اللقب التحقيري الذي شاع آنئذ ،إلى اسم بطون من القبائل اليمنية ، حملته معها في هجرتها صوب شمالي إفريقيا ، تعرف اليوم باسم (البربر) ؛ وهو ما يفسر سرّ التماثل والتطابق اللغويّ بين الأمازيغية والحميرية . والقبائل العربية المشاركة ف ي حروب هذا العصر البطولي ، والتي قدر لبعض بطونها الانفصال والهجرة تاليا صوب شمالي إفريقيا ، يبدو أنها ظلت تحتفظ باللقب التحقيري كأسم دالّ ، وهي ظاهرة مشهودة في التاريخ فالعرب القدماء ، مثل الكلبي والد هشام ، رأى أن اسم (نزار) الذي يُطلق على العرب العدناني ين ، الشماليين قاطبة ، هو في الأصل لقب تحقيري أطلقه حكام فارس على القبائل الحجازية التي خضعت لسلطتهم في البحرين ، ويراد به : الضعيف ، أو المهزول (من الجذر الثلاثي : نزر ، بمعنى "قليل" ) . ومن المثير أ نْ نلاحظ أن القبائل العربية التي شاركت الفرس في هذا الع صر البطوليّ ، راحت تروي ظمأها ، باستمرار ، إلى قصص الشجاعة والفروسية ، عبر رواية الأساطير والمرويات وحتى الخرافات التي كانت ، أنئذ ، تنتشر بسرعة مذهلة ، إلى القدر الذي اختلقت فيه شخصية الإسكندر (ذي القرنين) اليمني وإفريقيس ، الذي زعم وهب بن منبه "التيجان ف ي ملوك حمير: ط مركز الدراسات في صنعاء" أنه أعطى اسمه لإفريقي ا وبه تسمّت ؛ وأنه كان ملكا عظيما من ملوك اليمن . ولا شك في أن اتفاق الإخباريين اليمنيين على التلازم الزمني بين وجود ذي القرنين ، وإفريقيس في عصر واحد إنما يشير إلى فرضيتنا الآنفة عن هجرة بطون من القبائل اليمنية عرفت بلقبها "التحقيري" : البرابرة ، إلى شمالي إفريقيا في وقت ما بعد العام (300 ق م) ، وإنها حملت معها ذكرياتها الحربية عن أحد أعظم قادة الإسكندر المقدوني (ذي القرنين) وهو إميليانوس (إفريقيوس) ، الذي انقلبت صورته واسمه وتمّ تعريبه في الإخب اريات اليمنية إلى (إفريقيس) ملك اليمن : "انظر : تاريخ مختصر الدول لابن العبريّ ط بيروت" . في هذا الإطار يمكن تخيّل الطرق والوسائل التي انتشرت بها أساطير العصر البطولي العربي هذا ، والذي تجسّده
عدد الصفحات ١٧على أكمل وجه ، الطروادة العربية ، أي : حرب البسوس ، التي أرى فيها محاكاة أدبية لملحمة حرب طروادة اليونانية ونسجا عربيا (بدويا ) عن منوالها . بكلام ثان ، إن حرب البسوس هي الطبعة البدوية الشعبية عن حروب طروادة اليونانية ، لقد انتشرت الثقافة اليونانية بقوة في هذا العصر البطوليّ وشعّت في الآ فاق حتى تنازعت الأمم فيما بينها على الصور البطولية ، فكل أمةٍ ، كما ارتأى ابن نشوان الأندلسي "نشوة الطرب : ط بيروت" ، ترى أن الإسكندر هو من سلالتها و إنه ملك من ملوكها ؛ كما فعل اليمنيون الذين أدخلوه في قوائم أنسابهم حتى إن عالما عظيما بأنساب العرب مثل الهمداني أخطأ خطأ فادحا باقتراضه نسبا حميريا قديما لذي القرنين "الإكليل :2 " . ولكن ؛ ومع الإسلام وحيث رويت هذه القصص والأساطير في استراحات التجار بوصفها "أساطير الأولين" 3 ، كما يقول النص القرآني ، وفي مجالس قريش ودار ندوتها الشهيرة ، السياسية والأدبي ة ، برز جيل جديد من القصاصين العرب المسلمين الذين اختزنوا في ذاكراتهم ونصوصهم تلك القصص والأساطير والمرويات والأخبار التاريخية الصحيحة ، وقاموا - آنئذ - بروايتها مجددا في سياق سرديّات تاريخية عن (تاريخ العرب) يعود بهم إلى بدء الخليقة مرورا بعصر الحروب اليونانية - الفارسية وانتهاء بولادة الإسلام ، وفي قلب ذلك التاريخ ، الذي تّمت روايته في سلسلة غير منتهية من الأخبار والمرويات والأساطير والقصص ، جرى دمج مذهل ومتتابع للصور والرؤى والكلمات والأسماء والبلدان والعقائد والأساطير ، وفي النصوص التي تمَّ تدوينها ، حينئذٍ ، في مكة ، عن تاريخ الإسلام ومؤسّسه العظيم ، محمد بن عبد الله (ص) جرت إزاحة منظمة للرموز والصور القديمة لتحلّ محلها صور جديدة ، إسلامية الطابع . . عندئذ عاد قدموس (ق دمُس) إلى جذوره العربية ابنا لإسماعيل يدعى (قدمة) ، فيدخل في قوائم الأنساب العدنانية (الشمالية) كجدٍ أعلى للنبي محمد (ص) . 3
عدد الصفحات ١٨إن سارد أسطورة الناقة وبناء جامع المدينة ، الذي قام بأسطّرة الخبر التاريخي الصحيح بأن أضاف له بعدا أسطوريا ، أحلّ ، في واقع الأمر ، صورة جديدة محل صورة قديمة فيما أن النبي (ص) هو حفيد إسماعيل (أيْ : ابنه غير المباشر) فإنه من الممكن أنْ يحلّ محل ق دم ة ؛ وبدلا من البقرة المقدسة جرى وضع الناقة ، وبذا غدت الواقعة الأسطورية كما لو أنها جرت - فعلا - في الإسلام المبكر . . وحين نقلها أبن هشام والطبري وسواهما ، فإن أحدا من الرواة المسلمين لم يخامره الشك قط ، لا في وقوع الحادث ولا في دلالته . والمثير في هذه المطابقة ، التي تجري في حيّز الراسب الثقافي المستمر ، وانتقال عناصر ثقافية من مكان إلى آخر ، بحيث تندمج فيه ، بل وتصبح جزءا عفويا منه ، ومن دون أيّ قصديَّة بشرية تتدخل في هذا الانتقال أو التشابك الثقافي ، إنما هو وجود تماثل نادر ومدهش ، بين اسم المدينة المقدسة (طيبة) التي بناها قدموس (قدمة) واسم المدينة التي دخلها النبيّ منتصرا وبنى فيها أول مسجد في الإسلام ، أي : يثرب ، التي صار اسمها حينئذ (المدينة) ، إذ كان الاسم القديم الذي عرفت به عند العرب هو (طيبة) ، حتى أنّ ابن هشام س ر د في "السيرة" حلما لجدّ النبيّ المباشر ، عبد المطلب بن مناف حين كان نائما في فناء الكعبة ، و ر د فيه أن ملاك الرّب طلب إليه أنْ يحفر (طيبة) . وحين سأله عبد المطلب : وما طيبة ؟ ، فهم منه - على الفور - إن عليه أنْ يحفر للعرب بئرا ستكون من أقدس مياههم وأطيبها وأغزرها وهي (زمزم) ، واستنادا إلى مروية ابن هشام هذه فإن الاسم القديم (لزمزم) عند العرب كان (طيبة) ، ونحن نعلم من التاريخ المصري القديم أن (طيبة) كانت عاصمة الهكسوس ، وهم جماعات عربية بدوية دخلت مصر نحو عام 1720 ق م هذا التطابق المثير ، بين مروية تاريخية من عصر الإسلام المبكر ؛ وبين مؤدّ ى أسطورة يونانية من حروب طروادة ، يكشف - وهذا هو الأهم برأينا في مجمل
عدد الصفحات ١٩السجال حول هذه المسألة - عن آليات الانتقال والتشابك في عناصر الخبر التاريخي مع المرويات والأ ساطير ، إنّ تحليل أسطورة (خطف أورو با ابنة ليبيا) وبناء مدينة (طيبة) اليونانية المقدسة ، حيث قام قدموس بتتبع أثر (بقرة) سوف يقودنا إلى إمعان النظر في الدلالات والرموز ، فيما أن البقرة هي التوسّط التضحوي بين الإنسان وإلهه ، فإنها تمثّل بديلا رمزيا من الأم الميتة والأخت المخطوفة أملا في خلاصهما . . هذه الروح الخلاصية هي التي تميّز (البطل) من سواه ، وتفصل بينه وبين (البشريّ) ، بل وتجعل منه كائنا ممتلكا لامتياز الترفّ ع عن المماثلين . وهو أمر يفاقم - بدرجات متفاوتة طبعا - من حدّ ة التناقض بين كون (البطل) في الأصل ، من مكوّن بشري ، شبيهٍ ومماثل ، وترفّعه عمّا هو دنيويّ ؛ وهو تناقض يبدو غير قابل للحل في صورة البطل ، ولذلك غالبا ما صوّرت الأساطير الأبطال بوصفهم كائنات نصف (بشرية) ونصف (إلهية) . لا شكّ في أن تأسيس (طيبة) المقدسة عند الهكسوس ثم عند الإغريق ، وهي كما سنرى في الفصل الختامي ، واحدة من مدن الهكسوس التي حكمت مصر ، في عصر ما قبل توحيد القطرين يضاهي ويكافئ في نسيج الرموز الدينية إنشاء أول مسجد في الإسلام (مسجد المدينة) ، ههنا بناء مقدّس ، تارة في صورة (مدينة) يتجمّع فيها البشر ، وتارة في صورة (جامع) يحتشد فيه الناس ، وفي الحالتين فإن الحيوان (القربان المقدّس) يؤدي دورا حاسما في تحديد البقعة الأكثر قداسة في المكان ، ليس البشر هم من يحدّد أو يختار هذا الجزء العضويّ من المكان ويعلن قداسته ثم يقوم بتسويره وإحاطته بالعلامات ، بل الضحية هي م ن تفعل ذلك حين تحدّد وتعين ، عبر حركتها ، ثم توقفها تخوم القداسة ، وكما نلاحظ من المروية العربية - الإسلامية ومن الأسطورة اليونانية فإن القربان الحيواني كان يؤدي الدور المطلوب منه تماما : أنْ يسير نحو المكان ، ليحدّد للبشر ، البقعة الأكثر قداسة وطُهرا فيه ، لأجل أنْ ينشئوا ، هناك مسجدا أو معبدا أو مدينة مقدسة ، ولنلاحظ التوافق الدلالي في الكلمات المستخدمة في نصيّ الأسطورة والمروية ، إذ تنبني
عدد الصفحات ٢٠كلمة مدينة على الجذر الثلاثي (دين) بينما تنبني كلمة (جامع) (مسجد) على جذر ثلاثي يفيد الخضوع (مسجد) ، ولذلك فإن فكرة بناء أول مسجد في الإسلام لا بد من أنْ ترتبط في ذاكرة سارد الخبر التاريخي بذكرى استثنائية ، عجائبية وخارقة للمألوف ، غذ ترك حيوان مقدس ، قربان ، في مكان ذبحه تماما وهو ما يعني أن نشييد المعبد ، أو المسجد ، أو المدينة المقدسة أرتبط ، على نحو ما ، بمعجزة هذا الاقتراع العلني على حدود البقعة المقدسة يكشف عن تدخل إل هيّ عبر الأضحية ؛ فالإله هو الذي سوف يتقبّل القربان في هذا الجزء من المكان . كان العرب القدماء يقدّسون الناقة (البديل الرمزي من البقرة اليونانية في مروية الطبري) ، وبلغت هذه القداسة درجة مثيرة حين أنشؤوا نظاما محرميا خاصا يمنع ذبحها أو تناول النساء لحمها ، وفي وقت ما أسّسوا طقوسية خاصة تتيح إقامة احتفال جماعي لذبح الناقة والته ام لحمها ، وهناك سلسلة من الأخبار والمجادلات الفقهية في الإسلام المبكّر في نظام (السائبة) و(الب حِيرة) و(الحامي) و(الفصيل) وهي عناصر ثقافية ، صلبة ، ومتماسكة ، في نسق معرفي وديني ، كان يحكم علاقة البدويّ بحيوانه . إن نظام (السائبة) يفيد بترك (الناقة) تمشي في الأرض من دون عائق ، اجتماعي أو إنشائي ؛ لأنها (قربان) مسيّب للآلهة ترد الماء أو الكلأ من دون مواضع ويحرّم ذبحها أو تناول لحمها أو ركوبها ، ومن هذه النوق السائبة ناقة النبي صالح نبي ثمود . . لقد استرد سارد الخبر التاريخي ، وهو يروي خبر مسجد المدينة ، صو رة قديمة ، راسية في ثقافته ، هي صورة الناقة المقدسة (السائبة) التي تهديها العرب إلى الآلهة ، ولذا قام بمطابقةٍ مثيرة بين صورتين : ناقة النبي (ص) التي دخل بها المدينة ، والناقة (السائبة) كتقليد ثقافي قديم ، بكلام ثان : قام سارد النّص بتخيل جديد للصورة الواق عية الماثلة أمامه ، صورة النبيّ على ظهر ناقته ، نجم منه
عدد الصفحات ٢١دمجها في بنية الأسطورة اليونانية التي لا بد من أنْ استمع إ ليها تُ روى في مجالس تجار قريش . إنّ أفضل أسطورة عربية قديمة يمكن أنْ تشرح بدقةٍ كافية ، بتكثيفٍ وشاعرية أخّاذة ، نمط القداسة التي أحاطت العرب بها حيوانها هذا ؛ هي أسطورة (حرب البسوس) وهي حرب غير تاريخية ، فنحن لا نملك دليلا مؤكدا ، حتى الآن ، على أنها حادث تاريخي عاشته قبائل العرب ، في وقت ما من الأوقات . كما لا يوجد أدنى دليل ، مهما كان ضعيفا وباهتا ، على أنها وقعت في مكان معلوم أو في زمن محتمل ، شأنها شأن معارك وحروب العرب التاريخية الأخرى التي خلّدتها مواضع وأسماء وأمكنة وأيام وأشعار ؛ كما هو الحال مع ما يعرف باسم (أيام العرب) وهي معارك وقعت فعلا وسجّلتها ذاكرة القبائل شعرا أو خلّدتها في أساطير وأخبار وأسماء مواقع . لقد كان "أبطال" حرب البسوس هذه كانوا إلى النهاية ، أبطالا مت خ يَّلين ، مثل كليب وجسّاس والزير سالم ، وقد برهنا في مساهمة سابقة أن الزير سالم هو تصحيف بدوي لأسطورة أوزيروس المصري ، أنظر : "الشيطان والعرش : رحلة النبي سليمان إلى اليمن ، رياض الريّس للنشر 1996 م" . لقد تفجّرت هذه الحرب الأسطورية جرّاء ذبح ناقة تدعى مالكتها (البسوس) ، وهذا اسم خالة جسّاس ، وهو كما نلاحظ ، اسم غريب وغير مألوف في التراكيب العربية . تقول الأسطورة : كان لدى البسوس ناقة ذات مواصفات خاصة وإنها جاءت في زيارة إلى مضارب ابن اختها جسّاس ؛ وكان هذا منافسا لابن عمه أمير ربيعة (كليب) ، وحدث أنْ شاهد كليب ناقة البسوس وهي تعبث في حمى له ؛ فتناول سهما وعقرها ، فجاءت البسوس
عدد الصفحات ٢٢باكية وطالبت ابن اختها بالثأر ؛ فأقسم هذاأنْ ينتقم لها ، وهكذا نشبت الحرب الضروس التي استمرت نحو أربعين عاما . ومن الواض ح أن فكرة فناء القبيلة جرّاء ذبح ناقة مقدسة ، تماما كما حدث لقبيلة ثمود التي أُ بيدت عن بُ كرة أبيها جرّاء ذبح ناقة النبيّ صالح نبيّ ثمود ؛ هي في صلب معتقدات العرب القدماء الذين أسّسوا نظام (السائبة) : أيْ إهداء الناقة للآلهة وتحري م ذبحها أو أكل لحمها أو ركوبها أو الانتفاع بحليبها ؛ وهو نظام أبطله الإسلام بتشريع قرآني صريح ، إنّ انفجار العنف وتشظّي المأساة واستمرار الحرب كل هذا الوقت الطويل مع ما يرافق ذلك من أساطير ومرويات وأشعار . . بُ عيد تذكيرنا بالملحمة الطروادية حيث يندلع العنف ويغدو غير قابل للسيطرة . هذه الحرب الأسطورية المدّعى أنها تاريخية وحدثت بسبب ذبح ناقة سائبة ، تُركت تمشي على غير هدى ، من دون عوائق أو حواجز ، هي رجع صدى بدويٍّ وعربيٍّ لحرب طروادة ؛ إنها إعادة إنتاج لها تحت تأثير عصر بطوليّ كان يلهب خيال العرب ويحضّهم على رواية البطولات التي لا نهاية لها . ولا يخامرني شك في أنّ العرب ، في روايتهم أخبار الأمم الأخرى ، كالفرس والروم والهند ، وهي شعوب أحتكت بها قبائل العرب مباشرة عبر التجارة والحرب تخيّلت أن بعض الأخبار أو (الأبطال) أو أسماء المواقع و المعارك يقع في صميم ت اريخها القديم ، في حين أنها تخصّ شعوبا أخرى ، لكنها ترسّخت مع الوقت ، في الذاكرة الجمعية الشعبية كشيءٍ حميم يخصّ العرب ، فعلا كما سنرى تاليا من مثال الإسكندر العظيم (ذي القرنين) الذي تخيّلته قبائل اليمن ملكا يمنيا قديما . ولذا ، فإن أسطورة (حرب البسو س) التي تتحدّث عن حرب عجائبية تقع بين قبائل العرب وتستمر نحو أربعين عاما يُفنى فيها الزرع والضرع والبشر ، وتتصاعد فيها البطولات شعرّيا إلى مستوى مدهش من امتزاج التراجيديا بمشاعر الذلّ والإحساس بالعار وخيبة الأمل وروح الثأر ، لا تعدو أنْ تكون أكثر من طبعةٍ شعبية بدويّة
عدد الصفحات ٢٣(لحرب طروادة) التي كانت بدورها حربا أسطورية ترعرعت في حاضنة عصر بطوليّ هو عصر الحروب اليونانية – الفارسية ، حيث اهتزّ - آنئذ - وجدان العالم القديم بأسره ، ولقد برهنت الدراسات الحديثة في الأدب اليوناني التاريخي أنه من المحتمل جدا أن يكون هومِر ، الشاعر الضرير ، شخصية لا وجود لها في الواقع وأنها لم تكن شخصية تاريخية بل أسطورية ، وأنّ (الإلياذة) مثلا هي خليطُ من أشعار ضاع أصلها ومن مرويات وقصص قد تكون سابقة لظهور الشعب الإغريقي في إطار هذه المسألة يتعيّن عليّ ، ولأجل المضي قدما في فحص الموضوعات والمواد التي يطمح هذا الكتاب إلى إثارتها بقوة ، أنْ أتقدّم ببعض الاستنتاجات الجريئة التي تخصّ رواية العرب لهذه الحرب الأسطورية (طروادة) عبر طبعتهم الشعبية ، البدوية ، لها والمسمّاة بـ (حرب البسوس) ، ومن ثم تشجيع النقّاد والأدباء والكتاب والباحثين والمؤرخين العرب على النقاش الموضوعي العلمي والهادئ حول شخ صية وشعر (الأعشى) الذي قدّمته الأخبار بالارتباط مع رواية شعر ملحمي وبطولي خاص بالعرب ، على غرار النموذج الهومِري ، لقد أورد مؤلف "المؤتلف والمختلف" اسمي شاعرين يحمل كل منهما اسم (الأعشى) أحدهما جاهلي بكل تأكيد ، بينما أدرك الآخر الإسلام ، ولكن المؤلفين العرب القدماء لم ينتبهوا إلى (الأعشى) الثالث ، الخيالي والمختلق ، والذي نُسبت إليه أخبارٌ وأشعار تقع في صميم الوضع والنحل ، إنّ ما يعرف في الأدب العربي القديم وفي التاريخ الأدبي للعرب بِ (الأعشى) أو (صنّاجة العرب) إنما هو خلاصة محاكاة عربية للصورة الهومِرية في روايتها للملاحم اليونانية ؛ ومن ثم لا وجود لشاعر أو (شخصية تاريخية) على هذا النحو الذي قدّمته الأخبار باسم الأعشى ، أما الشعر المنسوب إليه ، والذي يروي ملاحم العرب وقصصهم وأساطيرهم ، مثل أساطير جذيمة والزباء وسنّمار وزواج النضيرة بنت الضيزن ، فهو من وضع رواة مسلمين متأخرين ، منحولٌ برمته على أصول قديمة ضائعة ، إنّه لمن المهم هنا ، ومنعا لكل التباس أو سوء فهم مقصود أو بريء ، الالتفات إلى المسألة التالية : إن
عدد الصفحات ٢٤اضطراب نسب الشاعر الجاهليّ الذي عرف باسم (الأعشى) بخلاف صنوه الذي أدرك الإسلام ، وحيرة العرب والرواة المسلمين في تحديد العصر الحقيقي الذي عاش فيه ، يضع المسألة المطروحة ، مجددا ، على طاولة البحث ، في اللقب والاسم والعصر التاريخي . لا تعني كلمة (الصنّاجة) أداة موسيقية ، بل نوعٌ من الغناء ؛ وهو وصف يطابق تماما نوع الشّعر الذي نسب إلى الأعشى إذ هو غنائيٌ يروي قصصا وأساطير وملاحم بطولية للعرب ، هذه المغناة الشعرية التي ميّزت الأعشى ، تماثل المُغنَّاة التي عرف بها شاعر اليونان الأسطوري هومِر ؛ فهو روى الملاحم والأساطير في مطوّلات شعر ية شائقة . ولّما كان هومِر شاعرا ضريرا ، كما هو معلوم ، أيْ إنّه روى البطولات في قلب ميدان المعارك التي لم يشاهدها ولكنه أنفعل بها بقوة ، فقد صيّر العرب شاعرهم الأعشى رجلا أعمى أيضا ، لأن (الأعشى) هو الرجل الذي يعاني نوعا من العمى الليليّ 4 . ليست هذه التماثلات وليدة المصادفة المحضة ، وهي جديرة بأن تدفع المرء إلى إمعان الفكر والتأمّل في مغزاها الأدبي والتاريخي ، لأن العرب في ر وايتهم للبطولات الشعبية شعرا ، على مرّ العصور ، تطلّب منهم ، مثل شعوب أخرى ، أنْ تُ نسب هذه الأشعار إلى (شاعر) بعينه ، فكما نسب اليونانيون شعرهم الملحميّ لهومِر الأعمى ، قام العرب بالعمل ذاته حين نسبوا شعرهم الملحميّ القديم إلى شاعر أعمى (أعشى) ، وهو أمر قد يتصل ، بعمق ، بمعتقدات دينية قديمة تضفي قداسة على نوع من التبصّرات الإعجازية للبشر ، بهذا المعنى فإن الجماعات والقبائ ل القديمة ، مثل الفرس والعرب واليونان والهنود ، لم تخلق الأبطال (غير التاريخيّين) وحسب ، بل وخلقت أيضا معهم (الشعراء) الذين يتغنّون ببطولاتهم . وتماما كما خلق الشعب الإغريقي هرقل ، البطل الأسطوري ومعه شاعر بطولاته 4
عدد الصفحات ٢٥وملاحمه هومِر الأعمى ، أختلق العرب جذيمة وسنّمار وزرقاء اليمامة والنضيرة ، ومعهم شاعرهم (الأعشى) ؛ وسوف نعود في مناسبة تالية إلى معالجة هذه الفرضيات . والآن : إذا كانت (صورة) الناقة التي تخيّلها القصّاصون المسلمون ، وقد مشت على غير هدىّ ، سائبة يتبعها النبيّ (ص) ومعه رجال سعداء بالنصر ، في قلب مدينة مفتوحة ومتأهبة لاستقبال الإسلام الوليد ، واحدة من صورٍ عدّة لرجع الصدى التاريخي لأساطير ومرويات تخصّ شعوبا أخرى ، فإن دمج هذه الصورة في سياق مروية إخبارية صحيحة عن بناء مسجد قباء إنما يتضمن معنى محددا : لقد استردّ العرب ، عبر هذه الصورة ، بقايا مع تقد ديني يؤدي فيه (الحيوان) الأضحية دورا عجائبيا تعبيرا عن البركة الإلهية . والمثير في الأمر أن المسلمين اليوم في بلاد الشام لا يزالون يكرّمون موضعا بعينه يطلقون عليه اسم (مبرك الناقة) في جنوبي سوريا (بصرى) ، وقد تسنّى لي في وقت سابق ، رؤية المكان عن قرب وهو عبارة عن حجر مربع الشكل فيه فجوات داخل قلعة بصرى . فالواقع أنّ الموضع هو بقايا معبد روماني ، ولكن العّامة أطلقت عليه تعبير (مبرك الناقة) اعتقادا منها بأن (ناقة النبي) بركت في هذا الموضع من بصرى الشام ، مع أنّ الرواية الإسلامية الشائعة تجعل من الموضع جزءا من مكان في (يثرب) القديمة أو المدينة ، ويزعم بعض المسلمين في الشام أن هذا الموضع هو مبرك الناقة حيث نزل النبيّ (ص) وصلى فيه ، بينما نعلم من كل الموارد العربية – الإسلامية أنه جاء إلى بصرى صغيرا مع عمه أبي طالب ضمن جماعة من التجار ، إنّ رواية العرب هذه الأسطورة وسواها وحرص الإخباريين المسلمين الكبار ، مثل الطبري ، على تدوينها ضمن السيرة النبوية ، ومن دون توجيه أدنى اهتمام بنقدٍ جادٍ لمصادر هذه الرواية أو فحصها والتأكد من سلامتها التاريخية ، ينطوي ، بكل يقين ، على ما هو أبعد أثرا من الحرص فقط على إبرازها ما هو عجائبيّ في السيرة النبوية ، معجزات أو علامات إلهية مدهشة ، وطبعا على ما هو سحريٌ وجذاب ومثير في التاريخ الخرافي
عدد الصفحات ٢٦(الميثولوجي) للإسلام والعرب ، إن العرب ، في هذه الحالة وحدها ، يقومون ، عبر رو اية هذا النوع من المرويات والأخبار والقصص العجائبية والأساطير ، برواية شيء حميم يخصهم في العمق ويخصّ وجدانهم الجمعي المرتعش مع الإسلام ؛ إعادة استرداد الأساطير الأولى (أساطير الأولين) (النحل: 24) التي تغربت وهاجرت ، أو ضاعت منذ الطفولة البشرية للعرب ، ومبا درة إلى إعادة إنتاج طبعات شعبية إسلامية ، مشحونة بالمشاعر الفياضة عن عظمة ومجد الإسلام – وطبعا - من دون أدنى إحساس بالحرج بأنهم إنما يستعيرون من جيرانهم الإغريق أو الفرس ما هو خاص بهم ، بل العكس تماما ، ينتابهم إحساس عميق بأنهم يستردّون شيئا يخصهم أو يس تعملون شيئا مشتركا مع آخرين ، بهذا المعنى فإن أسطورة (قدموس والبقرة) تعود ، مع الرواية العربية لها (النبيّ ومبرك الناقة) إلى موطنها التاريخي : بلاد العرب - هذه - تحديدا هي (أساطير الأولين) التي وردت الإشارة إليها في القرآن في معرض الكلام عن عزم قريش على مزاحمة النبي على (الدين الجديد) حين زعمت أن الدين الجديد هو محض (قصص) تُروى أو (أساطير) تُتلى في استراحات التجار ، و إنها بحكم امتلاكها لعصب التجارة ، تملك خزانا من المرويات يضاهي ما لدى النبيّ من مواعظ . إن إحساس العربي مع الإسلام بصلته الثقافية العميقة بهذه الأساطير وكأنها جزء عضويّ من ثقافته القديمة ، ثم قدرته العالية تقنيا على استخدامها ودمجها في البنى السردية للإخباريات ، يكشف عمّا هو غير متوقع وما هو أكثر من الألفة واليسر والسلاسة لا أكثر في إعادة رو اية هذه الأخبار شعرا أو نثرا ؛ نعني : نملكه مشاعر القرابة الثقافية (بالأبطال) الذين تروى عنهم البطولات ، إذ إن (قدموس) هو (قدمة) ، ابن إسماعيل ابن نبيّ العرب إبراهيم . أما (أورو با) الفتاة الجميلة المخطوفة ، فليست ، تماما أسما أعجميا مغلقا على مسامع العربي فهي وقبل أنْ تظهر بوصفها ابنة (ليبيا) ، هي (عربة) وهذا هو
عدد الصفحات ٢٧الاسم القديم لجزيرة العرب ، وفي اللغة العربية المعجمية فإن الفتاة الجميلة تدعى (عروب ، عروبا ) وقد وردت الإشارة إليها في القرآن ، ولعلّ اسم (عربة) اسم ضارب في القدم ، وقد جاءت التوراة عل ى ذكره في معرض الإشارة إلى موطن البدو ولوصف كامل الامتداد الصحراوي الفاصل بين جنوب غربي الجزيرة العربية وشمالها (الحجاز) ، ونحن نعلم أن أساطير العالم القديم كانت تدور في نطاق (الرموز الصافية) أو المحض حيث تصبح البلدان والشخصيات مواد رمزية في نظام كامل من الإشارات ؛ فالمدينة تنقلب إلى فتاة ، والإله إلى ثور ، واللافت للانتباه إن العرب كانوا يدركون هذه الحقيقة وقاموا بتدوينها إذ نقلا عن الهمداني "صفة جزيرة العرب" فإن (عربة) كانت هي الاسم الذي عرف به الموطن التاريخي للعرب ، وورد في شعر منسوب إلى أبي طالب وحديث لابن عباس (رض) أن موطن العرب هو (عربة) ، وحتى اليوم لا يزال (وادي عربة) الأردني يحتفظ بالصيغة القديمة لاسم جزيرة العرب ، تماما كما تحفظ منطقة (القدم) في قلب دمشق اسم (قدمة) هذا ، مع ما يقال من عامة أهل الشام أنه سمّي بِ ـ(القدم) لأن قدم النبيّ (ص) وطنت هذا الموضع . لقد أخذ الفينيقيون وهم في الموارد العربية ، الإسلامية (بني قين) ، وفي شمالي إفريقيا ، برسم الاسم في صورة (بينيقيين) وهذا هو الرسم الصحيح للكلمة ؛ في هجراتهم البحرية الكبرى صوب كريت وسواحل البحر الأبيض المتوسط ، أساطيرهم الأولى ، في طفولتهم البعيدة ، ثم قام الإغريق برواية هذه الأساطير في نسيج جديد ، هليني أُ محِ ي منه طابعه الرعوي ، واليونانيون هم الذين أ هدوا الأوروبيين اسم قارتهم ، كما أعطوهم أسماء بعض عواصمهم ، باريس مثلا (أحد أبطال طروادة ، وصار اسما لعاصمة فرنسا) . مع ظهور الشعب الإغريقي على شواطئ كريت والذي تعلم الأبج دية ، حسب هِرُدُت من الفينيقيين سكان البحر (الخليج العربي) ، تّمت (أغرقة) الأساطير
عدد الصفحات ٢٨الكنعانية الأصل وجرى امتصاصها في نسيج ثقافي جديد، ومع فتوحات الإسكندر المقدوني المدوّية وصعود دور أثينا في العالم القديم وانتشار الثقافة الهلينية ، ثم نشوب الحروب اليونانية – الفارسية في القرن الثالث قبل الميلاد ، عادت هذه الأساطير لتُرو ى مرة أخرى ، وبلغةٍ أخرى ، في مواطنها التاريخية ، لكنها مع ذلك ، ظلت تحتفظ ، ويا للغرابة ، بالمواد والبنى الصوتية الأ ولى ، حيث قدموس هو (قدمة) وأورو با هي (عروبا ، عربة) . ومن الواضح في هذا الإطار أنّ العرب عادوا ، خلال تاريخهم الطويل ، مرارا وتكرارا ، إل ى رواية أساطير طروادة هذه ، وقاموا باستعارات واستردادات منظمة واعية ، وبدمج متتابع للصور التي ولّدتها هذه الحروب في الخيال البدويّ ، ولكن قد تمّ إدخالها في لبّ الأخبار التاريخية . . من ذلك ، مثلا ، أساطير (العقد المسموم) أو (الهدايا المسمومة) ، وهي أساطير كثيرة بعضها يتصل بأسطورة (قدموس) نفسه ، وبعضها الآ خر يتصل بـ(هرقل) . تقول هذه الأساطير : بعد أنْ أتمّ قدموس بناء طيبة تزوج من هارمونيا ، ابنة آريس ، غير أنّ الآلهة لم تكن راضية تماما عن هذا الزواج ولذا قامت بإهداء العروس عقدا مسحورا هدية لزفافها ، لكن العقد سرعان ما تحوّل إلى لعنة تجلب الكوارث على كل من يلبسه . هذه الهدية المسمومة تندرج في سياق سلسلة من الهدايا التي تحدثت عنها الأساطير اليونانية بوصفها هدايا مقدّمة من الآلهة إلى البشر ؛ من الملوك إلى الأبطال ، برأينا إن الأصل الثقافي البعيد لها يتصل بالهجرات الفينيقية الكبرى من الجزيرة العربية إلى كريت ، وهذا أمر ثابت تاريخيا عند العلماء ، وبذا فهي ذات جذور كنعانية (عربية بدئية قديمة) أكتسبت نهائيا صبغتها الهلّينية ونكهتها الإغريقية الخالصة ؛ ومع ذلك عادت تروى في طبعات شعبية بدوية في بلاد العرب ، إن المؤدى المباشر لفكرة وجود هدية مسمومة هو التأكيد أن التحالف بين
عدد الصفحات ٢٩الهة والبشر ملتبس ؛ مثيرُ ومسمو م ، وأنه قد ينطوي على مخاطر غير متوقعة ، (مثلا : إذا ما اتضح أن بعض تصرفات البشر تتضمن استخفافا بآراء الآلهة أو مشيئتها أو قوانينها) ، إضافة إلى هذا كله ، فهو تحالفٌ مصحوب دوما بهدايا مسمومة ، كما حدث مع هرقل ، البطل الطرواديُ العظيم ، الذي أهدته الآلهة ثيابا ، هي حلّة ذهبية ، هدية لانتصاره ، وإتماما لشرط قاسٍ من شروط زواجه من ابنة الملك ، لكن هرقل سرعان ما سقط ضحية الخدعة إذ كانت الثياب مسمومة حيث تمزّق جسده واهترأ . هذه الصورة الطروادية لموت هرقل ، البطل الأسطوري ، نقلها رواة أخبار الشاعر الجاهلي أ مرئ القيس حرفيا ، فجعلوه يذهب إلى بلاد الروم ويعشق ابنة الملك (القيصر) ليقوم هذا، وبعد افتضاح أمر الحب ، بإهدائه حلّة مسمومة ، ما إن ارتداها امرؤ القيس حتى اهترأ جسده من السمّ وتمزق . وقد بيَّنا في كتابنا الجديد (أختلاق امرئ القيس ، جّمعوا صورته و شعره من صور وأشعار شعراء وملوك آخرين ، وفي دراستنا شخصية الشاعر اليهودي ، السموأل ، إشارات في هذا الاتجاه لأن امرأ القيس لم يكن قط ، شخصية تاريخية وقد أعطى صاحب "المؤتلف والمختلف" أسماء نحو ستة عشر شاعرا عربيا جاهليا حملوا الاسم نفسه . إن أساطير امرئ القيس تكشف ، في بعض أوجهها ، عن تشبعٍ مثير بقصص وروايات وأساطير يونانية وفارسية كانت شائعة إبان ذلك العصر ، وتلفت انتباهنا في هذا الإطار مرويات الطبريّ ، المؤرخ الحصيف والدقيق ، والذي نجح بفضل ذكائه وثقافته في نقل وتدوين كلّ ما وقعت عليه يده ، آنئذ ، من اخبار مدوّنة أو مروية شفاها ، غير أنه ، ويا لحسرة ، أقتصر في كل هذا على موارد فارسيّة (كما أرتأى جواد علي ، نقلا عن تحليل لنُ لْدِكِة) ، أي إنّه لم يجرب إمكانية فحص رواياته عبر مصادر يونانية ، وهذا يعني أنّ بعض تصوراته للتاريخ العربي تستحق تأملا نقديا جديدا ، لا يكشف مصادر الدمج في الصور والرؤى والأخبار الصحيحة
عدد الصفحات ٣٠بالأساطير وحسب ، وإنما - وهذا هو الأهم - يكشف عن الطريقة التي تشكّلت فيها صور التاريخ العربي عند العرب ، طوال الع هود الساسانية القاسية والمدمرة ، وفي هذا النطاق يمكن لنا أنْ نرى في عمل الطبري الضخم "الملوك والرسل" أهمّ عمل وصلنا عن التاريخ العربي القديم ، ولكنه في الآن ذاته ، النموذج الممتاز عن الدمج المتتابع والمستمر للصور والرؤى والمختلقات بالأخبار الصحيحة ، أي كنموذج دراسي عن التشابك بين التاريخي والأسطوري . هناك ، فضلا على أسطورة (الشباب المسمومة) و(العقد المسموم) أساطير أخرى تتماثل فيها الفكرة المركزية مع فكرة أنفراط عقد التحالف بين الإلهيّ والبشريّ وانزلاقه إلى نهايات مأسوية ، غالبا ما يتمزّق فيها جسد الإنسان من أثر السمّ . . ويبدو أن ابن سلاّم ، صاحب كتاب "الطبقات" الذي نقل بعض هذه الأساطير ، وكذلك الأصفهاني "الأغاني" قاما، على غرار الطبري ، باستخدام موارد فارسية ثمَّ تطويعها لتتقبّل اندماجا متواترا لمرويات قبلية شائعة ، وبذلك يكون الطبري ، مثل إخباريين مسلمين آخرين ، قد استسلم لإغراء وجاذبية الجهاز السرديّ للأسطورة بأكثر مما فعل أمام التاريخ ؛ هذا يتّضح من نقله بعض أحداث التاريخ القديم وتقديمها كما لو كانت أخبارا تاريخية صحيحة . منذ الأعوام ( 250 – 300 هـ) انشغل جيل كامل من الإخباريين المسلمين والفقهاء وعلماء اللغة ومفسّري القرآن ، وعلى منوال سرديّات الطبري ، في تدوين التاريخ العربي القديم عبر دمج ما هو أسطوري بما هو تاريخي ، واليوم يتعيّن القيام بعمل محافظ حقيقي: أنْ نشطر هذا التاريخ المدوّن إلى شطرين ، ونعاود بجرأة ، ف حص ، ثم فصل ما هو أسطورة عما هو تاريخ . إن رواية الطبريّ لأخبار مملكة الحضر ، الدويلة العربية البدوية الصغيرة ، حوالي (320 كيلومتر) شمال بغداد ، التي أسستها قبائل (الأزد) من قضاعة اليمنية (القحطانية) ، في عصر التسلّط الفارسي على العراق نحو (140 – 226 م) وكان
عدد الصفحات ٣١أشهر ملوكها الملك (سنطرق) حيث قاومت بشجاعة الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية قبل أن يقضي عليها الساسانيون ويدمّروها ، يمكن أنْ تكون واحدا من أفضل النماذج عن هذا الدمج المتتابع للمواد والصور التاريخية والأسطورية ، لقد روى الطبريّ أسطورة زواج النضيرة بنت الضيزن (هو أحد ملوك الحضر الذين يرد ذكرهم كثيرا في الإخباريات والموارد العربية القديمة والإسلامية ، ولكن لا وجود له في لوائح ملوك الحضر التي يعرفها علماء الآثار) من الملك الفارسي شاهبور بن أردشير ، وهو زواج لا نعلم عنه أي شيء حقيقي ، ولم تأت على الإشارة إليه أي موارد عربية أو إسلامية تاريخية صحيحة ، كما لم يرد ذكره في اللُ قى والنقوش والكتابات التي عثر عليها المنقبون في أطلال الحضر ، والمثير في رواية الطبري عن هذا الزواج ، كما سنلاحظ ذلك عند تحليل الأسطورة ، أنّه حدث في سياق حربٍ دامية ، بطولية ، (تراجيدية) ، ضرب الحصار خلالها حول الدويلة على نحو قاسٍ ومدمر وعديم الرحمة ، كما تقول المروية الإخبارية كان الملك الفارسي شاهبور بن أردشير ، حسب مزاعم الطبري ، يضيق الخناق طوال أربع سنوات ، هي زمن الحصار ، على السكان المحاصرين داخل أسوار مملكتهم الصغيرة والصحراوية . تضيف رواية الطبري . إن شاهبور بن أردشير ، وبعد أربع سنوات من الحصار ، فوجئ ذات يوم بأبنة الملك العربي المحاصر وهي تطلّ من الأسوار تلقي نظرة على الجيش الفارسي وهنا حدث ما لم يكن في الحسبان ، لقد وقع الملك الفارسي الشاب والوسيم في غرام ابنة الملك العربي المحاصر ؛ وهذه ، بدورها ، وقعت في حب عدوّها وعدوّ والدها . ولذا قامت النضيرة بإعطاء الملك الفارسي أسرار الدويلة الحصينة والمحاصرة ، أي : الطريقة السحرية التي تمكّنه
عدد الصفحات ٣٢