونسّابة اليمن خلطوا بين شخصيتين : الملك اليمني ياسر يهنعم (المعروف عند الإخباريين بناشر النعم) ، وشخصية (ملك) محلي، أسطوري ، هو الحارث الرائش . يتصل الحدث الأول ، العالمي الطابع ، بعصر الحروب اليونانية – الفارسية وبفتوحات الإسكندر الأكبر في آسيا الصغرى وسوريا ومصر وفارس ، وصولا إلى الهند نحو عام ( 330 ق.م، في هذا الوقت كانت اليمن ضمن دائرة النفوذ الفارسي ، ومن المؤكد أن أصداء انتصارات وفتوحات الإسكندر في فارس وما جاورها قد تردّدت في أرجاء اليمن كلها .
عدد الصفحات ٩٢أما الحدث الثاني فيتصل بنجاح ملك ، أو زعيم يمني قبلي غير معروف ومغمور في توحيد مملكة سبأ القديمة بضم حضرموت إليها بالقوة ، بعدما ظلتا منفصلتين في عهو د أسلافه ، ومثل هذا الحدث ، سبق له وأن وقع مراتٍ عدّة في تاريخ اليمن القديم ، واستنادا إلى رواية دقيقة تقريبا من الأصفهاني "تاريخ الأصفهاني" فإن الملك الرائش كان أول من سمي (تبّع) نظرا لنجاحه في توحيد مملكتي سبأ وحضرموت في إطار دولة مركزية ؛ ويزعم الأصفهاني أن بين الرائش وحمير خمسة عشر أبا . . على هذا النحو ثم دمج حدثين في إطار حدث واحد ، وج رى تخيل حدث توحيد حضرموت مع سبأ وإخضاعها بالقوة ، كما لو كان هو ذاته حدث انتصار الإسكندر وإخضاع فار س . وسوف نرى ، فيما بعد ، كيف أن مشاعر العداء والكراهية لفارس كانت تعتمل في قلوب اليمنيين ، حيث إنهم هلّلوا لانتصارات الإسكندر وع دُّوها أنتصارا لهم ، كما هو الحال مع شعوب أخرى ضاقت ذرعا بالنفوذ الفارسي ، هذا الدمج بين العالمي والمحلي في الحدث ، مردّه أن اليمن ، في عصر الحروب اليونانية – الفارسية ، كانت تتطلع إلى التحرر من النفوذ الفارسي ؛ ولذلك فمن المحتمل أن اليمنيين عرّبوا في وقتٍ ما كلمة ( Rix) اللاتينيةلتطابق جذرا عربيا يؤدي إلى المعنى نفسه (ric = ملك ، أغنى ، راش ، وأخيرا : رائش . أو أن الكلمة العربية ، واليونانية والإنكليزية والفرنسية ، تنتمي إلى جذر ثاني مشترك ، وهذا أمر يقع خارج نطاق بحثنا . . المهم في الأمر أن لقب الرائش الذي حمله ملك أسطوري ، مستمدٌ من جملة تصورات رومانسية لازمت اليمنيين المتطلعين إلى الخلاص من العبودية السياسية لفارس ، والتي تضرب بجذورها إلى عصر قورش ؛ وقد نشطتها سلسلة من الأحداث والوقائع المتصلة بمسار الحروب اليونانية – الفارسية حيث تراءى آنئذ كل انتصار يوناني على فارس ، كما لو كان انتصارا محليا (وطنيا ) وخاصا باليمنيين ، تماما كما تراءى الإسكندر نفسه (بطلا يمنيا ) ، وهذا ما سنراه حين نحلّل أساطير الملك اليمني المزعوم إفريقيس وذي القرنين .
عدد الصفحات ٩٣يعرّف الإخباريون اليمنيون القدماء (عبيد بن شربه الجرهمي ، ووهب بن المنبه) ثم الأندلسي ، اسم الملك الرائش هكذا على أساس أنه : ذو مرائد ، وليس ابن ذي مرائد ، كما هو شائع عند آخرين ، وأنه : الرائش الأصغر (هذا يعني وجود رائش أكبر) . أما أبن قتيبة "المعارف" فيضعه ضمن نسب حمير "لأن المُلك لم يزل في ولد حمير بعده ، فكان ملكهم لا يعدو اليمن ، ولا يغزو أحدٌ منهم حتى مضت قرون ، وصار إلى الحارث الرائش فكان أول من غزا منهم وأصاب الغنائم وأصلح حالهم فسمّي الرائش لأنه راش الناس بتلك المغانم" . يفهم من نصّ ابن قتيبة ، الذي يكرر صورة نمطية من صور السرد الإخباري العربي القديم ، عن هذا الملك ، أنّه نجح في توطيد مكانة اليمن وفي سراء وازدهار ممالكه المتعاقبة ، وطبعا من دون تحديد طبيعة هذا النجاح أو العصر الذي شهده . لكنه يلمّح إلى غزوات خارجية قام به ا ، جعلته في صدارة ملوك اليمن القديم الذين قاموا بفتوحات كبرى . . هذه "الفتوحات" ليست سوى فتوحات الإسكندر المقدوني ، التي تمَّ دمج صورتها الباهرة مع صور النجاح السياسي والعسكري الداخلي بتوحيد حضرموت مع سبأ ، وهو حدث وقع مراتٍ عديدة ، إنّ رواية الأصفهاني ، ثم الأندلسي ، عن ضمّ حضرموت إلى مملكة سبا بعدما كانت وقتا طويلا ، خارج حدود السيطرة المركزية فيما يعرف بعصر ملوك الطوائف ، تعيد وضع اللقب في موضعه الصحيح تماما ، فهو مشتق من كلمة تشير إلى ثراء الملك وازدهارها في حقبة توحيد جديدة ترافقت مع هزيمة فارس أو تراخي قبضتها في اليمن ، - وهذه كما نرجح - هي الأرضية الإخبارية لأسطورة غزو الحارث الرائش الهند وبابل وعودته منهما ظافرا ، وهي أيضا المواد الأصلية الخام للفكرة (الرومانسية) التي ألهبت خيال الإخباريين اليمنيين عن بعث الحياة في اليمن القديم ، المركزي والمز دهر حيث تحوّل الانتصار المحلي إلى انتصار عالمي وجرت مماهاة حاذقة ، للانتصار في حضرموت مع الانتصار اليوناني في فارس ، بكلام ثانٍ : جرى تمثلٌ مطردٌ وغير مسبوق للانتصار العالمي بوصفه انتصارا محليا
عدد الصفحات ٩٤أيضا ، وهذا ما سنراه جليا حين نحلّل الكيفية التي جرت فيها استعارة لقب الإسكندر المقدوني (ذي القرنين) واستخدامه كلقب لملوك محليين في اليمن والحيرة (في العراق) . وضمن هذا الإطار يحدّد الأندلسي "نشوة الطرب" نسب الرائش على النحو التالي : هو الحارث بن قيس ، بن صيفي بن سبأ الأصغر أما ابن الكلبي ، الذي ينقل عنه ابن الأثير "الكامل" فيحدّده على نحو مختلف قليلا ، فهو : الحارس بن قيس بن صيفي بن يعرب بن قحطان . وكلاهما يضعانه في عصر الملك الفارسي متوجهر (منو شهر) ويزعمان أنه غزا الهند وأسر وقتل وغنم فيها مالا كثيرا ، ثم عاد إلى اليمن وسمّي الرائش ، قبل أنْ يعود ثانية ليغزو أرض بابل . ليست هذه الحروب الأسطورية التي تنتقل من المحلي (ضمّ حضرموت) إلى العالمي (غزو الهند وبابل) أكثر من دمج للصور المستمدّة من حقب وعهودٍ مختلفة في تاريخ اليمن ؛ وقد تمَّ تعظيمها قصد الإبلاغ عن الفكرة الرومانسية ذاتها : بعث الحياة في بلدٍ كان يت آكل تحت ضربات الطبيعة الماحقة مثل ثورات براكين تنفجر سيولا من الحمم النارية ، وانهيار سدّ مأرب ، وخراب مفاجئ في الشبكات السياسية والا قتصادية والاجتماعية التي تجعل من البلاد كيانا موحدا ؛ ومن ثم ظهور ما يدعى في الإخباريات بـ (ملوك الطوائف) الذي سارع كلّ منهم إلى فصل أجزاء من اليمن والاستقلال بها بعيدا عن السلطة المركزية ، هذه الصور التي قام المخيال الإخباري اليمني بإعادة رصفها ودمجها في سياق سردي جديد ، ليست في خاتمة المطاف ، سوى رجع صدى لحروب الإسكندر المقدوني الذي دحر فارس وغزا الهند وبابل ، كما في المرويات العربية .
عدد الصفحات ٩٥إن الاقتباسات الآنفة من ابن قتيبة ، والأندلسي ، والأصفهاني ، وابن الأثير ، تتضمن ما يكفي من الصور عن ملك أسطوري ، وهي تتلاءم بالطبع مع صورٍ مماثلة ، شديدة التكرار لملوك آخرين ، والأمر الهام الذي يتعين استخلاصه من مثال الحارث الرائش هو أنن ا بصدد حاكم محليّ ، شديد الدهاء ، تمكّن من فرض الوحدة السياسية لليمن في وقتٍ ما عبر ضمّ حضرموت وتأمين ازدهار البلاد ، لكننا لا نعرف اسمه الحقيقي ، كما لا توجد أي قرائن أثرية تؤكد مزاعم الإخباريين والنسّابة العرب عن وجوده ، لقد "أختفى" هذا الملك نهائيا ورا ء لقب اخترعه الإخباريون وتوارى خلف أساطير هي رجع صدى لانتصارات الإسكندر المقدوني ؛ ومع ذلك اختلف النسّابون اليمنيون في نسبه : هل هو في شجرة حمير الأصغر؟ . ما من دارس للتاريخ اليمني القديم إلاّ ووجد نفسه ، وجها لوجه ، أمام شخصيات أسطورية ، غامضة وعجائبية ، تجترح مآثر بطولية يصعب تخيلها ؛ مثلا : احتلال بابل وغزو الهند وإخضاع فارس ، وما يضاعف من درجة هذه الأسطرة أن كتب الإخباريين العرب تعجّ بتفاصيل مدهشة حقا عن "تاريخ" هذه الشخصيات إذ غالبا ما يجري تصويرها على أنها تنتمي إلى سلالات ملكية حكمت اليمن القديم ، كما يجري تحديد أنسابها ضمن شجرات أنساب سبا وحمير . . في مواجهة هذه الصورة شبه النمطية لملوك اليمن القدماء ، وقف المؤرخون العرب (المعاصرون) موقفا نمطيا : الردّ على هذه الصور غير التاريخية باتهام الإخباريين بالوضع والاختلاق . ولم يكن أمرا نادرا ، بأيّ حالٍ من الأحوال ، أنْ نصغي إلى دعوات مؤرخ جليل مثل الراحل د. جواد علي لعدّ هذه المواد الأسطورية مختلقات إخبارية فقط ، وعلى هذا المنوال نسخ آخرون نمطا من الازدراء لمرويات ابن الأثير ، وابن الكلبي ، وحماد الراوية ، والثعالبي ، ووهب بن منبه وعبيد بن شريه الجرهمي ؛ بل وعدّت كتبٌ هامة ، وتاريخية ، مرويات فقط لا قيمة لها ، كان (نمط) الازدراء ، هذا ، ولا يزال شائعا ، ويلقى دعما غير محدود من كتّاب التاريخ من التيار التقليدي ، وربما من قرّاء عرضيين وهواة في حقل التاريخ والأسطورة .
عدد الصفحات ٩٦