المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أبطال بلا تاريخ الميثولوجيا الإغريقية والأساطير العربية

غير معروف

صفحة ٤ من ١٦

على غرار أوديب اليوناني ، كانت (النضيرة) في الأسطورة العربية تقوم بمخالفة طبيعة الأشياء وتعرض على سابور إفشاء لغز المدينة لقاء الحب ، ولذا سوف ينتهي ذلك الانتهاك للفطرة بالعذاب والموت ، لنلاحظ أن حلّ الأحجية يقوم على مبدأ واحد أو قاعدة واحدة : سفك الدم ، وهذا هو الثمن الذي سوف تدفعه النضيرة بنفسها حين يكشف سابور هول خيانتها لوالدها . . رمزيا فإن المرأة الحائض هي المرأة التي تعرض دمها ثمنا للزواج ؛ إنها تسفكه لإتمام الزواج ، تماما كما هو الحال مع رمزية الدم في ليلة الدخلة . ولكن ما المغزى التاريخي من هذه الأسطورة التي عرضها علينا الطبري كجزء عضويٌ من مروية تاريخية عن حكم الساسانيين في فارس والعراق ؟ ، هل وجدت حقا ابنة ملك يدعى ، الضيزن ، كان اسمها (النضيرة) ، و إن سابور الملك الفارسي الوسيم ، عشقها بعد أنْ حاصر المدينة أربع سنوات ، و إنها ، أخيرا ، خانت والدها ؟ . بينما افترض جميع الإخباريين القدماء والمسلمين أن ملوك الدويلة العربية الحضر هم من قبيلة قضاعة ؛ وحده ابن خلدون انفرد في تاريخه بالقول : "إن المُلك في (الحضر) كان لبني عبيد بن الأبرص" ، لكن من دون أنْ يفسر لنا سبب هذا الزعم . لكن نُلْدِكِة (1836 – 1930 م) المستشرق الألماني العظيم ، الذي أشرف بنفسه على تحقيق تاريخ الطبري وقام بترجمة نادرة ورائعة للنص الخاص بالساسانيين أيضا شكك كلية برواية الطبري وأنكر ، في ضوء سلسلة من الأدلة والبينات التاريخية ، أنْ يكون سابور ذو الأكتاف قد حاصر مدينة الحضر ، أو أنها سقطت بيده . السبب ، برأي نُلْدِكِة ، أن المدينة سقطت قبل ذلك الوقت في يد والده أردشير عام (241 م) . هذه الرواية تعطي دعما لا حدود له للمرويات الإخبارية العربية التي نسبت الحصار إلى سابور الجنود (أو شاهبور الجنود) ، لا إلى (سابور ذي الأكتاف) إذ إن سابور الجنود هذا ، هو ترجمة عربية للكلمة الفارسية (أصبهند) أيْ

عدد الصفحات ٤٩

: الجيش . وسابور هذا هو ، على الأرجح ، أحد قادة الجيش الفارسي الذي قاد الحملة لتأديب الحضر وملكها لجرأته على تحدي النفوذ الفار سي وإقامة علاقات مع روما ، لقد روى الأعشى ( صناجة العرب ) خبر هذا الحصار في قصيدة شهيرة (الديوان) ناسبا الحادث إلى سابور الجنود ، أيْ واضعا الحملة العسكرية في إطار عهد أردشير لا عهد ابنه سابور ذي الأكتاف: ألم تر الحضر إذ أهله بنعمى وهل خالد من نعم أقام به شاهبور الجنود حولين تضرب فيه القدم يفهم من قصيدة الأعشى أن الحصار دام سنتين (حولين) لا أربع سنوات كما زعم الطبري ، وهذا ما يمكن أنْ يساهم في تقليص حدود الاضطراب في المرويات التاريخية العربية القديمة ، التي دمجت التاريخ بالأسطوري . من الواضح أن كلا من رواية نُلْدِكِة لحادث حصار الحضر وقصيدة الأعشى إنما تنسف الأساس الأسطوري الذي نهضت عليه أسطورة الزواج العجائبي ، ولكن من دون أنْ تدمّ ر إمكانية حدوث مصاهرةٍ في وقتٍ ما في منطقة عين تمر العراقية ، كان بطلها قائد عسكري فارسي (لعلّه شاهبور قائد الوحدة العسكرية الفارسية) ، أما فيما يتصل بالأساس الأسطوري للزواج العجائبي الذي انهارت لأجله وفي سبيله أسوار المدينة ، فإنه يقع في موضع آخر من الإطار التاريخي للحادث . في عام (1930 م) ثم1931 م) قامت بعثة ألمانية بحفريات مهمة في منطقة الحضر ونينوى (آشور) تمَّ فيها الكشف بجلاء ، لا عن الطابع الآرامي (العربي) القديم ونقوشه العديدة وحسب وإنما - وهذا هو الأمر الهام - عن الطابع (العربي – اليوناني) للمدينة – الدولة ، وهو ما يعزز حقيقة أن العلاقات بين الحضر وروما تخطّت حدود العلاقات العادية أو الطبيعية ، فالتلاقح (العربي – اليوناني – الروماني) أرسى أساسا جديدا للثقافة ، قد نجد بعض أصدائه في أسطورة زواج النضيرة هذه .

عدد الصفحات ٥٠

لدينا هنا ثلاث أساطير يونانية ، أستمد منها سارد الأسطورة العربية مادته الأصلية : 1) أسطورة ثيسيوس وأريان والمونيطور كانت أريان ابنة الملك مينوس ، لكنها وقعت في غرام عدوّها وعدوّ والدها ثيسيوس ، وبعد سلسلة من المغامرات تقوم أريان بإعطاء عشيقها الخيط (طرف الخيط الذي سوف يمكنه من معرفة طريق الخروج من المتاهة) ، بيد أن ثيسيوس سرعان ما يقوم بهجر أريان واحتقارها . 2) أسطورة نيزوس ملك ميغارا تقوم ابنة نيزوس الملك بإهداء عشيقها عدوّها وعدو والدها ، الخصلة السحرية التي تحمي الملك من الموت ؛ قامت سيلا ، ابنة نيزوس بقطع هذه الخصلة وتقديمها لعشيقها تعبيرا عن حبها له ما مكّ ن عشيقها من قتل والدها بيد أنه سرعان ما قام باحتقارها وهجرها 8 . 3) كوميثوابنة بيتريلاوس وقعت كوميثو ، وهي ابنة ملك جزيرة تافيوس ، في غرام أمفتريون الذي هاجم الجزيرة ، وكان والدها الملك خالدا بسبب شعرة ذهبية في رأسه . لذا قامت كوميثو بقطع تلك الشعرة وتقديمها لعشيقها الذي سوف ينتصر على والدها ، ولكن امفتريون بعد انتصاره ، لم يعترف بجميلها بل بادر إلى قتلها . 8

عدد الصفحات ٥١

هذا هو الأساس الأسطوري اليوناني ، الذي نسج منه الرواة أسطورة النضيرة ؛ وهذا الاسم ، برأينا ، كلمة تمَّ نحتها من الكلمة اليونانية (nisos) المستخدمة اسما للملك القتيل في ميغارا . يتبقى هنا شيء أخير لا بد من التذكير به ويتعلق بوظائف الأسطورة : إن القبائل العربية بروايتها لهذه الأسطو رة ، تكون قد روت - فعليا - فكرتها هي عن مسألة زواج الفرس المحتلين من عربيات بدويات ، وهو المطلب السياسي الذي طالما ألحّ ت عليه فارس لضمان ولاء القبائل لها ، وسعت لتحقيقه بكل الوسائل ، وقد دفع أحد أعظم ملوك الحيرة ، هو النعمان بن المنذر ، الأكبر ، حياته ثمنا لهذا الرفض حين سجنه الفرس وقتلوه في قصة مشهورة ، لقد كانت القبائل العربية مصممة على حرمان فارس من الارتواء من النبع الصحراوي إذ كانت مثل هذه المصاهرات ، كفيلة بتكبيل أيدي القبائل ا لطامحة بممالك ومشايخ مستقلة عن فارس ، وفي هذا السياق وظفت مسألة خيانة البنت والدها الملك ، على أكمل وجه ، لا للتعبير عن التفريط بصلات الرحم ، وإنما بدرجة أكبر وأشدّ وضوحا ، للتعبير عن المصير الذي سوف تلقاه كل عاشقة تقع في غرام عدوها .

عدد الصفحات ٥٢

(2) أسطورة قصر الخ ورنق وجزاء سنّمار صدى الأسطورة اليونانية في روايات الطبري وابن الأثير لماذا يجب قتل مْمت لِك السر ؟ ، ولماذا ينبغي أنْ يُرمى به من أعلى الجبل أو القصر ؟. تدور بعض الأساطير العربية حول الفكرة المحورية التالية : لكي ينجو الإنسان من القتل أو العذاب أو الطرد ، عليه ألاّ يمتلك سرَّا . عن أسطورة الخورنق العجائبية في مدينة الحيرة نحو عام ( 399 م) وهو القصر الأسطوري ، الذي طالما تغنى به شعراء الجاهلية ، وتناقل الرواة والهائمون في الصحارى والبوادي قصة بنائه المعمد بالدم ، تدور في نطاق فكرة (الثمن) لقاء امتلاك السر ، ذلك أن سنّمار المعماري الرومي (اليوناني) ، وهو شخصية لا وجود لها في عالم التاريخ المتحقق ويمكن الجزم بطابعها الخيالي ، دفع حياته ثمنا لامتلاك السّر . . سّر الخورنق ، الذي زُعم أنه بناه للنعمان بن امرئ القيس بن المنذر ، هذا السرّ السحري ، وغير القابل للتصديق يكمن في الآتي : إذا ما دفع المرء ، أو زحزح ، أو حرّك بإصبعه ، حجرا بعينه ، تداعى البنيان كلّه . تقول روايات الطبري "تاريخ سني الملوك" ، وابن الأثير "الكامل" ، وكذلك ياقوت "معجم البلدان" ، فضلا عن ابن حبيب "المحبّر" وصاحب "الأغاني" الأصفهاني ، وسواهم ، التالي : كان الخورنق قصرا بظهر الحيرة ، وقد اختلفوا في بانيه ، فقال الهيثم بن عديّ : الذي أمر ببناء الخورنق النعمان بن امرئ القيس

عدد الصفحات ٥٣

(..) ملك ثمانين سنة وبنى الخورنق في ستين سنة ، بناه له رجل من الروم يقال له : سنّمار ؛ فكان يبني السنتين والثلاث ويغيب الخمس (...) فلم يزل يفعل هذا ستين سنة حتى فرغ من بنائه . فصعد النعمان على رأسه ونظر إلى البحر تجاهه والب رّ خلفه ، فرأى الحوت والضبّ والظبي والنخل ، فقال : ما رأيت مثل هذا البناء قطّ ، فقال له سنّمار : إني اعلم موضع آجرةٍ لو زالت لسقط القصر كله . فقال النعمان : أيعرفها أحد غيرك ؟ ، قال : لا قال النعمان : لا جرم لأدعنها وما يعرفها أحد ثم أمر به فقذف من أعلى القصر إلى أسفله فتقطّع فضربت العرب به المثل . قال الشاعر : جزاني جزاه الله شرّ جزائه جزاء سنّمار وما كان ذا ذنب وكان النعمان قد غزا الشام مرارا (..) وبينما هو ، ذات يوم جالس في مجلسه في الخورنق فأشرف على النجف وما يليه من البساتين والنخل والجنان والأنهار ممّا يلي المغرب ، وعلى الفرات ممّا يلي المشرق والخورنق مقابل الفرات يدور عليه عاقولٌ كالخندق، ما رأى من الخضرة والنور والأنهار ، فقال لوزيره : أرأيت مثل هذا المنظر وحسنه ؟ . فقال الوزير : لا والله أيها الملك ما رأيت مثله لو كان يدوم . قال : فما الذي يدوم ؟ . قال : ما عند الله في الآخرة . قال : فبم ينال ذلك ؟ . قال : بترك هذه الدنيا وعبادة الله و إلتماس ما عنده .

عدد الصفحات ٥٤

إثر ذلك ، ترك النعمان بن امرئ القيس ملك الحيرة9 مملكته وساح في الأرض فلم يعثر له على أثر . يردّد بعض الإخباريين تأويلا للقب النعمان السائح مفاده أنه سمّي به "لأنه لبس المسوح وخرج متخفيا هاربا ولا يعلم به أحد ولم يقف على خبره الناس إلى الآن" ، هذا تأويل سطحي ، نجده عند جميع الإخباريين ، وسوف نرى تاليا أن لقب (السائح) الذي اتخذه النعمان بن المنذر قبل اختفائه عام (420 م) له صلة عميقة باعتناقه المسيحية . لكن رواية ابن الكلبي ، التي استندت إليها مرويات جميع الإخباريين المسلمين ، تعيد وضع مسألة بناء قصر الخورنق ، وقصة اختفاء الملك النعمان ، الثالث ، في إطار أقلَّ أسطورية وأكثر تاريخية . تقول الرواية : كان يزد جرد بن سابور ذي الأكتاف ملك فارس الطموح ( 399 – 420 م) ، وفي سياق سياسة جديدة لضمان ولاء القبائل العربية وخطب ودّها ، وربما الأستقواء بها في مواجهة التحدّيات الداخلية التي كانت تواجه الساسانيين ، قرّر إرسال ابنه البكر الأمير بهرام جور إلى الحيرة في العراق ليربّى هناك ويتعلم الفروسية واللغة العربية ، ولكي يتطبّب أيضا .. وكان بهرام جور ، الذي وصل الحيرة صبيا صغيرا ، يعاني من داء الاستسقاء فسأل والده الملك يزدجرد عن : "منزل صحيح من الأدواء والأسقام ليبعث بهرام إليه خوفا عليه من العلّة ، فأشار عليه أطباؤه أنْ يخرجه من بلده إلى أرض العرب ويسقى من أبوال ا لإبل و ألبانها ، فأنفذه إلى النعمان و أمره أنْ يبني له قصرا على شكل الخورنق ، فبناه له وأنزله وعالجه حتى برِئ من 9

عدد الصفحات ٥٥

مرضه ، ثم استأذن أباه في المقام عند النعمان فأذن له ، فلم يزل عنده نازلا قصر الخورنق حتى صار رجلا ومات أبوه يزدجرد" . وفي روايات أخرى ، ثمة تأكيد أن يزدجرد : "كان لا يبقى له ولد ، وقد لحقت بابنه بهرام جور في صغره علّة تشبه الاستسقاء" . الثابت تاريخيا أن النعمان الثالث هو الذي نصَّب ، بالقوة ، بهرام جور ملكا على فارس، حين اشتدت الصراعات الداخلية ، وبرز تيار في البلاط الفارسي يطالب بحرمان أسرة يزدجرد ، المسمى بالأثيم ، في الحكم ، كان لتدخل النعمان الذي جيّش القبائل العربية من خلفه ، الأثر الحاسم في صعود الأمير الشاب إلى العرش ، وهو أمرٌ ما كان لينسى من بهرام جور . لدينا ههنا أسطورة عن بناء قصر عجائبي يُرمى بانيه من أ على السور ليقتل لأنه يمتلك "سرّ" القصر" ، وخبر تاريخي عن إقامة أمير فار سي عليل في القصر المدعى أنه الخورنق ؛ وما بين الأسطورة والخبر ، ثمة قصة عن اختفاء الملك و فراره من الدنيا ، ز ا هدا بها وطمعا في عبادة الله . إنّ الأمر المحيّر حقا في هذه المرويات التاريخية ، حيث يمتزج الخطاب الأسطوري بالخبر التاريخي على نحو يصعب تفكيكه ، يكمن في الآتي : أين الحدود التي تكفّ فيها الأسطورة عن أنْ تكون متضمنة للتاريخ ؟ ، وأين يكفّ التاريخ عن أنْ يكون أسطوريا أو خياليا ؟ . إن مسألة اختفاء الملك النعمان الثالث ، الذي يعرف بالأعور ، كما يعرف بالسائح ، وتحوّله من الوثنية إلى المسيحية قد انتهت ، في المرويات التاريخية ، إلى تناقضات وتضاربات يصعب التوفيق بينها ، والمثير للاهتمام أنّ أحدا من الإخباريين القدماء لم يكلف نفسه عناء التدقيق في خبر اعتناق النعمان بن امرئ القيس المسيحية على المذهب النسطوري ، لكن الأسطورة تكفّلت بإعطاء تصوّر عن هذا التحوّ ل عبر روايتها حوار بين النعمان ووزيره .

عدد الصفحات ٥٦

يدور ذلك الحوار في نطاق الشعور بتفاهة الطمع في الدنيا الزائلة ، وفي نطاق الدعوة إلى الزهد والانصراف إلى عبادة الله ، (الوزير في الأسطورة هو أسقف الحيرة في المروية التاريخية) . إن تفكيك أسطورة (جزاء سنّمار) أو (بناء الخورنق) سيكون مفيدا للغاية في فهم أفضل للخبر التاريخي عن تحول النعمان إلى المسيحية ثم اختفائه ، أي في فهمٍ أدق وأعمق لتطور العلاقات الفارسية – العربية من جهة ، والصراع الفارسي الروماني على الحيرة ، التي هي أهمّ ممالك العرب ، في القرن الرابع والخامس الميلادي من جهة أخرى . لا يخبرنا الطبري ، ولا ابن الأثير ، وطبعا يكتفي ياقوت ، استطرادا ، بالصمت ، عن سرّ وجود معماري رومي (يوناني) في الحيرة ، من أجل بناء قصرٍ عجائبي لأمير فارسيّ عليل ، أرسل على عجل إلى البادية العربية للاستشفاء والتعلّم ؟ . إذا تقبّلنا ، ولغر ض التحليل ، فكرة وجود المعماري الروميّ المدّعى أن اسمه سنّمار في الحيرة ، فإن فكرة قتل ه يصعب تخيل وقوعها في عصر يزدجرد ، الذي اتسم بالسلام مع الروم ويوقف الاضطهادات المسيحية في فارس ؛ كما يصعب تخيّلها عند رجلٍ يوشك ، في الأسطورة ، أنْ يتحول إلى المسيحية دين القتيل . إنّ الإطار الصحيح والمناسب لتحليل الخبر التاريخي ، يتأسس على قاعدة فك الترابط بينه وبين أسطورة بناء الخورنق ، أيْ : فك الارتباط بأسطورة (جزاء سنّمار) برّمتها ، بوصفها أسطورة يونانية الأصل ، تّمت استعارتها في سياق سرديّة إخبارية عن ملك الحيرة في الواقع لم يكن هناك معماري رومي في الحيرة في عصر يزدجرد ، كما أنه لم يطلب من النعمان تشييد قصر لابنه العليل بهرام جور ، لأن القصر بني ، في الأصل ، كدار استراحة ، وقد أعدت لاستقبال الأمير الفارسي الصغير والعليل ، وثمة دلائل لا حصر لها على أن الخورنق كان في الأصل دار استراحة خاصة بالنعمان الثالث ، فكلمة "خرونكاه" الفارسية تعني : مجلس الشراب ، ومن

عدد الصفحات ٥٧

هذه الكلمة استنبط العرب كلمة خورنق ، التي اطلقت ع لى دار الاستراحة . يقول الأصمعي : "سألت الخليل بن أحمد الفراهيدي عن الخورنق ، فقال : ينبغي أنْ يكون مشتقا من الخرنق أي : الصغير من الأرانب" . جواب الفراهيدي لم يلق قبول الأصمعي ، الذي سوف يضيف : لم يصنع الخليل شيئا ، إنما هو من "الخورنكاه" بضم الخاء والقاف (يقصد الكاف لأنها تلفظ بالكاف لا بالقاف كما توهم الأصمعي) ، بيد أن مجلس الشراب هذا شهد ( انقلابا ) مماثلا في وظائفه مع تحوّل النعمان الديني وهذا ما يقوله بيت شعر منسوب لخداش بن زهير العامريّ : وذكّرته بالله بيني وبينه وما بيننا من مدّة لو تذكّرا وبالمروة البيضاء ثم تبالة ومجلسة النعمان حيث تنصّرا إن كلمة مجلسة ، التي استخدمها الشاعر في قص يدته ، شائعة الاستعمال في وصف قصر الخورنق والمثير في هذا التعبير العجائبي أنه يستخدم تارة للتعبير عن مكان مخصص للأكل والشراب واللهو ، وتارة للدلالة على مكان شهد انقلابا في حياة الملك حيث بات (مكانا ) مقدسا يقسم عنده الناس ، مثل (المروة البيضاء) وهي (ال لات) ؛ وهذا ما يجب أن يعيدنا إلى النقطة الحرجة التالية : هل كان قصر الخورنق ، في الأصل البعيد ، مكانا دينيا ، و إن تعبير (مجلسة) ينصرف إلى (الصومعة لا إلى مجلس الشراب والطعام) كما توهم الإخباريون واللغويون العرب ؟ ، هذا ما سوف يعيدنا ، من جديد إلى فهم مغز ى وجود شخصية المعماري الرومي في الأسطورة حيث يلقى به من أعلى القصر ليموت . لا شك أن الأسطورة اليونانية الأصل ، المعروفة باسم تروفونيوس ، هي المصدر الحقيقي الذي انبعثت منه الأسطورة العربية ، إن النتائج التي أسفر عنها بحثي في المادة الأسطورة لمرويات بناء الخ ورنق ، تقطع بوجود أصل يوناني قديم يقول : كان تروفونيوس معماريا شهيرا ، وهو ابن الإله أبولون من زوجه إبيكاستا . . قرّر تروفونيوس ، بالاشتراك مع اغاميد ، بناء معبد

عدد الصفحات ٥٨

أبولون في دلفي ، ولكن الأخير ، وبعد الانتهاء من بناء المعبد ، قام بقتل المعماري تروفونيوس ، لقد قام برميه من أعلى المعبد. إن المغزى الوحيد لوجود معماري روميّ في الحيرة وفي (مجلسة) النعمان ، التي كانت مكانا خاصا به ، ربما لعزلته وراحته (صومعته التي غلب عليها وصف : مكان الشراب والطعام) يمكن أنْ يُنظر إليه عبر الحاجز الشفاف للقتل ، ففي الأسطورة اليونانية الأصل ، والعربية ، ثمة معماري يوناني يرمى به من أعلى القصر أو المعبد لأنه يعرف السرّ ، وما يدعم البعد الديني القديم ويوطّده ، أن الحادث في الأسطورتين يرتبط بالعبادة والطقوس الدينية ، ففي دلفي لقي تروفيونيوس مصرعه بعد بناء المعبد ، بينما لقي سنّمار الروميّ في الحيرة مصرعه بعد الانتهاء من بناء (المجلسة) ، وهي كما رأينا ، مكان (تنصّر) النعمان ، أي : مكان تحوّله إلى المسيحية . كانت صلات النعمان الثالث بأسقف الحيرة (وهو عربي قحّ من بني الحارث بن كعب من ولد أوس بن قلاّم ، وكان أحد أجداده ، ذات يوم ، من مؤسسي مملكة الحيرة) ، ويدعى شمعون ، وطيدة وطيبة إلى درجةٍ تسمح بالافتراض أنه تلقى الهداية إلى المسيحية منه ، وطبعا على المذهب النسطوري ، الذي كانت فارس ترحب به على مضض ، بينما نظرت إليه روما بشيء من العداء ، إن بعض المصادر السريانية ، وكذلك المدونات الكنسية تشير إلى أن بهرام جور ، الأمير الفارسي العليل ، لم يتلق العلاج في الحيرة وحسب ، بل وتلقى الهداية إلى المسيحية أيضا ، هذه قد تكون من المبالغات ، إذ لا دليل مؤكدا على تحول بهرام جور إلى المسيحية ، فتحول أمير فارسي إلى المسيحية تفرضه مملكة الحيرة ، في وقت تالٍ ، ملكا على فارس ، وبالقوة العسكرية ، كان يمكن أنْ يؤدي إلى انقلاب تاريخي في العلاقات بين روما وفارس ، وهذا ما لم يحدث ، و لذا ، ثمة مقاربة أكثر جذرية لفكرة التحوّل الديني هذه ، فبهرام جور ، على غرار مضيفه الملك

عدد الصفحات ٥٩

العربي ، تلقى (دروسا ) في الدين المسيحي من أسقف الحيرة ، ولكنه لم يعلن تنصّره بخلاف النعمان الذي سوف يعلن اعتناقه المسيحية بعد نجاحه في تنصيب بهرام جور ملكا في فارس ، ثم ليعلن عزلته في (مجلسته) حيث لم يره أحد بعد ذلك قط . على غرار الإخباريين القدماء والمسلمين ، يدوّ ن صاحب "بلوغ الأرب" المروية التالية على اختفاء النعمان : إنّ هذا الملك ، وبعد أنْ مكث في الملك ثلاثين سنة ، كان جالسا يوما في هذا القصر ، فتأمل في الملك الذي له والأموال والذخائر التي عنده (..) فقال : لا خير في هذا الذي ملكته اليوم ويملكه غيري غدا (...) ، ثم زهد في الملك وأمر حجابه أنْ يعتزلوا عن بابه ، ولما جنّ الليل ، التحف بكساءٍ وخرج سائحا في الأرض ، فلم يره أحدٌ بعد ذلك . لقد روى الإخباريون المسلمون هذه القصة المؤثرة مرارا وتكرارا نقلا عن مرويات عربية قديمة دارت حول اختفاء النعمان الثالث بعد اعتناقه المسيحية (تنصّره) ، ويبدو أن الرواة قاموا في وقتٍ ما بدمج مطّردٍ بين الخبر التاريخي وأسطورة بناء قصر الخورنق من جهة ، ومرويات أخرى تخصّ اختفاء أحد أحفاء النعمان هذا ، وهو النعمان بن المنذر الملقب (أبي قابوس) ، نحو عام (602 م) عندما استدرجه الفرس إثر خلاف سياسيّ ودينيّ ، ثم قاموا بسجنه وقتله من دون تسليم جثته أو حتى الكشف عن طريقة اختفائه في فارس ، كان النعمان بن المنذر هذا ، وعلى غرار جده النعمان الثالث ، قد اعتنق المسيحية على المذهب النسطوري الذي كان شائعا في الحيرة . إن رواة وناقلي أسطورة (جزاء سنّمار) قاموا بدمج مدهش في الصور : لقد أحلّوا محلّ النعمان الثالث ، ملِ كا مسيحيا (نصرانيا ) آخر يدعى النعمان أيضا حيث

عدد الصفحات ٦٠

صارت قصة الاختفاء جزءا عضويا من الأسطورة ، بينما هي ، في الواقع خارج نطاقها . لا ريب في أن النعمان الثالث لم يختفِ بل أعلن عزلته وانقطاعه عن الحياة العامة والمُلك منصرفا إلى العبادة في صومعته (مجلسته) أيْ : داخل قصر الخورنق حسب منطوق الرواية التاريخية ، أما كلمة (سائح) التي صارت لقبا وفهمت خطأ على أنها تعني اختفاء النعمان أو سياحته في الأرض ، فهي تعني : الصائم ، وفي النص القرآني : "سائحات ثيبات وأبكارا " 10 ، وقوله تعإلى : "الحامدون السائحون 11 "12 الصائمون13 . ولذلك فإن النعمان السائح ، على غرار نبوعيد / نيونيد ملك بابل 539 ق م هجر ملكه بعد تنصّره ، وساح في الأرض ، أي : اعتزل وصام صوما مسيحيا ، لا بمعنى ضاع أو أختفى ، كما توهم الإخباريون . وهذا ما يعيد تذكيرنا بأسطورة عربية قديمة عن اختفاء عمرو بن عديّ وهروبه من خاله جذيمة الأبرش حيث عثر عليه نديمان جاءا لتسلية الملك . برأينا أن السائح ، لقب للنعمان اتخذه بعد اعتناقه المسيحية بمعنى الصائم أو الراهب ؛ وهذا من شأنه أنْ يضيف بعدا جديدا إلى الكلمة ولتوظيفها داخل الخطاب الأسطوري . في التاريخ والأساطير غالبا ما يترك الملوك مدنهم وممالكهم ويتجهون للتعبد في الصحراء ، (مثلا : آخر ملوك بابل نبوعيد / نبونيد الذي أقام في تيماء نحوا من عشر سنوات جاعلا منها عاصمة إمبراطوريته) ، ترى إلى أين يمكن أنْ يتجه ملك من ملوك الصحراء إذا ما قرر الانصراف إلى العبادة والانقطاع عن الدنيا ؟ . 10 11 12 13

عدد الصفحات ٦١

ليس ثمة أفضل من (مجلسة) أي : صومعة في الصحراء على هذا النحو تمَّ دمج مثل عربي قديم (جزاء سنّمار) بأسطورة يونانية تردّدت ، ربما ، في جميع أرجاء الجزيرة العربية إبان الحروب الفارسية – اليونانية (300 ق م) ثم جاء سارد إسلاميّ للنص الأسطوري ليضيف أخبارا تاريخية تخصّ النعمان الثالث والنعمان بن المنذر (أبا قابوس) ، جاعلا منهما شخصا واحدا ، ومن (سنّمار) الأسطوري شخصية تاريخية .

عدد الصفحات ٦٢

(3 ) الزبَّاء ليست زنوبيا أسطورة جذيمة الأبرش في مملكة الحيرة في روايته لأخبار مملكة الحيرة وملكها (الأسطوري) جذيمة الأبرش ؛ يقول الطبري (1 :439 : ) إن جذيمة الأبرش من العرب العاربة الأولى ، يعود نسبه على بني وبار بن أميم ، وكان من أفضل ملوك العرب رأيا وأبعدهم مغارا وأشدهم نكاية وأظهرهم حزما ، وأول من است جمع له الملك بأرض العراق وضمّ إليه العرب وكان به برص . واستطرادا في الدقة والوصف الموضوعي يضيف الطبري: وهابت العرب أن تسمّيه به ، أي : الأبرص ، وتنسبه إليه إعظاما فقيل : جذيمة الوضاع وجذمة الأبرش وكانت منازله بين الحيرة والأنبار و "بقّة" وهيت (..) . فكان جذيمة قد تنبأ وتكهّن واتخذ صنمين يقال لهما الضيزنان ، ومكانهما بالحيرة معروف ، وكان يستسقي بهما ويستنصر بهما على العدو . هذا التعريف المكثف الذي يعطيه الطبري لبطل مروياته الخاصة بالحيرة - نحو ثلاثة أميال إلى الجنوب من مدينة الكوفة الحالية في العراق - والتي يرد اسمها في التلمود البابلي في صورة : "حيرتا دي طيبة" ، وكذلك التحديد الدقيق للرقعة الجغرافية التي عاشت في كنفها هذه المملكة ، سيكونان ، لسوء الحظ ، قابلين للتدمير ، حين تدخل الأسطورة مصدرا من مصادر الرواية ؛ أي : حين ينتقل سارد النّص الإخباري من الخبر إلى الأسطورة .

عدد الصفحات ٦٣

إن قارئ نصّ الطبري ، يشعر ، كما لو أنّ منشئ النّص ، قد تخلّى فجأة عن دقته وموضوعيته ، وعما أجهد نفسه في تحديد : تاريخيا وجغرافيا ، وترك الحرية للأسطورة كي تقوم بتأسيس النّص وفقا لشروط إنشائها هي وذلك حين يباشر في سرد أسطورة الزواج ، الذي انتهى إلى خديعة ، ثم وقوع جذيمة الأبرش في أسر الزّباء في تدمر ، وحسب رواية الطبري ، فقد تمَّ استدراج جذيمة الأبرش ملك الحيرة إلى تدمر ، مع تحذيرات وزيره الداهية قصير بن سعد ، حيث جرى اغتياله هناك . إن التار يخ لا يعرف هذه الواقعة ، كما أنه يجهل وجود الوزير الداهية قصير بن سعد الذي ارتبط اسمه بالمثل الشهير (لأمرٍ ما جدع قصيرٌ أنفه) ، أو (لا يطاع لقصير رأي) ، فضلا عن أننا نجهل ، تماما ، حدوث حرب بين الحيرة وتدمر انتهت بأسر ملك الحيرة وقتله . المثير في مرويات الطبري هذه إشاراتها المتعدّدة إلى أن المكيدة بدأت إثر طلب للزواج تقدمت به الزبّاء من جذيمة ، وهذا غير معقول لأن الزبّاء ، إذا سلّمنا أن المقصود بهذا الاسم زنوبيا التدمرية ، كانت زوجة لملك تدمر الإمبراطور العربي أذينة . لذا لا بد أن هذه المروية تخصّ ملكة أ خرى تدعى الزبّاء ، كان جذيمة قد وقع في أسرها ، أو أنها طلبت إليه الزواج في سياق خدعة للثأر منه . سنقوم الآن بإعطاء نصّ مكثف عن أسطورة مصرع جذيمة الأبرش كما رواها الطبري "تاريخ سني الملوك" ، والمسعودي "مروج الذهب" . . تقول الأسطورة . إن جنود الزبّاء هم بقا يا من العماليق والعرب العاربة وكان لها أخت تدعى زبيبة ، وقد بنت لها قصرا على شاطئ الفرات العربي ، وكانت "تشتو عند أختها في بطن النجار ثم تصير إلى تدمر ، فلما استجمع لها أمرها واستحكم لها ملكها ، أجمعت لغزو جذيمة الأبرش تطلب بثأر أبيها" ، لكن زبيبة رفضت فك رة الحرب وحضّت

عدد الصفحات ٦٤