من تحطيم الأسوار والدخول منتصراإلى المدينة . قال له : إن لديها الأسرار التي تفكّ طلاسم الأسوار الحصينة ولكنها تري د مقابلا ثمينا ومساويا في القيمة ؟ ، فما كان من الملك الفارسي إلاّ أن وعدها بالزواج "وأنْ تكون فوق نسائه" ، وهذا ما حدث لقد قفل الملك الفارسي منتصرا وصرع الملك العربي ثم أعلن زواجه من النضيرة ، غير أن هذا الحب العنيف ، ثم الزواج ، سرعان ما انهار وه ج ر الملك الفارسي حبيبته ، ثم قتلها . إن تحليلنا اللاحق لهذه الأسطورة كما وردت في جميع الموارد القديمة ، وكذلك تحليلنا لمروية الطبري عن حملة شاهبور العسكرية على دويلة الحضر ، عبر شطرهما إلى شطرين ، (الأسطورة والمروية) ، أحدهما تاريخ والآخر أسطوري ، أنّ أخبار حرب طروادة اليونانية وأساطيرها كانت حاضرة بقوة داخل نص الطبريّ ، يبرهن على أن المروية الإخبارية الخاصة بحصار دويلة الحضر إنما جرى دمجها وتذويبها داخل أسطورة يونانية كانت متداولة ومعروفة في هذا الوقت من جانب سكان الحضر ، الذين عرف عنهم تأثرهم بالثقافتين ال فارسية واليونانية ، الرومانية . بكلام ثان : جرى دمجُ نهائي ومعقم بين مواد تاريخية خاصة بحملة شاهبور بن أردشير على مملكة الحضر ، وأسطورة طروادية تدور أحداثها حول حصار ضربه ملك أسطوري على ملك آخر ، وانتهى بغرام عنيف ثم زواج فموت (تراجيدي) للفتاة الخائنة . و لدينا في هذا النطاق ، كما سنرى ذلك تفصيلا عند تحليل الأسطورة ، سلسلةٌ من الأخبار والأساطير الإغريقية التي دارت ، في تنويعات مدهشة وشائقة أخرى ، حول حصار مماثل تعرضت له مملكة ميغارا ؛ ولنلاحظ هنا التماثل غير النادر ولكن المثير مع ذلك بين الكلمة العربية (مغارة) والكلمة اليونانية (ميغارا) التي تعني كهف ، تجويف صخري ، مغارة ... الخ ، بما يدعم تصورنا عن أصول وجذور
عدد الصفحات ٣٣عربية بدئية للأساطير الإغريقية ، مصدرها الحقيقي هجرة الشعب الفينيقي من شواطئ الخليج العربي إلى كريت ؛ كما ترتئي نظرية هِرُدُت التاريخية . هناك ، فضلا على فكرة الحصار الذي يفرضه ملكٌ على آخر ، فكرة الوقوع في غرام العدوُ ، بوصفها من المواد الأساس في الأدب اليوناني القديم ، بل وفي ثقافات شعوب المنطقة قاطبة ، وهي ، بوجه الإجمال ، مادة أدبية مثيرة للاهتمام في محمولاتها الرمزية الخصبة يمكن أنْ تعالج على نح و منفصل ، إن إحدى الأساطير الطروادية تدور في نطاق هذه الفكرة أيضا وهي أسطورة (ثيسيوس وإريان) : كان ثيس يوس أبنا لإله البحر الشرير بوسيدون (لاحظ بنية الاسم الغريبة على التراكيب اليونانية : بوسيدون ؟ . إنها تحيلنا مباشرة إلى الكلمة العريبة أب ، أبو ، وقد ولد من أم بشرية أيضا ؛ بينما كانت إريان أبنة مينوس بن زيوس ، (سنلاحظ عند تحليل هذه الأساطير صلة مينوس اليوناني بمنى العربي) وطبعا كان مينوس أبنا لأ مّ بشرية كذلك . تقول الأسطورة : بينما كان ثيسيوس بن بوسيدون داخل متاهة لا يعرف كيف يخرج منها ، وقعت عينه على إريان ، ابنة الملك مينوس بن زيوس ، فعشق بعضهما بعضا لم يكن الملك مينوس يعلم بوقوع ابنته إريان في غرام عدوّه ثيسيوس ، الذي كان يتخبّط داخل متاهة معقدة لا يعرف سبيلا للخروج منها . يبدو من الأسطورة أن مينوس والد الفتاة هو الذي وضع ث يسيوس في هذه (المتاهة) ، غير أن الحب الأعمى والطائش قاد الفتاة إلى أنْ تعطي لعشيقها (طرف الخيط) الذي سوف يقوده خارج المتاهة ، (وهذا هو مصدر المثل العاميّ الشائع عند العرب) . مع ذلك ، وبعد هذا الحب العاصف ، حدث ما لم يكن في الحسبان أيضا : لقد انتهى الحب إلى فجيعة إذ قام ثيسيوس بقتل معشوقته .
عدد الصفحات ٣٤في هذه الأسطورة لا يقوم ثيسيوس بقتل والد الفتاة ، الملك مينوس ، بل يبادر قتل الوحش المونيطور (وحشُ خرافي ، مثل الساطور ، وساتورن ، نجد صوره المتنوعة في الأساطير الإغريقية) ؛ وهذا ، كما سنرى ، هو البديل الرمزي من قتل (الأب) أو الملك فالقرين هو الذي يُقتل بالنيابة . . وهكذا ، فبدلا من (طرف الخيط) الذي تقدمه إريان لعشيقها ، عدوّ والده ، تقوم النضيرة ، في رواية الطبري للأسطورة العربية ، بإعطاء عشيقها الملك الفارسي أسرار الطلاسم التي سوف تحطم أسوار الدويلة المحاصرة ، لنلاحظ هنا ، كيف أن سارد النص الأسطوري العربي اكتشف دلالات قربى لغوية استنبط منها صوره وحلوله ؛ فكلمة خيط قادته إلى توليد كلمة مرادفة أو مقابلة أو ذات مبنى صوتي مماثل : (حائط) ، والأحجية الشعبية الشائعة عن هذه القرابات الصوتية معروفة (خيط ، خيط) ؛ ما يدل على أن س ارد النصر الأسطوري العربي ، الذي نقل الطبريُ عنه روايته ، من دون أنْ يسميّه بالاسم ، قام بإنشاء نصّه العربي المتوازي مع الأسطورة اليونانية انطلاقا من جوهر الفكرة ، أي : خيانة البنت والدها ، ثم موتها على يد عشيقها في سياق حرب وحصار دامٍ ، وهناك تماثل ظاهريّ بين فكرة المتاهة الطروادية والحصار الطويل والمضجر للمملكة البدوية ، فكلتاهما تشيران إلى المأزق الذي يتعين الخروج منه ، أي : هدم حيطان المدينة ، أسوارها ، عبر هدية تقدمها العاشقة . في منحى آخر من الدلالات تروي الأسطورة العربية ، على غرار ما تفعل الأسطورة اليونانية ، حكاية قتل الأب ، أو قرينه ، قتلا رمزيا يوصف ذلك الجزء الأهم والأكثر جذريّة من فكرة وجود تفريط بصلات الرحم ، أو ما يدعى في علم الن فس بـ (انتهاك القرابات الدموية) . وفي حالة الملك مينوس ، والد إريان العاشقة ، كما عرضتها الأسطورة اليونا نية ، فإن قتل الأب ثمَّ على نحو رمزي خالص ؛ إذ جرى قتل الوحش (المونيطور) قرين الملك ، بديلا من قتل الأب ، وهو ، هنا ، في هيئة ملك .
عدد الصفحات ٣٥هذه المادة العضوية في الأسطورة ، هي ، برأينا ، جوهر عقيدة قتل الأب كما جسّدتها أسطورة أوديب الملك ، وبذا تكون أسطورة زواج ا لنضيرة ، كما رواها الطبري ، تطويرا منهجيا بنكهة عربية خالصة للفكرة ذاتها ، ما يعني أن العرب ، مثل اليونان ، عرفوا أساطير قتل الأب ، أي : عرفوا نمطا موازيا من أنماط التفريط بالقرابات . إذا ما ذهبنا شوطا أبعد في البحث عن التماثلات داخل هذه الأساطير ؛ ع ن (الأبطال) الذين لا يملكون تاريخا حقيقيا ، ولكن مع ذلك يؤدون أدوارهم كأبطال ، فسوف نعثر آنئذ على مادة غنية ومدهشة تكشف عن نوع وشكل المحاكاة أو التنويع على الأصل ، تقول أساطير أخرى مأخوذة من النسيج ذاته : كان مينوس الملك يخوض حربا ضد نيزوس 5 الملك في ميغارا . وفي أثناء الحرب الدامية بين الملكين تقع سيلا ، ابنة نيزوس ، في غرام عدوّها وعدوّ والدها الذي كان طامحا للحصول على خصلة الشعر الذهبية والسحرية الموجودة في رأس الملك نيزوس لتحميه من الموت ، وحدث أنْ وقعت "سيلا" ضحية حبها الأعمى والطائش وقامت في أثنا ء الحصار الذي فرضه مينوس على الملك نيزوس ، بإهداء عشيقها الخصلة السحرية ، لقد قطعتها وتسبّبت في تعريض والدها ، الذي فقد عندئذٍ قوته وصار قتله سهلا ، للموت ، وهذا ما حدث فعلا إذ قام الملك المنتصر مينوس بقتل والد محبوبته الملك نيزوس وأعلن ، إثر ذلك زواجه من سيلا ، غير أن الأحداث سرعان ما اندفعت صوب (تراجيديا) عنيفة ومدمّرة بقيام مينوس بهجر سيلا وإعلان احتقاره لها لأنها خانت والدها ؛ وأخيرا بادر الملك المنتصر إلى قتل معشوقته . 5
عدد الصفحات ٣٦إلى جانب هذه الأسطورة ، شاع في الثقافة اليونانية القديمة تنويع موازٍ في هيئة حكاية عن كوميثو ، ابنة بيتريلاوس ، التي وقعت في غرام أمفتريون حيث مؤدى الأحداث يماثل الأساطير السالفة : قتل الحبيبة بعد خيانتها الأب ، وفي كل هذه الأساطير هناك فتاة عاشقة يبلغ عندها الحب والتعلق بالزوج درجة تندفع معها إلى خيانة والدها ، ولا شك في أن هذه الطقم من التنويعات الأدبية على الجوهر الأصلي للفكرة مصمّمة لداء وظائف متنوعة ، إرسال حزمة من الرسائل عبر سرديات شعرية تؤدي كل رسالة فيها غرضا محدّدا . إنّ فكرة خيانة البنت لوالدها سعيا للزوج ، وقيام الزوج في نهاية المطاف باحتقارها وهجرها ، ثم قتلها ، هي من الأفكار الشائعة في ثقافات العالم القديم ، مثل فكرة قتل الأب التي نجدها قاسما مشتركا في جميع الثقافات ، لقد دمجت مروية الطبري بين الخبر التاريخي الصحيح ، والخاص بالحملة الحربية التي نظمها الفرس ضد دويلة الحضر العراقية ، والتي انتهت ب ذمار الدويلة ومصرع ملكها ، و(أسطورة) زواج حدث خلال الحرب ؛ وهي كما رأينا أسطورة يونانية ، بحيث تعذّر على سارد الخبر (أي الطبري) التمييز داخل روايته بين نبأ الحملة الحربية الفارسية على الدويلة العربية ، وأسطورة قديمة ، فتخيلهما مادة واحدة ، ومع ذلك ، فإنه لمن العدل الإشارة إلى أنّ الطبري لم يكن هو مصدر هذا الدمج ، ولكنه بأسلوبه السرديّ المحافظ ، فاقم من قوته حين قام بتدوينه ، نقلا عن مدوّنات تاريخية فارسية ترقى إلى العهود الساسانية ، وعلى الأرجح فإن الطبري ، إمّا أنْ يكون قد استمع إلى الرواية ، أصلا ، من قصّاصين قبليين اعتادوا رواية هذا النوع من الأخبار (أخبار الأولين) ، أو أنْ يكون قد أطلع فعلا على أصل قديم مدوّن عند القبائل ؛ وهذا جائز لأن القبائل احتفظت في الواقع بسجلاّت لشعرٍ ومرويات وأنساب تخصّها ، وقد تكون فضاعة إحداها ، وهذا ما يؤيده الهمداني (الإكليل) الذي زعم أنه اطلع على أشياء من الأنساب المدوّنة ، ويؤيده كذلك الأ مدي (المؤتلف والمختلف) ، الذي يقول إنه اطلع على مدوّنات شعريةٍ قديمة تخص
عدد الصفحات ٣٧القبائل . ولذا فإن رواية الأعشى لهذه الأسطورة شعرا ، ربما تبدو قابلة لأن تدرج في إطار فرضيتنا عن وجود "أصل شعبي" قديم لرواية الأسطورة شعرا على غرار الملاحم الشعرية اليونانية ، وما لا شك فيه أن أسطورة (زواج النضيرة) ذات الأصل العربي تعكس تعبيرا مباشرا من تعبيراتٍ عدة ؛ عن نمط التوتر بين العرب والفرس بما صاحبه من تحالفات وتناقضات ملتبسة طوال عصور وعصور . . ومن بين أبرز مظاهر ذلك التوتر نفور القبائل العربية من مطالب الفرس بالزواج من عربي ات ، لقد كانت القبائل العربية ترفض رفضا قاطعا الإذعان لمطالبات ملوك الفرس المتعاقبين بالسماح لمثل هذه المصاهرات أنْ تتمّ بيسر وسهولة ، وهذا ما تجسده بدقة أخبار النزاع بين ملوك فارس والحيرة التي تعرف عند المطلعين على التاريخ بـ (بقر السواد) ، حيث ثار النعمان غاضبا على إصرار كسرى الزواج من العربيات ، ثم دفع حياته ثمنا لهذا الرفض ، الذي كان يتأسس منذئذ على إحساس القبائل العربية - بالفطرة - بان ما تنشده فارس من وراء هذه المصاهرات إنما هو ضمان ولاء القبائل نهائيا ، أي : تكبيل طموحاتها وتقييد نزعاتها إلى الاستقلال في ممالك ودويلات خاصة ، ولأجل منع الساسانيين وإحباط مخططاتهم في تثبيت النفوذ الفارسي في البداية العربية وتوطيده عبر الزواج من عربيات ، عمدت القبائل إلى التشنيع بكل (اقتراب) من هذا النوع ، حتى إن الإخباريين العرب دوّنوا واحدة من المرو يات المثيرة للجد ل ومفادها أن سيد تميم ، زرارة بين عدس التميمي ، أو أحد أبنائه ، ربما لقيط ، تزوج من ابنته بعدما دان بدين فارس المجوسيّ ، مع أن ذلك لم يكن صحيحا ، كما تشير كثرة من المصادر . بيد أن الإشارة إلى حدوث هذا الزواج المزعوم ، بما فيه من خرق محرمي ، هدفت إلى الإبلاغ عن سخط القبائل من كل استسلام لدين فارس أو سياستها في هذا الميدان ، وقد شاعت في الروايات القديمة أشعار عن هذا الزواج الذي سخر فيه الشعراء من دخنتوس ، ابنة لقيط ، أو حابس ، ابني زرارة ، حيث تمَّ الربط بين الزواج والمجوسية التي كانت مقيتة عند العرب .
عدد الصفحات ٣٨في هذا الإطار جاءت الحملة الحربية على دويلة الحضر التي كانت تنعم بالهدوء بفضل سياستها المتوازنة تقريبا مع جيرانها (وكلاء روما في الدويلات المجاورة) . وإذا ما دققنا النظر في الأخبار التاريخية الخاصة بحملة شاهبور بن أردشير ، التي درسها نُلْدِكِة بعمق ، فإن فكرة فرض الحصار على الحضر ستبدو مقحمة تماما إذ لم يكن هناك من الناحية التاريخية حصار طويل لأربع سنوات فهذه ، في واقع الأمر ، استعارة ذات شحنة أدبية غرضها توطيد وتعميق إحساس المتلقي للأخبار بأن الحرب كانت شديدة القسوة و إن الزواج الأسطوري قد حدث في قلب هذه (التراجيديا) ، إن لهذه الاستعارة قيمة وعظية أو أخلاقية عالية في إطار سياسة القبائل العربية تجاه مطالب الفرس ومؤداها : إن كل فتاة عربية تكسر هذه القاعدة أو تخرق الحظر ، هي فتاة خائنة لوالدها ، و إن زواجها سوف ينتهي بقتلها . مع ذلك يزعم الطبري أنّ الحصار على الحضر دام أربع سنوات (أو ثلاثا ) ، في حين تزعم الرواية الشعرية للأعشى أن ا لحصار دام سنتين ، لقد قامت القبائل ، عبر روايتها لأسطورة النضيرة هذه وطوال عهود التوتر مع فارس ، بتوظيف البعد الأخلاقي المباشر في الأسطورة (اليونانية ، والمعرّبة) بحيث تبدو كواقعة تاريخية وذلك من خلال تحذير العرب وتنبيههم إلى أهمية وضرورة التقيّد بشروط (الحظر الجنسي) على فارس حيث غدت كل فتاة عربية تحلم بالزواج من أمير فارسي وسيم خائنة ، مثل النضيرة ، وتستحق موتا مؤكدا على يد المحبوب ، وبذا جرى تثبيت من نمط آخر ، أدبيّ هذه المرّ ة ، لصورة النضيرة ، كما لو أنها شخصية تاريخية حقيقية . إنّ بعدا خفيا آخر من أبعاد هذا النفور العجائبي يمكن رؤيته في الإطار الديني للتوتر بين العرب وفارس ؛ فقد عنى القبول بهذا الزواج تسليما بدين فارس الرسمي ، وفي هذا الوقت (العصر الساساني) كانت مزدكية ، بينما كانت قبائل العرب تتجه ، في الحيرة ، صوب المسيحية على المذهب النسطوري .
عدد الصفحات ٣٩فضلا على أسطورة زواج النضيرة هذه ، هناك سلسلة من الأساطير العربية القديمة التي قدّمت لقرّاء التاريخ ، وباستمرار ، على أنها أخبارٌ تاريخية ، و إن أبطالها هم أشخاص عاشوا حقا هذه الأحداث . . من ذلك ، مثلا ، ما يعرف في كتب التاريخ العربي بـ (أبي رغال) 6 ، الذي يقدّم على أنه خائن ، وهي شخصية لا وجود لها في الواقع ، وإن ورد ذكرها ك ـ (خائن) في كتاب السيرة لابن هشام الذي انفرد برواية مختلفة لا أساس لها من الصحة . زعم ابن هشام في روايته لأسطورة أبي رغال ، في مروية مقتضبة ، وركيكة ، أن أبرهة الحبشي ، وبعد استي لائه على اليمن ، سيّر حملة حربية لتهديم الكعبة ، وأنه طلب إلى ثقيف في الطائف أنْ ترسل معه رجلا يدلّه على الطريق إلى مكة ، وأن هذا الرجل كان يدعى (أبا رغال) ، ولكنه مات في الطريق ، وقد بيّنا ، بأدلة قاطعة ، أن تاريخ العرب القديم لم يعرف قط ، رجلا بهذا الاسم ، عدا عن أنه كان دليل حملة (عام الفيل) لغزو مكة ، و إن هذه الشخصية هي من (مختلقات) ابن هشام وابن إسحق في السيرة النبوية ، فالموضع الذي توقفت فيه حملة أبرهة الحبشي لغزو مكة كان في منطقة الطائف ويعرف بـ (المغمس) ، وفي هذا الموضع أعتادت العرب - قديما - على رجم بقعة صغيرة فيه تدعى (أبا رغال) والرغل هو نبات صحراوي كان طعاما للحيوانات والبشر في زمن المجاعة الكبرى ، لقد كان الرجم بالحجارة معروفا قبل الحملة لأنه ممارسة طقوسية تتصل بالمجاعة وذكراها ، ولقد تخيل رواة خبر الحملة الحربية الحبشية ، حين سمعوا الأ سم ي تردّد في مجالس القاصين ، أن أبرهة الحبشي استعان بشخص يدعى (أبا رغال) فقاموا بتدوين الاسم . ثم جاء ابن إسحق ومن بعده ابن هشام ، في مدوناتهما عن سيرة النبي (ص) ليفاقم من درجة الخلط وشدّته بين الموضع والشخص فصيرّهما شيئا واحدا ، وهكذا تلقى قرّ اء التاريخ العربي خبر الحملة الحربية متلازما مع أسطورة عن خيانة "رجل" 6
عدد الصفحات ٤٠من العرب يدعى (أبا رغال) ، مع أنه من غير المنطقي أن تتطلب حملة حربية ضخمة شخصا واحدا دليلا ثم يموت فجأة ، بينما نعلم من مروية ابن هشام نفسه في (السيرة) أن القبائل العربية في الطائف ا نقسمت على نفسها ، لقد تحالفت معها بعض ثقيف ، بينما تصدّت لها قبائل أخرى ، وفي أجواء حرب ضخمة كهذه (احتلال الجزيرة العربية والذي أخفقت فيه أثينا وروما من قبل ، فضلا على فارس) فمن غير المنطقي أيضا أنْ تستدعي الأوضاع الاستعانة برجل واحد بينما القبائل تعرض خ دماتها ؟ ، على الأرجح أن مدوّن الأخبار القديمة تعمّد بعد انتصار الإسلام ، التستر على الأسماء الحقيقية للقبائل والزعماء الذين قدّموا خدماتهم للمحتل الحبشي ؛ وبعض أحفاد هؤلاء صارت له مكانة في الدين الجديد الذي كان يحضّ على منع التشهي ر ، فضلا على أن وجود شخصية خائن تُلقى عليه الجريمة كلها هو أمر في صلب (الأسطورة) . إنّ الجهاز السرديّ للأسطورة يعمل في اتجاه (مركزة) الذنب الجمعي في شخصية محورية ؛ وبكل تأكيد فإن ذنب (القبائل الخائنة) تمَّ صبّه في سبيكة واحدة هي (أبا رغال) . ومن بين المختلقات الأخرى الشائعة ما يتصل بأسطورة عزم حجر ، والد امرئ القيس ، على قتله حيث كلّف أحد أتباعه بتنفيذ الأمر بعدما زعم أن الشاعر شبّب (تغزل) بزوجات أبيه ، أو إحداهن وتدعى (فاطمة) (الأصفهاني : الأغاني) ، ولكن الرجل بدلا من ذلك ذبح بقرة وحشية واقتلع عينيها وقدمهما للملك على أنهما دليل قتل ابنه ، والسبب في ذلك كما قلنا ، تحرش الشاعر جنسيا بزوجة ابيه ، وهذه حرفيا هي الأسطورة اليونانية المعروفة باسم (ثيسيوس) الذي كان حانقا على ابنه هيبوليتوس ، هنا أشير إلى دمج نمط آخر في منظومة الصور غير التاريخية ، إذ إن أسطورة هيبولينوس هذا ، الذي يسعى الأب الملك إلى قتله ويتآمر عليه علنا ، هي كذلك المروية نفسها الخاصة بيوسف بن يعقوب المعروف في النصوص الإسلامية والقرآن بالنبيّ يوسف (ع) والتي سردتها التوراة كقصة تاريخية تدور
عدد الصفحات ٤١أحداثها في مصر وتخصّ سلالة بني إسرائيل. كما جاء القرآن الكريم على ذكرها في سورة يوسف 7 . تقول الأسطورة اليونانية كان الابن هيبوليتوس عرضة لابتزاز امرأة أبيه فيدرا ، التي وقعت في غرامه وعرضت عليه حبّها ، لكن هيبوليتوس رفض هذا الحب الحرام ، ولذا قامت (فيدرا) باتهام الشاب بمحاولة الاعتداء عليها جنسيا ، عندما سمع الملك ثيسيوس بذلك قرر أنْ يقتل ابنه هيبوليتوس وطلب إلى بوسيدون تنفيذ الأمر . تسير هذه الأسطورة ، التي تتضمن أصلا قديما لمرويتين عربيتين قديمتين ألهبتا خيال القبائل العربية هما مروية الشاعر الأسطوري امرئ القيس الذي غضب عليه والده الملك وطلب إلى حراسه قتله ، ومروية يوسف بن يعقوب الذي اتهمته زليخا ، امرأة عزيز مصر فوطيفار بالاعتداء الجنسي ، في اتجاه مغايرٍ ومختلف عن مسار أسطورة أوديب اليونانية الشهي رة ؛ ولنقل في اتجاهٍ يقلب الموضوعة المركزية ، فبدلا من قيام الابن بقتل أبيه ، يقوم الأب بقتل ابنه ، وهذا هو أحد أهم المضامين المباشرة لمروية يوسف بن يعقوب كما سردتها التوراة (سفر التكوين) حيث يعاقب فوطيفار ابنه بالتبنيّ يوسف بأن يرميه في السجن إثر اتهام بتدبير اعتداء جنسيّ على امرأة الأب . إنّ الأصل العربي القديم لفكرة وجود عدوان جنسيّ مبيّت على نساء الأب يمكن رؤيته في نمطٍ من الزواج كان سائدا لوقت طويل في الحياة الاجتماعية للعرب ، وهو زواج الأبن من امرأة أبيه ، وحتى عهد قريب جدا من الإسلام كان العرب يمارسون هذا النمط من الزواج ولا يجدون حرجا منه ، وقد حرّمه الإسلام تحريما نهائيا وصارما ، يعرف هذا الزواج بزواج (الضيزن) ، ولكن النص القرآني أسماه 7
عدد الصفحات ٤٢ب (زواج المقت) تجسيدا لفكرة نفور العرب مع الإسلام من عادات الجاهلية التي أجازت للعربي أنْ يرث مال الأب المتوفي ، فكان الأبناء يتنافسون على ممتلكات الأب بعد وفاته بأن يرمي الابن الأكبر عباءته على امرأة أبيه إذا شاء الزواج منها . وقد عرف الشاعر الجاهليّ عمرو بن معد يكرب بأنه تزوج من امرأة أبيه فقال في بيت ذاع صيته : ولولا إخوتي وبنيّ منها ملأت لها بذي شطبٍ يميني عن المادة الجوهرية في أسطورة وجود عدوان جنسي مبيّت على نساء الأب تفسُر الرغبة في قتل الأبن بوصفه منافسا متوقعا ، يمكن أنْ يتهدد بالخطر ممتلكات الأب من النساء ، وهو حيّ ، كما حدث مع داود في التوراة حين ثار عليه ابنه وخلعه عن العرش واستولى على نسائه ، بل وقام بعدوانه الجنسيّ المكشوف أمام أعين الشعب ، في الأسطورة اليونانية يكون الأب عرضة للندم بعد ارتكابه جريمة قتل ابنه ، وهذا تماما ما يحدث لداود في التوراة ، ولحجر والد امرئ القيس في الأسطورة العربية ، هذا العقاب المُنزل بحق الابن ، تتسبب به أمٌ مزّيفة تخون الأب وتجعل من ابنه منافسا له ؛ وهذه فكرة أخرى ، محورية تنبثق من داخل نسيج أعمّ عن شكل ونوع الانتهاك المتوقع للقرابات ، و عن نمط التفريط بصلات الرحم داخل العلاقات الاجتماعية والأسرية ، أما الابن البريء من تهمة العدوان الجنسيّ المدبّر ، سواء أكان هيبوليتوس ، أم يوسف ، أم امرؤ القيس ، فإنه برفضه الحب المعروض عليه يكون قد نأى بنفسه عن أنْ يكون شريكا لأبيه في نسائه (أي : ضيزنا ، والضيزن الذي يزاحم الآخرين عند البئر) . . مع ذلك ، فإن الأدب السومريّ ثم البابلي ، عرفا ، شأنهما شأن جميع ثقافات العالم القديم ، أدبا قصصيا يمكن إدراجه في باب (الوقوع في حب الضيف) حيث تقع زوجة السيد أو الأمير أو الملك في حب ضيفها ، ليصبح هذا ، بعد ذلك ، موضوعا لـ (تراجيديا) تنتهي بقتله أو سجنه ، وبوجه الإجمال تتضمن هذه الأساطير والمرويات طقما من التنويعات
عدد الصفحات ٤٣المدهشة في الرموز والدلالات ؛ ومن الواضح أن العرب أعادوا صياغة هذه المواد ، مجتمعة ، في أساطير عربية لا تماري العين رؤية المكوّن اليوناني فيها . إنّ تاريخ هؤلاء الأبطال ، أيا تكن الأسماء التي يحملونها ، هو تاريخ أسطوري يتأسّس داخل حيزات شفافة تسمح برؤيته (تاريخا حقيقيا ) بينما هو ، على العكس من ذلك ، يعرض إمكانات لا نهاية لها لرؤيته من منظور الأسطورة . أريد ، في ختام هذا المدخل ، أن أؤكد أمرا هاما للغاية منعا لكل التباس أو تأويل خاطئ للفكرة الجوهرية التي أطمح إلى تثبيتها في هذا الكتاب وهي إنّ المكوّن الأسطوري اليوناني في الأساطير والمرويات العربية القديمة ، لا يعني بأيّ صورةٍ من الصور أنّ هذه الأساطير والمرويات هي من أصل يوناني ، كما قد يتسرّع في الاستنتاج من الأمثلة والأفكار المعروضة ، قارئ قليل الخبرة والصبر . . كل ما في الأمر إنّ المكوّن اليوناني دخل ، كعنصرٍ يتميز بقابلية تجريدية عالية على الدمج ، في بنية الخطاب الأسطوري والتاريخي العربي ، وهو ما يماثل تسرّب أو دخول عناصر ومكونات عربية قديمة ، فينيقية ، في الأساطير والمرويات ، بل والعقائد الدينية عند الإغريق كما ارتأى هِرُدُت (برنال : أثينا السوداء) . ولعلّ هذه التماثلات تتقبّل تفسير جيمس فريزر (1854 – 1941 م) الذي ارتأى ، بدوره ، أن المجتمع الإنساني ينطوي على وجودٍ يمكن النظر إليه من زاوية (الكليّات النفسيّة) للبشر ، فالنوازع والميول والأهواء والتطلعات والأحلام متماثلة ؛ وهذه لا تتجلى في وجود عادات متشابهة عند البشر وحسب ؛ وإنما كذلك ، في وجود عناصر متماثلة في الثقافة وطرق التفكير والخيال . وإذا كان هناك ، من القرّاء ، م ن يرغب في الاستنتاج ؛ وبالعكس من رغبة المؤلف ، بأنّ ثمة أصلا يونانيا للأساطير والمرويات الإخبارية العربية ، فإن عليه ، في المقابل ، أنْ يتقبل القناعة المعاكسة التي سبق لهِرُدُت أنْ أطلقها حين قال : "إن
عدد الصفحات ٤٤تحقيقاته قادتهإلى حقيقة أن الأساطير والآلهة اليونانية جاءت من مصر ، وعبر البحر من الخليج العربي" . وبكل يقين ، فليس من مهمة هذا الكتاب أنْ ينتهي بقرائه إلى استنتاجٍ تعسفي من هذا القبيل إنّ مهمة الكتاب ووظيفته الحقيقية التي تخيّلها مؤلفه ، هي مساعدة قرّ اء التاريخ العربي وتدريبهم على منهجية جديدة وثورية : فصل الأسطوري عن التاريخي داخل النّص التاريخي أو الديني ، ثم معالجة كل منهما معالجة منفصلة إذا تطلبّ الأمر . فاضل الربيعي لندن : 26 تشرين الأول2000 م
عدد الصفحات ٤٥أسطورة زواج النضيرة وحصار دويلة الح ضر : بين ياقوت الحموي والطبري ون لْدِكِة روى الطبري (310 – 224 هـ) أسطورة زواج النضيرة ابنة ملك الحضر ، الدويلة العربية قرب الموصل شمالي العراق ، من سابور بن أردشير ملك فارس ( 272 – 241 م) بعد أن حاصرها لأربع سنوات متواصلة ، جاءت رواية الطبري لهذه الأسطورة في سياق مرويات تاريخية عن العهد الساساني في فارس ، وفي إطا ر الكلام على هجوم ناجح شنّه الفرس على بعض الحاميات الرومية في بلاد الشام ، الذي تمت مواصلته زحفا باتجاه الحضر العراقية ، وكان من نتائجه أسر الإمبراطور الرومي فاليران . كانت الحضر في ذلك الوقت ، تحتفظ بعلاقات طيبة مع روما عدو فارس التقليدية سياسيا ودينيا ، وبكل تأكيد بدت صلات الحضر بروما وكأنها ترفع من درجة تحدّي فارس في مجالها الحيوي وفي مناطق نفوذها ، ولذا قررت الأخيرة وضع حدّ لحياة هذه الدويلة المتمردة . على غرار الطبري ، يسرد ياقوت الحموي (معجم البلدان) الأسطورة ذاتها في إطار خبر تاريخي عن الحملة العسكرية الفارسية ما يعطي الانطباع بأن أسطورة الزواج هي جزء حقيقي من الخبر التاريخي . لكن هل لدينا بيّنات عن هذا الزواج ؟ ، وما مغزاه بشأن مدينة محاصرة ؟ . إن تحليل أسطورة هذا الزواج العجائبي ، الذي يتمُّ في مسرح الحرب ولأجل إنهائها ووضع حدّ لمأساتها ، ينطوي على محمولات رمزية تتخطّى في أهميتها ، ربما ، المادة التاريخية المفترضة . تقول مروية الطبري وياقوت :
عدد الصفحات ٤٦إن ملك الحضر كان يدعى الضّيزن بن معاوية ، من قبيلة قضاعة العربية (اليمنية الجذور) ، وإن مدينته بنيت وتطلسمت لا يُقدر على فتحها وهدمها إلاّ بدم حمامة ورقاء مع دم حيض امرأة زرقاء ، وإن الضيزن ، والد النضيرة ، أقام فيها مدة ملكا يغير على بلاد الفرس . إلى جانب الطبري وياقوت ، هناك عدد غير قليل من الرواة الجيدين للأسطورة ، مثلا المسعودي "مروج الذهب" والأبشيهي "المستطرف" ، فضلا على رواية صاحب "تاج العروس" . واستنادا إلى هؤلاء الرواة سوف تدوّن هنا ملخصا عن الأسطورة . كان الضيزن بن معاوية ، من قضاعة ، ملكا بين دجلة والفرات بحيال تكريت ، وكان له قصر مشيد يعرف باسم الجوسق . وبلغ ملكه الشام ، فأغار على مدينة سابور ذي الأكتاف ، فأخذها وأخذ أخت سابور ، فأقام سابور على الحصن ، أسوار الحضر ، أربع سنين (محاصرا لها) لا يصل (منها) إلى شيء ، ثم إن النضيرة بنت الضيزن ، عركت أي : حاضت ، فخرجت من الحصن وكانت من أجمل أهل دهرها ، وكذلك كانوا يفعلون بنسائهم إذا حِ ضن ، وكان سابور من أجمل أهل زمانه ، فرآها ورأته فعشقها وعشقته ، وأرسلت إليه تقول : "ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به هذه المدينة وتقتل أبي؟ " ، فقال : "أحكّمك" ، (أي : اجعلك ملكة . يضيف الطبري : أجعلك فوق نسائي) ، فقالت : "عليك بحمامة مطوقة ورقاء فاكتب عليها بحيض جارية ثم أطلقها فإنها تقعد على حائ ط المدينة فتتداعى كلها" ، وكان ذلك طلسما ففعل ذلك فتداعت المدينة وفتحها سابور عنوة ، وقتل الضيزن وأخرب المدينة ثم احتمل النضيرة وأعرس بها (في مدينة عين تمر العراقية) . يقول ياقوت نقلا عن الطبري وآخرين :
عدد الصفحات ٤٧ولكن الفتاة الخائنة لم تنم تلك الليلة ، وقالت لسابور : "لم أنمْ قط على فراشٍ أخشن من فراشك" ، فقال سابور : "ويلكِ ! وهل نام الملوك على أنعم من فراشي؟ " ، ثم إنه نظر في الفراش فوجد فيه ورقة آس كانت قد التصقت بجسدها ، (التصقت بين عكنتين من عكنها ، والعكنة كل ما انطوى وتثنّى من لحم البطن سمنا ) ، فقال سابور : "بم كان أبوك يغذيكِ ؟ " . قالت : "بشهد الأبكار من النحل" . عندئذ قال الملك الساساني غاضبا : "أنت ما وفيت لأبيك مع حسن هذا الصنيع ؛ فكيف لي ؛ إذا ، أنْ أثق بك زوجة" ، ثم أمر بقتلها وتقطيع أوصالها . لا ينبغي للبطل أنْ يعرف اللغز أو أ نْ يحلّه أو أنْ يقوم بإفشاء سرّ المدينة المطلسمة ، عليه أنْ يصمت عندما يلقى عليه اللغز ، ففي "الحل" يكمن فناء البطل حيث يقول ليفي شتراوس : على البطل ألاّ يحلُ الأحجية لأن من طبيعة الأشياء ألاّ يكون للأحجية الأسطورية حل . . كل مخالفة لهذه الفطرة تعني الفناء ، ولأن اللغز سؤال لا جواب له ، وفق ليفي شتراوس ، فعلى الأبطال ألا يقوموا بإفشاء السرّ . هذا ما حدث لأوديب في الأسطورة اليونانية ، كان حلّ اللغز في الأسطورة ، حسب شتراوس ، مخالفة للطبيعة لأن من طبيعة الأشياء أنْ يكون اللغز سؤالا لا جواب له ، أو سؤالا لا يتعين تقديم جواب عنه . ولأن أوديب خالف هذه الطبيعة ، أو الفطرة ، حكم عليه بالعقاب . من طبيعة الأشياء ، يلاحظ شتراوس في تحليله لأسطورة أوديب ، ألاّ تتزوج أمٌ من أبنها ، وإلاّ تكون بذلك انتهكت حدود الفطرة البشرية وخالفت هذه الطبيعة ، لكن أوديب خالف هذه الفطرة بـ "حلّه اللّغز" ، ثم خالفها بالزواج من أمه بعد أنْ قتل والده .
عدد الصفحات ٤٨