شقيقتها على تدبير مكيدة لقتل جذيمة عبر استدراجه إلى تدمر ، وهذا ما حدث فعلا . أرسلت الزبّاء في طلب جذيمة عارضة عليه الزواج "لأنها لم تجد ملك النساء إلاّ إلى قبيح في السماع وضعف في السلطان" . تبلغ جذيمة الرسالة وهو في نزهته في "بقة" قرب هيت ، لكن شهوة الحرب كانت أقوى من العرض السلميّ ، ولذا قرر جذيمة أنْ يسير إليها ويستولي على ملكها ، وبعد مناقشات حامية مع مستشاريه ووزيره الداهية قصير بن سعد ، قرر أنْ يترك العرش في عهدة ابن أخته المحبوب عمرو بن عديّ ، وأنْ يتوجه بنفسه لغزو الزبّاء . لكن هذه كانت قد استعدّت جيدا للحظة اللقاء ، إذ رتّبت استقبالا سلميا ، وراحت تغمر عدوّها بالهدايا والألطاف ، وحين اطمأن جذيمة إلى سلامة العرض وجدّيته ، كانت المكيدة قد اكتملت حلقاتها بسرعة ووقع الملك في الفخ ، وآنئذ ، قامت الزبّاء بذبح جذيمة "ثم أجلسته على نطع وأمرت (براهشيه ) فقطعا (..) وقيل لها إنّ قطّ ر من دمه شيء في غير الطست طولِب بدمه ، وكانت الملوك لا تقتل بضرب الأعناق إلاّ في قتال ، فهلك جذيمة واستنش قّ ت الزبّاء دمه فجعلته في برس قطن" . إثر ذلك طلب الوزير الفارّ ، إلى ابن اخت الملك ان يستعدّ للأخذ بثأر خاله الذي وقع في الأسر ، قائلا له إن لديه تدبيرا مخادعا ، وهكذا جدع الوزير الداهية أنفه وفرّ من الحيرة إلى تدمر ، طالبا الحماية إلى الزبّاء ، وقائلا لها إنّ عمرو بن عديّ أبن اخت جذيمة جدع أنفه وأهدر دمه لاتهامه إياه بالتسبب في وقوع جذيمة في الأسر ومقتله ، وهكذا أيضا صدّقت الزبّاء كذبة الوزير الهارب
عدد الصفحات ٦٥. بعد هذه الأحداث المتلاحقة تقوم الزبّاء بتكليف قصير بن سعد ، الذي صار موضع ثقتها ، تسيير قوافل تجارية بين الحيرة وتدمر ، بناء على اقتراح منه ، ولكن ، وبعد ثلاث رحلات ناجحة ، أسفرت عن ثروات كبيرة و بضائع حصلت عليها المدينة ، دبّر الوزير "الجاسوس" مكيدته القاتلة : بدلا من البضائع ملأ الجواليق فرسانا حملتهم الإبل ، فكان يضع كل رجلين في غريرتين 14 ثم يشدّهما إلى البعير. وبعد أن اختبأ الجنود في الجواليق والغرائ ر سارت قافلة الإبل من الحيرة متجهة صوب تدمر ، وكان الملك الشاب عمرو بن عديّ ، واحدا من الفرسان الذين اختبؤوا في الجواليق ، لقد قرر أنْ يشارك بنفسه في الثأر لخاله المغدور به : "فلما كانوا قريبا من مدينتها ، تقدّم قصيرٌ إليها فبشّرها ، وأعلمها كثرة ما حمل إ ليها من الثياب والطرائف ، وسألها أنْ تخرج فتنظر إلى الإبل وما عليها من الأحمال ، فخرجت الزبّاء فأبصرت الإبل تكاد قوائمها تسوح في الأرض من ثقلٍ أحمالها (..) فدخلت الإبل المدينة حتى كان أخرها ، بعير ، مرّ على بوّاب المدينة وهو نبطيّ بيده منخسة فتخس بها الغرائر التي تليه ، فأصابت خاصرة الرجل الذي فيها فضرط (. .) فقال البوّاب بالنبطية : بشتا بسقا" . (أي : في الجواليق شرّ 15 ، "فلما توسطت الإبل المدينة انيخت وخرج الرجال من الغرائر وصاحوا بأهل المدينة ووضعوا فيهم السلاح (..) وأبصرت الزبّاء عمرو بن عديّ فمصّت خاتمها وكان فيه سم" . 14 15
عدد الصفحات ٦٦يمكن إجرائيا وفي سياق تقنية تحليلية ، متطلّبة وأكثر محافظة ، أنْ نقوم بشطر نصّ الطبري ، ونص المسعودي استطرادا ، إلى شطرين : الخبر التاريخيّ والأسطورة . سنرسم ، هنا ، إطارا تاريخيا لأجل تحليل "الخبر" في نصّ الطبري ، وبعد ذلك سنقوم بتفكيك الشطر الثاني : الأسطورة ، هذه التقنية ، تهدف ، في المقام الأول ، إلى تسهيل مهمة نقد النّص . يدعى ملك تدمر وزوج (زنوبيا) : أذينة ؛ وجده الأكبر هو نصر (نصرو) فيما جدّه المباشر هو (وهب اللاّت) ؛ أما والده فيدعى (خيران) ، وفي نقشٍ يعود إلى عام (235 م) ورد اسم أذينة على هذا النحو : أذينة بن خيران بن وهب اللاّت بن نصر؛ بوصفه عضوا في مجلس الشيوخ الروماني ؛ وذلك عندما كانت تدمر تابعة لروما ، كان والده ، حسب الوثائق الرومانية ، يدعى (سبتيموس خيران) وهذا لقب نبيل قلّما حصل عليه ملك عربي موالٍ للرومان ، بينما يدعى ملك الحيرة جذيمة بن مالك بن فهم ويعرف (جذيمة الأبرش) ويُ رسم اسمه في النقوش على هذا النحو : جذيمت ملك تنوخ ، وفي نقش شهير يدعى نقش (أم الجمال) جنوب بصرى الشام بنحو (7) كليومترات ، كُتِب على شاهدة قبر : "هذا موضع قبر فهر بن شلي (سلي) مربي جديمت ملك تنوخ" وقد حدّد علماء الآثار تاريخ النقش بعام (270 م أي إلى الفترة ذاتها التي كان فيها أذينة في تدمر . إن الحقبة التاريخية التي تدور فيها أحداث المروية والأسطورة بين ( 226 – 261 م) هي فترة اضطراب في الشرق بأسره مع صعود الساسانيين في فارس بزعامة أردشير بن بابك ؛ ففي أعوام ( 253 – 260 م) وفي أثناء المعارك الطاحنة بين الفرس والروم تمكن سابور ملك فارس من إلقاء القبض على الإمبراطور الروماني فاليران ، بيد أن أذينة ملك تدمر القويّ نج ح في إعداد هجوم كاسح لتحرير الإمبراطور الروماني وتمكن من إلحاق الهزيمة بسا بور ، الذي فرّ من المعركة ؛
عدد الصفحات ٦٧الأمر الذي شجع الرومان على منح الملك العربي لقب (إمبراطور الشرق . هذه بإيجاز شديد ملامح (بطلي) المروية (والأسطورة) كما قدّمها الطبري والمسعودي وسواهما من الإخباريين العرب ، بقي أنْ نعرف أن أذنية قتل على نحو غامض ومجهول حتى اليوم ؛ في تدمر نحو عام (266 – 267 م) مع ابنه(هِرُدُت) ، بينما قتل جذيمة على نحو غامض أيضا ، في الحيرة نحو عام (271 م لقد خلط الطبري على نحو مأساوي ، بين جذيمة الأبرش ملك الحيرة في العراق ، وأذينة ملك تدمر من أعمال الشام وظنّ خطأ أن الزبّاء ، قتلت جذيمة في تدمر ؛ وأنّه كان ضحية خدعة ؛ والعجيب في الأمر أن الخدعة جرت على أساس وجود عرض للزواج ، بينما نعلم أن الزبّاء هي زوجة الملك القويّ أذينة ، في الواقع لا يمكن لوم الطبري على هذا الالتباس ، وإن كنّا ننقد الخلط الذي وقع فيه ، ذلك أن اسم "جذيمت" كان محيرا حتى لعلماء الآثار ، ولا تزال الخلافات قائمة بشأن نقش (أم الجمال) وأسباب وجوده في هذا المكان ، من الشام ، مع أن جذيمة هو ملك الحيرة في العراق فهل كان مُ لكه يمتد حتى جنوب بصرى ؟ ، أم أنه جاء زائرا ؟ ، ولكن وكما مزج الطبري بين جذيمة وأذينة ، فقد جرى دمج مماثل بحيث صارت الزباء زنوبيا ، وهذا خلط مأساوي من درجة شديدة ومثيرة حقا . لقد اختلق الطبري ، على غرار آخرين ، شخصية الزبّاء ، التي لا وجود لها ، لا في هذا العصر ولا في التاريخ ، وهذا ما سنحاول تحليله تاليا . إن هذه الزبّاء ، التي عدّها كتّاب التاريخ العرب ، من المعاصرين ، خطأ زنوبيا ، ليست سوى الملكة العربية التي قاومت تغلتبلصر الثالث (727 – 744 ق. م وعرفت في السجلاّت الآشورية باسم "زا بي بي ي " ، والتي ظلّت أساطيرها وأخبار أسرها شائعة بين القبائل ، ولا بد أن هذه الأساطير قد اختلطت بأساطير ملكات أخريات ، تماما كما اختلط اسم "زا بي بي ي" ، أو زبيبة ، باسم زنوبيا ، ومعلوم أن تغلتبلصر الثالث أسر هذه الملكة في إحدى حملاته الحربية ، وقد افترض ألواز
عدد الصفحات ٦٨موسلAloise Musil) أن "زا بي بي ي " كانت ملكة في دومة الجندل ، وتقع في منطقة الجوف الحالية في المملكة العربية السعودية حيث الحصن الشهير المعروف باسم الأبلق . ومّا يعزز قراءة الاسم زبيبة "زا بي بي ي" لا زنوبيا ، أن الطبري أورد الاسم داخل نصّه في صورة (زبيبة) شقيقة الزبّاء ، وجعلها ملكة غربي الفرات لا في دومة الجندل ، إن هذه الإشارة تشير إلى استعادة "لا واعية" للمرويات القبلية المتواترة ، الشفهية ، عن حروب هذه الملكة للآشوريين ، ملوك العراق القديم ، حيث تمَّ دمجها بحروب زنوبيا ملكة تدمر ، تلقائيا ، كما تمّ ، في السياق ذاته ، دمج صورتي الملكين جذيمة وأذينة . تكشف هذه الاستعادة ، برأينا ، عن وجهٍ من وجوه الحقيقة التاريخية المشوّشة في مرويات الطبري ؛ فالأسطورة لا تدور في مدينة تدمر وفي عصر ملكتها العظيمة زنوبيا ، بل في مكان آخر ، غرب الفرات ، كما يحدّثه الطبري حيث حكمت هناك ملكة تدعى زبيبة ، ويبدو أن أحد ملوك الحيرة 16 القدامى دخل معها في حروب انتهت بمصرعه ، وقد اعتاد الإخباريون المسلمون - بفضل مروية الطبري - على مماهاة اسم زنوبيا باسم الزبّاء ومعاملتهما على أنهما اسم واحد وعلى جري هذا التقليد قام كتاب التاريخ المعاصرون ، من دون أدنى احتراس أو تدقيق ، بمطابقة مطّردة للاسمين ، في محاكاة مثيرة للدمج غير الخلاق الذي قام به الطبري في مروياته عن تاريخ الحيرة وتدمر ، وهكذا اعتاد الكتاب العرب كتابة اسم الزبّاء في كلامهم عن تدمر ، اعتقادا منهم ، خطأ ، أن زنوبيا والزبّاء هما شخص واحد؛ وهذا غير صحيح . تقوم أسطورة الطبري بخداع متلقيها على مستويين : 1) حين تطلب إليه قبول حادث اغتيال أذينة ، الغامض ، في تدمر عام266 – 267 م) على أنّه هو نفسه ، حادث اغتيال الزبّاء جذيمة الأبرش ملك الحيرة ، في 16
عدد الصفحات ٦٩تدمر أيضا . أيأنْ نتقبل رواية ذبح جذيمة بعد مكيدة أعدّتها الزبّاء ، وهذا ما لا دليل مؤكدا عليه ؛ بينما يمكن لنا ، على العكس من ذلك ، أنْ نتقبل فرضية موت أذينة الملك على يد زوجه زنوبيا (ذبحه بعد استدراجه) . 2) حين تطلب إليه تصوّر الزبّاء على أنها هي ذاتها زنوبيا ملكة تدمر ، وهذا أمر لا يبدو معقولا . ولذلك يمكن عدّ مروية الطبري وأسطورته نموذجية على صعيد فهم الطريقة التي يتشكل فيها رجع الصدى التاريخي للمرويات القديمة الشائعة بين القبائل ؛ وهذا ما سنحاول إيضاحه في الفقرة التالية : كانت "مشيخة" الزبّاء أو "زا بي بي ي" الصغيرة على الفرات الغربي ، كما يؤكد الطبري ، وفي عصر تغلتبلصر الثالث ، تعيش تو ترا واضطرابا مستمرا في علاقاتها السياسية مع جارتها مملكة الحيرة "حيرتا" ، وسيكون تاريخ هذا التوتر العسكري والسياسي بين "المشيختين" القبليتين ، مفهوما إذا ما وضع في إطار الصراعات التقليدية بين الممالك القبلية العربية في البادية العراقية والسورية ، لأن إ حداهما أسسها اللخميون والأخرى بقايا العماليق ، وهو ما يشرح سرّ إلحاح الطبري والمسعودي على القول إن جنود الزبّاء من بقايا العماليق ، فلو كان المقصود حقا ، جنود تدمر ، لما كانت هناك حاجة إلى القول إنهم من بقايا العماليق . وثمة أمرُ آخر من شأنه أنْ يوضح هذا الالتباس إذ و رد في جميع المرويات القديمة والإسلامية ، مثلا عند كل من البكري ، صاحب "معجم ما استعجم" وياقوت الحموي "معجم البلدان" ، وكذلك عند المسعودي والطبري وابن الأثير وسواهم ، إنّ الزباء هي "ابنة عمرو بن الظرب العماليقي" ؛ وهذا نسب مختلق ولا وجود له في شجرات الأنساب العربية - إضافة إلى ذلك - لا صلة له بنسب زنوبيا التدمرية ، التي اختلف القدماء أصلا في جذورها العربية ، حتى إن المسعودي ، شك بنسبه وزعم في مؤلفه "مروج الذهب" أنها "رومية تتحدث العربية" .
عدد الصفحات ٧٠فضلا على هذا كله ، فإن كل الإخباريين القدماء والمسلمين يردّدون الزعم بأن "تدمر سميت نسبة إلى تدمر بنت حسان بن أذينة العماليقي" ، وهي مزاعم يستحيل التحقق منها تاريخيا ، ولكن يمكن معالجتها أسطوريا ، هذا الاضطراب والتشوش والتضارب في ردّ أصل اسم الملكة والمدينة إلى نسب مقبول ، مردّه في واقع الأمر ، أن المقصود به الملكة القبلية الزبّاء لا زنوبيا ، ويبدو أن كلمة تدمر هذه كانت مصدر (التباس قديم) عند العرب ، فهي النطق الآرامي لكلمة (تمر) العربية : "تتمر" ، تدمر ، ونحن نعتقد أن أصل الكلمة هو تثمر ، من الثمر ، ثم خُففت الثاء تاء (مثل ثامر ، تامر) ، وذلك لصلة الاسم بوجود واحة كثيفة النخيل ، وثمة سبب مقبول لافتراض هذه الصلة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن الرومان أطلقوا على تدمر اسم (بليمرا / Plamyral) المشتقة منPalma) ، بمعنى : النخيل ، ما يعني أن الرومان أدركوا معنى الاسم القديم (تدمر) حين قاموا بمكافأته بكلمة لاتينية . لكن هذا الاسم يمكن أنْ يكون لفتاة ، تماما كما زعم الإخباريون القدماء . ففي سفر التكوين (11 /38 – 26 /37) يرد اسم تامار ، كِنّة يهوذا ، وهي صيغة "عبرية" من الاسم تمر ، ويبدو أن العرب العاربة عرفت هذا الاسم (تامار ، تمر ، تتمر) وربطت بعض مروياتها القديمة بين بناء المدينة والنبيّ ، الملك ، سليمان (ع) ، حتى إن النابغة الذبياني ، وتحت تأثير هذا الالتباس ، أعاد في قصيدة شهيرة رواية أسطورة بناء تدمر قائلا : إلاّ سليمان إذ قال الإله له قم في البرية فاصددها عن الفند وخيّس الجنّ إنّي قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد من هذا كله يتضح أن مزاعم وجود تدمر بنت حسان العماليقي قد تتصل بالطفولة البعيدة للمدينة ، أي بمزاعم ما قبل ظهورها على المسرح التاريخي ؛ من ثم فإن المروية تنصرف إلى غربي الفرات لا إلى تدمر الرومانية .
عدد الصفحات ٧١وبالالتفاتإلى مصادر ا لنص الأسطوري نرى أن ثمة ثلاث أس س استند إليها منشئ النص الأسطوري ، الذي نقله الطبري ، وقام بروايته تارة ، خبرا تاريخيا ، وتارة أسطورة . 1) الشائعات التي راجت في تدمر في عام 266 – 167 م) عن قيام زنوبيا بتدبير حادث اغتيال زوجها وابنه ، من ضرتها ، هيرُدُت ، وقد ظل الحادث غامضا ، ولكن الشائعات استمرت في ملاحقة زنوبيا ، ويفهم من جملة أفكار في هذا الصدد ، أن زنوبيا كانت صاحبة مصلحة كبرى في موت أذينة ليتسنى لولدها وراثة عرش والده ؛ ويبد و أن هذه الشائعات طافت الأرجاء وتردّدت بين القبائل العربية . وعندما وقع ، بعد نحو ثلاث سنوات فقط من هذا الحادث ، أي في عام (271 م) ، حادث مشابه هو موت جذيمة الأبرش على نحو غامض حيث صعد إلى العرش في الحيرة الملك الشاب عمرو بن عديّ ، وهو ابن أخت جذيمة ، جرت مماهاة بارعة ولكن مثيرة للشكوك : لقد تمَّ الدمج بين حادثي الاغتيال وصوّرا حادثا واحدا مسرحه الكبير تدمر . كان عمرو بن عديّ "برّ عديّ في التلمود" بمنزلة ابن لجذيمة ، الذي يزعم أنه كان كاهنا عقيما ، وقد نصّبه الفرس ملكا على الحيرة . وقد ارتأى بروكلمان ، في مؤلفه "تاريخ الشعوب" أن سابور الأول (241 – 272 م) هو الذي فرض عمرو بن عديّ ملكا على العرب في الحيرة ، لقد كان موت جذيمة الأبرش غامضا ، والأسطورة التي يرويها الطبري تدفع إلى الاشتباه بوجود مؤامرة ؛ ولذا فإن الخبر يتضمن إمكانيات غير محدودة لدمجه مع خب ر اغتيال اذينة وتنصيب وهب اللاّت ، القاصر ، حيث احتفظت
عدد الصفحات ٧٢زنوبيا بحق الوصاية، إن شائعات تدمر ، في هذا الوقت ، كانت كلها تصبّ في مجرى واحد : المرأة الجميلة والمثقفة زنوبيا قتلت زوجها أذينة ؛ وهذا ما يفسر سرّ طلب الزواج الذي عرضته الزباء على جذيمة ، إذ رمزيا تكون الزباء قد ذبحت زوجها ، على أنّ بعض الشائعات كانت تذهب إلى أبعد من ذلك وتقول إن الرومان هم الذين دبّروا حادث الاغتيال للتخلص من ملك قويّ وطموح في عصر مضطرب هذه فرضية مقبولة ، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار مخاوف الرومان من طموحات "إمبراطور الشرق" أذينة المنتشي بقهر الفرس ، وإذا صحّت هذه الفرضية فهذا يعني أن فارس استعجلت هي الأخرى تغيير تبديل رجلها في الحيرة ، فدبّرت حادث قتل غامض لجذيمة اتساقا مع ما قامت به روما . 2) كانتأسطورة طروادة وأحصنتها معروفة جيدا بين القبائل ، كما يبدو من نصّ الطبري ، وهو امرٍ م مكن نتيجة انتشار الثقافة اليونانية ، لذا جاءت أسطورة جذيمة محاكاة لأسطورة (حصان طروادة) ، إذ بدلا من الحصان الخشبي كانت هناك قافلة إبل فالأسطورة اليونانية تقول : إن أبطال اليونان اختبؤوا بأسلحتهم في جوف حصان خشبي كبير أعدّه أغاممنون الملك بناء على اقتراح الكاهن كالشاس ، وحين دخل الحصان الخشبي طروادة ، قام لاوكون بضرب بطن الحصان بحربةٍ كانت في يده ليتأكد من أن جوفه فارغ (وهذا ما فعله حارس تدمر النبطيّ حيث ضرب بمنخسةٍ كانت في يده الجواليق المليئة بالفرسان) . وكما تقول الأسطورة الإغريقية فقد أدّى الجاسوس سيتون دورا حاسما في إقناع حاكم طروادة بإدخال الحصان الخشبي (وهذا ما قام به الوزير قصير بين سعد) .
عدد الصفحات ٧٣3) أما المصدر الثالث في إنشاء الأسطورة العربية فهو مشهد موت كليوبطرا ، الذي تمت استعارته ، وهو مصّ الخاتم المسموم ، وهناك اعتبارات عدّة أملت هذه الاستعارة تندرج كلها في سياق مزاعم الإخباريين العرب عن وجود أصل عماليقي للزبّاء ، وهم يفترضون أنها زنوبيا : أ) إن زنوبيا كانت تقول عن نفسها إنها من أصول مصرية ، وهذا أمر شائع وقد ردّدته المرويات التاريخية . ب) إن العماليق كانوا ، ذات يوم بعيد ، حكاما في مصر نحو عام (1750 ق.م) أي إنهم كانوا مصريين وهكذا تمت مطابقة من نوع آخر : بما أن الزبّاء من أصول عماليقية ، فهي إذا مصرية ، وإذا ، مرة أخرى ، فإن زنوبيا التي تقول عن نفسها إنها مصرية ، إنما هي الزبّاء ! ، وهكذا تمت استعارة مشهد موت كليوبطرا بالسمّ في م صر إثر هزيمتها أمام الإمبراطور الروماني ليكون مشهدا ، جليلا ، مهيبا ، يتناسب مع موت مهيب للزبّاء ، التي تُركت في أسطورة الطبري وهي تموت بمصّ السمّ من الخاتم ، تماما كما فعلت كليوبطرا ، بينما نعلم من التاريخ أن زنوبيا ماتت في روما بعد أنْ أُ خذت إلى هناك أسيرة ذليلة . إنّ مروية الطبري عن موت جذيمة الأبرش في تدمر ، تتضمن ما هو أبعد أثرا من الخلط والالتباس فقط في الأسماء والمواضع ، إنها تتضمن رجع صدى التاريخ الغابر والأسطوري وقد تردّد في أرجاء عالمنا المعاصر في صورة مرويات ملتبسة يراد لنا أنْ نصدّقها كحقائق تاريخية ، ومن دون أدنى شك فإن نقد النص التاريخي لن يكون ممكنا من دون معالجات رصينة لما يبدو أساطير غير قابلة للتصديق .
عدد الصفحات ٧٤قد تكون شهرة تدمر وطغيانها على جمع الممالك العربية الصغيرة والقديمة سببا رئيسا في تصوّر القدماء لكل مملكة مزدهرة على أنها تدمر ، تماما كما طغت شهرة "زا بي بي ي" أو زبيبة ، الملكة العربية الشجاعة التي قاومت الإمبراطورية الآشورية ، على جميع الملكات القبليات حيث صارت كل (ملكة عظيمة) هي الزبّاء ، ولكن المهم أنْ نتمكن ، في النهاية ، من وضع التخوم بين ما هو خبر تاريخي عنها أو أسطورة تناقلت القبائل روايتها جيلا بعد جيل . على هذا النحو جرى ويجري في التاريخ دمج متتابع ومثير للصور .
عدد الصفحات ٧٥(4) حروب الإسكندر المقدوني وأسطورة زرقاء اليمامة في الأساطير العربية القديمة ، كما في الأساطير الإغريقية ، ثمة حاجة إلى نبوءة كاهنة أو كاهن ، لكي تتحقّق المأساة ، إنّ العنصر الأهم في (التراجيديات) العربية القديمة والإغريقية متماثل جدا : يقف الكاهن ليعلن أن الكارثة ستقع ، ثم إثر ذلك ، يطلب إلى الجميع أنْ يستعدوا لملاقاة الحدث ، ولكن ، ولأجل أنْ تتحقق المأساة ، لا بد من صدود جماعي عن النبوءة ؛ عدم تصديق ، وربما تشني ع بصاحبها . بعد ذلك مباشرة تحدث المأساة . في إطار هذا التصوّر تقع أسطورة زرقاء اليمامة ، الأكثر شهرة في التراث الشعبي العربي القديم والحديث ، والتي روتها ، مرارا وتكرارا ، كل الموارد العربية والإسلامية بوصفها جزءا عضويا من مروية تاريخية عن حرب دارت ، ذات يوم ، بين طسم وجديس وهما من قبائل العرب البائدة . وقد روى الطبري والمسعودي وياقوت الحمويّ هذه الأسطورة في سياق أخبار تاريخية عن حروب القبائل ودور اليمن القديم في تثبيت الحكام القبليين ونادرا ما ترسبت في ذاكرة المتلقين فكرة أن أسطورة زرقاء اليمامة تخصّ فعلا قبيلتين عربيتين خاضتا حربا طاحنة ، وأن اليمن مالبثت أدّت الدور الحاسم في تحديد المصير التاريخي لهما . كانت جديس ، حسب المروية التاريخية لكل من الطبري ، وأبن الاثير ، والمسعودي ، خاضعة لحكم طسم ، وكان أحد ملوكها يدعى عمليق المتحالف مع سبأ ، ويبدو أنّ ه استنادا إلى الأسطورة ، تمادى في قسوته وظلمه ، حتى إنه فرض
عدد الصفحات ٧٦على جديس أنْ تزفّ إليه كل عروس قبل زفافها وأنْ "لا تتزوج بكرٌ من جديس حتى تدخل عليه فيفترعها قبل زوجها" . تستطرد الأسطورة وتقول إن ثائرا من جديس على حكم الملك عمليق ، دبّر عملية اغتيال ناجحة للملك وحاشيته وأتباعه ، ما مكّن قبيلته من فرض سيطرتها على القبيلة المنافسة طسم ، لكن رجلا من القبيلة المهزومة فرّ إلى اليمن طالبا النجدة من ملكها أسعد تبّان بن ملكيكرب ، الذي سيَّر حملة عسكرية لتأديب جديس على تمردّها وإعادة السلطة إلى طسم ، وكانت الحملة بقيادة ابنه تبع (حسّان) ، الذي سارع إلى تنفيذ المهمة . فسار تبّع في جيوشه حتى قرب من جوّ ، وهو اليمامة . فلمّا كان على مقدار ليلة منها عند جبل هناك ، قال رياح ، اسم الرجل الفارّ جديس يقال لها يمامة وهي أبصر خلق الله على بعد ، فإنها ترى الشخص من مسيرة يوم وليلة ، وإني أخاف أنْ ترانا وتنذر القوم ، فأقام تبّع في ذلك الجبل ، وأمر رجلا بأن يصعد الجبل فينظر ماذا يرى ، فلمّا صعد ، دخلت في رجله شوكة ، فأكبّ على رجله يستخرجها فأبصرته اليمامة وكانت زرقاء العين ، فقالت عينا فقالوا لها : ما يصنع ؟ . قالت: إما يخصف ن علا أو ينهش كتفا . فكذبوها . ثمّ أن رباح ، من قبيلة طسم المهزومة ، قال للملك : مُرْ أصحابك ليقطّعوا من الشجر أغصانا ويستتروا بها ليشبهوا على اليمامة وليسيروا كذلك ليلا .
عدد الصفحات ٧٧فقال تبّع : أو في الليل تبصر مثل النهار ؟ قال : نعم أيها الملك ، بصرها بالليل أحدّ . فأمر تبّع أصحابه بذلك فقطّعوا الشجر وأخذ كل رجل بيده غصنا حتى إذا دنوا من جو ليلا نظرت اليمامة فقالت : يا آل جديس ، سارت إليكم الشجراء أو جاءتكم خيل حمير . فكذّبوها . فصحبّتهم حمير واستباح حسان جديس وقتّلهم وسبى صبيانهم ، ثم دعا باليمامة ، بنت مرّ ، فأمر فنُزعت عيناها ، فإذا في داخلها عروق سود ، فسألها عن ذلك ، فقالت : حجرٌ أسود يقال له الإثمد كنت أكتحل به ، وكانت هي أول من اكتحل به فاتخذه الناس بعد ذلك كحلا ، وأمر الم لك باليمامة فصُ لبت على أبواب جوّ وقالوا : سمّوا جوّ باليمامة . على غرار تقليد ثقافي قديم ونموذجه الإغريقي (الإلياذة) ، كان شعراء الجاهلية يقومون بإعادة صياغة شعرية للمآسي التاريخية ، لا لأن الأقاصيص والخرافات والأساطير والمرويات المتناقلة تستهوي هؤلاء ، وإنما لأن الشعر كان في الأصل نثرا قصصيا حكائيا قبل أنْ يستقل بنفسه عن النثر الحكائي وينفصل عنه ، ويبدو أن أسطورة زرقاء اليمامة شغفت قلوب هؤلاء طويلا ، حتى أن الأعشى قام (روايتها) شعريا ، على الطريقة الهومِريّة : إذ أبصرت نظرةٌ ليست بفاحشةٍ إذ رفّع الآل رأس الكلب فارتفعا قالت أرى رجلا في كفه كتفٌ أو يخصف النعل لهفا آية صنعا
عدد الصفحات ٧٨فكذّبوها بما قالت فصبّحهم ذو آل حسّان يزجّي السّمر والسّلعا فاستنزلوا آل جوّ من منازلهم وهدّموا شاخص البنيان فاتضعا من بين روا ة الأسطورة المحتملين هناك رجل له أهمية خاصة ، يدعى جبير بن الحسن ، وهو من أهل اليمامة ، بشهادة ياقوت الحموي وإسناده ؛ وسوف نرى ، فيما بعد أهمية كونه من سكان مدينة أو موضع ، يُعدّ الوطن التاريخي للأسطورة بإجماع الرواة ، لقد اختلف الرواة الفقهاء في تقدير أهم ية رواية جبير بن الحسن ، فقال عنه أبو حاتم السجستاني : إنّ أحاديثه لا بأس بها ، فيما ضعّفهُ النسائي . وهذا أيضا ، كما سنرى ، له أهمية فائقة في تفكيك وتحليل الخبر التاريخي والأسطورة على السواء . في بعض أنساق الخطاب الأسطوري العربي القديم ، يجهد سارد النّص في تأويل أو تفسير أسباب وبواعث وجود شعب (أو جماعة أو موضع أو ظاهرة أو حتى اسم من الأسماء الثانوية) ، إن فكّ رموز الاسم وتحليله ، هو في صلب وظائف الخطاب الأسطوري ، ولذا نجد أن جوّ تحولت إلى اليمامة ، ارتباطا بصلب فتاة من جديس اسمها يمامة ، أنذرت قومها بالم أساة القادمة فلم يصدقها أحد . ليس من المهم أو الضروري أنْ نسال : ولكن ، ما دام الملك اليمني قام بتعذيب الفتاة ثم قتلها وعلَّق جثتها على أبواب المدينة ، أفليس من المنطقي الاّ يسمي المدينة باسمها ؟ . هذا الإبهام في سلوك سارد النّص متعمّد ، غرضه الإحالة إلى رمزية الصلب والشعور بالإثم والندم ، ومع هذا لا بد من التساؤل عن سرّ الإحالة التي يقوم بها الخطاب الأسطوري إلى الكحل ؟؛ فما صلة الكحل بوجود عرق أسود في عيني الفتاة ؟ . يربط سارد النّص الأسطوري ، الذي ينقله الطبري بوصفه حدثا تاريخيا ، ويا للغرابة ، بين معرفة العرب الإثمد ، وهو الكحل ، ووجود فتاة زرقاء العين ، هذه الرابطة ستكون مفهومة إذا ما جرى النظر إلى الإثمد في إطار (عائلة مقدسة) من المواد
عدد الصفحات ٧٩التي امتلكها العرب في العالم القديم ، وهي البخور ، والمرّ ، واللبّان ، وجعلتهم من أغنى الشعوب القديمة ، ولأن هذه ا لمواد ارتبطت بالمعابد ، حتى أن روما كانت تشتكي من إرهاق ميزانيتها بسبب تكلفة بخور معابدها المستورد من جنوب غربي الجزيرة العربية ، فإن كل مادة منها هي مادة مقدّسة ، ولها منشأ عجائبي . هذه العجائبية تنبع من قلب المأساة . ويبدو أن ثمة رابطة أخرى ينبني عليها النّص هي العلاقة بين حدّة البصر ووجود الإثمد ، وإذا ما سرنا أبعد من ذلك ، فثمة صلة بين اسم الفتاة ، زرقاء وكلمة زُرّق ، التي تعني حدّة البصر ، وهنا بعض الملاحظات في هذا الصدد : 1) يتأسس هذا الجزء من الخطاب الأسطوري على قاعدة معتقد شعبي قديم لا يزال مستمرا في الراسب الثقافي الشعبي ، في مجتمعات العرب اليوم ، ومفاده أنّ الكحل يزيد من حدّة البصر أو يضاعفه ، ولذلك فإن مشهد نزع عيني الفتاة ، حيث يتكشف الأمر عن عروق سوداء هي الإثمد ، يتضمن تصورا قديما وأسطوريا عن النبات الذي سوف يتحوّل إلى كحل ، إنّه ، وطبقا لهذا المعتقد ، نبات في هيئة عروق سود هي سرّ البصر الحادّ ، والجميل بدلالة الزرقة . 2) حظيت كلمة زرقاء ، بعناية خاصة في اختيار سارد النّص فمادة زرق تعني ، النظر الحادّ ، القويّ ، وقد دار جدل بين الفقهاء العرب والمسلمين في المعنى الحقيقي الذي تنصرف إليه هذه الكلمة ؛ فقد فسّر ثعلب قوله تع الى : "ونحشر المجرمين يومئذ زرقا ) 17 بقوله : "زرقا بمعنى عطاشى" ، وقد اعترض ابن سيده على هذا التأويل التعسفيّ وارتأى أن المعنى ينصرف إلى 17
عدد الصفحات ٨٠